كانت تتفرس صفحة إشهارية لجريدة. علتْ وجهَها ابتسامة عريضة عندما دخلتُ الشقة وأسرعتْ نحوي :
- أنظرْ حبيبي ، تجزئة في غاية الروعة...بقع أرضية من مئة متر ..منطقة خضراء للعب الأطفال ..طابقان ومرآب للسيارة ....و..و...و....هه، مارأيك حبيبي؟؟
وكنت كلما سمعت كلمة "حبيبي" اعترتْني حالةُ استنفار وتأهب لمصيبة ما، أوعلى الأقل ، لضائقة مالية قد تطول بضعة أشهر.
- وما دخلي أنا ؟ ما أهمية رأيي؟ أريد ماء دافئا لأصلي المغرب
- وبعد الصلاة، المقهى والجرائد...ثم النوم وفي الصباح العمل ثم المقهى ثم النوم....أصبحت تخنقنا هذه الرتابة.
ابتدأتْ .... هذه المقدمة أعرفها جيدا، تبشر دائما بقرب حلول معركة سجالية سرعان ما يأخذ فيها الأطفال صف أمهم، ولن تنفعني معهم لا دروس الوعض والإرشاد، ولا الترغيب ولا النرفزة ولا التهديد، ولا أي شيء سوى أن أنصاغ وألُمَّ الموضوع، قبل تدخل أطراف أخرى (حماتي مثلا) تزيدُ الطينَ بلَّة وتُشعِّب الخلافَ.. وقد ينتهي بما لا تحمد عقباي...هكذا علمتني تجربة عشرين سنة أن أتخطى كل صداع الرأس هذا، وأذهب مباشرة إلى المفيد:
- ماذا تريدين الآن يا امرأة ؟؟؟
- نشتري بقعة أرضية في هذه التجزئة.
- نشتري بُقْ....؟؟؟؟ من أين لي بثمنها؟
- نبيع هذه الشقة المقرفة.
- نبيع الشقة؟ ونسكن على بقعة أرضية عارية ؟
- ألْلاَّ..... نبني عليها كما يفعل جميع الخلق .
- ومن أين ؟ إذا كان ثمن الشقة قد لا يساوي هذه البقعة .
- اقترض من البنك.
- البنك؟ أنا لم أسدد بعد أقساط السيارة.
- زد قرضا آخر
- ولم كل هذا العناء والشقة واسعة، تسعنا كلنا مهما كان عدد الضيوف..
- أريد دااااااااارا......دااارٌ....الدار هي التي ستفقأ لي عين جارتي خديجة.
- ولماذا دار؟؟ مفكَّ براغي، مثقاب كهربائي، أي شيء حاد يفقأ لك عيون جميع نساء الحي.
- أللا...الدار...
- سنعيش في ضنك قد لايتحمله الأولاد...
- ألدااار.
- التجزئات تكون بعيدة على المدارس والمستوصفات والمرافق العمومية ..
- الدااار
- سنفتقد أالأصدقاء والأصحاب،،ونبتعد عن بيت أهلك وأمك العزيزة.
- العزيزة؟؟ ...الدااااار.
لا جدوى، هي الدار...والدار وما أدراك ما الدار!...فقد دخلتُ دوامة السماسرة والأبناك والموثقين والمهندسين والإدارات.... مكتب يسلمني لمكتب،،، وثيقة تسلمني لوثيقة، حتى أصبحت التصاميم والوثائق الإدارية في محفظتي أكثر من المصوغات التربوية والكراسات...جاءت بعدها دوامة البناء والنجار والحداد والصباغ ...ولكلِّ مقامه ومقاله...لا بد أن ألقي على كل واحد منهم درسا في العفة والأمانة ومحاربة الغش، وهي دروس لا محالة فاشلة، لا كفايات نفعتْ فيها ولا إدماج، لأن الأمر كان دائما يستلزم مني الحضور باكرا، والمراقبة العينية طوال النهار ...والحساب... أدمنت الضرب والجمع والطرح والقسمة والتحويل، أحسب في الدار، وأحسب في المقهى، وأحسب في القسم ، حيثما رحلت وارتحلت أحسب..
تعبتُ كثيرا...تعبت كثيرا،لكني بنيتُها...رغم أني بعتُ السيارة وفقدتُ الشعيرات التي كانت تستر على راسي ما عاثه الزمن، ورغم أنني استفقت ذات صباح على صوت الطبيب يخبرني أن ضغط دمي جد مرتفع وعلي إجراء تحاليل داء السكري، ورغم صدق حدس الطبيب ..ورغم تقارير السيد المفتش وشماتة الرفاق....إلا أنني بنيتها...بنيتها وحققت على الواقع ما كان في مخيلة زوجتي وأمها من تصاميم عجيبة للمطبخ وللحمام والشرفات ..و..و...و...
ولأني بنيتُها،وفقط لأني بنيتها، علي الإفتخار بقدراتي وجلدي وصبري وتحملي ....
هذا الصباح، وأنا أتلذذ بأشعة الشمس في الشرفة، عادت ابنتي من كليتها متأبطة جريدة فتحتْها أمامي :
أنظر، بابا ...تجزئة بقع أرضية للفيلات بعيدة عن تلوث المدينة وتطل على البحر...بابا ! بابا مالك ؟ بابا !!! بااااباااا ! ماما..ماما بسرعة...
