الدار*

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عبد المجيد برزاني
    مشرف في ملتقى الترجمة
    • 20-01-2011
    • 472

    الدار*

    كانت تتفرس صفحة إشهارية لجريدة. علتْ وجهَها ابتسامة عريضة عندما دخلتُ الشقة وأسرعتْ نحوي :
    - أنظرْ حبيبي ، تجزئة في غاية الروعة...بقع أرضية من مئة متر ..منطقة خضراء للعب الأطفال ..طابقان ومرآب للسيارة ....و..و...و....هه، مارأيك حبيبي؟؟
    وكنت كلما سمعت كلمة "حبيبي" اعترتْني حالةُ استنفار وتأهب لمصيبة ما، أوعلى الأقل ، لضائقة مالية قد تطول بضعة أشهر.
    - وما دخلي أنا ؟ ما أهمية رأيي؟ أريد ماء دافئا لأصلي المغرب
    - وبعد الصلاة، المقهى والجرائد...ثم النوم وفي الصباح العمل ثم المقهى ثم النوم....أصبحت تخنقنا هذه الرتابة.
    ابتدأتْ .... هذه المقدمة أعرفها جيدا، تبشر دائما بقرب حلول معركة سجالية سرعان ما يأخذ فيها الأطفال صف أمهم، ولن تنفعني معهم لا دروس الوعض والإرشاد، ولا الترغيب ولا النرفزة ولا التهديد، ولا أي شيء سوى أن أنصاغ وألُمَّ الموضوع، قبل تدخل أطراف أخرى (حماتي مثلا) تزيدُ الطينَ بلَّة وتُشعِّب الخلافَ.. وقد ينتهي بما لا تحمد عقباي...هكذا علمتني تجربة عشرين سنة أن أتخطى كل صداع الرأس هذا، وأذهب مباشرة إلى المفيد:
    - ماذا تريدين الآن يا امرأة ؟؟؟
    - نشتري بقعة أرضية في هذه التجزئة.
    - نشتري بُقْ....؟؟؟؟ من أين لي بثمنها؟
    - نبيع هذه الشقة المقرفة.
    - نبيع الشقة؟ ونسكن على بقعة أرضية عارية ؟
    - ألْلاَّ..... نبني عليها كما يفعل جميع الخلق .
    - ومن أين ؟ إذا كان ثمن الشقة قد لا يساوي هذه البقعة .
    - اقترض من البنك.
    - البنك؟ أنا لم أسدد بعد أقساط السيارة.
    - زد قرضا آخر
    - ولم كل هذا العناء والشقة واسعة، تسعنا كلنا مهما كان عدد الضيوف..
    - أريد دااااااااارا......دااارٌ....الدار هي التي ستفقأ لي عين جارتي خديجة.
    - ولماذا دار؟؟ مفكَّ براغي، مثقاب كهربائي، أي شيء حاد يفقأ لك عيون جميع نساء الحي.
    - أللا...الدار...
    - سنعيش في ضنك قد لايتحمله الأولاد...
    - ألدااار.
    - التجزئات تكون بعيدة على المدارس والمستوصفات والمرافق العمومية ..
    - الدااار
    - سنفتقد أالأصدقاء والأصحاب،،ونبتعد عن بيت أهلك وأمك العزيزة.
    - العزيزة؟؟ ...الدااااار.
    لا جدوى، هي الدار...والدار وما أدراك ما الدار!...فقد دخلتُ دوامة السماسرة والأبناك والموثقين والمهندسين والإدارات.... مكتب يسلمني لمكتب،،، وثيقة تسلمني لوثيقة، حتى أصبحت التصاميم والوثائق الإدارية في محفظتي أكثر من المصوغات التربوية والكراسات...جاءت بعدها دوامة البناء والنجار والحداد والصباغ ...ولكلِّ مقامه ومقاله...لا بد أن ألقي على كل واحد منهم درسا في العفة والأمانة ومحاربة الغش، وهي دروس لا محالة فاشلة، لا كفايات نفعتْ فيها ولا إدماج، لأن الأمر كان دائما يستلزم مني الحضور باكرا، والمراقبة العينية طوال النهار ...والحساب... أدمنت الضرب والجمع والطرح والقسمة والتحويل، أحسب في الدار، وأحسب في المقهى، وأحسب في القسم ، حيثما رحلت وارتحلت أحسب..
    تعبتُ كثيرا...تعبت كثيرا،لكني بنيتُها...رغم أني بعتُ السيارة وفقدتُ الشعيرات التي كانت تستر على راسي ما عاثه الزمن، ورغم أنني استفقت ذات صباح على صوت الطبيب يخبرني أن ضغط دمي جد مرتفع وعلي إجراء تحاليل داء السكري، ورغم صدق حدس الطبيب ..ورغم تقارير السيد المفتش وشماتة الرفاق....إلا أنني بنيتها...بنيتها وحققت على الواقع ما كان في مخيلة زوجتي وأمها من تصاميم عجيبة للمطبخ وللحمام والشرفات ..و..و...و...
    ولأني بنيتُها،وفقط لأني بنيتها، علي الإفتخار بقدراتي وجلدي وصبري وتحملي ....
    هذا الصباح، وأنا أتلذذ بأشعة الشمس في الشرفة، عادت ابنتي من كليتها متأبطة جريدة فتحتْها أمامي :
    أنظر، بابا ...تجزئة بقع أرضية للفيلات بعيدة عن تلوث المدينة وتطل على البحر...بابا ! بابا مالك ؟ بابا !!! بااااباااا ! ماما..ماما بسرعة...



