أنوثة تغلي تحت الحجاب
مثل كل الناس...
سافر مسعود للعمل في السعودية..
لجمع ما يمكن من المال والعودة بمشروع يقتات به مع العائلة.. لقمة طيبة مغمسة بالعسل.. وسقفاً ملكاً لا إيجار.. ورغبة جامحة في أن يمد رجليه على الآخر متجاوزا مساحة الغطاء..
الحلم كالمومس يراود كل شهواني..
قبل أن يحزم مسعود الحقيبة جمع صورة زوجته وابنته وصور الزفاف ودكها جميعها في الحقيبة مع آية الكرسي والمعوذتين كزوادة له في غربته..
لم يرسل في الشهر الأول أي نقود.. واكتفى بضخ الرسائل وتسريب المكالمات التلفونية.. بينما قلب المعادلة في الشهر الثاني فأرسل نقوداً بلا رسائل.. مما أبهج الأسرة والأهل فرفع معنويات زوجته التي تسكن عند أهله.. وأثلج صدر أبويه بأنه استثمر دعاءهما ورضاهما..
أراد مسعود اختزال الزمن.. ونهب الوقت.. فشرع بالبحث عن عمل إضافي.. ووجده وانغمس فيه وسخر نفسه للعمل ست عشرة ساعة ليقلص مدة غربته إلى ثلاث سنوات..
ذاب في العمل وتكديس المال.. وقسا على نفسه أكثر فاكتفى بوجبتين في اليوم.. وبالسكن المتواضع والمشترك.. ولم يشتر أي ألبسة جديدة بل رجع إلى ما في حقيبته من ملابس جلبها معه من الوطن وأخيراً حسم أمره وكتب إلى زوجته:
"زوجتي الغالية نبيلة وابنتي الحبيبة يارا..
أن شوقي إليكما لا حدود له.. ولكني وضعت الهدف الأسمى نصب عيني.. وهو تحقيق ما سافرت من أجله بأقصر مدة ممكنة.. ولذلك قررت ، أن لا آخذ إجازة هذا العام .. وأستغل فترتها في العمل لأن الأجر مضاعف.. وبنفس الوقت توفير ثمن تذكرة الطائرة ومصاريف السفر..
آمل أن تشاطراني تفكيري وتصبرا معي إلى أن نلتقي..
لكما عناقي وقبلاتي..
زوجك مسعود..
طوت زوجته نبيلة الرسالة وطوت معها خيبتها وألمها.. وكظمت غيظها أمام والديه بعد قراءة السطور التي خنقت عبراتها في مآقي عينيها الجميلتين..
فاجأتها حماتها ذات يوم وسألتها:
- خير يا نبيلة.. طلعاتك برا البيت صارت كثيرة؟
- واجبات اجتماعية.. عم أزور صاحباتي وأتونس معهن..
- بس بنتك عم تتركيها في البيت.. خليها تشم الهواء معك.
- ما بريد تسمع حكي النسوان.. لسه صغيرة..
- ليش عم تحكوا شغلات ما بتسوى؟
- أعوذ بالله.. بس يعني كلام متزوجات وهيك يعني..
- ما بدنا الناس تلت وتعجن.. ويقولوا زوجها مسافر وهي ما عم تقعد بالبيت..
قفلت حماتها الحديث.. لكنها فتحت رأس نبيلة بهذه الكلمات.. ولفتت انتباهها إلى ما كان غافلاً عنها
فمكثت عدة أسابيع في البيت كإقامة جبرية..
كانت نبيلة "تهرش" دائماً رأسها لتنشط دماغها في البحث عن مخرج من هذا المأزقة.. فلم تتفتق مواهبها عن أي بريق يخرجها من هذا النفق المعتم..
ذات خلوة تأمل حزين .. كانت نبيلة ترتشف فيها قهوة الصباح.. رن جرس الباب.. فجرجرت قدميها بلا رغبة وفتحته لتصطدم بساعي البريد وهو يقدم لها رسالة من زوجها المغترب..
أجل المغترب في بعثة ذاتية لتحسين الأوضاع الداخلية للبيت..
الأوضاع الداخلية هي الجدران والكراسي والكنبات والصحون ومحتويات الثلاجة وكذلك نبيلة ذاتها.. فهي كإحدى الأواني على ما يبدو..
بعد أن رسخ هذا الاعتقاد في أحشاء نبيلة.. تناولت الرسالة ببرود ورمتها على أول طاولة صادفتها.. فهي لم تتزوج للمطالعة وقراءة سطور لا تدفىء فراشها.. وتتحسس أنوثتها..
أنوثة يستهلكها الفراغ والكآبة..
