آثار اللهجات العربية في القراءات القرآنية (بحث للإثراء)

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • حسين ليشوري
    طويلب علم، مستشار أدبي.
    • 06-12-2008
    • 8016

    آثار اللهجات العربية في القراءات القرآنية (بحث للإثراء)

    آثار اللهجات العربية في القراءات القرآنية

    (بحث في بقايا اللهجات العربية من خلال القراءات القرآنية)




    المقدمة

    [align=justify]الحمد لله الذي خلق الإنسان و علمه البيان و أنزل القرآن هاديا إلى الحق و مرشدا إلى الصواب و دليلا إلى رب العالمين، ثم أما بعد: لم يعد القرآن الكريم موضوعا للدراسات الشرعية و اللغوية التقليدية و التي تناوله فيها العلماء من كل جانب فحسب، بل صار الآن موضوع دراسات لسانية و صوتية حديثة بما تمنحه قراءاته المختلفة من فرص لمعرفة لهجات العرب التي نطق بها القرآن الكريم، و قد بادت تلك اللهجات كلها أوجلها و اندثرت و ذهبت بذهاب الناطقين بها، و لولا ما سجله العلماء قديما من مختلف القراءات و الاستدلال عليها بلهجات القبائل أو لغاتهم و لحونهم لما أمكننا اليوم معرفة الفروق الدقيقة بين لهجات تلك القبائل و التي عاصرت نزول الوحي أو معرفة وجوه الخلاف بين علماء اللغة فيما يذهبون إليه من أقوال يعللون بها ما يثيرونه من مسائل نحوية أو صرفية و شروح للشواهد الشعرية يعتمدونها في أقوالهم و مواقفهم و آرائهم و مذاهبهم، و يبحثون من خلالها وجوه الاحتجاج لمواقفهم و آرائهم تلك.
    لقد اخترت، انطلاقا من هذه النظرة العامة، آثار اللهجات العربية في القراءات القرآنية موضوعا لبحثي هذا حتى نرى جميعا من خلاله ما تبقى من لهجات عربية مختلفة، و هي كثيرة جدا حسب بعض العلماء، لم يعد لها وجود في الواقع المعيش لولا وجود القراءات، و بهذا صار القرآن الكريم بمختلف قراءاته السجل الموثوق لتلك اللهجات المندثرة، لعلي أقدم خدمة و لو بسيطة إلى اللغة العربية المستعملة اليوم بلفت الانتباه إلى ضرورة إعادة النظر في تلك اللهجات لتوظيف الصالح من ألفاظها و صيغها، مفرداتها و تعابيرها، توظيفا يخدم اللغة العربية المعاصرة.
    و يجرنا هذا الكلام إلى مناقشة العنوان نفسه لما قد يحدثه من غموض أو لبس عند النظرة السطحية السريعة، أو المتسرعة، فيخيل إلى القارئ أنه كان يجب علينا إثبات العكس بحيث يصاغ، و قد قيل لي ذلك، كما يلي "أثر القرآن في اللهجات العربية" و هذا يتعارض مع ما أقصده من بحثي من جانبين اثنين:
    أولهما: أننا لو فعلنا ذلك لخيل إلينا أن القرآن الكريم نزل بغير لغة، أو لغات، العرب فأثر فيها إن كثيرا فقليلا بحكم هيمنة الإسلام على الأمم كما حدث مع الشعوب غير العربية و التي دخلت فيه فتأثرت لغاتها بلغته كثيرا أو قليلا كما يتأثر المغلوب بأحوال الغالب بما فيها اللغة، و لو أن أثر القرآن الكريم في اللغة العربية ذاتها أثر بليغ لا يمكن تجاهله أو تجاوزه، لكن هذا ليس موضوع بحثنا الآن.
    و ثانيهما: أن القرآن الكريم كله و في حد ذاته أثر من آثار اللهجات العربية و قد نص القرآن نفسه على هذا بقوله {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }إبراهيم4، و القوم أسبق من النبي المرسل إليهم و لسانهم أسبق من لسان الوحي المنزل عليهم بواسطة ذلك النبي، و ما اللغة العربية إلا مجموع لغات العرب أو لهجاتهم أو لحونهم، و ما القرآن الكريم إلا مزيج محكم من لهجات العرب قد تخير الله سبحانه و تعالى أبلغها و أفصحها و أبينها و أسلسها و أنزل آخر كتبه و جعله معجزة آخر أنبيائه عليه الصلاة و السلام، و قد نص الإمام السيوطي في كتابه "الإتقان في علوم القرآن" أن في القرآن خمسين لغة من لغات العرب إضافة إلى ما فيه من لغات الأمم الأخرى (1) على ما في هذا الرأي من خلاف و جدال سنبينه في محله، إن شاء الله تعالى، و لذا أثبتُّ كلمة "آثار" و أقصد بها بقايا اللهجات العربية و التي لم يعد لها ذكر إلا من خلال القراءات القرآنية المُتوثَّق منها.
    و نظرا لمستوى البحث الابتدائي لم أجعله بحثا مستفيضا لا يذر شاردة و لا واردة لها صلة بالموضوع إلا أحصاها وأثبتها و قيدها فهذا مما لا طاقة لي به وحسبي أنني بذلت ما وسعني الجهد لعرض موضوع واسع كهذا عرضا آمل أن يكون لائقا حاولت الإلمام فيه بالجوانب التي حصرت بحثي فيها حسب ما توفر لدي من مراجع لها صلة مباشرة أو غير مباشرة بالموضوع و حسب ما توفر لي من طاقة و وفق استطاعتي مع أن البحث فيه لا يزال مفتوحا.
    و أستأنس هنا و أنا في سياق الحديث عن آثار اللهجات العربية في القراءات القرآنية بفقرة من كتاب الدكتور عبده الرّاجحي، رحمه الله تعالى "اللهجات العربية في القراءات القرآنية"، إذ يقول في أول مقدمته: "... القرآن الكريم حياة هذه الأمة، لا تبتعد عنه لحظة إلا و تبتعد عنها معالم الحياة، و إن حياة لغتنا العربية في هذا الكتاب الكريم، و لا يعرف تاريخ لغة اتصلت حياتها بكتاب مقدس كما تتصل حياة العربية بالقرآن، و لا سبيل إلى فهم حياة أمة إلا بدرس كتابها ودرس لغتها التي عاشت فيه، و لسنا نعرف درسا لغويا آصل و لا أعمق من درس يصل بين العربية و القرآن" اهـ (2)، و أضيف انطلاقا من هذه النظرة الشاملة للدكتور الرّاجحي أن القراءات القرآنية المختلفة لا تزال مجالا واسعا و مرتعا خصبا لكل أنواع الدراسات العلمية الحديثة : لسانيات، صوتيات ...، لو تجد العناية الكافية من المختصين الذين تخلصوا من النظرات السطحية المتسرعة و الأحكام المسبقة و الخلفيات المشبوهة ليتناولوها تناولا موضوعيا صرفا خدمة للغة العربية و إثراء لها لتغطي متطلبات الحياة كلها الآن و مستقبلا، إذ العربية بحر زاخر عميق ثري يصدق فيها قول شاعر النيل، حافظ إبراهيم، رحمه الله تعالى، على لسانها بحق :
    [GASIDA="type=0 width="100%" border="none" font="bold x-large Arial" bkimage="""]"أنا البحر في أحشائه الدر كامن=فهل سألوا الغواص عن صدفاتي ؟"[/GASIDA]و قبله قال :
    [GASIDA="type=0 width="100%" border="none" font="bold x-large Arial" bkimage="""]و سعتُ كتاب الله لفظا و غاية=و ما ضقت عن آي به و عظات،
    فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة=و تنسيق أسماء لمخترعات ؟[/GASIDA]لم يكن اختياري لهذا الموضوع الشيق و الممتع في الوقت نفسه اعتباطيا و إنما كان بقصد الإطلاع على خلفيات علاقة القراءات القرآنية باللغة العربية عموما و الإلمام بمدى صلتها باللهجات العربية خصوصا و إثبات أصالة الدراسة ذاتها في هذا المجال الرحب ؛ لكن بقدر ما كانت الدراسة ممتعة و شيقة بقدر ما كانت صعبة الإنجاز و شاقة التحقيق و مكلفة في الجهود، و قد سلخت في تحريرها مدة قد طالت و أنفقت في تنظيمها حجها معتبرا و إنني و بكل صدق لأستقل ما بذلته من جهود في إنجازها لما حققه لي البحث من متعة المعرفة و شائقة التنقيب و التنقل بين عشرات المصادر و المراجع و غبطة الاكتشاف و سعادة التعلم و فرحة العرض المبسط ما يزيدني فهما للموضوع و ثقة بأصالة الدراسة العلمية في هذا الميدان الواسع و ضرورة المراجعة ة و التحقيق و التوثيق حتى نديم الصلة بين الحاضر بما يمثله من دراسات حديثة و الماضي بما يحمله من تراث أصيل.
    هذا و إنني لم أسجل إلا ما خطته يميني و لم أثبت إلا ما حققه بحثي حرصا مني على نزاهة الدراسة و أمانة النقل و موضوعية النتائج مفضلا التركيز أو الاقتضاب غير المخل على التطويل أو الإطناب الممل قدر المستطاع.
    لقد واجهتني، في البداية، عقبات كأداء كثيرة أصعبها ندرة المراجع التي تعرضت لمثل هذا الموضوع، و صعوبة الحصول عليها إن وجدت، ثم عقبة تناقض كثير من تلك المراجع ذاتها في إثبات بعض الحقائق التي لها صلة مباشرة بالموضوع أو نفيها، كتلك التي تنفي وجود لغات غير العربية في القرآن أو الأخرى التي تثبت العكس جازمة.
    أما قضية ما هي اللغة أو اللهجة التي نزل بها القرآن الكريم فهذا موضوع آخر لا يقل أهمية عن سابقه، و قد خاض الدارسون قديما و حديثا غماره حتى كاد لا يسع لمزيد من الدراسة و التحقيق لولا الفضول المعرفي الملح، و لذا فإنني ألتمس العذر من المطلعين على هذا البحث المتواضع إن لاحظوا فيه شططا في الرأي أو وجدوا فيه خروجا عن المنهجية العلمية الصارمة فما كان قصدي سوى الإلمام بخيوط الموضوع الكبير الرئيسة بما يسمح به مستوى البحث الابتدائي تاركا التحقيق العلمي الدقيق إلى مستويات أخرى أعلا و أوسع و أشمل أرجو أن تمنح لي فرصة إنجازها بعد هذا إن شاء الله تعالى.
    هذا و قد قسمت البحث إلى ثلاثة فصول هي التوسعة بعد هذه المقدمة و التمهيد الذي يليها فقد أردتهما أن يكونا بمثابة منهج البحث قد يعتمده من يرغب في توسيع الدراسة أو تعميقها ممن سيستفيد منه من طلاب العلم، ثم و في آخر المطاف وضعت الخاتمة و التي أحاول فيها تلخيص ما انتهيت إليه من نتائج أرجو أن تضيف جديدا في هذا المجال، و قسمت الفصول إلى مباحث و هذه الأخيرة إلى عناصر تحليلية تسهيلا لمتابعة القراءة و تتفاوت الفصول في أحجامها بتمايز المباحث و العناصر في تعدادها.
    فأما المقدمة فهي بين يديك أعرض فيها الهدف من البحث و الإشارة إلى أهمية دراسة اللهجات العربية القديمة من خلال القراءات القرآنية المختلفة و فيها أثبت الإشكال موضوع البحث و هو : هل يمكن أن تستفيد الدراسات اللسانية الحديثة من القراءات القرآنية المعتبرة لتطوير اللغة العربية المعاصرة في جملتها و الخروج بمناهج علمية محترمة في دراسة اللغة لإثراء اللغة العربية المستعملة اليوم.
    و أما التمهيد فقد خصصته للحديث عن المنهج المتبع في بحثي هذا و قد فضلت المزاوجة بين المنهج التاريخي لأن الموضوع مرتبط بقضايا تاريخية أصيلة و بين المنهج المقارن لأن البحث يعتمد المقارنة بين اللهجات فيما بينها من جهة و بين القراءات القرآنية المختلفة من جهة أخرى مع استعمال المنهج الوصفي التحليلي المعتمد في الدراسات اللغوية.
    و أما الفصل الأول فقد خصصته للحديث عن الجنس العربي من حيث أصله و أرضه و أقسامه، و عن اللغة العربية من حيث أصلها و انتماؤها إلى اللغات السامية الأخرى و عن اللهجة القرشية و موقعها بين اللهجات العربية الأخرى، و هي كثيرة، و لغة القرآن الكريم الراقية الأنيقة المتميزة عن غيرها من اللغات العربية ؛ و قد جاء هذا الفصل، بحكم مباحثه المتعددة، أوسع مرتين عن الفصلين التاليين له لأنه بمثابة الأرض الخصبة الضرورية لمنبت جذور الشجرة و عروقها الغائصة في الأعماق، شجرة القرآن الكريم و قراءاته المتعددة.
    و أما الفصل الثاني فقد تعرضت فيه إلى التعريف بالقرآن الكريم و القراءات و الحروف السبعة و هو بمثابة الجذع الراسخ المنبثق من جذور الفصل الأول.
    و أما الفصل الثالث فخصصته للحديث عن القراءات و اللهجات العربية من حيث صلتها بالدراسات الصوتية والصرفية و النحوية و اللغوية و العلوم الشرعية و هو بمباحثه الأربعة كالأغصان المتفرعة عن الجذع في الفصل الثاني.
    و أما الخاتمة فإنني ألخص فيها ما خلصت إليه من نتائج من خلال الفصول الثلاثة السابقة و عرضت فيها وجهة نظري عن ضرورة مواصلة البحث في مثل هذه المواضيع إثراء للغة العربية المعاصرة المغبونة من أبنائها قبل أن تغبن من أعدائها، و جاءت الخاتمة بمثابة الثمار الجنية من تلك الشجرة الطيبة.
    هذا، و قد ارتأيت إتماما للفائدة إلحاق الخرائط و الجداول التي تفصل بعض ما أوجزته في التوسعة في موضوع اللهجات أو اللغات التي وردت في القرآن الكريم مؤكدا على ضرورة وضع الأطلس اللغوي للهجات العربية و إحصاء المفردات الدخيلة في القرآن الكريم.
    و إنني لا أغادر مقامي هذا قبل أن أعيد ما قاله العماد الأصفهاني في بعض كتبه معتذرا عن تقصيره في التأليف حيث قال: "لا يكتب إنسان كتابا في يومه إلا قال في غده : لو غُيِّر هذا لكان أحسن، و لو زيد هذا لكان يستحسن، و لو قُدِّم هذا لكان أفضل، و لو أخر هذا لكان أكمل، و لو ترك هذا لكان أجمل، و هذا من أعظم العبر و هو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر" و أنا أقول بقوله اعترافا بما يوجد في بحثي هذا من خلل أو بما يشوبه من زلل و لسان حالي ينشد ما قاله الشاعر :
    [GASIDA="type=0 width="100%" border="none" font="bold x-large Arial" bkimage="""]"كم من كتاب قد تصفحته=و قلت في نفسي أصلحه
    حتى إذا طالعته ثــانيا=وجدت تصحيفا فصححته"[/GASIDA]
    و ختاما أقول ما قاله الأستاذ جورجي زيدان في مقدمة كتابه "العرب قبل الإسلام" معترفا بقصوره عن بلوغ الغاية من البحث "و غاية ما نرجوه من وراء ذلك أن تزيد مواضع الإصابة في هذا الكتاب على مواضع الخطأ، و لا نقول أن كل خطأ سهو جرى به القلم، بل نعترف أن ما نجهل أكثر مما نعلم، و ما تمام العلم إلا لمن علم الإنسان ما لم يعلم" سبحانه و تعالى، و هو ولينا فنعم المولى و نعم النصير و هو حسبنا و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم و الحمد لله في الأول و الأخير.
    ـــــــــــــــــــ
    (1) الإتقان في علوم القرآن، جلال الدين السيوطي، ج1، ص 136.
    (2) اللهجات العربية في القراءات القرآنية، دار المعارف، مصر، 1968، ص 1.[/align]
    sigpic
    (رسم نور الدين محساس)
    (رسّام بجريدة المساء الجزائرية 1988)