    الدار : البيت من طابقين أو ثلاثة.
    أللا:عامية تعني : لا
  • إيمان الدرع
    نائب ملتقى القصة
    • 09-02-2010
    • 3576

    #2
    الأديب الغالي : عبد المجيد برزاني ...
    أجل ...إنه حكم النّساء ...وما أدراك ما حكم النساء ...
    إنه ممتدّ ...وله فروع ...ومتوارث ...وملكيّ ..ولن ينتهي ...
    منذ الجدّات حتى الحفيدات ...
    أحببتُ أسلوبك المرح في الكتابة زميلي العزيز ...
    وواقعيّة حرفك ..وسردك الممتع ...
    ومع أطيب أمنياتي ...تحيّاتي ...

    تعيش وتسلم يا ااااااوطني ...يا حبّ فاق كلّ الحدود

    تعليق

    • عبد المجيد برزاني
      مشرف في ملتقى الترجمة
      • 20-01-2011
      • 472

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة إيمان الدرع مشاهدة المشاركة
      الأديب الغالي : عبد المجيد برزاني ...
      أجل ...إنه حكم النّساء ...وما أدراك ما حكم النساء ...
      إنه ممتدّ ...وله فروع ...ومتوارث ...وملكيّ ..ولن ينتهي ...
      منذ الجدّات حتى الحفيدات ...
      أحببتُ أسلوبك المرح في الكتابة زميلي العزيز ...
      وواقعيّة حرفك ..وسردك الممتع ...
      ومع أطيب أمنياتي ...تحيّاتي ...
      [line]-[/line]
      يااااه أختي إيمان : يالهذا الجمال الدي توقعين به هنا : صاح بي عند الربى....سلمت وسلم هذا الذوق الرفيع...إنها من أحب الأغاني إلى قلبي ..معها في نفس الألوم أغنية مطلعها:
      يبكي ويضحك لا حزنا ولا فرحا** كعاشق خط سطرا في الهوى ومحا
      دام لصباحاتك هذا الألق الفيروزي...سعيد جدا بزمالتك..
      مودتي وأغلى الأمنيات.

      تعليق

      • مباركة بشير أحمد
        أديبة وكاتبة
        • 17-03-2011
        • 2034

        #4
        قصة خفيفة ،رشيقة صيغت بأسلوب عذب يمزج بين الجد والفكاهة ،تعكس مرآتها صورا واقعية، مجتثة من صلب الحقيقة التي يعاني من احتساء مرارتها كثير من الأزواج، في عصر انتبذت فيه القيم الإنسانية الجميلة، وتنحت بعيدا لتترك المجال مجبرة للمظاهر الزائفة .
        كل التقدير والشكر أخي الفاضل، لمانثره قلمك من روعة وجمال.
        أسمى تحاياي وتقديري.

