هذا قدرنا.....
هذا قدر هذه الحياة.....أن يكون الماضي مستقبلاً.....ثم يغدو حاضراً .... ثم يغدو ماضياً .
و حاضرنا الذي نعيشه اليوم سيغدو يوماً ماضياً ... ونبقى نحن بين كل هذا ....نبقى نحن .
كما كان الماضي يوماً ركاماً من التعاسة ، و ضباباً من الأحزان و الأوهام ، بات الحاضر رحباًَ رحابة السعادة ، و مملوءاً بالشوق إلى الأيام القادمة ، الأيام التي خلقنا لنعيشها ، ونصنع فيها مستقبلنا .. وحياتنا ...و حياة من يأتون بعدنا .
وبإطلالة الغد تشرق الحياة ، تشرق بإشراق الجزء الإلهي المزروع في قلوبنا نحن البشر ، و تذكرنا أنه و إن مر علينا أيام ظننا فيها أن الحياة قد انتهت ، والعالم قد توقف عند لحظة فما يغادرها ، وأننا بتنا على حافة الموت فما يحجزنا عنه إلا بضع خطوات ، فإذا الموت الذي حسبناه قادماً إلينا يخب في مشيته هو الحياة مقبلةًَ كرخ عظيم من أسطورة جاهلية يسد الأفق بأكمله ، لا ليأسرنا أو يحجزنا ، بل ليحلق بنا في سماوات و آفاق لم نكن لنعرفها لولاه ، وليرفعنا من القعر الذي كنا به ضائعين دون أن نعلم أننا ضائعون ، إلى حيث بتنا نعرف الحق فلا نحيد عنه ، والصدق فلا نكذبه ، و الخير فلا نختار غيره .
و نحن البشر خلقنا إذ خلقنا من طينة هذه الأرض ، فنحن منها و إليها نعود ، و لعل تعلقنا بها من هذا ، فلنتعلم منها حين يأتي عليها الشتاء ، فتذبل أزهارها ، وتيبس أشجارها ،و تؤول مقفرة مجدبة ،كيف تقوم قومة واحدة ، و تنشد عالياً لحن الخلود ، لحن الحياة ، لحن الثبات والإصرار و عدم الانحناء ، فتعيد خضرتها ، و تلبس نفسها حلة الربيع ، و نسمع منها صدى جلجامش و أدونيس ، صدى التضحية و الفداء لتكمل الحياة و تستمر .
ليس لأحد أن يعيش حياته دون تضحية ، فالحياة تجبرنا في مواقف كثيرة ، أو في موقف واحد يعدل مواقف كثيرة ، على أن نضحي بشيء غال لدينا ، لكننا بعد أن نضحي به ، نرى مقدار ما نحس من حقيقة الحياة و عظمتها التي لا تدرك إلا بالتجرد عن شيء من تراب أرضيتها لنلمح شيئاً من علاء سماويتها .
و كأن أكثر السعادة أو الانشراح الروحي لا يتأتى إلا عبر هذا الطريق ، الذي يكون ككل طريق موصل إلى ما هو عظيم ، صعباً و عسراً في أوله ، و ما إن يصل المرء إلى نهايته حتى ينسى أو يكاد ينسى كل ما لقيه فيه حين يلمس ما لم يكن ليلمسه لولم يسر فيه .
تعال أيها الغد المشرق ، حاملاً كل خير ، و كل سعادة ، و كل إيمان ، و لا أعاد الله علينا ما أصابنا يوماً ، و لا من أصابونا بهم يومها
تعليق