    "القلم المعاند"
    (قلمي هذا أم هو ألمي ؟)
    "رجوت قلمي أن يكتب فأبى، مُصِرًّا، إلاَّ عِنادا
    و بالرَّفض قابل رجائي و في الصَّمت تمــادى"

  • حسين ليشوري
    طويلب علم، مستشار أدبي.
    • 06-12-2008
    • 8016

    #2
    الله المستعان و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم.
    أجد صعوبة في تنسيق النص و لاسيما بعد إعادة تحريره و هذه اللازمة المقرفة
    """ تفسد علي العرض اللائق ثم إن الصندوق "الماسي" لا يعمل كما يجب !
    هذا و إنني تجرأت على نشر بحثي المتواضع آملا أن يتناوله الأساتيذ المختصون بالنقد العلمي الصارم حتى أستفيد من علمهم و ملاحظاتهم الكريمة و لهم مني جزيل الشكر سلفا.
    sigpic
    (رسم نور الدين محساس)
    (رسّام بجريدة المساء الجزائرية 1988)

    "القلم المعاند"
    (قلمي هذا أم هو ألمي ؟)
    "رجوت قلمي أن يكتب فأبى، مُصِرًّا، إلاَّ عِنادا
    و بالرَّفض قابل رجائي و في الصَّمت تمــادى"

    تعليق

    • إيمان عبد الغني سوار
      إليزابيث
      • 28-01-2011
      • 1340

      #3
      بانتظار فصولك الثلاثة
      بصيفها وربيعها وشتائها


      ولن أختم حتى تختم....


