باب الحديقة الخلفيّ / إيمان الدّرع

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • إيمان الدرع
    نائب ملتقى القصة
    • 09-02-2010
    • 3576

    #16
    المشاركة الأصلية بواسطة عبدالمنعم حسن محمود مشاهدة المشاركة
    الأستاذة الفاضلة / إيمان الدرع
    سلام من القلب..وتحية طيبة..وترحيب أطيب
    وأنتِ تدخلين علينا عبر أبواب الضوء التي تقودنا إلى حدائق الإبداع.
    أستأذن حضرتك في دخول هذه المساحة الخضراء عبر مداخل..السهرة/ المناجاة/ والحديقة.
    ..........
    توصيف السهرة الخمسينية من (ضحكت فجأة) إلى بداية الشروع في المناجاة (ناجته)، كان أنيقا ومتماسكا بلغة خشنة جاذبة كما يذهب رواد ومحبي اللغة الخشنة في القص. ولهذا النهج أيضا لمعانه، كهذا العمق المصقول:
    مبخرة للعمر/ شعر مشوش/ دوزنت خصرها/ الطحالب العالقة في الخلايا..الخ
    ما أرهق انسياب التداعي في صالة الحضور، هو عدم التحايل على نون النسوة والتخفيف من حدتها ومن كثافتها ولو قليلا (وجوهن، ذهولن، نثرن، فيهن، منهن، قلوبهن، سجائرهن، إحداهن، شكواهن، أصابهن، نسين، صفقن، رقصن، إليهن، لهاثهن، سعالهن، عنهن، يرددن).
    ليتها (هذه النون الجميلة) كانت مبعثرة في سطح النص كله، وما كان لها أن ترضى بالعشرين سطرا كمساحة لها. حتما سيحدث ذلك لو أرادت سيدة اللغة نهج التحايل الذي تجيده.
    ..........
    المناجاة من (ناجته: ويلي منك يا شادي، كيف فعلتها وغزوتَ قلبي العنيد؟) إلى (وهاهي الآن على بوابة الحديقة) كانت بطلتنا فيها وكأنها تريد أن تقول كل الأشياء دفعة واحدة. مما خلق تدافعا شديد الزحام، فالكلمة وهي تسلم ذيلها للكلمة التالية تنوء بما هو فوق طاقتها ولا تفجرها (الزوج، سفر العمر، الابن الوحيد، اللاوعي، الشهادات العليا..). الكل يريد متسعا آخر أكبر مما أتيح له من متسع.
    الحوار الثنائي بينهما كان زاهيا ولكن سرعان ما قاد إلى حوار جواني. والجواني تناجي فيه صاحبة النون نفسها أكثر مما تناجيه !، تتذكر تفاصيلها في حضوره أكثر من تفاصيله في حضورها.
    .........

    باب الخروج من السهرة والمناجاة كان مدخلا لحدائق التماسك والبهاء والادهاش. ولمّ لا؟، فهي ذات المخيلة التي عهدناها في القاص والتي لا يحدها سقف. التعلق كاد أن يصل إلى قمته، والباب الأمامي كان قاب قوسين أو أدنى منها (كادتْ تهوي مرّتين، جذبها أربعاً، وتعلّقتْ به ألفاً)، لولا تلك المتسولة قبيحة الملامح التي أحالت النسيج كله إلى:
    - امضِ شادي ..ليس من حقّي ...امضِ ..
    كدت أستاذتي أن أمسك الخيط الواصل بين ظهور المتسولة وإعلان حنان الرفض لمرافقة بمن كانت متعلقة به قبل قليل، حتى وصلت لقناعة بثتها في وجهه دون أن تستخدم أدواتا للتجميل:
    - شادي ...كان عندي ابنٌ واحدٌ ، صرتُ أمّاً لاثنين ...تذكّرني يوم فرحك..
    مما يعني لابد لي من قراءة أخرى.

    تقبلي أيتها المبدعة الفاضلة
    إحترامي/ إعجابي/ و ودي.
    الأستاذ الرّاقي ...بقلمه ، بتعامله ، بتواصله :عبد المنعم ...
    كنت في منتهى السّعادة ..مع كلماتك ..، ملاحظاتك ..، وانطباعاتك عن النصّ ..
    كعادتي لمّا أقرأ أيّ تعقيبٍ مثمرٍ لك ..
    سوف أنثر نون النسوة برفقٍ بين السّطور ..وألملم أضواء قراءتك العميقة ،التي زرعتها بين الكلمات..
    لألتقط ما يعود بغلالٍ أوفر حصاداً ..
    كلّ حرفٍ منك هو موضع تقديرٍ ، واهتمام....
    شكراً على رأيك المحفزّ ..لاحُرمتك ...
    أهلاً بمرورك الكريم العابق بالطّيبة ، والوفاء ..أيها المبدع الكبير...
    ومع أطيب أمنياتي ...تحيّاتي ...

    تعيش وتسلم يا ااااااوطني ...يا حبّ فاق كلّ الحدود

    تعليق

    • إيمان الدرع
      نائب ملتقى القصة
      • 09-02-2010
      • 3576

      #17
      المشاركة الأصلية بواسطة محمد ابراهيم سلطان مشاهدة المشاركة
      أحببت أن أرمي التحية والسؤال عن أهلنا في سوريا الثائرة .. ولي عودة بمشيئة الله ..
      الأستاذة الغالية إيمان الدرع .. صباحك جميل مثل سوريا الفتية ..

      خالص تحياتي وتقديري

      محمد سلطان ؛؛
      أهلاً بالأستاذ الغالي محمد ابراهيم سلطان ...
      أسعد الله صباحك وأوقاتك كلّها ..
      وصلت تحيّتك الرّاقية التي تدلّ على قلبك الكبير ..
      وأطمئنك أن الأمور في سورية بخيرٍ ...وتتجّه نحو الأفضل بحمد الله ..
      ما يهمنا الآن قيادة وشعباً ...تعزيز اللُّحمة الوطنيّة ...وتقويتها ..وعدم انفراط عقدها ...
      وتحقيق الإصلاحات ، وكلّ المطالب ، دون أن تراق أية قطرة دماء سوريّة...فكلّ أبناء الوطن هم أكبادنا ..
      ولقد لامسنا صدق نوايا السيّد الرّئيس في المعالجة الحكيمة لكلّ المطالب الملحّة التي نادى بها السّوريّون ، والمبادرة لتصحيح الأخطاء
      بقلب منفتحٍ متفهّمٍ احتضن كلّ الأصوات ...حتى الأشدّ غضباً وتذمّراً ..
      نسأل الله العون ..وتحقيق المطالب الملحّة التي لم تعد أمنيات بأيّ حالٍ لضروريّتها وأهمّيتها ، لتناسب رداء التحديث والتطوير ، ومحاربة الفساد ،ومنح الحريّة التّامة للمواطن في التّعبير عن رأيه ، وتطلّعاته، وتحسين ظروف معيشته ..
      أشكرك محمد ..على سؤالك ...وأنتظر مرورك الصّادق ...وأثمّن لهفتك التي تنصبّ على النهوض بقسم القصّة ، وتعزيزه ، وتفعيله
      لك أحلى أمنياتي ...وتحيّاتي ...

      تعيش وتسلم يا ااااااوطني ...يا حبّ فاق كلّ الحدود

      تعليق

      • الحسن فهري
        متعلم.. عاشق للكلمة.
        • 27-10-2008
        • 1794

        #18
        المشاركة الأصلية بواسطة إيمان الدرع مشاهدة المشاركة
        باب الحديقة الخلفيّ .....