        تعليق

        • سالم الجابري
          أديب وكاتب
          • 01-04-2011
          • 473

          #5
          أستاذي عبد المجيد

          لي أخ يردد دوماً "المرأة والصغير يجعلان أباهم على كل شيء قدير" ثم يستغفر الله

          شكرا لك استاذي
          التعديل الأخير تم بواسطة سالم الجابري; الساعة 10-04-2011, 17:11.

          تعليق

          • سها أحمد
            عضو الملتقى
            • 14-01-2011
            • 313

            #6
            قصة خفيفة الدم رغم ثقل كلماتها من ابداع
            دمت بخير
            تحياتى
            [SIZE=6][COLOR=black]اذآ ضآق الزمآن وشآنت ظروفك ترآنى مثل طيآت الذهب[/COLOR][/SIZE]
            [SIZE=6][/SIZE]
            [SIZE=6]مايختلف لونى[/SIZE]
            [SIZE=6][COLOR=red][/COLOR][/SIZE]
            [SIZE=6][COLOR=#ff0000][/COLOR][/SIZE]
            [SIZE=6][COLOR=#ff0000][/COLOR][/SIZE]
            [COLOR=#bfbfbf][/COLOR]

            تعليق

            • عبد المجيد برزاني
              مشرف في ملتقى الترجمة
              • 20-01-2011
              • 472

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة مباركة بشير أحمد مشاهدة المشاركة


              قصة خفيفة ،رشيقة صيغت بأسلوب عذب يمزج بين الجد والفكاهة ،تعكس مرآتها صورا واقعية، مجتثة من صلب الحقيقة التي يعاني من احتساء مرارتها كثير من الأزواج، في عصر انتبذت فيه القيم الإنسانية الجميلة، وتنحت بعيدا لتترك المجال مجبرة للمظاهر الزائفة .


              كل التقدير والشكر أخي الفاضل، لمانثره قلمك من روعة وجمال.


              أسمى تحاياي وتقديري.
              سرني جدا منك هذا التفاعل الجميل..رؤية اسمك هنا أسعدني جدا( إنه اسم أمي.!!).وبديع قراءتك طمأنني لأنه لقاصة أقرأ لها وتعجبني جدا كتاباتها..
              مودتي والتحيات أختي مباركة.

              تعليق

              • محمد فطومي
                رئيس ملتقى فرعي
                • 05-06-2010
                • 2433

                #8
                لا أبالغ إن قلت أنّ الدّار هي القضيّة الوحيدة التي يتنازع عليها طرفان أحدهما عقلانيّ و موضوعيّ و ناضج،يكون له من البراهين ما يقنع قاضي قضاة الكوفة،و طرف آخر متسرّع و سطحيّ يبسّط الأشياء و يستهين بها و يصغّر كلّ كبيرة و له من البراهين ما يضحك ،ثمّ تراك تقف إجلالا لفكره،لا مقتنعا به و حسب.
                المفارقة هي أنّ أدلّة الزّوج تأتي قبل الشّروع في العمل أفهمها أنا و أنت،و أدلّة الزّوجة تأتي في شكل نجاح و تحقّق على أرض الواقع فيما بعد كظاهرة لا أجد لها تفسيرا و لا أراك قد اهتديت إليه.
                قصّة ممتعة بحقّ أستاذي عبد المجيد برزاني.
                أحيّيك من الأعماق.
                مدوّنة

                فلكُ القصّة القصيرة

                تعليق

                • آسيا رحاحليه
                  أديب وكاتب
                  • 08-09-2009
                  • 7182

                  #9
                  هههههه...
                  تناولت الموضوع بطريقة ممتعة حقا ..
                  أهنئك .
                  ما لا تحمد عقباه أم عقباي ؟
                  تحيّتي أخي الكريم .
                  يظن الناس بي خيرا و إنّي
                  لشرّ الناس إن لم تعف عنّي

                  تعليق

                  • عبد المجيد برزاني
                    مشرف في ملتقى الترجمة
                    • 20-01-2011
                    • 472

                    #10
                    المشاركة الأصلية بواسطة سالم الجابري مشاهدة المشاركة
                    أستاذي عبد المجيد

                    لي أخ يردد دوماً "المرأة والصغير يجعلان أباهم على كل شيء قدير" ثم يستغفر الله

                    شكرا لك استاذي




                    اخي سالم شكرا لمرورك الجميل
                    مودتي

                    تعليق

                    • عبد المجيد برزاني
                      مشرف في ملتقى الترجمة
                      • 20-01-2011
                      • 472