      جزاك الله خير الجزاء أستاذي العزيز.


      تحياتي:


      التعديل الأخير تم بواسطة إيمان عبد الغني سوار; الساعة 26-08-2011, 02:13.
      " الحرية هي حقك أن تكون مختلفاً"
      أنا الهذيان وبعـض الوهم حقيقة!

      تعليق

      • حسين ليشوري
        طويلب علم، مستشار أدبي.
        • 06-12-2008
        • 8016

        #4
        المشاركة الأصلية بواسطة إيمان عبد الغني مشاهدة المشاركة
        بانتظار فصولك الثلاثة
        بصيفها و ربيعها و شتائها
        و لن أختم حتى تختم....
        جزاك الله خير الجزاء أستاذي العزيز.
        أهلا بك أختي الكريمة إيمان ! و جزاك الله عني خيرا.
        لعلك لا تدرين ماذا فعلت بي مشاركتك الطيبة هذه ؟
        لقد أحيتني و حفزتني على مواصلة نشر بقية البحث و الذي ظننت أنه لا يستحق النشر!
        إن موضوع البحث كما اطلعتِ عليه يحاول الربط بين اللهجات العربية القديمة و القراءات القرآينة و هو بحث يفوق قدراتي العلمية بكثير لكنني أحببت المساهمة به عساني "أحشر" في زمرة الباحثين عن الحقيقة العلمية حتى و إن لم أكن منهم، و قديما قيل :
        "تشبهت بالكرام و لست منهم= فالتشبه بالكرام فلاح" أو كما قيل !
        ألف شكر لك، أختي العزيزة، و بارك الله فيك.
        sigpic
        (رسم نور الدين محساس)
        (رسّام بجريدة المساء الجزائرية 1988)

        "القلم المعاند"
        (قلمي هذا أم هو ألمي ؟)
        "رجوت قلمي أن يكتب فأبى، مُصِرًّا، إلاَّ عِنادا
        و بالرَّفض قابل رجائي و في الصَّمت تمــادى"

        تعليق

        • محمد جابري
          أديب وكاتب
          • 30-10-2008
          • 1915

          #5
          [align=justify]الأستاذ حسين ليشوري؛

          الناس همم، وأعلاها همة، ما انشغل بما يدوم ويبقى، والقرآن باق إلى يوم الدين.

          فلنعم الهمة ونعم القصد ولو اقتصرت ولامست الألفاظ لمسا يجازى صاحبه بكل حرف عشر حسنات، فكيف بما يستنتج من البحث من نتائج وما يرومه العبد من هدف وجزاء وجه ربه الأعلى.

          تابع نشر ما أفاء الله عليك من فضله، ويكفيك فخرا أن تعلق البحث بالكتاب العزيز وقد سماه ربه بالعلي الحكيم، فهو علي يرفع شأن من اهتم به في الدنيا والآخرة وهو حكيم يضع الشيء في محله وفي إبانه وكيف لا وهو كلام أحكم الحاكمين؟

          زادك الله من فضله ومنّه وكرمه ما به يرفع الرأس يوم الميعاد.
          [/align]
          التعديل الأخير تم بواسطة محمد جابري; الساعة 27-08-2011, 15:50.
          http://www.mhammed-jabri.net/

          تعليق

          • د. وسام البكري
            أديب وكاتب
            • 21-03-2008
            • 2866

            #6
            أخي الكريم الأستاذ الفاضل حسين ليشوري
            أنتظر دراستك التي شوّقتنا جميعاً إليها، إذ مهما كتبت الدراسات في الموضوع، فإنه يبقى معيناً لا ينضب لها.
            نتابعك إن شاء الله
            وجزاك الله خيراً
            د. وسام البكري

            تعليق

            • رزان محمد
              أديب وكاتب
              • 30-01-2008
              • 1278

              #7
              وأنا متابعة معكم أستاذنا الفاضل حسين الليشوري،
              جزاك ربي خيرًا.
              أراها الآن قادمة خيول النصر تصهل في ضياء الفجر
              للأزمان تختصرُ
              وواحات الإباء تفيء عند ظلالها الأقمار تنهمرُ
              وأقسم إنها الأحرار تنتصرُ
              سيكتب مجدها ألقا نجوم الدهر والقدرُ
              بلى؛ فالله لايغفو ..يجيب دعاء مضطرٍ بجوف الليل
              للمظلوم، والمضنى
              فيشرق في الدجى سَحَرُ
              -رزان-

              تعليق

              • حسين ليشوري
                طويلب علم، مستشار أدبي.
                • 06-12-2008
                • 8016

                #8
                المشاركة الأصلية بواسطة محمد جابري مشاهدة المشاركة
                [align=justify]الأستاذ حسين ليشوري؛
                الناس همم، و أعلاها همة، ما انشغل بما يدوم و يبقى، و القرآن باق إلى يوم الدين.
                فلنعم الهمة ونعم القصد و لو اقتصرت و لامست الألفاظ لمسا يجازى صاحبه بكل حرف عشر حسنات، فكيف بما يستنتج من البحث من نتائج وما يرومه العبد من هدف وجزاء وجه ربه الأعلى.
                تابع نشر ما أفاء الله عليك من فضله، ويكفيك فخرا أن تعلق البحث بالكتاب العزيز و قد سماه ربه بالعلي الحكيم، فهو علي يرفع شأن من اهتم به في الدنيا و الآخرة و هو حكيم يضع الشيء في محله و في إبانه و كيف لا و هو كلام أحكم الحاكمين؟
                زادك الله من فضله و منّه و كرمه ما به يرفع الرأس يوم الميعاد. [/align]
                أستاذي الفاضل محمد جابري : حيّاك الله و بيَّاك !
                أسأل الله أن يرزقنا الإخلاص في الأقوال و الأفعال و الأحوال.
                و جزاك الله عني خيرا على تشجيعك و دعائك و لك مثل ما دعوت به لي.
                أسأل الله أن يوفقني إلى مواصلة الكتابة و نشر ما تمَّ كتابته.
                تحيتي و تقديري.

                sigpic
                (رسم نور الدين محساس)
                (رسّام بجريدة المساء الجزائرية 1988)

                "القلم المعاند"
                (قلمي هذا أم هو ألمي ؟)
                "رجوت قلمي أن يكتب فأبى، مُصِرًّا، إلاَّ عِنادا
                و بالرَّفض قابل رجائي و في الصَّمت تمــادى"

                تعليق

                • حسين ليشوري
                  طويلب علم، مستشار أدبي.
                  • 06-12-2008
                  • 8016

                  #9
                  المشاركة الأصلية بواسطة د. وسام البكري مشاهدة المشاركة
                  أخي الكريم الأستاذ الفاضل حسين ليشوري


                  أنتظر دراستك التي شوّقتنا جميعاً إليها،
                  إذ مهما كتبت الدراسات في الموضوع، فإنه يبقى معيناً لا ينضب لها.

                  نتابعك إن شاء الله


                  و جزاك الله خيراً




                  أهلا بك أستاذي المبجل الدكتور وسام البكري،
                  عاش من قرأ لك يا أستاذ !
                  سرني تشجيعك و جزاك الله عني خيرا !
                  إنني أتوجس خيفة من مواصلة النشر و قد أجلته قصدا لأرى ردود الزوار، و لاسيما الأساتيذ، فلما تأخروا ... تحيَّرت !!!
                  سأستأنف النشر بعد العيد إن شاء الله تعالى و كل ما أرجوه أن يكون في مستوى ما يُنتظر مني !
                  تحيتي و تقديري و شكري.

                  sigpic
                  (رسم نور الدين محساس)
                  (رسّام بجريدة المساء الجزائرية 1988)

                  "القلم المعاند"
                  (قلمي هذا أم هو ألمي ؟)
                  "رجوت قلمي أن يكتب فأبى، مُصِرًّا، إلاَّ عِنادا
                  و بالرَّفض قابل رجائي و في الصَّمت تمــادى"

                  تعليق

                  • حسين ليشوري
                    طويلب علم، مستشار أدبي.
                    • 06-12-2008
                    • 8016

                    #10
                    المشاركة الأصلية بواسطة رزان محمد مشاهدة المشاركة
                    وأنا متابعة معكم أستاذنا الفاضل حسين ليشوري،
                    جزاك ربي خيرًا.
                    و جزاك الله عني خيرا أختي الفاضلة الدكتورة رزان،
                    سأستأنف النشر بعد العيد، إن شاء الله تعالى، بعد هذا التشجيع الكريم منك و من الأستاذين الفاضلين محمد جابري و الدكتور وسام البكري، و كل ما أتمناه ألا أخيب ظنكم بي !
                    تحيتي و تقديري.
                    sigpic
                    (رسم نور الدين محساس)
                    (رسّام بجريدة المساء الجزائرية 1988)

                    "القلم المعاند"
                    (قلمي هذا أم هو ألمي ؟)
                    "رجوت قلمي أن يكتب فأبى، مُصِرًّا، إلاَّ عِنادا
                    و بالرَّفض قابل رجائي و في الصَّمت تمــادى"

                    تعليق

                    • عبدالرؤوف النويهى
                      أديب وكاتب
                      • 12-10-2007
                      • 2218

                      #11
                      [align=justify]فعلاً..هناك كتاب يدعوك إليه..وتكون سعيد الحظ ،إن عثرت عليه ،فتزداد علماً وفهماً وإدراكاً ووعياً ..ويضيف إليك ماأنت فى حاجة ملحة إليه.

