البعض لا يريد إسقاط النظام
..
.
جلس منصور مع زوجه وأطفاله الثلاثة إلى المائدة الفقيرة وقد كسا وجهه الهمُّ والحزن، مما جعله يكتفى بلقيمات قلائل حمد الله بعدها، ثمّ أخذ يحدِّق في وجوه أفراد أسرته بعينين ملؤهما القلق من المستقبل بعدما زادت الأعباء دون أن يقابلها زيادة في الأجر الذي يحصل عليه من عمله البسيط في مصنع الزيتون العتيق، ثم أخرِج من جيبه الأوراق النقدية القليلة التي بقيت من راتبه الضئيل ليضعها - في صمت - في يد زوجته التي سألته مستفسرة:
- هل اشتريت العلاج الشهري للضغط والسكر؟
- الشافي هو الله.
غمغم بها منصور، ونهض واقفًا بينما كانت زوجه وأبناؤه ما يزالون متحلقين مائدة الطعام الفقيرة، ثم دلف لغرفة النوم، ولم يكد يضع جنبه على الفراش طلبًا للراحة من عناء عمله الشاق حتَّى سمع هتاف الأطفال مدوِّيًا في فناء البيت: (الشعب يريد إسقاط النظام)، فأسرع المسكين يغلق نوافذ البيت المطلَّة على الشارع في هلع وخوف، بينما راحت الأم تستجدي أطفالها وتتوسل إليهم:
- لا يا أحبتي، شعبنا يحبُّ نظامه، ولا يصحُّ أن يهتف بسقوطه!!
فردَّ أصغرهم في براءة:
- لكنَّ شاشات التليفزيون تنقل لنا صور المتظاهرين يهتفون مطالبين بسقوط الأنظمة في كلِّ مكان!!
أجابت الأم وقد فرغ صبرها:
- إلا نحن يا بني!!
فسأل الثاني:
- ولماذا يا أمي؟
أجابت الأم بعد تنهيدة عميقة:
- لأننا نحب نظامنا كما هو يا أبنائي، ولا يجب أن نفكِّر في تغييره.
وهنا تدخل أكبر الأطفال محاولاً إقناع الأم:
- لكنك وأبي أحببتما وتابعتما بشغفٍ حديث الثُّوار الذين رأيناهم على كلّ الشاشات؛ لقد رأيت أعينكما تتسع دهشة عندما تحدّث هؤلاء الثُّوار عن الحرِّية، وعن الكرامة، وعن حكم الشعب لنفسه، وعن معاقبة الحكَّام المفسدين الذين يسرقون أموال شعوبهم، و...
فقاطعته الأم في ضجر:
- أرجوكم؛ لا تلتفتوا لما يقوله هؤلاء الثُّوار يا أحبتي الآن، وغدًا ستكبرون وتعرفون أننا دون شعوب الأرض لا يحق لنا أن نثور.
قالت ذلك بصوت واهن بينما عيناها تستنجدان بزوجها الذي جفّتْ على لسانه الكلمات وظلّ طوال الوقت مكتئبًا متحاشيًا أن تلتقى عيناه بأعين أطفاله، وقد أسند رأسه بكلتا يديه، فإذا بالأب يعتدل في جلسته، وقد داخله شعور بالزهو المفاجئ، ليصيح سائلاً أطفاله:
- هل تريدون أن تخرجوا في مظاهرة حاشدة للشارع ومعكم كل أطفال القرية؟
- أجل يا أبي.
- إذًا؛ اخرجوا وتظاهروا مثل كل شعوب الأرض.
- هل نهتف: (الشعب يريد إسقاط النظام)؟
- بل اهتفوا: (الله.. سكسونيا.. رئيسنا، وبس)
- هل اشتريت العلاج الشهري للضغط والسكر؟
- الشافي هو الله.
غمغم بها منصور، ونهض واقفًا بينما كانت زوجه وأبناؤه ما يزالون متحلقين مائدة الطعام الفقيرة، ثم دلف لغرفة النوم، ولم يكد يضع جنبه على الفراش طلبًا للراحة من عناء عمله الشاق حتَّى سمع هتاف الأطفال مدوِّيًا في فناء البيت: (الشعب يريد إسقاط النظام)، فأسرع المسكين يغلق نوافذ البيت المطلَّة على الشارع في هلع وخوف، بينما راحت الأم تستجدي أطفالها وتتوسل إليهم:
- لا يا أحبتي، شعبنا يحبُّ نظامه، ولا يصحُّ أن يهتف بسقوطه!!
فردَّ أصغرهم في براءة:
- لكنَّ شاشات التليفزيون تنقل لنا صور المتظاهرين يهتفون مطالبين بسقوط الأنظمة في كلِّ مكان!!
أجابت الأم وقد فرغ صبرها:
- إلا نحن يا بني!!
فسأل الثاني:
- ولماذا يا أمي؟
أجابت الأم بعد تنهيدة عميقة:
- لأننا نحب نظامنا كما هو يا أبنائي، ولا يجب أن نفكِّر في تغييره.
وهنا تدخل أكبر الأطفال محاولاً إقناع الأم:
- لكنك وأبي أحببتما وتابعتما بشغفٍ حديث الثُّوار الذين رأيناهم على كلّ الشاشات؛ لقد رأيت أعينكما تتسع دهشة عندما تحدّث هؤلاء الثُّوار عن الحرِّية، وعن الكرامة، وعن حكم الشعب لنفسه، وعن معاقبة الحكَّام المفسدين الذين يسرقون أموال شعوبهم، و...
فقاطعته الأم في ضجر:
- أرجوكم؛ لا تلتفتوا لما يقوله هؤلاء الثُّوار يا أحبتي الآن، وغدًا ستكبرون وتعرفون أننا دون شعوب الأرض لا يحق لنا أن نثور.
قالت ذلك بصوت واهن بينما عيناها تستنجدان بزوجها الذي جفّتْ على لسانه الكلمات وظلّ طوال الوقت مكتئبًا متحاشيًا أن تلتقى عيناه بأعين أطفاله، وقد أسند رأسه بكلتا يديه، فإذا بالأب يعتدل في جلسته، وقد داخله شعور بالزهو المفاجئ، ليصيح سائلاً أطفاله:
- هل تريدون أن تخرجوا في مظاهرة حاشدة للشارع ومعكم كل أطفال القرية؟
- أجل يا أبي.
- إذًا؛ اخرجوا وتظاهروا مثل كل شعوب الأرض.
- هل نهتف: (الشعب يريد إسقاط النظام)؟
- بل اهتفوا: (الله.. سكسونيا.. رئيسنا، وبس)
تعليق