                      #11
                      المشاركة الأصلية بواسطة محمد فطومي مشاهدة المشاركة
                      لا أبالغ إن قلت أنّ الدّار هي القضيّة الوحيدة التي يتنازع عليها طرفان أحدهما عقلانيّ و موضوعيّ و ناضج،يكون له من البراهين ما يقنع قاضي قضاة الكوفة،و طرف آخر متسرّع و سطحيّ يبسّط الأشياء و يستهين بها و يصغّر كلّ كبيرة و له من البراهين ما يضحك ،ثمّ تراك تقف إجلالا لفكره،لا مقتنعا به و حسب.
                      المفارقة هي أنّ أدلّة الزّوج تأتي قبل الشّروع في العمل أفهمها أنا و أنت،و أدلّة الزّوجة تأتي في شكل نجاح و تحقّق على أرض الواقع فيما بعد كظاهرة لا أجد لها تفسيرا و لا أراك قد اهتديت إليه.
                      قصّة ممتعة بحقّ أستاذي عبد المجيد برزاني.
                      أحيّيك من الأعماق.
                      أخي محمد :
                      هو فقط الجدال العادي الجاري بين كل زوج وزجة...
                      سعدت أخي بمقاربتك..لك مودتي وتقديري.

                      تعليق

                      • ريما ريماوي
                        عضو الملتقى
                        • 07-05-2011
                        • 8501

                        #12
                        روعة قصتك الواقعية بأسلوب فكاهي جميل,
                        والمرأة قادرة على تحقيق ما تريد
                        لكن هذا دليل ان بطلنا يحبها حقا
                        استمتعت بما قرأت جدا.
                        أتمنى أن أراك أكثر في عالم القص الجميل,
                        واتمنى أن ترد كذلك على جميع معجبيك
                        فعددهم لا بأس به.
                        مودتي وتقديري.
                        تحياتي.
                        التعديل الأخير تم بواسطة ريما ريماوي; الساعة 13-07-2011, 14:54.


                        أنين ناي
                        يبث الحنين لأصله
                        غصن مورّق صغير.

                        تعليق

                        • عبد المجيد برزاني
                          مشرف في ملتقى الترجمة
                          • 20-01-2011
                          • 472

                          #13
                          المشاركة الأصلية بواسطة آسيا رحاحليه مشاهدة المشاركة
                          هههههه...
                          تناولت الموضوع بطريقة ممتعة حقا ..
                          أهنئك .
                          ما لا تحمد عقباه أم عقباي ؟
                          تحيّتي أخي الكريم .
                          سعيد أن هذا النص أضحك للا [gdwl]آسيا[/gdwl] وأعجبتها طريقة تناول المطلوع عفوا الموضوع...
                          هي عقباه وليس عقباي، شكرا لك، وسأصححها..
                          أستسمح جدا عن التأخر في الرد لأني كنت رددت على كل الأعضاء ولم أنتبه إلى تعليقك الجميل ، وأشكر الأخت ريما التي لفتت انتباهي إلى ذلك.
                          مودتي ومحبتي وكل التقدير.

                          تعليق

                          • عبد المجيد برزاني
                            مشرف في ملتقى الترجمة
                            • 20-01-2011
                            • 472

                            #14
                            المشاركة الأصلية بواسطة ريما ريماوي مشاهدة المشاركة
                            روعة قصتك الواقعية بأسلوب فكاهي جميل,
                            والمرأة قادرة على تحقيق ما تريد
                            لكن هذا دليل ان بطلنا يحبها حقا
                            استمتعت بما قرأت جدا.
                            أتمنى أن أراك أكثر في عالم القص الجميل,
                            واتمنى أن ترد كذلك على جميع معجبيك
                            فعددهم لا بأس به.
                            مودتي وتقديري.
                            تحياتي.
                            الوارفة ريما شكرا لك على التنبيه أولا ثم على مرورك العطر...آمل أن أكون عند حسن اذواقكم الرفيعة في النصوص القادمة إن شاء الله.
                            مودتي وكل التقدير.

                            تعليق

                            يعمل...
                            X