                      وها هو أستاذنا الجليل حسين ليشورى ..يُقدم لنا دراسة فارقة ،ربما أول مرة أطالعها وتقع تحت بصرى .

                      أنا منتظر على أحر من الجمر ما تقوله هذه الدراسة ..ربما تحل لى كثيراً من الخفايا التى لم أستطع حلها فى حقل الدراسات القرآنية.
                      [/align]

                      تعليق

                      • حسين ليشوري
                        طويلب علم، مستشار أدبي.
                        • 06-12-2008
                        • 8016

                        #12
                        المشاركة الأصلية بواسطة عبدالرؤوف النويهى مشاهدة المشاركة
                        [align=justify]فعلاً..هناك كتاب يدعوك إليه..وتكون سعيد الحظ ،إن عثرت عليه ،فتزداد علماً وفهماً وإدراكاً ووعياً ..ويضيف إليك ماأنت فى حاجة ملحة إليه.
                        وها هو أستاذنا الجليل حسين ليشورى ..يُقدم لنا دراسة فارقة ،ربما أول مرة أطالعها وتقع تحت بصرى .
                        أنا منتظر على أحر من الجمر ما تقوله هذه الدراسة ..ربما تحل لى كثيراً من الخفايا التى لم أستطع حلها فى حقل الدراسات القرآنية.
                        [/align]

                        أهلا بك أستاذنا المبجل عبدالرؤوف و أسعد الله أوقاتك بكل خير.
                        أصدقك القول، و لن تجدني إن شاء الله إلا صادقا، إنني أتوجس خيفة من نشر ما كتبته عام 2004 عن العلاقة بين القراءات القرآنية و اللهجات العربية القديمة، فقد كانت الكتابة في هذا الموضوع الخطير كالمغامرة في بحر لجي يغشاه أمواج و أمواج و يعلوه سحاب كثيف... ظلمات بعضها فوق بعض، و لم تكن لدي الخبرة الكافية في الكتابة العلمية المنهجية و مع هذه النقائص تحاملت على نفسي و كتبت ... و أنا اليوم أحمل قلبي على كفي و أقامر بنشر تلك الفصول آملا في تلقي النقد العلمي عليها بعدما أنتهي من نشرها هنا إن شاء الله تعالى.
                        الكتابة في مثل هذه المواضيع التي تكثر فيها الآراء و تقل فيها الوثائق الصحيحة الصريحة مغامرة حقيقية و لاسيما لطويلب علم قليل البضاعة كثير الطموح كأخيك حسين !
                        أشكر لك، أستاذنا المبجل، تشجيعك لي على مواصلة النشر و آمل أن تجد فيما سأنشره بعض الفائدة و إن قلَّت !
                        تحيتي و تقديري.
                        عيد مبارك و سعيد و كل سنة و أنت بألف خير و أعاده الله علينا جميعا باليُمْن و البركات و الرفاهية و ... الجَمَال !
                        sigpic
                        (رسم نور الدين محساس)
                        (رسّام بجريدة المساء الجزائرية 1988)

                        "القلم المعاند"
                        (قلمي هذا أم هو ألمي ؟)
                        "رجوت قلمي أن يكتب فأبى، مُصِرًّا، إلاَّ عِنادا
                        و بالرَّفض قابل رجائي و في الصَّمت تمــادى"

                        تعليق

                        • حسين ليشوري
                          طويلب علم، مستشار أدبي.
                          • 06-12-2008
                          • 8016

                          #13
                          آثار اللهجات العربية في القراءات القرآنية، التمهيد.