        ضحكتْ فجأةً ، كمجنونةٍ بين نزلاء مشفى تخصّصي ، تراءتْ لها وجوههنّ شخوصاً شاحبةً على المسرح ، في مشهدٍ دراميّ .
        ضوء الصّالة يعكس ذهولهنّ ، بعد أن نثرن شكوى الزّمن ،مع طعم حبّات الهيل الممتزجة في القهوة الخالية من السّكر .
        ما عادتْ تدري ..!!! أهذا اللّقاء الذي يجمعها فيهن بين فترةٍ وأخرى ، قد تحوّل إلى عيادةٍ تخصّصيةٍ شاملةٍ لكلّ الأوجاع الجسميّة ، النّفسيّة ، الاجتماعيّة ، الإنسانيّة ...؟؟؟!!!
        أم تحوّل إلى مبخرةٍ للعمر ، تنفث فيه كلّ واحدة منهنّ حزنها ، فتتطاير أدخنة قلوبهنّ مع سحب سجائرهنّ ، لتعلق كطلاءٍ رماديّ سميكٍ على جدران صالتها الأنيقة ، التي تفنّنتْ في نثر لوحاتها على كلّ مساحاتها، فما أفلحتْ في تبديد غربتها ، ولا بطرد سموم شكواهنّ بعيداً عنها .
        لا تدري لماذا أطلقتْ ضحكتها من جديدٍ ..؟؟!!! وكيف تحوّل المشهد إلى كوميديا دغدغتها من خاصرتها حتى الهلاك .؟؟؟
        وكيف حزمتْ وسطها بغطاء رأس إحداهنّ ‘ بعد أن انتزعته مقهقهة وقد جذبته بصعوبةٍ من بين أصابعها ، عن شعرٍ مشوّشٍ ، باهت الخصلات .
        أعلتْ صوت المسجّل على هدير رقصةٍ شرقيّةٍ ، دوزنت خصرها مع تقسيماتها ، تمايلتْ ، ضحكتْ خدودها ، صارتْ ورديّة ، أسبلتْ جفنيها ، ثمّ رفعتهما بدلالٍ سحر الأخريات ، وأصابهنّ فجأة بعدوى السّعادة .
        نسين أوجاع الضّغط ، والرّوماتيزم ، والسّكريّ ، وشرايين القلب ، صفّقن لها بحماسٍ ، رقصن معها ، لم تلتفتْ إليهنّ ، كانتْ تعوم ...وتعوم ....، لتبحر هناك ، حيث غيومٍ حمرٍ تذوب عشقاً في البحر ..
        تذكّرتْ يديه العاشقتين ، تحيطانها بشغفٍ على مركبٍ أوصلها إلى الجزيرة .
        يا (لَأرواد) التي شهدتْ تغيير مسار الشّمس من منتصف النهار الآيل للغروب ، إلى أوّل الفجر وشروقه.
        فجّر شبابه معجزةً ، مذهلةً ، خلطتْ كلّ الموازين والقوى في حياتها ، فأطاحتْ بالمتاريس التي صفّدتها على تخوم عمرها بتحفّظٍ شديدٍ ، ووقارٍ مزروعٍ في مشيتها ، وطريقة تصفيف شعرها ،ولباسها القاتم ، كحاجبين مقطّبين .
        أفاقتْ من شرودها على لهاثهنّ المتقطّع ، وسعالهنّ ، وقلبهنّ المضطرب على وقع نبضٍ شريانيّ عالٍ،طفر فجأة فما استحملنه .
        ألقتْ بجسدها تسابقها ظلال عشقٍ ، فاضحٍ ، ومكتومٍ في آن .
        ودّعنها بعيونٍ تعلوها الدّهشة، والاستغراب ، لا بل الحسد الممتزج بالغبطة ، وهنّ يردّدن : ما شاء الله كم أنت جميلة؟
        رجعتِ للوراء بعقودٍ ، أخفتْ وجهها عنهنّ حتى آخر مصافحة .
        وشوشتها جارتها الثّرثارة الفضوليّة قبل أن تغادر: حنان ..لديك سرّ ، لابدّ أن أعرفه ، سأعرفه ، تذكّري هذا ...
        دفعتها أمامها بمزاحٍ ، حتى صارتْ محشورةً عند الباب ، وهي مازالتْ تؤكّد ...سأعرفه ...!!
        فأكملتْ دفعها حتى الدّرجات الأولى من سلّم البناء مردّدةً : اخرجي هيّا ...آاااه منك .
        لم تلقِ بالاً لآثار السهرة التي شهدتْ تمازج الفصول الأربعة ، وتناقضاتها ، واهتزازاتها في الرّوح ، والجّسد ..
        فأبقتْ الأكواب ،والفناجين ، وبقايا قطع الكيك ، وقشور الموز ، والتّفاح على حالها ..في الصّحون المتناثرة بفوضى
        تحسّستْ جسدها ، مرّرتْ أصابعها فوقه ، مازال ممشوقاً ، مكتنزاً عند الصّدر ، له تضاريس ، وانحناءات ،تهصر الأقحوان لبياضه ، ونعومته ..وشفتاها غضّتان ،ممتلئتان ، تحتفظان بطعم شهدٍ في خوابٍ سريّة ..
        فللمحطّة الخامسة من العمر ، وما بعدها ،جماليّة خاصّة ، تفوق برأيها، وكما قرأت ذات مرّة ، كلّ المراحل والاعتبارات ،لاكتمال هالة الرّوح والمادّة ، وانسجامها ، ونضجها .وتخلّصها من الطّحالب المؤذية ، العالقة في الخلايا.
        تمدّدتْ بكسلٍ لذيذٍ على الأريكة ، زارها طيفه الرّجولي ، حين انحشر بلطفٍ قربها في الحافلة التي توجّهتْ بهما إلى السّاحل السّوريّ في رحلةٍ مشتركةٍ ، جمعتهما معاً ، في لحظةٍ قدريّةٍ ، خارج الزّمان ، والمكان ، فمزجتهما حدّ الانصهار.
        ودّت لو تقبّل ذراعها الأيسر الذي لامس ذراعه طيلة الرّحلة ، ناقلاً إليها شحنات عنيفة ، تجاهلتها أوّل الأمر ، دافنة وجهها عبر النّافذة ، ثمّ تهالكتْ مكابرتها رويداً ...رويداً ..لتنصت إلى نداءٍ خفيّ استفاق في أعشابها الصّفراء التي تناومتْ حتى اليباس ..
        سحبتْ أطرافها من هذا الخدر اللّذيذ الذي أطاح بها في مطبّ الذّكريات، وهبّتْ واقفةً ، بعد أن دبّ نشاط مفاجئ بأوردتها ،فطفقتْ تعيد ترتيب منمنمات المكان ..برشاقةٍ ،وكأنه يراها ..يرافقها ، يشاغبها ، يضاحكها ، يحتضنها قرب الأبواب ..يختلس بعض القبلات بعد أن يعصب عينيها بيديه ..
        التقطتْ شيئاً من أنفاسها الثّملى ، مسندةً رأسها إلى جدار النّافذة ، تبسّمتْ حين تذكّرتْ دعاباته ، التي اختصرتْ الطريق ، وهما يطويانه دون ضجرٍ ، عندما كانتْ الحافلة في طريقها إلى (البحيرات السّبع )...
        ومرّتْ على خاطرها ،تلميحاته الذّكيّة ،التي أصابتْ قلبها فجأة بطفرةٍ طفوليّةٍ ، قفزتْ إليها بلا أصباغٍ ، أو تمهيدٍ .
        ناجته : ويلي منك يا شادي !!!! كيف فعلتها وغزوتَ قلبي العنيد ؟؟؟!!! المنسيّ كقمرٍ شتائيّ ..؟؟!! أتذكر عندما قلت لك:
        _ لا أريد أن أصيبك بعدوى حزن قلبي ..
        _أجبتني : سألوّن حياتك بكلّ أطياف الفرح ..
        _ولكني لا أجيد الطّيران أبعد من حدود قفصي
        _عليك أن تحلّقي إلى الوادي الآخر ، لتري أزهاره ، وأشجاره ..وينابيعه ،خوضي سواقيه ، واستكشفي المخبوء في حصاها ..
        لستُ أدري كيف غفا رأسي على كتفك ، ونحن نتوجّه مع المجموعة المشاركة بالرحلة إلى (عين مريزة )..
        لم أكن أتقصّد...بل كلّ شيء في اللاّوعي كان يتقصّد ، أردتُ أن أرتاح من عناء سفر العمر ، على كتفٍ قويّ ، ينتزع وحدتي ، بعد أن فقدت رَجُلَي حياتي : زوجي ، وابني الوحيد .
        الأوّل : إلى نقطةٍ فاصلةٍ بين الأرض ، والسّماء ، والآخر إلى كندا، بلد أحلامه، وحضنها الذي كان أقوى ، فسرقه مني، وترك حضني شاغراً ، بارداً بفعل الزّمن .
        آااه من يدي ، تلك التي أحرقتها بأصابعك ، ونحن نفترش العشب الأخضر ، نأكل لقيماتنا على عجلٍ قرب ( سدّ بللوران )
        حين قلتَ لي :لا أحبّ إتيكيت الطّعام في المطاعم الكبرى عند الرّحلات ، يكفينا قيود المنازل ، وعشاءات العمل ، و مجاملاتها الفجّة.
        وكيف عبثتَ بأزرار جوّالك، لترسل بنغمةٍ ذكّرتني بزوربا ، فتقمّصته ، وأنا أغمض العينين ، أطير ...أطير ...وأكبر على الجّرح..أبتعد عن العمر ، عن الأسلاك الشّائكة ، عن البيت ، عن حضني البارد .....وهكذا ..حتى وصلتُ إليك ..
        ارتجفْتُ بين أحضانك ، اكتشفتُ حينها أني أكبر مزوّرةٍ للشهادة العليا التي أحملها ...وأنّ امتحاناً تلقائيّاً كهذا ، جعلني أتهالك ، عند أول سطرٍ في سؤالٍ ، طُرح على غير استعداد .
        تفلّتُ منك بمكابرةٍ ، أحاول تسوية شعري المتناثر ، بعد أن تنفّس لفحةً هوائيّة فجائيّةً ،أطاحتْ بجدوله المتلولب على بعضه ، كي ينام بصمتٍ فلا يقلق راحتي.
        تشاغلتُ عنك عنوةً ، وأنا أتجوّل بين سطور الزّمن المكتوبة على أحجار ( قلعة الحصن ) ، استعرتُ منها بعض التّماسك الذي يصدّ غزو رائحةٍ شهيّة تعبق من أنفاسٍ ، تجتاز منتصف الثلاثينات بخطوٍ كالصّهيل المعربد رجولةً ..
        توقّفتُ من وراء أحد الثّغور ، رأيت اللّوحات الكونيّة كلّها ، تنحشر في كفّ ربّانيّ واحدٍ ، يختزل جمال العالم .
        تذكّرتُ أشجار الوادي المثمرة ، التي لم أقطف منها يوماً ..ولم أعرف ألوانها ، وصليل حصى سواقيها .
        قرأتني عيناك بنارٍ ، لم أعدْ قادرةً على مقاومتها..
        مازالتْ الأغنيات التي انبعثتْ من مسجّل الحافلة أثناء العودة تهيج في صدري ، ذاك الحنين ، والامتزاج ، والتوحّد ، والانصهار ، ويدٍ أسلمتها لك خلسةً ، تعتصرها ، تبثّ فيها روح الحياة..
        دقات السّاعة الحائطيّة، توقظها من تواثب ذكرياتٍ، تغلّفها بسيلوفانٍ ملوّن الأشرطة ،عند كلّ ليلةٍ، قبل أن تؤوب إلى النوم لابدّ لها أن تصحو باكراً .. لتشاركه رياضة المشي في الحديقة ، كما كلّ صباحٍ ..
        وهاهي الآن على بوابّة الحديقة ، ترتدي ملابسها الرياضيّة ،التي تلفّها بأنوثةٍ استفاقتْ من كبوتها ،وتنتعل خفّها الأنيق ، الشّبابيّ ، الذي يزيد رشاقتها في المشي..
        لقد قالتْ لها مرآتها التي صارتْ تحبّها : كلّ شيء فيك حلو ، مثير ..فامضِ بثقةٍ ، وأمانٍ ....
        التقتْه على ذات المقعد الخشبيّ ، قرب نوافير الماء التي تدور في مكانها ، تسقي الحشائش الزّمرّديّة ، وأحواض الورود ، كانتْ رائحة الأرض المبتلّة ، تمتزج بعطره الأخّاذ ، فيشحنها بطاقةٍ إعصاريّةٍ عجيبةٍ ..
        تراكضا،تسابقا ، تضاحكا حتى الإنهاك ، أكلا رقائق البطاطا ، التي تضعها الأمهات ،زوّادة لأطفالهنّ في رياضهم ..ضمن الحقائب..وشربا معاً من عبوة ماء معدنيّ باردٍ أطفأ عطشهما ....
        وعندما أزمعتْ العودة ، قال لها : حنان :لماذا تصرّين على الخروج من الباب الخلفيّ للحديقة ..؟؟!!!
        أجابتْ ساهمةً وهي تمسح بمنديلها جبينها المتعرّق ...وترفع شعرها عن وجهها بأطراف أصابعها :
        _لأني أعرف الطّريق المتفرّع عنه إلى بيتي جيّداً ، فهو قريبٌ منه ، مختصرٌ ، أشجاره عاليةٌ ، وجميلةٌ ، وهادئ مثلي تماماً ..وأتسلّى بمشاهدة شرفاته ، ونوافذه ، المطلّة كوجوهٍ أليفةٍ ، من أبنيته الحجريّة العتيقة ، أحسّها تحادثني وكأنها تعرفني ..هناك ألفة كميثاقٍ بيننا ..
        أجابها: لا ..لنحاول أن نخرج من هنا ، مشيراً بأصبعه إلى الباب الأمامي ..
        أومأتْ بالقبول ، لا خيار لها في ذلك ، فالشّمس عند الفجر ، تحدّد مسار النهار ، وتوقيته ، وحرارته .
        خالته أمامها مهراً ، نسيتْ من حولها ، تبعتْ صهيله ، الناس تحيط بهما ، ولكنهما لم يريا أحداً ..
        كانتْ السّاحات تتواصل ، تتفرّع ، تعجّ بالبشر ، بالزّرع ، بنداء الباعة ، بلوحات رسّامين طارت بهم ريشاتهم ،إلى مكانٍ ليس لهم ، بواجهات المحال التي تتثاءب عند الصّباح ، في فتح واجهاتها تباعاً، بعمّال النظافة ،وهم يكنسون الأرصفة.
        ضحكاتهما تتعالى لمّا رشقها ببعض ذرّات الماء من بين أصابعه ، وهو يشدّها مقهقهاً برنّةٍ تسحرها ..فتسكرها ..قائلاً:
        _ تعالي يا جبانة ..
        وجعلها تسير معه كطفلةٍ على الرّكن الرّخاميّ الدّائريّ ، الضيّق ، المقابل لبحرةٍ ، تتوسّط السّاحة ،مزدانة الأطراف بالأزهار ..وبالأضواء الملوّنة التي تنام عند الصباح ، بعد سهرٍ متعب طيلة اللّيل ..
        كادتْ تهوي مرّتين ، جذبها أربعاً ، وتعلّقتْ به ألفاً ..
        تقدّمتْ منها متسوّلةٌ بشعة الملامح ، نقرتْ على كتفها ، أدمتْه ، طعنته بأظافرها الخشنة ، مزّقته ، شلّته ، قالتْ لها:
        _حسنة لله يا ستّ ..ربّنا يفرحك به ‘ حسنة لله يا ست ...
        نهرتْها بعنفٍ ، دفعتْها عنها بغلظةٍ ، أرادتْ أن تخنق حنجرتها ، لو تردّ لحلقها ، حروفها التي أشعلتْ في قلبها رماداً خامداً ومضتْ ..
        بحلقتْ المسكينة فيها مذعورةً ..تدعو على كلّ متجبّرٍ ، ظالمٍ وهي تبتعد عنها ..
        سارع ليحيطها بذراعيه القويّتين ، يلمّ تمزّقها ، ويمسح عنها بقميصه الأبيض دم قهرها المتناثر ، احتواها بصدقٍ ، تحوّل بحبّه، وحنانه إلى قبيلةٍ من الرّجال ..
        وانهارتْ على ركن البحرة ، كتمتْ تصدّع عصب عينها ، ساءلتْ نفسها .؟؟!! لمَ نهرتها ؟؟ ما قالتْ إلاّ الحقيقة ..
        نطقتْ بحروف قطّعها طعم الملح المنساب كالصّخر في حلقها ،:
        امضِ شادي ..ليس من حقّي ...امضِ ..
        تشبّث بها ، بكلّ فنون العشق المعربد في حناياه ، بعينين تزاحمت فيهما غيوم حبلى بمطرٍ سخيٍّ
        امضِ شادي ...اتركني وحدي أرجوك ..
        وتركته خلفها بين الزّحام ،تشقّ دربها بين المارّة بصعوبةٍ ..لم تأبه للون دموعها هل كانتْ مرئيّة ، أم استطاعتْ مراوغتها بين فينةٍ وأخرى..
        تعمّدتْ المسير على أرضٍ جرداء ، تيبّس العشب فيها ، قرب جدران بيوتٍ عتيقةٍ ، صدئتْ حجارة واجهاتها ، غباراً ، وتآكلاً ، وتفحّماً ..تحاشتْ المرور بمحاذاة السّواقي ..التي خطّها في دربها ..
        أرسلتْ له على جوّاله بضع كلماتٍ بأصابعَ تختنق نحيباً :
        _شادي ...كان عندي ابنٌ واحدٌ ، صرتُ أمّاً لاثنين ...تذكّرني يوم فرحك ..
        ثمّ أوصدتْ الباب خلفها ..بعد أن وصلت إلى منزلها، وسط ذهول جارتها الحشريّة،التي ازدادت حيرتها لمعرفة السرّ.
        وذات صباحٍ لمحته على نفس المقعد الخشبيّ ...ينتظرها ...يتلهّف لرؤيتها ..ولكنها خاتلته ، دون أن يشعر بها ، هاربةً من الباب الخلفيّ للحديقة ، تلبس ذات الثّياب الرّماديّة ، تضع نظّارةً سوداء كبيرة تأكل نصف قسمات وجهها ، تلمّ شعرها خلف رأسها بشكلٍ لولبيّ ,, في هيئتها الأكاديميّة المعتادة ذاتها ، تهزأ في سرّها بسخريةٍ ، كلّما صادفتها عبارة : أهلاً دكتورة حنان ...صباح الخير
        تخبّئ في صدرها أشجار وادٍ شهيّة الثّمار ، لم يكن يحقّ لها الاقتراب منها ..لأنه قد فات الأوان ..
        والطّير المقصوص جنحه ،لا يعرف التّحليق أبعد من حدود قفصه ..
        بسم الله.
        سلاما،