أيقظها سؤال حميها من حلم اليقظة:
- أنا سمعت جرس الباب لما كنت أصلي.. خير من دق الباب؟
- ساعي البريد.
- شو.. رسالة من مسعود؟
سألها حموها فرحاً مغتبطاً وهيأ نفسه لسماع الأخبار وقال:
- إيه.. شو عم يقول؟
- الرسالة فوق الطاولة.. ما فتحتها..
استغرب قليلاً لبرودها.. وتناول الرسالة وفتحها متشوقاً وصاح:
- الله أكبر.. اللهم أجعله حجاً مبروراً وسعياً مشكوراً..
والتفت إلى نبيلة وقدم لها الصورة وهو يقول.
- تفضلي تفرجي على زوجك وهو في لباس الإحرام.. الله يرضى عليه..
تناولت الصورة بلا رغبة ولا لهفة.. ورمقت زوجها في لباس الإحرام.. ولكنها بعد لحظات صاحت بانفعال:
- الله أكبر الله أكبر.... الله يرضى عليه..
فاغتبط حموها..وسرّه ما رآه منها وقال:
- هاتي الصورة لأدخل وأفرّح فيها أم مسعود..
أعطته الصورة.. وانطلقت إلى البلكونة.. ونظرت إلى ساعي البريد ولكنه كان قد غاب فقالت لنفسها:
- يا خسارة المسكين حتى ما تشكرناه..
لقد حمل لها الساعي الحل الذي غفلت عنه.. الحل في عب الرسالة.. في هذه الصورة الصغيرة..
" الحل في الملابس".
ولم تمض عدة أيام حتى كانت نبيلة تفاجئ الجميع.. داخل وخارج البيت.. وقال حموها:
- "إنك لاتهد من أحببت.. إن الله يهدي من يشاء"
فها هي نبيلة تقف أمامهم في جلباب أسود قاتم.. وقفازات سود.. و حجاب سميك يخفي وجهها تماما.. فلا يمكن معرفتها إلا بصوتها..
وصاحت حماتها من الفرحة:
- الله أكبر.. شو هاد.. اللهم صلي على النبي.. بارك الله فيك يا بنتي.
- طبعاً.. أنا الآن زوجة الحاج مسعود.. وربنا يطعمنا..
وصاحوا جميعاً:
- آمين..
منذ ذاك اليوم ونبيلة تدخل وتخرج بكثرة.. وتتأخر أحياناً في العودة.. ولكن الجميع راضون.. ولم يعد أحد يلاحظ ذلك أو يتساءل..
إن لباس الإحرام خرق دماغ نبيلة.. وجعلها تفطن إلى تغيير لبسها..واخفاء مظهرها في الحي واستثمار أنوثتها "خارج التغطية".. لا كما ظن البعض أنه صون لعفتها لا سيما زوجها الذي زفّ الخبر اليه فأنعشه.. وأبهجه.. فمدد عقده سنة أخرى..
دعا الحاج مسعود زوجته للسفر إليه لأداء فريضة الحج لتكتمل لوحة الهدى والتقوى.. لكنها رفضت متذرعة:
- الحج لازمه محرم..
ووافق صامتاً..
ولم يدر في خلده أنه زوجها ويعتبر محرماً إذا جاءت تحج..
مع إنتهاء عقود عمله.. نفخ حقائب السفر بالهدايا.. وأطال متعة عينيه بكنزه الذي كدسه طيلة غربته ودسه تحت إبطه وتوجه إلى المطار، وقد تعتقت في رأسه أفكار شتى المشاريع التي ينوي إقامتها بعد شراء الشقة والأثاث والسيارة ..
أقيمت الأفراح.. والليالي الملاح.. في البيت إثر وصوله المنتظر..
إلا أنه بعد أسبوعين.. اشتكت نبيلة من آلام في أحشائها فسارع الحاج مسعود لاستدعاء الطبيب الذي أجرى الفحوصات الأولية.. فلم يتبين له شيئاً.. فنصح بنقلها إلى المستشفى لإجراء التحاليل..
وبعد إنتهاء الكشف والفحوصات جلس الطبيب يشرح للحاج مسعود:
- تأخرت كتير يا حاج.. كان لازم تلحقوها من قبل..
- خير دكتور.. شو في معها؟
- التهاب حاد في الرحم.. لأن فترة لولب منع الحمل خلصت من أكثر من سنة.. وكان لازم يتغير ليش ما غيرتوه من سنة؟
- لولب منع الحمل وأنا مسافر من سنين.. ليش يادكتور؟
- بتقدر تستخدم وسيلتين مساعدة.. الاتصال بصديق أو تسأل الجمهور.
وخرج الطبيب من الغرفة يهز رأسه عجبا من تساؤل الزوج ..