                          التّمهيد: كلمة في المنهج
                          [align=justify]
                          لقد حظيت اللهجات العربية، و لا تزال، باهتمام الدارسين و الباحثين عربا و عجما قديما و حديثا لتأصيل مفردات اللغة العربية و تراكيبها و تمييز الأصيل منها و الدخيل فيها و قد صنفوا في ذلك الكتب المطولة و الرسائل المقتضبة فمنها ما طواه النسيان لفقدانه أو ضياعه أو اختفائه في الخزائن الخاصة و المكتبات العامة و لم يبق منه سوى الترجمة له أو التعريف به في كتب العلماء أو فهارس المكتبات، و منها ما تخطى العقبات و سلم من نوائب الدهر الكثيرة لكثرة نسخه و انتشاره في الآفاق لشيوعه بين الناس فوصلنا منه نصيب و لو أنه ضئيل ؛ و أما الدراسات العلمية الأكاديمية الحديثة فلا تزال متداولة و شائعة إن لم تكن في المكتبات العامة ففي المكتبات الخاصة يمكن لمن أرادها الرجوع إليها حين الحاجة و توفر الإرادة و الإمكانيات.
                          و قد عني العلماء الأقدمون و الباحثون العرب المعاصرون بمثل هذه الدراسات كما عني بها الباحثون الغربيون في أوروبا و أمريكا حتى أن دراساتهم العلمية الأكاديمية صارت مراجع للدراسات العربية التي يقوم بها الباحثون العرب أنفسهم.
                          لقد كانت عناية العلماء المسلمين باللهجات العربية توثيقا من حيث صحة الأصل و النقل بالإسناد المتصل و ترتيبا من حيث الفصاحة و البلاغة قصد معرفة وجوه قراءة القرآن الكريم و فهم ألفاظه و إدراك معانيه سواء لتثبيت العقيدة في القلوب أو لتخريج الأحكام الفقهية الجزئية و استنباطها من أدلتها الكلية المنصوص عليها في التشريع الإسلامي و هي الترجمة العملية لأحكام القرآن الكريم و لكون الرسول، صلى الله عليه و سلم، أفصح العرب إطلاقا و هو المكلف شرعا بالتبيين و التعليم، و من هنا ندرك لماذا اشترط علماء التشريع (الفقهاء) في المجتهد أن يكون عالما باللغة و لهجاتها حتى يتسنى له إدراك المقاصد الشرعية، فبدون فهم اللغة لا يمكن التشريع، و لماذا اشترطوا لقبول قراءة من القراءات أن تكون موافقة للغة من لغات العرب الصحيحة كما سأبينه في موضعه من هذا البحث، إن شاء الله تعالى.
                          و هذا ما يجعلنا نلمس الحكمة من تعدد القراءات حتى بلغت أربع عشرة قراءة معترف بها و متداولة منها المتواتر و المشهور و الآحاد، و منها الشاذ و منها المردود لعدم تطابقه مع الشروط الدقيقة التي اصطلح عليها العلماء الأكْفاء.
                          و قد ارتبطت القراءات القرآنية باللهجات العربية ارتباطا وثيقا بحيث لا يمكن معرفة إحدى القراءات بدون معرفة تخريجها على لهجة من اللهجات المقبولة و لاسيما إن اتصل سندها إلى النبي، صلى الله عليه و سلم، و وافق الرسم العثماني للمصحف الشريف، كما أن توزع اللهجات في المصنفات اللغوية المطولة جعل إحصاءها عملا شاقا و قد يكون مستحيلا بسبب عدم عزو (إسناد، أو إرجاع) اختلاف اللهجات إلى أهلها الذين نطقوا بها و لذا صارت كتب القراءات المصدر الموثوق لمعرفة تلك اللهجات ذاتها، و هكذا ارتبطت القراءات باللهجات ارتباطا وثيق العرى متين الأسباب حتى عاد من المستحيل فصل بعضها عن بعض في علاقة جدلية بحيث يستدل بالواحدة على صحة الأخرى، و من هنا تأتي أهمية دراسة اللهجات العربية، أولا لفهم الكتاب العزيز، ثم لتوسيع دائرة فهم وجوه الاختلاف في الأحكام الشرعية بمعرفة وجه القراءة و حجيتها ثانيا، ثم لإفساح المجال باستعمال الألفاظ و التراكيب في عملية إثراء اللغة العربية المعاصرة ثالثا.
                          لكن الدراسات العلمية لا يمكنها الوصول إلى حقائق صحيحة مؤكدة يُطمَأَن إليها بدون الاعتماد على مناهج بحث دقيقة و صارمة.
                          و من المناهج الميسرة للبحث العلمي المنهج التاريخي لأنه يبحث في قضايا تاريخية ضاربة في القدم، و المنهج المقارن لأنه يقارن بين المعطيات و النتائج المُتوصل إليها في الدراسات السابقة قديما و حديثا، و لذا فإننا سنعتمد في بحثنا هذا على المنهجين معا مازجين بينهما لعلنا نتوصل إلى نتائج مرضية لأنه مرتبط ارتباطا وثيقا بالدراسة التاريخية، و لو كان يبحث في اللغة ذاتها لاعتمدنا المنهج الوصفي التحليلي وحده و الذي يعتمد في الدراسات اللغوية الحديثة.
                          يعتمد المنهج التاريخي على إثبات الحقائق أو نفيها و توثيقها بما يتوفر لديه من دلائل جازمة تجعلنا نطمئن إلى النتائج المتوصل إليها، كما يعتمد المنهج المقارن على الموازنة بين الأشباه و النظائر حتى يرتب النتائج المتوصل إليها حسب أهميتها و صلابتها و سلامتها من القوادح (العيوب و النقائص) مضيفا درجة أخرى من الاطمئنان إلى الدرجة المتوصل إليه بالمنهج التاريخي سابق الذكر، و لذا فقد اعتمدنا على المنهجين كليهما أساسا و لو أن المنهج الوصفي التحليلي لم يغب عن فكرنا و نحن نوثق النصوص أو نقارن بينها.
                          1ً: المنهج التاريخي(1): يعتمد هذا المنهج على دراسة الآثار مهما كانت مصنوعة أو مبنية أو مكتوبة بقصد استنطاقها حتى يقيم حكمه على أدلة يقينية، و قد تتنوع مصادر الدراسة التاريخية حسب مواضيع الدراسات، و فيما يخصنا نحن فإننا سنعتمد على الآثار المكتوبة إذ لا يمكن الرجوع إلى غيرها و لا ضرورة لذلك ما دام فيما وصلنا من كتب في هذا المجال غنية حتى الآن.
                          و لا يفوتنا و نحن بصدد الحديث عن المنهج التاريخي أن نشير أنه قد استفاد أيما فائدة من علم مصطلح الحديث و نقد النصوص المأثورة عن النبي، صلى الله عليه و سلم، أو عن الصحابة، رضي الله عنهم أجمعين، و قد عرف المنهج التاريخي نقلة نوعية عظيمة بفضل اعتماده على علم مصطلح الحديث، "و موضوع علم مصطلح الحديث هو دراسة السند و المتن و كيفية التحمل و الأداء و صفات الرجال و ما إلى ذلك من الرواية بالمعنى أي أنه علم يعرف به حقيقة الرواية بالمعنى، و شروط قبولها و أنواعها و أحكامها و ما يتعلق بها و حاجة الرواة و شروطهم، و الهدف من دراسة ضبط أقوال الرسول، صلى الله عليه و سلم، و أفعاله و صفاته لمعرفة الحديث الصحيح من غيره و معرفة ما يقبل و يرد من الرواة و الروايات" (2).
                          كما أن المنهج التاريخي في توثيقه النصوص قد اعتمد على تقنيات حديثة في تقويم الآثار تقويما خارجيا للتأكد من صحة الوثائق المدروسة ذاتها و تقويمها داخليا للاطمئنان على سلامة النصوص من الكذب و النحل أو المبالغة ؛ و لئن كان التقويم الخارجي يهتم بماهية الوثيقة من حيث نسبتها إلى مصدرها فإن التقويم الداخلي يختص بما تقوله الوثيقة ذاتها، أي أنه يهتم بالمعنى و ما تحتويه الأخبار الواردة فيها.(3)
                          2ً: المنهج المقارن: صلة المنهج المقارن بالمنهج التاريخي صلة وثيقة إذ يستعين كل واحد منهما بالآخر في تثبيت النتائج أو تهوينها، و كما هو واضح من التسمية ذاتها فإن هذا المنهج يعتمد المقارنة بالمقابلة و الموازنة و المفاضلة بين الآثار ليؤسس لأحكامه النهائية بتقديم الأفضل و تأخير المفضول مما اجتاز امتحان التقويمين الخارجي و الداخلي المعتمدين في المنهج التاريخي سابق الذكر، و هكذا يضيف هذا المنهج رتبة من رتب الثقة بالآثار و من ثمة يزيد الاطمئنان إلى النتائج المتوصل إليها فتأتي الأحكام مؤسسة و الآراء متينة.
                          و هذا المنهج يكاد يكون منهجا عمليا ممارسا يوميا في حيوات الناس غير أنهم يمارسونه عفويا دون شعور منهم به، مثله مثل العمليات المنطقية الفطرية التي يطبقها الأفراد في معاشهم تلقائيا ؛ و قد طبق المنهج قديما منذ حمورابي، الحضارة الأشورية، في استنباط القوانين بالمقارنة بين العادات و التقاليد و القواعد الاجتماعية التي كانت سائدة في زمانه (4)، كما طبقه أرسطو و أفلاطون في حواراتهما قصد قبول قاعدة قانونية أو رفضها (5).
                          أما المنهج المقارن كعلم فيعيد أصحاب الاختصاص نشأته إلى القرن التاسع عشر الميلادي حيث يرتبط بتاريخ تأسيس "جمعية التشريع المقارن" في باريس، فرنسا، عام 1869م، ثم تأسيس "جمعية التشريع المقارن" بمدينة باريس أيضا عام 1955م (6)؛ "إن المنهج المقارن أسلوب في المعرفة و البحث العلمي عرفه القدماء على طريقتهم، إذ كانوا لم يتمكنوا من ربطه باصطلاح "علم" فإن هذا لا ينفي عنهم استخدامهم له استخداما علميا" (7).
                          أما العلماء المسلمون فقد طبقوا المنهج المقارن في الدراسات الأدبية و النقد الأدبي و التاريخ عموما و علم مصطلح الحديث خصوصا للمفاضلة بين النصوص، و في كتبهم و مؤلفاتهم مع التطبيقات العلمية و العملية ما يغنينا عن ذكره لشهرته، و بهذا تظهر صلة هذا المنهج بالمنهج التاريخي و مدى تعاونها لاستنباط الأحكام و اختيار المواقف و اعتمادها.
                          3: المنهج الوصفي التحليلي: يعتبر هذا المنهج ثالثة الأثافي مع سابِقيْه و هي جميعا تشكل الأدوات اللازمة في دراسة موضوع متشعب كموضوعنا هذا، موضوع له صلة بالتاريخ من حيث التوثيق، و له صلة بالمقارنة من حيث المفاضلة، و له صلة بالوصف من حيث التحليل و التفسير و إيجاد العلاقات بين الظواهر المدروسة المختلفة.
                          يهدف المنهج الوصفي التحليلي إلى :
                          ـ جمع معلومات حقيقية و مفصلة عن ظاهرة معينة و موجودة حقيقة ؛
                          ـ تحديد المشاكل الموجودة أو توضيح بعض الظواهر؛
                          ـ إجراء مقارنة بين بعض الظواهر و تقويمها؛
                          ـ إيجاد العلاقة بين الظواهر المختلفة (8).
                          لا يقتصر المنهج الوصفي على جمع البيانات و تبويبها و إنما يمضي إلى ما هو أبعد لأنه يتضمن قدرا من التفسير لهذه البيانات، و لذلك كثيرا ما يقترن الوصف بالمقارنة(9)، و على الرغم من أن جمع البيانات و وصف الظروف أو الممارسات الشائعة خطوات ضرورية في البحث إلا أن عملية البحث لا تكتمل حتى تنظم هذه البيانات و تحلل و تستخرج منها الاستنتاجات ذات الدلالة بالنسبة للمشكلة المطروحة للبحث (10).
                          هذا و قد أحببت أن يشكل هذا التمهيد و المقدمة التي سبقته الخطوط العريضة لمنهج بحيث متكامل يمكن استخدامه من قبل الدارسين لمثل هذه المواضيع المتشعبة؛ و إن المناهج مهما تنوعت أهدافها و اختلفت تقنياتها يمكن أن تتضافر للوصول إلى نتائج مُرضية يطمأن إليها في مرحلة أولى ثم البناء عليها لمواصلة التقصي في مرحلة ثانية إلى بلوغ الغاية في اليقين بإذن الله تعالى.
                          ـــــــــ
                          ملحوظة عن المصادر و المراجع : أكتفي هنا بذكر اسم الكاتب و عنوان كتابه و الصفحة، أو الصفحات، مرجيا المسرد الكامل لها إلى آخر البحث إن شاء الله تعالى.
                          (1) يمكن الرجوع إلى كتاب الدكتور عثمان موافي "منهج النقد التاريخي عند المسلمين و المنهج الأوروبي" للتوسع.
                          (2) د.محمد زيان عمر، البحث العلمي : مناهجه و تقنياته، ص 154.
                          (3) المرجع السابق، ص 169، بتصرف.
                          (4) و (5) و (6) و(7) د. حسن ملحم، التفكير العلمي و مناهجه، من ص 273 إلى 275، بتصرف.
                          (8) د. عمار بوحوش و د. محمد محمود الذياب ، مناهج البحث العلمي و طرق إعداد البحوث، ص 130، بتصرف.
                          (9) و (10) طلعت همام، سين و جيم عن مناهج البحث العلمي، ص 157.
                          [/align]
                          sigpic
                          (رسم نور الدين محساس)
                          (رسّام بجريدة المساء الجزائرية 1988)