        عبرتها بكل اهتمام.. وشراهة،
        مأخوذا بتفاصيلها المشوقة المتلاحقة،
        وبسردها المكثف الآسر..

        ..................................
        * تركت بعض البصمات أرجو أن تُراجع.

        تحيات وردية من أخيكم.

        التعديل الأخير تم بواسطة الحسن فهري; الساعة 08-04-2011, 11:15.
        ولا أقـولُ لقِـدْر القـوم: قدْ غلِيَـتْ
        ولا أقـول لـباب الـدار: مَغـلـوقُ !
        ( أبو الأسْـود الدّؤليّ )
        *===*===*===*===*
        أنا الذي أمرَ الوالي بقطع يدي
        لمّا تبيّـنَ أنّي في يـدي قـلــمُ
        !
        ( ح. فهـري )

        تعليق

        • وسام دبليز
          همس الياسمين
          • 03-07-2010
          • 687

          #19
          المشاركة الأصلية بواسطة إيمان الدرع مشاهدة المشاركة
          باب الحديقة الخلفيّ .....

          ضحكتْ فجأةً ، كمجنونةٍ بين نزلاء مشفى تخصّصي ، تراءتْ لها وجوههنّ شخوصاً شاحبةً على المسرح ، في مشهدٍ دراميّ .
          ضوء الصّالة يعكس ذهولهنّ ، بعد أن نثرن شكوى الزّمن ،مع طعم حبّات الهيل الممتزجة في القهوة الخالية من السّكر .
          ما عادتْ تدري ..!!! أهذا اللّقاء الذي يجمعها فيهن بين فترةٍ وأخرى ، قد تحوّل إلى عيادةٍ تخصّصيةٍ شاملةٍ لكلّ الأوجاع
          الجسميّة ، النّفسيّة ، الاجتماعيّة ، الإنسانيّة ...؟؟؟!!!
          أم تحوّل إلى مبخرةٍ للعمر ، تنفث فيه كلّ واحدة منهنّ حزنها ، فتتطاير أدخنة قلوبهنّ مع سحب سجائرهنّ ، لتعلق كطلاءٍ رماديّ سميكٍ على جدران صالتها الأنيقة ، التي تفنّنتْ في نثر لوحاتها على كلّ مساحاتها، فما أفلحتْ في تبديد غربتها ، ولا بطرد سموم شكواهنّ بعيداً عنها .
          لا تدري لماذا أطلقتْ ضحكتها من جديدٍ ..؟؟!!!وكيف تحوّل المشهد إلى كوميديا دغدغتها من خاصرتها حتى الهلاك .؟؟؟
          وكيف حزمتْ وسطها بغطاء رأس إحداهنّ ‘ بعد أن انتزعته مقهقهة وقد جذبته بصعوبةٍ من بين أصابعها ، عن شعرٍ مشوّشٍ ، باهت الخصلات .
          أعلتْ صوت المسجّل على هدير رقصةٍ شرقيّةٍ ، دوزنت خصرها مع تقسيماتها ، تمايلتْ ، ضحكتْ خدودها ، صارتْ ورديّة ، أسبلتْ جفنيها ، ثمّ رفعتهما بدلالٍ سحر الأخريات ، وأصابهنّ فجأة بعدوى السّعادة .
          نسين أوجاع الضّغط ، والرّوماتيزم ، والسّكريّ ، وشرايين القلب ، صفّقن لها بحماسٍ ، رقصن معها ، لم تلتفتْ إليهنّ ،
          كانتْ تعوم ...وتعوم ....، لتبحر هناك ، حيث غيومٍ حمرٍ تذوب عشقاً في البحر ..
          تذكّرتْ يديه العاشقتين ، تحيطانها بشغفٍ على مركبٍ أوصلها إلى الجزيرة .
          يا (لَأرواد) التي شهدتْ تغيير مسار الشّمس من منتصف النهار الآيل للغروب ، إلى أوّل الفجر وشروقه.
          فجّر شبابه معجزةً ، مذهلةً ، خلطتْ كلّ الموازين والقوى في حياتها ، فأطاحتْ بالمتاريس التي صفّدتها على تخوم عمرها بتحفّظٍ شديدٍ ، ووقارٍ مزروعٍ في مشيتها ، وطريقة تصفيف شعرها ،ولباسها القاتم ، كحاجبين مقطّبين .
          أفاقتْ من شرودها على لهاثهنّ المتقطّع ، وسعالهنّ ، وقلبهنّ المضطرب على وقع نبضٍ شريانيّ عالٍ،طفر فجأة فما استحملنه .
          ألقتْ بجسدها تسابقها ظلال عشقٍ ، فاضحٍ ، ومكتومٍ في آن .
          ودّعنها بعيونٍ تعلوها الدّهشة، والاستغراب ، لا بل الحسد الممتزج بالغبطة ، وهنّ يردّدن : ما شاء الله كم أنت جميلة؟
          رجعتِ للوراء بعقودٍ ، أخفتْ وجهها عنهنّ حتى آخر مصافحة .
          وشوشتها جارتها الثّرثارة الفضوليّة قبل أن تغادر: حنان ..لديك سرّ ، لابدّ أن أعرفه ، سأعرفه ، تذكّري هذا ...
          دفعتها أمامها بمزاحٍ ، حتى صارتْ محشورةً عند الباب ، وهي مازالتْ تؤكّد ...سأعرفه ...!!
          فأكملتْ دفعها حتى الدّرجات الأولى من سلّم البناء مردّدةً : اخرجي هيّا ...آاااه منك .
          لم تلقِ بالاً لآثار السهرة التي شهدتْ تمازج الفصول الأربعة ، وتناقضاتها ، واهتزازاتها في الرّوح ، والجّسد ..
          فأبقتْ الأكواب ،والفناجين ، وبقايا قطع الكيك ، وقشور الموز ، والتّفاح على حالها ..في الصّحون المتناثرة بفوضى
          تحسّستْ جسدها ، مرّرتْ أصابعها فوقه ، مازال ممشوقاً ، مكتنزاً عند الصّدر ، له تضاريس ، وانحناءات ،تهصر الأقحوان لبياضه ، ونعومته ..وشفتاها غضّتان ،ممتلئتان ، تحتفظان بطعم شهدٍ في خوابٍ سريّة ..
          فللمحطّة الخامسة من العمر ، وما بعدها ،جماليّة خاصّة ، تفوق برأيها، وكما قرأت ذات مرّة ، كلّ المراحل والاعتبارات ،لاكتمال هالة الرّوح والمادّة ، وانسجامها ، ونضجها .وتخلّصها من الطّحالب المؤذية ، العالقة في الخلايا.
          تمدّدتْ بكسلٍ لذيذٍ على الأريكة ، زارها طيفه الرّجولي ، حين انحشر بلطفٍ قربها في الحافلة التي توجّهتْ بهما إلى السّاحل السّوريّ في رحلةٍ مشتركةٍ ، جمعتهما معاً ، في لحظةٍ قدريّةٍ ، خارج الزّمان ، والمكان ، فمزجتهما حدّ الانصهار.
          ودّت لو تقبّل ذراعها الأيسر الذي لامس ذراعه طيلة الرّحلة ، ناقلاً إليها شحنات عنيفة ، تجاهلتها أوّل الأمر ، دافنة وجهها عبر النّافذة ، ثمّ تهالكتْ مكابرتها رويداً ...رويداً ..لتنصت إلى نداءٍ خفيّ استفاق في أعشابها الصّفراء التي تناومتْ حتى اليباس ..
          سحبتْ أطرافها من هذا الخدر اللّذيذ الذي أطاح بها في مطبّ الذّكريات، وهبّتْ واقفةً ، بعد أن دبّ نشاط مفاجئ بأوردتها ،فطفقتْ تعيد ترتيب منمنمات المكان ..برشاقةٍ ،وكأنه يراها ..يرافقها ، يشاغبها ، يضاحكها ، يحتضنها قرب الأبواب ..يختلس بعض القبلات بعد أن يعصب عينيها بيديه ..
          التقطتْ شيئاً من أنفاسها الثّملى ، مسندةً رأسها إلى جدار النّافذة ، تبسّمتْ حين تذكّرتْ دعاباته ، التي اختصرتْ الطريق ، وهما يطويانه دون ضجرٍ ، عندما كانتْ الحافلة في طريقها إلى (البحيرات السّبع )...
          ومرّتْ على خاطرها ،تلميحاته الذّكيّة ،التي أصابتْ قلبها فجأة بطفرةٍ طفوليّةٍ ، قفزتْ إليها بلا أصباغٍ ، أو تمهيدٍ .
          ناجته : ويلي منك يا شادي !!!! كيف فعلتها وغزوتَ قلبي العنيد ؟؟؟!!! المنسيّ كقمرٍ شتائيّ ..؟؟!! أتذكر عندما قلت لك:
          _ لا أريد أن أصيبك بعدوى حزن قلبي ..
          _أجبتني : سألوّن حياتك بكلّ أطياف الفرح ..
          _ولكني لا أجيد الطّيران أبعد من حدود قفصي
          _عليك أن تحلّقي إلى الوادي الآخر ، لتري أزهاره ، وأشجاره ..وينابيعه ،خوضي سواقيه ، واستكشفي المخبوء في حصاها ..
          لستُ أدري كيف غفا رأسي على كتفك ، ونحن نتوجّه مع المجموعة المشاركة بالرحلة إلى (عين مريزة )..
          لم أكن أتقصّد...بل كلّ شيء في اللاّوعي كان يتقصّد ، أردتُ أن أرتاح من عناء سفر العمر ، على كتفٍ قويّ ، ينتزع وحدتي ، بعد أن فقدت رَجُلَي حياتي : زوجي ، وابني الوحيد .
          الأوّل : إلى نقطةٍ فاصلةٍ بين الأرض ، والسّماء ، والآخر إلى كندا، بلد أحلامه، وحضنها الذي كان أقوى ، فسرقه مني،
          وترك حضني شاغراً ، بارداً بفعل الزّمن .