مثل كل الناس...
سافر مسعود للعمل في السعودية..
لجمع ما يمكن من المال والعودة بمشروع يقتات به مع العائلة.. لقمة طيبة مغمسة بالعسل.. وسقفاً ملكاً لا إيجار.. ورغبة جامحة في أن يمد رجليه على الآخر متجاوزا مساحة الغطاء..
الحلم كالمومس يراود كل شهواني..
قبل أن يحزم مسعود الحقيبة جمع صورة زوجته وابنته وصور الزفاف ودكها جميعها في الحقيبة مع آية الكرسي والمعوذتين كزوادة له في غربته..
لم يرسل في الشهر الأول أي نقود.. واكتفى بضخ الرسائل وتسريب المكالمات التلفونية.. بينما قلب المعادلة في الشهر الثاني فأرسل نقوداً بلا رسائل.. مما أبهج الأسرة والأهل فرفع معنويات زوجته التي تسكن عند أهله.. وأثلج صدر أبويه بأنه استثمر دعاءهما ورضاهما..
أراد مسعود اختزال الزمن.. ونهب الوقت.. فشرع بالبحث عن عمل إضافي.. ووجده وانغمس فيه وسخر نفسه للعمل ست عشرة ساعة ليقلص مدة غربته إلى ثلاث سنوات..
ذاب في العمل وتكديس المال.. وقسا على نفسه أكثر فاكتفى بوجبتين في اليوم.. وبالسكن المتواضع والمشترك.. ولم يشتر أي ألبسة جديدة بل رجع إلى ما في حقيبته من ملابس جلبها معه من الوطن وأخيراً حسم أمره وكتب إلى زوجته:
"زوجتي الغالية نبيلة وابنتي الحبيبة يارا..
أن شوقي إليكما لا حدود له.. ولكني وضعت الهدف الأسمى نصب عيني.. وهو تحقيق ما سافرت من أجله بأقصر مدة ممكنة.. ولذلك قررت ، أن لا آخذ إجازة هذا العام .. وأستغل فترتها في العمل لأن الأجر مضاعف.. وبنفس الوقت توفير ثمن تذكرة الطائرة ومصاريف السفر..
آمل أن تشاطراني تفكيري وتصبرا معي إلى أن نلتقي..
لكما عناقي وقبلاتي..
زوجك مسعود..
طوت زوجته نبيلة الرسالة وطوت معها خيبتها وألمها.. وكظمت غيظها أمام والديه بعد قراءة السطور التي خنقت عبراتها في مآقي عينيها الجميلتين..
فاجأتها حماتها ذات يوم وسألتها:
- خير يا نبيلة.. طلعاتك برا البيت صارت كثيرة؟
- واجبات اجتماعية.. عم أزور صاحباتي وأتونس معهن..
- بس بنتك عم تتركيها في البيت.. خليها تشم الهواء معك.
- ما بريد تسمع حكي النسوان.. لسه صغيرة..
- ليش عم تحكوا شغلات ما بتسوى؟
- أعوذ بالله.. بس يعني كلام متزوجات وهيك يعني..
- ما بدنا الناس تلت وتعجن.. ويقولوا زوجها مسافر وهي ما عم تقعد بالبيت..
قفلت حماتها الحديث.. لكنها فتحت رأس نبيلة بهذه الكلمات.. ولفتت انتباهها إلى ما كان غافلاً عنها
فمكثت عدة أسابيع في البيت كإقامة جبرية..
كانت نبيلة "تهرش" دائماً رأسها لتنشط دماغها في البحث عن مخرج من هذا المأزقة.. فلم تتفتق مواهبها عن أي بريق يخرجها من هذا النفق المعتم..
ذات خلوة تأمل حزين .. كانت نبيلة ترتشف فيها قهوة الصباح.. رن جرس الباب.. فجرجرت قدميها بلا رغبة وفتحته لتصطدم بساعي البريد وهو يقدم لها رسالة من زوجها المغترب..
أجل المغترب في بعثة ذاتية لتحسين الأوضاع الداخلية للبيت..
الأوضاع الداخلية هي الجدران والكراسي والكنبات والصحون ومحتويات الثلاجة وكذلك نبيلة ذاتها.. فهي كإحدى الأواني على ما يبدو..
بعد أن رسخ هذا الاعتقاد في أحشاء نبيلة.. تناولت الرسالة ببرود ورمتها على أول طاولة صادفتها.. فهي لم تتزوج للمطالعة وقراءة سطور لا تدفىء فراشها.. وتتحسس أنوثتها..
أنوثة يستهلكها الفراغ والكآبة..