                          "القلم المعاند"
                          (قلمي هذا أم هو ألمي ؟)
                          "رجوت قلمي أن يكتب فأبى، مُصِرًّا، إلاَّ عِنادا
                          و بالرَّفض قابل رجائي و في الصَّمت تمــادى"

                          تعليق

                          • حسين ليشوري
                            طويلب علم، مستشار أدبي.
                            • 06-12-2008
                            • 8016

                            #14
                            الفصل الأول : جزيرة العرب، المبحثان الأول و الثاني.

                            الفصل الأول
                            جزيرة العرب : المكان و الإنسان و اللسان
                            [align=justify] بين يدي الفصل :
                            يتناول الفصل الأول هذا مباحث عديدة عرضت فيها الجنس العربي من حيث أصله و أرضه و لغته، و قد حرصت على جمع هذه العناصر الثلاثة في فصل واحد للعلاقة الوثيقة بينها، و كان بالإمكان تخصيص فصل مستقل للغة العربية و حدها، غير أنني فضلت ضمها إلى هذا الفصل لاتصالها بالجنس و الأرض، إذ الإنسان ابن بيئته، هي منبته و هي مهده، ففيها ينشأ و عليها يترعرع و ينمو، و منها يصوغ معجمه اللغوي و يتفتق لسانه، و لذا ضممت في حيز واحد المكان و الإنسان و اللسان.
                            و قد جاء الفصل بمباحثه و عناصره العديدة أطول من الفصلين التاليين لسعة المواضيع التي تناولها، و هذا أمر قصدته قصدا لأنني أردت أن يكون كالأرض التي أشرت إليها في المقدمة و التي ستنبُت فيها شجرة البحث الضاربة بعروقها في الأعماق، و عرضت فيه مباحث الجنس العربي، المجال الجغرافي، أنساب العرب، العرب أصولا و فروعا، اللغة العربية، اللغة العربية بين اللغات، و العناصر التابعة لكل مبحث من هذه المباحث و ما يتصل به من خرائط توضيحية أرجو أن تعطي صورة واضحة عن بيئة اللغة التي اختارها الله عز و جل لآخر كتبه، القرآن المجيد، و أنزله على خاتم أنبيائه محمد بن عبد الله العربي صلى الله عليه و سلم في الأولين و الآخرين.
                            *******************
                            الفصل الأول: العرب و أرضهم و لغاتهم.
                            مبحث الجنس العربي.
                            إن تاريخ العرب تاريخ عريق موغل في القدم، متجذر الأصول عبر الدهور طولا و هو كذلك ضارب في الأرض عرضا، و لذا فلا غرابة إن وقف المؤرخون إزاءه حيارى لا يعرفون كيف يحددون مجال العرب جغرافيا بدقة و لا متى يبدأ التأريخ لتلك الأمة العربية العريقة، بل تلك الأمم العربية إذ العرب أمم شتى و ليسوا أمة واحدة موحدة.
                            اِختلفت آراء الباحثين في منشئ الجنس العربي (1) و توزعوا بين الاتجاهات حتى كاد البحث في أصل هذا الجنس يثني الإرادة لولا وجود باحثين عربا و عجما مسلمين و مسيحيين و يهودا أولي عزائم شديدة و إرادة قوية شمروا عن سواعد الجد فدققوا الأخبار و محصوا الآثار و عمقوا الأبحاث و قدموا لنا خلاصة جهودهم و عصارة تفكيرهم في بحوث دقيقة ودراسات عميقة بما تأذن به العزائم و تسمح به القدرات البشرية المحدودة و بما تمكن منه التقنيات و تجليه الحفريات عبر البلاد العربية الواسعة.
                            زعم بعض الدارسين أن أجداد الجنس العربي جاءوا من العراق، و منهم من قال إنهم جاءوا من إفريقيا، و منهم من قال إنهم مزيج من إفريقيين و سكان حوض البحر الأبيض المتوسط، و منهم من قال إن الجنوبيين منهم حاميون، نسبة إلى حام بن نوح عليه السلام، و الشماليين ساميون، نسبة إلى سام بن نوح عليه السلام اقتباسا من التوراة، و منهم من قال إن اليمن هي منبتهم الأصلي...(2)
                            و ليس من الميسور أمام هذا الزخم من الآراء الجزم بحقائق نهائية في هذا الموضوع كما أنه ليس من طائل وراءه لأنه يعود إلى الحقب السحيقة الموغلة في القدم زمانا و توزع البشر خلالها على وجه الأرض مكانا بتأثير العوامل المتعددة و الأسباب المتنوعة و التي تعود في مجملها إلى عصر ما قبل التأريخ (3).
                            هذا و قد بحث المؤرخ جورجي زيدان في تاريخ العرب في كتابه "العرب قبل الإسلام" بحثا مستفيضا حقق فيه كثيرا من الآراء معتمدا على مصادر كثيرة و مراجع متنوعة من كتب و آثار و مع ذلك فهو يعترف بصعوبة البحث في أصول الجنس العربي حيث قال:"ليس في تاريخ الأمم الراقية أسقم من تاريخ العرب قبل الإسلام، حتى تهيب الكاتبون الخوض فيه لوعورة مسلكه و تناقض الأقوال فيه" (4).
                            كما ألف الدكتور جواد علي كتابه الضخم بالعنوان نفسه "تاريخ العرب قبل الإسلام" في ستة أجزاء معتمدا على زخم كبير من المصادر و المراجع حتى كاد لا يترك شاردة و لا واردة إلا أحصاها و درسها و حققها فأجاد و أفاد فغدا كتابه مرجعا أساسيا لكل باحث في تاريخ العرب قبل الإسلام أتي بعده حسب زعم الشيخ محمد عزة دروزة (5)، ثم تتابعت البحوث العلمية سواء من العلماء العرب أو من غيرهم في تاريخ العرب القديم.
                            و قد درج مؤرخو العرب على تقسيم العرب و تاريخهم قبل الإسلام إلى عرب بائدة و عرب باقية و هي عاربة و مستعربة، و قسمهم بعض المؤرخين تقسيمات أخرى (6):
                            أ ـ عرب بائدة و عرب عاربة و عرب مستعربة؛
                            بـ ـ عرب عاربة أو عرباء و عرب متعربة و عرب مستعربة؛
                            جـ ـ عرب عاربة و مستعربة و تابعة و مستعجمة.
                            و سنرى، إن شاء الله تعالى، بإيجاز في مبحث "العرب أصولا و فروعا" الآتي بعض تفاصيل هذه التقسيمات، ثم على اعتبارهم شعبين كبيرين قحطانيين هم في أكثرهم سكان جنوب الجزيرة العربية و عدنانيين هم سكان الشمال منها، و ينقسم كل من القحطانيين و العدنانيين إلى تقسيمات كثيرة، كما قسمهم بعض الباحثين تقسيمات أخرى (7) سنذكرها في مبحث "أنساب العرب" إن شاء الله تعالى.
                            مبحث المجال الجغرافي.
                            مع ما عرفه الجنس العربي من اختلاف حول أصله و تشعُّبٍ في الآراء فإن الجغرافيين يتفقون على أن جزيرة العرب عموما هي موطنهم المعروف و بهم تسمى مع اختلافهم هم كذلك في ضبط حدوده بدقة (8).
                            كانت الجزيرة العربية مأهولة بجماعات متشابهة الملامح و متقاربة الطبائع (9) و متماثلة الصفات المورفلوجية ( الجمجمة) (10) و تتكلم لغة مشتركة و إن تعددت لهجاتها (11).
                            جزيرة العرب مجال شاسع و هي مختلفة المناخ و متنوعة التضاريس و متباينة الطبيعة، فيها السواحل و الصحاري و الجبال و الوديان و النجود و السهوب و الأنهار، و فيها ما يكثر فيه المطر و يقل، و بسبب ذلك تنوعت مآثر سكانها و اختلفت أساليب معيشتهم و تنوعت أنماط حيواتهم بين البداوة الخشنة و الحضارة الراقية اللينة، فكان منهم البدو المتنقلون و الحضر المستقرون، و هؤلاء جميعا يكونون مجموع القبائل العربية التي اختلفت لهجاتها باختلاف بيئاتهم و تنوع ظروفهم و تباين معيشتهم كما سنبينه كتابة و رسما إن شاء الله تعالى.
                            و تجدر الإشارة هنا، و لو من باب التنبيه فقط، إلى أن تسمية أرض العرب بالجزيرة فيها بعض التجوز لأنها ليست جزيرة بالمفهوم الاصطلاحي الجغرافي المعروف و المستعمل اليوم و إنما هي تشبه الجزيرة لما يحيطها من أمواه البحار من ثلاث جهات إضافة إلى النهر العظيم الفرات الذي ينبع في أرض الروم كما يقال قديما أو رومية و يصب في ناحية البصرة بالعرق مع نهر دجلة (12).
                            هذا و قد ورد اسم "جزيرة العرب" في أحاديث نبوية شريفة نستأنس بها في إثبات هذه التسمية لأرض العرب ومن تلك الأحاديث (13):
                            ـ "إن الشيطان قد يئس أن يعبد في جزيرة العرب و لكن التحريش"، أخرجه الإمام مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ؛
                            ـ "لا يجتمع دينان في جزيرة العرب" رواه الإمام مالك في الموطأ عن محمد بن شهاب الزهري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ؛
                            ـ "لأخرجنَّ اليهود و النصارى من جزيرة العرب فلا أترك إلا مسلما"رواه الإمام مسلم و أبو داوود و الترمذي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ؛
                            ـ " أخرجوا المشركين من جزيرة العرب و أجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم" رواه رزين و أبو داوود.
                            و إننا لا نرى بأسا من إطلاق تلك التسمية على بلاد العرب رغم اعتراض كثير من الباحثين العرب المحدثين على هذه التسمية ذاتها و قد استعملها الباحثون الأوروبيون بلا حرج في كتاباتهم (14).
                            فأرض العرب، أو الجزيرة العربية، إذن إقليم يوجد بالجنوب الغربي لقارة آسيا بين خطي عرض 12ً،32ْ و 30ً،12ْ جنوبا أي أنها تمتد عشرين درجة من درجات العرض كما أنها تمتد بين خطي الطول 40ً،34ْ و 40ً،58ْ شرقا و بذا يصبح امتدادها من الغرب إلى الشرق أربعا و عشرين درجة، و هي بهذا تأخذ شكلا مستطيلا و تبلغ مساحتها أكثر من مليوني و نصف مليون كيلومتر و من ثم فهي أكبر شبه جزيرة في العالم ؛ أما أبعادها فيبلغ طول ساحلها الغربي من رأس خليج العقبة حتى خليج عدن 1400 ميلا، أو 2250 كلم، و يبلغ طول ساحلها الشرقي من رأس الخليج العربي شمالا حتى رأس الحد جنوبا، أقصى اتساع لخليج عُمان، 1500 ميلا، أو2400 كلم، و يبلغ امتدادها من بحر العرب جنوبا إلى الحدود الشمالية للمملكة العربية السعودية حاليا 1600 ميلا، أو 2570 كلم، أما عرضها في أضيق نطاق بين البحر الأحمر و الخليج العربي فهو 750 ميلا، أو 1200 كلم، و أما بين خليج عُمان و البحر الأحمر فيصل الاتساع إلى 1200ميلا، أو 1930كلم (15).
                            تقع شبه الجزيرة العربية بين بادية الشام شمالا و الخليج العربي و بحر عُمان شرقا، و المحيط الهندي جنوبا، و البحر الأحمر غربا، و هكذا يبدو واضحا أن المياه تحيط بها من أطرافها الثلاثة (16).[/align]
                            1ـ جزيرة العرب : الأقاليم و المناطق و أهم المدن.