          آااه من يدي ، تلك التي أحرقتها بأصابعك ، ونحن نفترش العشب الأخضر ، نأكل لقيماتنا على عجلٍ قرب ( سدّ بللوران )
          حين قلتَ لي :لا أحبّ إتيكيت الطّعام في المطاعم الكبرى عند الرّحلات ، يكفينا قيود المنازل ، وعشاءات العمل ، و مجاملاتها الفجّة.
          وكيف عبثتَ بأزرار جوّالك ،لترسل بنغمةٍ ذكّرتني بزوربا ، فتقمّصته ، وأنا أغمض العينين ، أطير ...أطير ...وأكبر على الجّرح..أبتعد عن العمر ، عن الأسلاك الشّائكة ، عن البيت ، عن حضني البارد .....وهكذا ..حتى وصلتُ إليك ..
          ارتجفْتُ بين أحضانك ، اكتشفتُ حينها أني أكبر مزوّرةٍ للشهادة العليا التي أحملها ...وأنّ امتحاناً تلقائيّاً كهذا ، جعلني أتهالك ، عند أول سطرٍ في سؤالٍ ، طُرح على غير استعداد .
          تفلّتُ منك بمكابرةٍ ، أحاول تسوية شعري المتناثر ، بعد أن تنفّس لفحةً هوائيّة فجائيّةً ،أطاحتْ بجدوله المتلولب على بعضه ، كي ينام بصمتٍ فلا يقلق راحتي.
          تشاغلتُ عنك عنوةً ، وأنا أتجوّل بين سطور الزّمن المكتوبة على أحجار ( قلعة الحصن ) ، استعرتُ منها بعض التّماسك الذي يصدّ غزو رائحةٍ شهيّة تعبق من أنفاسٍ ، تجتاز منتصف الثلاثينات بخطوٍ كالصّهيل المعربد رجولةً ..
          توقّفتُ من وراء أحد الثّغور ، رأيت اللّوحات الكونيّة كلّها ، تنحشر في كفّ ربّانيّ واحدٍ ، يختزل جمال العالم .
          تذكّرتُ أشجار الوادي المثمرة ، التي لم أقطف منها يوماً ..ولم أعرف ألوانها ، وصليل حصى سواقيها .
          قرأتني عيناك بنارٍ ، لم أعدْ قادرةً على مقاومتها..
          مازالتْ الأغنيات التي انبعثتْ من مسجّل الحافلة أثناء العودة تهيج في صدري ، ذاك الحنين ، والامتزاج ، والتوحّد ، والانصهار ، ويدٍ أسلمتها لك خلسةً ، تعتصرها ، تبثّ فيها روح الحياة..
          دقات السّاعة الحائطيّة، توقظها من تواثب ذكرياتٍ، تغلّفها بسيلوفانٍ ملوّن الأشرطة ،عند كلّ ليلةٍ، قبل أن تؤوب إلى النوم
          لابدّ لها أن تصحو باكراً .. لتشاركه رياضة المشي في الحديقة ، كما كلّ صباحٍ ..
          وهاهي الآن على بوابّة الحديقة ، ترتدي ملابسها الرياضيّة ،التي تلفّها بأنوثةٍ استفاقتْ من كبوتها ،وتنتعل خفّها الأنيق ، الشّبابيّ ، الذي يزيد رشاقتها في المشي..
          لقد قالتْ لها مرآتها التي صارتْ تحبّها : كلّ شيء فيك حلو ، مثير ..فامضِ بثقةٍ ، وأمانٍ ....
          التقتْه على ذات المقعد الخشبيّ ، قرب نوافير الماء التي تدور في مكانها ، تسقي الحشائش الزّمرّديّة ، وأحواض الورود ، كانتْ رائحة الأرض المبتلّة ، تمتزج بعطره الأخّاذ ، فيشحنها بطاقةٍ إعصاريّةٍ عجيبةٍ ..
          تراكضا،تسابقا ، تضاحكا حتى الإنهاك ، أكلا رقائق البطاطا ، التي تضعها الأمهات ،زوّادة لأطفالهنّ في رياضهم ..ضمن الحقائب..وشربا معاً من عبوة ماء معدنيّ باردٍ أطفأ عطشهما ....
          وعندما أزمعتْ العودة ، قال لها : حنان :لماذا تصرّين على الخروج من الباب الخلفيّ للحديقة ..؟؟!!!
          أجابتْ ساهمةً وهي تمسح بمنديلها جبينها المتعرّق ...وترفع شعرها عن وجهها بأطراف أصابعها :
          _لأني أعرف الطّريق المتفرّع عنه إلى بيتي جيّداً ، فهو قريبٌ منه ، مختصرٌ ، أشجاره عاليةٌ ، وجميلةٌ ، وهادئ مثلي تماماً ..وأتسلّى بمشاهدة شرفاته ، ونوافذه ، المطلّة كوجوهٍ أليفةٍ ، من أبنيته الحجريّة العتيقة ، أحسّها تحادثني وكأنها تعرفني ..هناك ألفة كميثاقٍ بيننا ..
          أجابها: لا ..لنحاول أن نخرج من هنا ، مشيراً بأصبعه إلى الباب الأمامي ..
          أومأتْ بالقبول ، لا خيار لها في ذلك ، فالشّمس عند الفجر ، تحدّد مسار النهار ، وتوقيته ، وحرارته .
          خالته أمامها مهراً ، نسيتْ من حولها ، تبعتْ صهيله ، الناس تحيط بهما ، ولكنهما لم يريا أحداً ..
          كانتْ السّاحات تتواصل ، تتفرّع ، تعجّ بالبشر ، بالزّرع ، بنداء الباعة ، بلوحات رسّامين طارت بهم ريشاتهم ،إلى مكانٍ ليس لهم ، بواجهات المحال التي تتثاءب عند الصّباح ، في فتح واجهاتها تباعاً، بعمّال النظافة ،وهم يكنسون الأرصفة.
          ضحكاتهما تتعالى لمّا رشقها ببعض ذرّات الماء من بين أصابعه ، وهو يشدّها مقهقهاً برنّةٍ تسحرها ..فتسكرها ..قائلاً:
          _ تعالي يا جبانة ..
          وجعلها تسير معه كطفلةٍ على الرّكن الرّخاميّ الدّائريّ ، الضيّق ، المقابل لبحرةٍ ، تتوسّط السّاحة ،مزدانة الأطراف بالأزهار ..وبالأضواء الملوّنة التي تنام عند الصباح ، بعد سهرٍ متعب طيلة اللّيل ..
          كادتْ تهوي مرّتين ، جذبها أربعاً ، وتعلّقتْ به ألفاً ..
          تقدّمتْ منها متسوّلةٌ بشعة الملامح ، نقرتْ على كتفها ، أدمتْه ، طعنته بأظافرها الخشنة ، مزّقته ، شلّته ، قالتْ لها:
          _حسنة لله يا ستّ ..ربّنا يفرحك به ‘ حسنة لله يا ست ...
          نهرتْها بعنفٍ ، دفعتْها عنها بغلظةٍ ، أرادتْ أن تخنق حنجرتها ، لو تردّ لحلقها ، حروفها التي أشعلتْ في قلبها رماداً خامداً ومضتْ ..
          بحلقتْ المسكينة فيها مذعورةً ..تدعو على كلّ متجبّرٍ ، ظالمٍ وهي تبتعد عنها ..
          سارع ليحيطها بذراعيه القويّتين ، يلمّ تمزّقها ، ويمسح عنها بقميصه الأبيض دم قهرها المتناثر ، احتواها بصدقٍ ،
          تحوّل بحبّه، وحنانه إلى قبيلةٍ من الرّجال ..
          وانهارتْ على ركن البحرة ، كتمتْ تصدّع عصب عينها ، ساءلتْ نفسها .؟؟!! لمَ نهرتها ؟؟ ما قالتْ إلاّ الحقيقة ..
          نطقتْ بحروف قطّعها طعم الملح المنساب كالصّخر في حلقها ،:
          امضِ شادي ..ليس من حقّي ...امضِ ..
          تشبّث بها ، بكلّ فنون العشق المعربد في حناياه ، بعينين تزاحمت فيهما غيوم حبلى بمطرٍ سخيٍّ
          امضِ شادي ...اتركني وحدي أرجوك ..
          وتركته خلفها بين الزّحام ،تشقّ دربها بين المارّة بصعوبةٍ ..لم تأبه للون دموعها هل كانتْ مرئيّة ، أم استطاعتْ مراوغتها بين فينةٍ وأخرى..
          تعمّدتْ المسير على أرضٍ جرداء ، تيبّس العشب فيها ، قرب جدران بيوتٍ عتيقةٍ ، صدئتْ حجارة واجهاتها ، غباراً ، وتآكلاً ، وتفحّماً ..تحاشتْ المرور بمحاذاة السّواقي ..التي خطّها في دربها ..
          أرسلتْ له على جوّاله بضع كلماتٍ بأصابعَ تختنق نحيباً :
          _شادي ...كان عندي ابنٌ واحدٌ ، صرتُ أمّاً لاثنين ...تذكّرني يوم فرحك ..
          ثمّ أوصدتْ الباب خلفها ..بعد أن وصلت إلى منزلها، وسط ذهول جارتها الحشريّة،التي ازدادت حيرتها لمعرفة السرّ.
          وذات صباحٍ لمحته على نفس المقعد الخشبيّ ...ينتظرها ...يتلهّف لرؤيتها ..ولكنها خاتلته ، دون أن يشعر بها ،
          هاربةً من الباب الخلفيّ للحديقة ، تلبس ذات الثّياب الرّماديّة ، تضع نظّارةً سوداء كبيرة تأكل نصف قسمات وجهها ، تلمّ شعرها خلف رأسها بشكلٍ لولبيّ ,,
          في هيئتها الأكاديميّة المعتادة ذاتها ، تهزأ في سرّها بسخريةٍ ، كلّما صادفتها عبارة : أهلاً دكتورة حنان ...صباح الخير
          تخبّئ في صدرها أشجار وادٍ شهيّة الثّمار ، لم يكن يحقّ لها الاقتراب منها ..لأنه قد فات الأوان ..
          والطّير المقصوص جنحه ،لا يعرف التّحليق أبعد من حدود قفصه ..