الدار : البيت من طابقين أو ثلاثة.
أللا:عامية تعني : لا
- أنظرْ حبيبي ، تجزئة في غاية الروعة...بقع أرضية من مئة متر ..منطقة خضراء للعب الأطفال ..طابقان ومرآب للسيارة ....و..و...و....هه، مارأيك حبيبي؟؟
وكنت كلما سمعت كلمة "حبيبي" اعترتْني حالةُ استنفار وتأهب لمصيبة ما، أوعلى الأقل ، لضائقة مالية قد تطول بضعة أشهر.
- وما دخلي أنا ؟ ما أهمية رأيي؟ أريد ماء دافئا لأصلي المغرب
- وبعد الصلاة، المقهى والجرائد...ثم النوم وفي الصباح العمل ثم المقهى ثم النوم....أصبحت تخنقنا هذه الرتابة.
ابتدأتْ .... هذه المقدمة أعرفها جيدا، تبشر دائما بقرب حلول معركة سجالية سرعان ما يأخذ فيها الأطفال صف أمهم، ولن تنفعني معهم لا دروس الوعض والإرشاد، ولا الترغيب ولا النرفزة ولا التهديد، ولا أي شيء سوى أن أنصاغ وألُمَّ الموضوع، قبل تدخل أطراف أخرى (حماتي مثلا) تزيدُ الطينَ بلَّة وتُشعِّب الخلافَ.. وقد ينتهي بما لا تحمد عقباي...هكذا علمتني تجربة عشرين سنة أن أتخطى كل صداع الرأس هذا، وأذهب مباشرة إلى المفيد:
- ماذا تريدين الآن يا امرأة ؟؟؟
- نشتري بقعة أرضية في هذه التجزئة.
- نشتري بُقْ....؟؟؟؟ من أين لي بثمنها؟
- نبيع هذه الشقة المقرفة.
- نبيع الشقة؟ ونسكن على بقعة أرضية عارية ؟
- ألْلاَّ..... نبني عليها كما يفعل جميع الخلق .
- ومن أين ؟ إذا كان ثمن الشقة قد لا يساوي هذه البقعة .
- اقترض من البنك.
- البنك؟ أنا لم أسدد بعد أقساط السيارة.
- زد قرضا آخر
- ولم كل هذا العناء والشقة واسعة، تسعنا كلنا مهما كان عدد الضيوف..
- أريد دااااااااارا......دااارٌ....الدار هي التي ستفقأ لي عين جارتي خديجة.
- ولماذا دار؟؟ مفكَّ براغي، مثقاب كهربائي، أي شيء حاد يفقأ لك عيون جميع نساء الحي.
- أللا...الدار...
- سنعيش في ضنك قد لايتحمله الأولاد...
- ألدااار.
- التجزئات تكون بعيدة على المدارس والمستوصفات والمرافق العمومية ..
- الدااار
- سنفتقد أالأصدقاء والأصحاب،،ونبتعد عن بيت أهلك وأمك العزيزة.
- العزيزة؟؟ ...الدااااار.
لا جدوى، هي الدار...والدار وما أدراك ما الدار!...فقد دخلتُ دوامة السماسرة والأبناك والموثقين والمهندسين والإدارات.... مكتب يسلمني لمكتب،،، وثيقة تسلمني لوثيقة، حتى أصبحت التصاميم والوثائق الإدارية في محفظتي أكثر من المصوغات التربوية والكراسات...جاءت بعدها دوامة البناء والنجار والحداد والصباغ ...ولكلِّ مقامه ومقاله...لا بد أن ألقي على كل واحد منهم درسا في العفة والأمانة ومحاربة الغش، وهي دروس لا محالة فاشلة، لا كفايات نفعتْ فيها ولا إدماج، لأن الأمر كان دائما يستلزم مني الحضور باكرا، والمراقبة العينية طوال النهار ...والحساب... أدمنت الضرب والجمع والطرح والقسمة والتحويل، أحسب في الدار، وأحسب في المقهى، وأحسب في القسم ، حيثما رحلت وارتحلت أحسب..
تعبتُ كثيرا...تعبت كثيرا،لكني بنيتُها...رغم أني بعتُ السيارة وفقدتُ الشعيرات التي كانت تستر على راسي ما عاثه الزمن، ورغم أنني استفقت ذات صباح على صوت الطبيب يخبرني أن ضغط دمي جد مرتفع وعلي إجراء تحاليل داء السكري، ورغم صدق حدس الطبيب ..ورغم تقارير السيد المفتش وشماتة الرفاق....إلا أنني بنيتها...بنيتها وحققت على الواقع ما كان في مخيلة زوجتي وأمها من تصاميم عجيبة للمطبخ وللحمام والشرفات ..و..و...و...
ولأني بنيتُها،وفقط لأني بنيتها، علي الإفتخار بقدراتي وجلدي وصبري وتحملي ....
هذا الصباح، وأنا أتلذذ بأشعة الشمس في الشرفة، عادت ابنتي من كليتها متأبطة جريدة فتحتْها أمامي :
أنظر، بابا ...تجزئة بقع أرضية للفيلات بعيدة عن تلوث المدينة وتطل على البحر...بابا ! بابا مالك ؟ بابا !!! بااااباااا ! ماما..ماما بسرعة...
الدار : البيت من طابقين أو ثلاثة.
أللا:عامية تعني : لا
تعليق