                            [align=justify] هذا التحديد المعاصر، أما في القديم فقد اختلف الجغرافيون في تحديد بلاد العرب و تقسيمها، فذهب اليونان و اللاّتين مذهبا و ذهب الجغرافيون العرب مذهبا آخر.
                            1ً ـ التقسيم اليوناني و الروماني لأرض العرب :
                            يقسم اليونان بلاد العرب إلى ثلاثة أقسام :
                            ـ بلاد العرب الصخرية أو الحجرية Arabia patreae نسبة إلى بطرا في وادي موسى جنوبي فلسطين و شبه جزيرة سيناء و ما يتصل بها من الأرض (17)؛
                            ـ بلاد العرب الصحراوية Arabia deserta و يقصدون بها بادية الشام في أغلب الأمر و بادية السماوة و هي معظم المناطق الصحراوية التي تسكنها القبائل المتبدية (18) ؛
                            ـ بلاد العرب السعيدة Arabia felix و هي أكثر الأقسام الثلاثة اتساعا حيث تقع اليمن و حضرموت في جنوب الجزيرة العربية أما شمالا فلم تكن حدودها ثابتة بل كانت تتغير طبقا للظروف السياسية (19).
                            على أن هذا التقسيم لم يكن محل اتفاق بين الجغرافيين اليونان أو الرومان بل كانوا يختلفون فيه و قد اعتمدنا تقسيم بطليموس لشهرته و قبول الباحثين له.
                            2ً ـ التقسيم العربي لجزيرة العرب :
                            تُقسَّم بلاد العرب عند الجغرافيين العرب إلى خمسة أقسام هي : اليمن، تهامة، الحجاز، نجد، اليمامة و تسمى العروض أيضا، و قد يضاف قسم سادس و هو البحرين و الذي يسمى "هجر" و قد يعده البعض جزءا من اليمامة و يعده البعض من العراق، كما أن من الجغرافيين من يقسم البلاد العربية إلى قسمين هما : 1ً اليمن و الحجاز، و 2ً تهامة ونجد و اليمامة (20)، و هكذا نرى اختلافهم هم أيضا في تحديد الأقاليم كما سبقت الإشارة إليه في البداية (21).
                            و ختاما نقول : إن الجزيرة العربية هي إذن بلاد العرب و بهم سميت و هي مجالهم الذي تحركوا فيه طولا و عرضا، غير أن الجنس العربي لم يكن محصورا في تلك البلاد على شساعتها بل وجدناه يتنقل منها إلى ربوع بعيدة عنها إلى أقاليم نائية في موجات هجرة متعددة عبر العصور و الدهور حتى وصل إلى شمال إفريقيا و جنوب أوربا و أحيانا حتى شمالها كما رحل إلى الحبشة و منها إلى أعماق إفريقيا، و قد روت دماء الأجيال العربية ربوع تلك الديار حيثما حلوا أو ارتحلوا و اختلطوا بالأمم المستوطنة لتك البقاع صانعين حضارات و مشيدين مدنيات لا تزال مخلفاتها شاهدة على المجد الأصيل و الفضل الأثيل، هذا و إن تحديد المجال الجغرافي مهم جدا و ضروري لفهم الاختلافات الموجودة في اللهجات لأن الإنسان ابن بيئته فبها يتأثر و فيها يؤثر ومنها يصوغ معجمه اللغوي.
                            2ـ جزيرة العرب : التضاريس