          إيمان يبقى للخضم مع كلماتك متعة الإبحار في البحر فترانا نتمايل مع أمواجك كلما هاجت ونهدأ معها
          كما أبحرت في هذه القصة بلغتها بتفاصيلها بحركتها وبكل ما تحمل من مقومات القصة
          لك مودتي

          تعليق

          • وفاء محمود
            عضو الملتقى
            • 25-09-2008
            • 287

            #20
            المشاركة الأصلية بواسطة إيمان الدرع مشاهدة المشاركة
            باب الحديقة الخلفيّ .....

            ضحكتْ فجأةً ، كمجنونةٍ بين نزلاء مشفى تخصّصي ، تراءتْ لها وجوههنّ شخوصاً شاحبةً على المسرح ، في مشهدٍ دراميّ .
            ضوء الصّالة يعكس ذهولهنّ ، بعد أن نثرن شكوى الزّمن ،مع طعم حبّات الهيل الممتزجة في القهوة الخالية من السّكر .
            ما عادتْ تدري ..!!! أهذا اللّقاء الذي يجمعها بهنّ بين فترةٍ وأخرى ، قد تحوّل إلى عيادةٍ تخصّصيةٍ شاملةٍ لكلّ الأوجاع
            الجسميّة ، النّفسيّة ، الاجتماعيّة ، الإنسانيّة ...؟؟؟!!!
            أم تحوّل إلى مبخرةٍ للعمر ، تنفث فيها كلّ واحدة منهنّ حزنها ، فتتطاير أدخنة قلوبهنّ مع سحب سجائرهنّ ، لتعلق كطلاءٍ رماديّ سميكٍ على جدران صالتها الأنيقة ، التي تفنّنتْ في نثر لوحاتها على كلّ مساحاتها، فما أفلحتْ في تبديد غربتها ، ولا في طرد سموم شكواهنّ بعيداً عنها .
            لا تدري لماذا أطلقتْ ضحكتها من جديدٍ ..؟؟!!!وكيف تحوّل المشهد إلى كوميديا دغدغتها من خاصرتها حتى الهلاك .؟؟؟
            وكيف حزمتْ وسطها بغطاء رأس إحداهنّ ‘ بعد أن انتزعته مقهقهة وقد جذبته بصعوبةٍ من بين أصابعها ، عن شعرٍ مشوّشٍ ، باهت
            أعلتْ صوت المسجّل على هدير رقصةٍ شرقيّةٍ ، دوزنت خصرها مع تقسيماتها ، تمايلتْ ، ضحكتْ خدودها ، صارتْ ورديّة ، أسبلتْ جفنيها ، ثمّ رفعتهما بدلالٍ سحر الأخريات ، وأصابهنّ فجأة بعدوى السّعادة .
            نسين أوجاع الضّغط ، والرّوماتيزم ، والسّكريّ ، وشرايين القلب ، صفّقن لها بحماسٍ ، رقصن معها ، لم تلتفتْ إليهنّ ،
            كانتْ تعوم ...وتعوم ....، لتبحر هناك ، حيث غيوم حمر تذوب عشقاً في البحر ..
            تذكّرتْ يديه العاشقتين ، تحيطانها بشغفٍ على مركبٍ أوصلها إلى الجزيرة .
            يا (لَأرواد) التي شهدتْ تغيير مسار الشّمس من منتصف النهار الآيل للغروب ، إلى أوّل الفجر وشروقه.
            فجّر شبابه معجزةً ، مذهلةً ، خلطتْ كلّ الموازين والقوى في حياتها ، فأطاحتْ بالمتاريس التي صفّدتها على تخوم عمرها بتحفّظٍ شديدٍ ، ووقارٍ مزروعٍ في مشيتها ، وطريقة تصفيف شعرها ،ولباسها القاتم ، كحاجبين مقطّبين .
            أفاقتْ من شرودها على لهاثهنّ المتقطّع ، وسعالهنّ ، وقلبهنّ المضطرب على وقع نبضٍ شريانيّ عالٍ،طفر فجأة فما استحملنه .
            ألقتْ بجسدها تسابقها ظلال عشقٍ ، فاضحٍ ، ومكتومٍ في آن .
            ودّعنها بعيونٍ تعلوها الدّهشة، والاستغراب ، لا بل الحسد الممتزج بالغبطة ، وهنّ يردّدن : ما شاء الله كم أنت جميلة؟عدتِ شابّةً !!
            أخفتْ وجهها عنهنّ حتى آخر مصافحة .
            وشوشتها جارتها الثّرثارة الفضوليّة قبل أن تغادر: حنان ..لديك سرّ ، لابدّ أن أعرفه ، سأعرفه ، تذكّري هذا ...
            دفعتها أمامها بمزاحٍ ، حتى صارتْ محشورةً عند الباب ، وهي مازالتْ تؤكّد ...سأعرفه ...!!
            فأكملتْ دفعها حتى الدّرجات الأولى من سلّم البناء مردّدةً : اخرجي هيّا ...آاااه منك .
            لم تلقِ بالاً لآثار السهرة التي شهدتْ تمازج الفصول الأربعة ، وتناقضاتها ، واهتزازاتها في الرّوح ، والجسد ..
            فأبقتْ الأكواب ،والفناجين ، وبقايا قطع الكيك ، وقشور الموز ، والتّفاح على حالها ..في الصّحون المتناثرة بفوضى
            تحسّستْ جسدها ، مرّرتْ أصابعها فوقه ، مازال ممشوقاً ، مكتنزاً عند الصّدر ، له تضاريس ، وانحناءات ،تهصر الأقحوان لبياضه ، ونعومته ..وشفتاها غضّتان ،ممتلئتان ، تحتفظان بطعم شهدٍ في خوابٍ سريّة ..
            فللمحطّة الخامسة من العمر ، وما بعدها ،جماليّة خاصّة ، تفوق برأيها، وكما قرأت ذات مرّة ، كلّ المراحل والاعتبارات ،لاكتمال هالة الرّوح والمادّة ، وانسجامها ، ونضجها .وتخلّصها من الطّحالب المؤذية ، العالقة في الخلايا.
            تمدّدتْ بكسلٍ لذيذٍ على الأريكة ، زارها طيفه الرّجولي ، حين انحشر بلطفٍ قربها في الحافلة التي توجّهتْ بهما إلى السّاحل السّوريّ في رحلةٍ مشتركةٍ ، جمعتهما معاً ، في لحظةٍ قدريّةٍ ، خارج الزّمان ، والمكان ، فمزجتهما حدّ الانصهار.
            ودّت لو تقبّل ذراعها الأيسر الذي لامس ذراعه طيلة الرّحلة ، ناقلاً إليها شحنات عنيفة ، تجاهلتها أوّل الأمر ، دافنة وجهها عبر النّافذة ، ثمّ تهالكتْ مكابرتها رويداً ...رويداً ..لتنصت إلى نداءٍ خفيّ استفاق في أعشابها الصّفراء التي تناومتْ حتى اليباس ..
            سحبتْ أطرافها من هذا الخدر اللّذيذ الذي أطاح بها في مهبّ الذّكريات، وانتصبتْ واقفةً ، بعد أن دبّ نشاط مفاجئ بأوردتها ،فطفقتْ تعيد ترتيب منمنمات المكان ..برشاقةٍ ،وكأنه يراها ..يرافقها ، يشاغبها ، يضاحكها ، يحتضنها قرب الأبواب ..يختلس بعض القبلات بعد أن يعصب عينيها بيديه ..
            التقطتْ شيئاً من أنفاسها الثّملى ، مسندةً رأسها إلى جدار النّافذة ، تبسّمتْ حين تذكّرتْ دعاباته ، التي اختصرتْ الطريق ، وهما يطويانه دون ضجرٍ ، عندما كانتْ الحافلة في طريقها إلى (البحيرات السّبع )...
            ومرّتْ على خاطرها ،تلميحاته الذّكيّة ،التي أصابتْ قلبها فجأة بطفرةٍ طفوليّةٍ ، قفزتْ إليها بلا أصباغٍ ، أو تمهيدٍ .
            ناجته : ويلي منك يا شادي !!!! كيف فعلتها وغزوتَ قلبي العنيد ؟؟؟!!! المنسيّ كقمرٍ شتائيّ ..؟؟!! أتذكر عندما قلت لك:
            _ لا أريد أن أصيبك بعدوى حزن قلبي ..
            _أجبتني : سألوّن حياتك بكلّ أطياف الفرح ..
            _ولكني لا أجيد الطّيران أبعد من حدود قفصي
            _عليك أن تحلّقي إلى الوادي الآخر ، لتري أزهاره ، وأشجاره ..وينابيعه ،خوضي سواقيه ، واستكشفي المخبوء في حصاها ..
            لستُ أدري كيف غفا رأسي على كتفك ، ونحن نتوجّه مع المجموعة المشاركة بالرحلة إلى (عين مريزة )..
            لم أكن أتقصّد...بل كلّ شيء في اللاّوعي كان يتقصّد ، أردتُ أن أرتاح من عناء سفر العمر ، على كتفٍ قويّةٍ ، ينتزع وحدتي ، بعد أن فقدت رَجُلَي حياتي : زوجي ، وابني الوحيد .
            الأوّل : إلى نقطةٍ فاصلةٍ بين الأرض ، والسّماء ، والآخر إلى كندا، بلد أحلامه، وحضنها الذي كان أقوى ، فسرقه مني،
            وترك حضني شاغراً ، بارداً بفعل الزّمن .
            آااه من يدي ، تلك التي أحرقتها بأصابعك ، ونحن نفترش العشب الأخضر ، نأكل لقيماتنا على عجلٍ قرب ( سدّ بللوران )
            حين قلتَ لي :لا أحبّ إتيكيت الطّعام في المطاعم الكبرى عند الرّحلات ، يكفينا قيود المنازل ، وعشاءات العمل ، و مجاملاتها الفجّة.