أيقظها سؤال حميها من حلم اليقظة:
- أنا سمعت جرس الباب لما كنت أصلي.. خير من دق الباب؟
- ساعي البريد.
- شو.. رسالة من مسعود؟
سألها حموها فرحاً مغتبطاً وهيأ نفسه لسماع الأخبار وقال:
- إيه.. شو عم يقول؟
- الرسالة فوق الطاولة.. ما فتحتها..
استغرب قليلاً لبرودها.. وتناول الرسالة وفتحها متشوقاً وصاح:
- الله أكبر.. اللهم أجعله حجاً مبروراً وسعياً مشكوراً..
والتفت إلى نبيلة وقدم لها الصورة وهو يقول.
- تفضلي تفرجي على زوجك وهو في لباس الإحرام.. الله يرضى عليه..
تناولت الصورة بلا رغبة ولا لهفة.. ورمقت زوجها في لباس الإحرام.. ولكنها بعد لحظات صاحت بانفعال:
- الله أكبر الله أكبر.... الله يرضى عليه..
فاغتبط حموها..وسرّه ما رآه منها وقال:
- هاتي الصورة لأدخل وأفرّح فيها أم مسعود..
أعطته الصورة.. وانطلقت إلى البلكونة.. ونظرت إلى ساعي البريد ولكنه كان قد غاب فقالت لنفسها:
- يا خسارة المسكين حتى ما تشكرناه..
لقد حمل لها الساعي الحل الذي غفلت عنه.. الحل في عب الرسالة.. في هذه الصورة الصغيرة..
" الحل في الملابس".
ولم تمض عدة أيام حتى كانت نبيلة تفاجئ الجميع.. داخل وخارج البيت.. وقال حموها:
- "إنك لاتهد من أحببت.. إن الله يهدي من يشاء"
فها هي نبيلة تقف أمامهم في جلباب أسود قاتم.. وقفازات سود.. و حجاب سميك يخفي وجهها تماما.. فلا يمكن معرفتها إلا بصوتها..
وصاحت حماتها من الفرحة:
- الله أكبر.. شو هاد.. اللهم صلي على النبي.. بارك الله فيك يا بنتي.
- طبعاً.. أنا الآن زوجة الحاج مسعود.. وربنا يطعمنا..
وصاحوا جميعاً:
- آمين..
منذ ذاك اليوم ونبيلة تدخل وتخرج بكثرة.. وتتأخر أحياناً في العودة.. ولكن الجميع راضون.. ولم يعد أحد يلاحظ ذلك أو يتساءل..
إن لباس الإحرام خرق دماغ نبيلة.. وجعلها تفطن إلى تغيير لبسها..واخفاء مظهرها في الحي واستثمار أنوثتها "خارج التغطية".. لا كما ظن البعض أنه صون لعفتها لا سيما زوجها الذي زفّ الخبر اليه فأنعشه.. وأبهجه.. فمدد عقده سنة أخرى..
دعا الحاج مسعود زوجته للسفر إليه لأداء فريضة الحج لتكتمل لوحة الهدى والتقوى.. لكنها رفضت متذرعة:
- الحج لازمه محرم..
ووافق صامتاً..
ولم يدر في خلده أنه زوجها ويعتبر محرماً إذا جاءت تحج..
مع إنتهاء عقود عمله.. نفخ حقائب السفر بالهدايا.. وأطال متعة عينيه بكنزه الذي كدسه طيلة غربته ودسه تحت إبطه وتوجه إلى المطار، وقد تعتقت في رأسه أفكار شتى المشاريع التي ينوي إقامتها بعد شراء الشقة والأثاث والسيارة ..
أقيمت الأفراح.. والليالي الملاح.. في البيت إثر وصوله المنتظر..
إلا أنه بعد أسبوعين.. اشتكت نبيلة من آلام في أحشائها فسارع الحاج مسعود لاستدعاء الطبيب الذي أجرى الفحوصات الأولية.. فلم يتبين له شيئاً.. فنصح بنقلها إلى المستشفى لإجراء التحاليل..
وبعد إنتهاء الكشف والفحوصات جلس الطبيب يشرح للحاج مسعود:
- تأخرت كتير يا حاج.. كان لازم تلحقوها من قبل..
- خير دكتور.. شو في معها؟
- التهاب حاد في الرحم.. لأن فترة لولب منع الحمل خلصت من أكثر من سنة.. وكان لازم يتغير ليش ما غيرتوه من سنة؟
- لولب منع الحمل وأنا مسافر من سنين.. ليش يادكتور؟
- بتقدر تستخدم وسيلتين مساعدة.. الاتصال بصديق أو تسأل الجمهور.
وخرج الطبيب من الغرفة يهز رأسه عجبا من تساؤل الزوج ..
تعليق