            وكيف عبثتَ بأزرار جوّالك ،لترسل بنغمةٍ ذكّرتني بزوربا ، فتقمّصته ، وأنا أغمض العينين ، أطير ...أطير ...وأكبر على الجرح..أبتعد عن العمر ، عن الأسلاك الشّائكة ، عن البيت ، عن حضني البارد .....وهكذا ..حتى وصلتُ إليك ..
            ارتجفْتُ بين أحضانك ، اكتشفتُ حينها أني أكبر مزوّرةٍ للشهادة العليا التي أحملها ...وأنّ امتحاناً تلقائيّاً كهذا ، جعلني أتهالك ، عند أول سطرٍ في سؤالٍ ، طُرح على غير استعداد .
            تملّصتُ منك بمكابرةٍ ، أحاول تسوية شعري المتناثر ، بعد أن تنفّس لفحةً هوائيّة فجائيّةً ،أطاحتْ بجدوله المتلولب على بعضه ، كي ينام بصمتٍ فلا يقلق راحتي.
            تشاغلتُ عنك عنوةً ، وأنا أتجوّل بين سطور الزّمن المكتوبة على أحجار ( قلعة الحصن ) ، استعرتُ منها بعض التّماسك الذي يصدّ غزو رائحةٍ شهيّة تعبق من أنفاسٍ ، تجتاز منتصف الثلاثينيات بخطوٍ كالصّهيل المعربد رجولةً ..
            توقّفتُ من وراء أحد الثّغور ، رأيت اللّوحات الكونيّة كلّها ، تنحشر في كفّ ربّانيّ واحدٍ ، يختزل جمال العالم .
            تذكّرتُ أشجار الوادي المثمرة ، التي لم أقطف منها يوماً ..ولم أعرف ألوانها ، وصليل حصى سواقيها .
            قرأتني عيناك بنارٍ ، لم أعدْ قادرةً على مقاومتها..
            مازالتْ الأغنيات التي انبعثتْ من مسجّل الحافلة أثناء العودة تهيج في صدري ، ذاك الحنين ، والامتزاج ، والتوحّد ، والانصهار ، ويد أسلمتها لك خلسةً ، تعتصرها ، تبثّ فيها روح الحياة..
            دقات السّاعة الحائطيّة، توقظها من تواثب ذكرياتٍ، تغلّفها بسيلوفانٍ ملوّن الأشرطة ،عند كلّ ليلةٍ، قبل أن تؤوب إلى النوم
            لابدّ لها أن تصحو باكراً .. لتشاركه رياضة المشي في الحديقة ، كما كلّ صباحٍ ..
            وهاهي الآن على بوابّة الحديقة ، ترتدي ملابسها الرياضيّة ،التي تلفّها بأنوثةٍ استفاقتْ من كبوتها ،وتنتعل خفّها الأنيق ، الشّبابيّ ، الذي يزيد رشاقتها في المشي..
            لقد قالتْ لها مرآتها التي صارتْ تحبّها : كلّ شيء فيك حلو ، مثير ..فامضي بثقةٍ ، وأمانٍ ....
            التقتْه على ذات المقعد الخشبيّ ، قرب نوافير الماء التي تدور في مكانها ، تسقي الحشائش الزّمرّديّة ، وأحواض الورود ، كانتْ رائحة الأرض المبتلّة ، تمتزج بعطره الأخّاذ ، فيشحنها بطاقةٍ إعصاريّةٍ عجيبةٍ ..
            تراكضا،تسابقا ، تضاحكا حتى الإنهاك ، أكلا رقائق البطاطا ، التي تضعها الأمهات ،زوّادة لأطفالهنّ في رياضهم ..ضمن الحقائب..وشربا معاً من عبوة ماء معدنيّ باردٍ أطفأ عطشهما ....
            وعندما أزمعتْ العودة ، قال لها : حنان :لماذا تصرّين على الخروج من الباب الخلفيّ للحديقة ..؟؟!!!
            أجابتْ ساهمةً وهي تمسح بمنديلها جبينها المتعرّق ...وترفع شعرها عن وجهها بأطراف أصابعها :
            _لأني أعرف الطّريق المتفرّع عنه إلى بيتي جيّداً ، فهو قريبٌ منه ، مختصرٌ ، أشجاره عاليةٌ ، وجميلةٌ ، وهادئ مثلي تماماً ..وأتسلّى بمشاهدة شرفاته ، ونوافذه ، المطلّة كوجوهٍ أليفةٍ ، من أبنيته الحجريّة العتيقة ، أحسّها تحادثني وكأنها تعرفني ..هناك ألفة كميثاقٍ بيننا ..
            أجابها: لا ..لنحاول أن نخرج من هنا ، مشيراً بأصبعه إلى الباب الأمامي ..
            أومأتْ بالقبول ، لا خيار لها في ذلك ، فالشّمس عند الفجر ، تحدّد مسار النهار ، وتوقيته ، وحرارته .
            خالته أمامها مهراً ، نسيتْ من حولها ، تبعتْ صهيله ، الناس تحيط بهما ، ولكنهما لم يريا أحداً ..
            كانتْ السّاحات تتواصل ، تتفرّع ، تعجّ بالبشر ، بالزّرع ، بنداء الباعة ، بلوحات رسّامين طارت بهم ريشاتهم ،إلى مكانٍ ليس لهم ، بواجهات المحال التي تتثاءب عند الصّباح ، في فتح واجهاتها تباعاً، بعمّال النظافة ،وهم يكنسون الأرصفة.
            ضحكاتهما تتعالى لمّا رشقها ببعض ذرّات الماء من بين أصابعه ، وهو يشدّها مقهقهاً برنّةٍ تسحرها ..فتسكرها ..قائلاً:
            _ تعالي يا جبانة ..
            وجعلها تسير معه كطفلةٍ على الرّكن الرّخاميّ الدّائريّ ، الضيّق ، المقابل لبحرةٍ ، تتوسّط السّاحة ،مزدانة الأطراف بالأزهار ..وبالأضواء الملوّنة التي تنام عند الصباح ، بعد سهرٍ متعب طيلة اللّيل ..
            كادتْ تهوي مرّتين ، جذبها أربعاً ، وتعلّقتْ به ألفاً ..
            تقدّمتْ منها متسوّلةٌ بشعة الملامح ، نقرتْ على كتفها ، أدمتْه ، طعنته بأظافرها الخشنة ، مزّقته ، شلّته ، قالتْ لها:
            _حسنة لله يا ستّ ..ربّنا يفرحك به ‘ حسنة لله يا ست ...
            نهرتْها بعنفٍ ، دفعتْها عنها بغلظةٍ ، أرادتْ أن تخنق حنجرتها ، لو تردّ لحلقها ، حروفها التي أشعلتْ في قلبها رماداً خامداً ومضتْ ..
            حدجتها المسكينة مذعورةً ..تدعو على كلّ متجبّرٍ ، ظالمٍ وهي تبتعد عنها ..
            سارع ليحيطها بذراعيه القويّتين ، يلمّ تمزّقها ، ويمسح عنها بقميصه الأبيض دم قهرها المتناثر ، احتواها بصدقٍ ،
            تحوّل بحبّه، وحنانه إلى قبيلةٍ من الرّجال ..
            وانهارتْ على ركن البحرة ، كتمتْ تصدّع عصب عينها ، ساءلتْ نفسها .؟؟!! لمَ نهرتها ؟؟ ما قالتْ إلاّ الحقيقة ..
            نطقتْ بحروف قطّعها طعم الملح المنساب كالصّخر في حلقها ،:
            امضِ شادي ..ليس من حقّي ...امضِ ..
            تشبّث بها ، بكلّ فنون العشق المعربد في حناياه ، بعينين تزاحمت فيهما غيوم حبلى بمطرٍ سخيٍّ
            امضِ شادي ...اتركني وحدي أرجوك ..
            وتركته خلفها بين الزّحام ،تشقّ دربها بين المارّة بصعوبةٍ ..لم تأبه للون دموعها هل كانتْ مرئيّة ، أم استطاعتْ مراوغتها بين فينةٍ وأخرى..
            تعمّدتْ المسير على أرضٍ جرداء ، تيبّس العشب فيها ، قرب جدران بيوتٍ عتيقةٍ ، صدئتْ حجارة واجهاتها ، غباراً ، وتآكلاً ، وتفحّماً ..تحاشتْ المرور بمحاذاة السّواقي ..التي خطّها في دربها ..
            أرسلتْ له على جوّاله بضع كلماتٍ بأصابعَ تختنق نحيباً :
            _شادي ...كان عندي ابنٌ واحدٌ ، صرتُ أمّاً لاثنين ...تذكّرني يوم فرحك ..
            ثمّ أوصدتْ الباب خلفها ..بعد أن وصلت إلى منزلها، وسط ذهول جارتها الحشريّة،التي ازدادت حيرتها لمعرفة السرّ.
            وذات صباحٍ لمحته على نفس المقعد الخشبيّ ...ينتظرها ...يتلهّف لرؤيتها ..ولكنها خاتلته ، دون أن يشعر بها ،
            هاربةً من الباب الخلفيّ للحديقة ، تلبس ذات الثّياب الرّماديّة ، تضع نظّارةً سوداء كبيرة تأكل نصف قسمات وجهها ، تلمّ شعرها خلف رأسها بشكلٍ لولبيّ ,,
            في هيئتها الأكاديميّة المعتادة ذاتها ، تهزأ في سرّها بسخريةٍ ، كلّما صادفتها عبارة : أهلاً دكتورة حنان ...صباح الخير
            تخبّئ في صدرها أشجار وادٍ شهيّة الثّمار ، لم يكن يحقّ لها الاقتراب منها ..لأنه قد فات الأوان ..
            والطّير المقصوص جنحه ،لا يعرف التّحليق أبعد من حدود قفصه ..


            حيره شديده
            هل تعيش لارضاء هؤلاء
            وهل ستستطيع ان ترضيهم
            هل يهمها تلك المتسوله
            اهى مجرد كومبارس فى حياتها مرت مرور الكرام
            ام انها لها الحق فى تقرير مصيرها
            هل هى انانيه ان تعيش لنفسها لاتكترث بكل هؤلاء
            ما ضمانها لاستمرار هذا الحب
            هل فكرت فى عمره الافتراضى
            ام انه فعلا يجب الا نفكر بنهايات الاشياء

            انحنى احتراما واعجابا بكل ما يسطره هذا القلم
            [B][FONT=Arial Black][FONT=Arial Black][SIZE=7].................................[/SIZE][/FONT][/FONT][/B]

            تعليق

            • إيمان الدرع
              نائب ملتقى القصة
              • 09-02-2010
              • 3576

              #21
              المشاركة الأصلية بواسطة الحسن فهري مشاهدة المشاركة
              بسم الله.


              سلاما،
              عبرتها بكل اهتمام.. وشراهة،
              مأخوذا بتفاصيلها المشوقة المتلاحقة،
              وبسردها المكثف الآسر..
              ..................................
              * تركت بعض البصمات أرجو أن تُراجع.


              تحيات وردية من أخيكم.


              أهلاً بك أديبنا الرّائع الحسن الفهري ..
              وبمرورك الكريم الذي انهمر كأمطار نيسان ..على سطوري ..
              فأنبتت الفرح ...
              وبعض حروف قرمزيّة اللّون تناثرتْ كشقائق النعمان على متصفّحي ..
              شرعتُ في التقاطها ...وأنا بمنتهى السّعادة على اهتمامك ،وعلى حرصك ...
              ألف شكر لك ..
              رأيك يعني لي الكثير ...فقلمي يكبر بك ..ويزهر ..
              تحيّاتي ...وأجمل أمنياتي ...زميلي وأخي الغالي ....

              تعيش وتسلم يا ااااااوطني ...يا حبّ فاق كلّ الحدود

              تعليق

              • إيمان الدرع
                نائب ملتقى القصة
                • 09-02-2010
                • 3576

                #22
                المشاركة الأصلية بواسطة وسام دبليز مشاهدة المشاركة
                إيمان يبقى للخضم مع كلماتك متعة الإبحار في البحر فترانا نتمايل مع أمواجك كلما هاجت ونهدأ معها
                كما أبحرت في هذه القصة بلغتها بتفاصيلها بحركتها وبكل ما تحمل من مقومات القصة
                لك مودتي
                الغالية وسام ...
                كم أسعدتني حروفك ...؟؟؟!!!
                أيضاً الإبحار مع قارئ متميّز ...
                يعطي أبعاداً للنصّ ...ما كانت على هذه الصّورة التي ذكرتها لولاه ..
                أشكرك أيتها القاصّة التي تكتب بعبير الورود ...
                اشتقتُ لنصوصك الرّائعة وسام ..
                أتمنى لك كلّ السعادة ...تحيّاتي ...

                تعيش وتسلم يا ااااااوطني ...يا حبّ فاق كلّ الحدود

                تعليق

                • إيمان الدرع
                  نائب ملتقى القصة
                  • 09-02-2010
                  • 3576

                  #23
                  المشاركة الأصلية بواسطة وفاء محمود مشاهدة المشاركة
                  حيره شديده
                  هل تعيش لارضاء هؤلاء
                  وهل ستستطيع ان ترضيهم
                  هل يهمها تلك المتسوله
                  اهى مجرد كومبارس فى حياتها مرت مرور الكرام
                  ام انها لها الحق فى تقرير مصيرها
                  هل هى انانيه ان تعيش لنفسها لاتكترث بكل هؤلاء
                  ما ضمانها لاستمرار هذا الحب
                  هل فكرت فى عمره الافتراضى
                  ام انه فعلا يجب الا نفكر بنهايات الاشياء

                  انحنى احتراما واعجابا بكل ما يسطره هذا القلم
                  الغالية وفاء ...
                  أسئلة في غاية الأهميّة والذّكاء...
                  برهنت على دخولك العميق بين طيّات النصّ ..بعينٍ تعي ما تقرأ ..وتلتقط ظلال الكلمات بفهمٍ
                  من وجهة نظري الخاصّة ...
                  كان عليها أن تستمرّ ...تقتنص لحظات الفرح وما أقلّها في العمر ...
                  وتطير بإصرارٍ إلى هذا الوادي الجميل الذي حُرمتْ منه لأنها مقصوصة الجناح..
                  ولكن !!!! وما أصعبها من كلمة ...
                  القيود المتوارثة في المجتمع ، طريقة تفكير من يحيط بنا ، محاصرتنا بألسنةٍ لا ترحم ..
                  حتى الشخص الآخر الذي نحبّه ...أحياناً يكون ضحيّة لهذه المفاهيم ...فيختزنها في اللاوعي لتطفو فجأة على السّطح
                  وتبقى روح التحدّي للمرأة هي ما تميّز بصمتها ...بأن تصرّ على ما تمضي إليه مهما كانت النتائج ..وتتقبّل كل الحلول
                  وبعضهنّ يحافظن على تماسك صورتهنّ أمام معايير المجتمع ،ويبتلعن الغصّة لقناعات خاصّة ، اختصاراً للألم المتوقّع..
                  أشكرك وفاء على رأيك ومناقشتك الرّائعة ...التي تعكس شخصيّتك الفطنة ، المثقفة،الواعية ...
                  ومع أطيب أمنياتي ....تحيّاتي ...

                  تعيش وتسلم يا ااااااوطني ...يا حبّ فاق كلّ الحدود

                  تعليق

                  • وفاء محمود
                    عضو الملتقى
                    • 25-09-2008
                    • 287

                    #24
                    المشاركة الأصلية بواسطة إيمان الدرع مشاهدة المشاركة
                    الغالية وفاء ...
                    أسئلة في غاية الأهميّة والذّكاء...
                    برهنت على دخولك العميق بين طيّات النصّ ..بعينٍ تعي ما تقرأ ..وتلتقط ظلال الكلمات بفهمٍ
                    من وجهة نظري الخاصّة ...
                    كان عليها أن تستمرّ ...تقتنص لحظات الفرح وما أقلّها في العمر ...
                    وتطير بإصرارٍ إلى هذا الوادي الجميل الذي حُرمتْ منه لأنها مقصوصة الجناح..
                    ولكن !!!! وما أصعبها من كلمة ...
                    القيود المتوارثة في المجتمع ، طريقة تفكير من يحيط بنا ، محاصرتنا بألسنةٍ لا ترحم ..
                    حتى الشخص الآخر الذي نحبّه ...أحياناً يكون ضحيّة لهذه المفاهيم ...فيختزنها في اللاوعي لتطفو فجأة على السّطح
                    وتبقى روح التحدّي للمرأة هي ما تميّز بصمتها ...بأن تصرّ على ما تمضي إليه مهما كانت النتائج ..وتتقبّل كل الحلول
                    وبعضهنّ يحافظن على تماسك صورتهنّ أمام معايير المجتمع ،ويبتلعن الغصّة لقناعات خاصّة ، اختصاراً للألم المتوقّع..
                    أشكرك وفاء على رأيك ومناقشتك الرّائعة ...التي تعكس شخصيّتك الفطنة ، المثقفة،الواعية ...
                    ومع أطيب أمنياتي ....تحيّاتي ...
                    الشكر لكى انتى استاذه ايمان على هذا الكلام الذى اتمنى ان استحقه

                    معايير المجتمع؟؟؟؟؟؟؟؟
                    من اين للمجتمع بهذه المعايير
                    اتستند لاصول دينيه ؟
                    لا اظنها ابدا كذلك فالرسول صلى الله عليه وسلم كانت اولى زوجاته التى لم يتزوج عليها طيله حياتها هى السيده خديجه والتى انجبت له القاسم ,زينب ,رقيه ,ام كلثوم وفاطمه التى كان منها نسل الرسول

                    ما يناسبنى مثلا لا يناسب غيرى فكيف توحدنا هذه المعايير
                    لماذا لا يكون لكل منا معاييره الخاصه المستمده من قيمه ومبادئه

                    فى نفس الوقت عليها ان تتاكد جيدا انها لا تتخذ من معايير المجتمع وتلك المتسوله حجه لتشغلها عن التفكير فى حقيقه الامر
                    اهى تجربه عابره فى حياتها ارادت ان ترى سريعا ما يثبطها
                    ام انها..........................................
                    اعتقد ان التفكير فى اجابات تلك الاسئله اهم كثيرااااااااااااااااااااااا من الاكتراث بامر المتسوله
                    [B][FONT=Arial Black][FONT=Arial Black][SIZE=7].................................[/SIZE][/FONT][/FONT][/B]

                    تعليق

                    • إيمان الدرع
                      نائب ملتقى القصة
                      • 09-02-2010
                      • 3576

                      #25
                      المشاركة الأصلية بواسطة وفاء محمود مشاهدة المشاركة
                      الشكر لكى انتى استاذه ايمان على هذا الكلام الذى اتمنى ان استحقه

                      معايير المجتمع؟؟؟؟؟؟؟؟
                      من اين للمجتمع بهذه المعايير
                      اتستند لاصول دينيه ؟
                      لا اظنها ابدا كذلك فالرسول صلى الله عليه وسلم كانت اولى زوجاته التى لم يتزوج عليها طيله حياتها هى السيده خديجه والتى انجبت له القاسم ,زينب ,رقيه ,ام كلثوم وفاطمه التى كان منها نسل الرسول

                      ما يناسبنى مثلا لا يناسب غيرى فكيف توحدنا هذه المعايير
                      لماذا لا يكون لكل منا معاييره الخاصه المستمده من قيمه ومبادئه

                      فى نفس الوقت عليها ان تتاكد جيدا انها لا تتخذ من معايير المجتمع وتلك المتسوله حجه لتشغلها عن التفكير فى حقيقه الامر
                      اهى تجربه عابره فى حياتها ارادت ان ترى سريعا ما يثبطها
                      ام انها..........................................
                      اعتقد ان التفكير فى اجابات تلك الاسئله اهم كثيرااااااااااااااااااااااا من الاكتراث بامر المتسوله
                      حبيبة قلبي وفاء ...أنا معك في كلّ ما تقولين ..
                      ولقد بيّنت وجهة نظري لك في ردّي السّابق ،من حيث قناعاتي الشّخصيّة في المضيّ قدماً حتى آخر المشوار بهذه التجربة ..
                      ولكني نقلتُ صورة عن أوجاع المرأة ما وراء الأبواب ...
                      المتسوّلة هنا رمز لتذكيرها بالحقيقة التي كانت خارج حساباتها ...والجّارة أيضاً كانت رمزاً للحشريّة وللفضول وللتلصّص على كلّ مستجدّاتها وخطواتها...حتى على دموعها وخيباتها ...
                      لانستطيع أن ننكر الأسقام الموجودة في المجتمع ...ولولا ذلك ما أوردتُ هذا النصّ الذي أبتغي منه التحريك ، والرّفض من خلال انكسار قلب البطلة ...وقتلها بيدها معاني هذا الحبّ الجميل ، إرضاء لمفاهيم المجتمع..
                      علّني أحقّق التعاطف معها ..
                      كم من الزّيجات فشلت ياوفاء نتيجة لهذا الاعتبار وغيره!!؟..كم من قلوب تحطمت من جرّاء سخرية مقيتة لاذعة لاترحم..!!؟
                      نعم علينا أن نعيد برمجة المفاهيم للأذهان ، ونتفهّم أكثر رسالة ديننا الحنيف ...في زمنٍ تتماوت فيه الإنسانيّة حتى الوأد..
                      طرح كهذا ...ومداخلات رائعة مستنكرة ..وتحريك فكريّ هنا ..يعطي لو أردنا بعض الأمل في تحرير الأذهان من معاقلها...
                      الحديث يطول ياغالية ...ابصري جيداً تري ..كم تحتاج حياتنا إلى غربلةٍ لتسير في الاتجاه الصحيح !!!
                      انظري إلى معاناة الأرامل ، الأنثى العاقر، العانس ، المطلّقة ..المعنّفة من زوجٍ ظالم ،....وغيرها كثير ..كلها وجوه لعملةٍ واحدة
                      ودورنا متكامل في نشر رسالة الوعي ، والتفّتح ،وخصوصاً في عالم المرأة ، التي أجدها من وجهة نظري ازدادت عبوديّة
                      رغم تحرّرها الظاهريّ...لأنها صارت في عهد رقّ جديد بتسمية مختلفة ...والحديث يطول ..كما قلت ..
                      ألف شكر لك حبيبة قلبي ...جعلتني أفضفض بما ينوء به كاهلي من أحمالٍ ، جراء قهر المرأة وحرمانها ..سلاااااااااااام

                      تعيش وتسلم يا ااااااوطني ...يا حبّ فاق كلّ الحدود

                      تعليق

                      يعمل...
                      X