                            [/align][align=justify]
                            (يتبع إن شاء الله تعالى بالمبحثين الثالث و الرابع)
                            ـــــــــ
                            ملحوظة عن المصادر و المراجع : أكتفي هنا بذكر اسم الكاتب و عنوان كتابه و الصفحة، أو الصفحات، مرجيا المسرد الكامل لتفاصيلها إلى آخر البحث إن شاء الله تعالى.
                            (1) و (2) و (3) محمد عزة دروزة، "تاريخ العرب قبل العروبة الصريحة"، ص 25 ؛
                            (4) جورجي زيدان، "العرب قبل الإسلام"، ص 13 ؛
                            (5) دروزة، المرجع السابق، ص 21 و ص 31 ؛
                            (6) عبد الرحمن بن خلدون، "كتاب العبر"، الجزء 3، ص 28 و ص 29، و كذلك: د.محمد بيومي مهران، "تاريخ العرب القديم"، ص 157، و كذلك: جلال الدين السيوطي، "المزهر"، ج1، ص 31 ؛
                            (7) د. حسين الحاج حسن، "حضارة العرب في الجاهلية"، ص 60 ؛
                            (8) د.عبده الراجحي، "اللهجات العربية في القراءات القرآنية"، مرجع سابق، ص 8؛
                            (9) و (10) دروزة، مرجع سابق، ص 25 و ص 27 ؛
                            (11) كارل بروكلمان، "تاريخ الشعوب الإسلامية"، ص 15 ؛
                            (12) ياقوت الحموي، "معجم البلدان"، ج2، ص 137، و كذلك: محمد بن عبد المنعم الحميري، "الروض المعطار في أخبار الأقطار"، ص 163 و ص 164 ؛
                            (13) الإمام ابن الأثير، "جامع الأصول من أحاديث الرسول (ص)"، ج10، ص 203 و ما بعدها؛
                            (14) يرجع إلى "الحضارات السامية" لسبتنو موسكي، ترجمة د. السيد يعقوب بكر، ص 35 و كذلك "تاريخ الشعوب الإسلامية" لكارل بروكلمان، المرجع السابق، ص 15 ؛
                            (15) د.محمد بيومي مهران، المرجع السابق، ص 93، نقلا عن "جغرافية شبه الجزيرة العربية" لمحمود طه أبي العلا ؛
                            (16) المرجع السابق نفسه، ص 94؛
                            (17) جورجي زيدان، مرجع سابق، ص 33 و كذلك مهران، المرجع السابق صص 95/97 ؛
                            (18) و (19) جورجي زيدان، المرجع السابق، صص 32/33 و مهران، المرجع السابق، صص 95/97 ؛
                            (20) جورجي زيدان، المرجع السابق، صص 98/106 ؛
                            (21) و في" معجم البلدان" لياقوت الحموي و "الروض المعطار" للحميري تفاصيل كثيرة عن جزيرة العرب.
                            [/align]
                            sigpic
                            (رسم نور الدين محساس)
                            (رسّام بجريدة المساء الجزائرية 1988)

                            "القلم المعاند"
                            (قلمي هذا أم هو ألمي ؟)
                            "رجوت قلمي أن يكتب فأبى، مُصِرًّا، إلاَّ عِنادا
                            و بالرَّفض قابل رجائي و في الصَّمت تمــادى"

                            تعليق

                            • حسين ليشوري
                              طويلب علم، مستشار أدبي.
                              • 06-12-2008
                              • 8016

                              #15
                              الفصل الأول : جزيرة العرب، المبحثان الثالث و الرابع (تابع).

                              [align=justify]3ـ مبحث أنساب العرب.
                              بين يدي المبحث : لا يمكن الجزم الآن بحقائق نهائية كافية شافية كاملة تامة فيما يخص أنساب العرب، حاشا نسب الرسول الكريم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، صلى الله عليه و سلم، لأنه محفوظ و مضبوط حتى عدنان ثم يختلف النسابون فيما وراء ذلك، أما ما عدا هذا النسب الشريف فقد اختلفت الأقوال لبعد الآجال و تعدد الأجيال و خفاء الصلات و تداخل العلاقات و تشعب القبائل و تفرع العمائر و تشابه الأسماء و تماثل الألقاب و الكنى و تنوع تنقلات العشائر و كثرة رحلاتها و تكرار هجراتها في الأوطان و تداخلها بالأحلاف و الولاء و الاختلاط، و مع هذا كله فقد خصص العلماء المسلمون بحوثا ضافية عن أنساب العرب و ما اتصل بهم من العجم و سائر الأمم، ككتاب الحافظ أبي عمر بن عبد البر "كتاب القصد و الأَمَم بمعرفة أنساب العرب و العجم"(1)، و كتاب القلقشندي"نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب" (2) و الذي اختصره و نظمه الشيخ أبو الفوز محمد أمين البغدادي الشهير بالسويدي في كتابه"سبائك الذهب في معرفة أنساب العرب"، و كتاب "الاشتقاق" لأبي بكر محمد بن الحسين بن دريد صاحب كتاب "جمهرة اللغة" الشهير و يسمى "كتاب اشتقاق الأسماء" أو "كتاب أسماء القبائل"، أما أنا فأذكر هنا ما توفر عندي منها حسب تواريخ وفيات أصحابها :
                              1ًـ "المعارف" لان قتيبة الدينوري (213/276) فقد خصص فيه فصلا لأنساب العرب و تناول فيه نسب عدنان (3) لصلته بنسب الرسول صلى الله عليه و سلم؛
                              2ًـ "الاشتقاق" لابن دريد (223/321) (4)؛
                              3ًـ "جمهرة أنساب العرب" لابن حزم الأندلسي (384/456) و هو كما يظهر من العنوان مخصص في جزء مهم منه لأنساب العرب (5)؛
                              4ًـ "الروض الأُنُف" للسهيلي (508/581) تفسير سيرة ابن هشام (ت 213) (6)؛
                              5ًـ "البداية و النهاية" لأبي الفداء بن كثير (700/774) فيه فصول عن أخبار العرب و أنسابهم(7)؛
                              6ًـ "كتاب العبر" لابن خلدون (732/808) خصص فيه فصولا كثيرة لأنساب العرب و قسمهم إلى طبقات (8)؛
                              7ًـ "سبائك الذهب في معرفة قبائل العرب" لأبي الفوز المذكور أعلاه و هو من علماء القرن 13 الهجري (9) و هو اختصار لكتاب القلقشندي "نهاية الأرب".
                              و ما يلفت الانتباه ويثير الإعجاب في الوقت نفسه أن ابن خلدون قد رسم في "كتاب العبر" سابق الذكر شجرات أنساب العرب جيلا جيلا أو طبقة طبقة إضافة إلى شجرات أنساب الأمم الأخرى كالفرس و اليونان المذكورة في كتابه الضخم، و لذا فإننا نذكر من القبائل العربية ما وصلْنا إليه من بحث في المصادر سابقة الذكر و غيرها مما اعتُمد عليه من مصادر لم أطلع عليها لكنها مذكورة في بعض المراجع، مراجع البحث.
                              [/align]*****[align=justify]و مع ما تقدم في التنبيه أعلاه، فقد اهتم العرب بأنسابهم و حفظوها كما لم يهتم أحد من الأمم الأخرى بنسبه و يحفظه (10) حتى غدا حفظ الأنساب علما تفتخر به العرب لما كانوا فيه من حاجة للتناصر والتضامن و التحالف و التعاقل في الديات حيث كانوا قبائل متفرقين و أحزابا مختلفين، و قد نبغ منهم قوم حتى اشتهروا بالنسابين، جمع نسّابة كفهّامة و علاّمة، مبالغة في التمكين من معرفة الأنساب، منهم أبو بكر الصديق، رضي الله عنه، و أبو جهم بن حذيفة العدوي، و جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل، و كان عمر بن الخطاب و عثمان بن عفان و علي بن أبي طالب، رضي الله عنهم جميعا، علماء بالأنساب و غيرهم كثير(11).
                              أما الرسول، صلى الله عليه و سلم، فقد كان الفيصل في هذا المجال، و قد كانت تأتيه الرجال فيسألونه عن أنسابهم فيجيبهم (12) بالحق كما سنراه في مبحث "العرب أصولا و فروعا" عند الحديث عن سبأ أرجل هو أم امرأة أم أرض ؟ و ما تخصيص أوائل الكلام عنه، صلى الله عليه و سلم، في كتب السيرة و ذكر نسبه الشريف إلا دليل على ضبط هذا العلم عندهم حتى قرر ابن حزم أن معرفة مجمل نسبه، صلى الله عليه و سلم، فرض عين على كل مسلم ومعرفة المفصل منه فرض كفاية (13).
                              و قد صل إلينا مما حفظ عن العرب الكثير من أسمائهم و ألقابهم و كناهم و أنسابهم و أقسامهم مبثوثة في بطون كتب التاريخ وكتب الرجال، و يقوم هذا العلم على تعرف أنساب الناس حتى يظهر الأصيل من الدخيل و يتميز الكريم من الزنيم، أي اللصيق، و تقسم الأنساب ثلاثة أقسام:
                              1ًـ الوالدون، و هم الآباء و الأمهات و الأجداد و الجدات؛
                              2ًـ المولدون، و هم الأولاد و أولادهم، الأحفاد؛
                              3ًـ المناسبون، و هم ما عدا الآباء و الأبناء ممن يرجع بتعصيب أو رحم (14)، كما نجدهم يقسِّمون العرب إلى أقسام تفصيلية سبقت الإشارة إليها في طبقاتٍ عشرٍ نختصرها:
                              1ًـ الجذم و هو المنطلق ابتداءً من الأصل وهما قحطان و عدنان و هو الطبقة الأولى؛
                              2ًـ الجماهير أي الجماعات و هي الطبقة الثانية؛
                              3ًـ الشعوب و هي الطبقة الثالثة و تجمع القبائل تحتها؛
                              4ًـ القبلية و هي دون الشعب و تجمع العمائر، و يقال إنما سميت قبيلة لتقابل بعضها ببعض؛
                              5ًـ العمائر، واحدتها عمارة، و هي دون القبيلة و تجمع البطون؛
                              6ًـ البطون واحدتها بطن و تجمع الأفخاذ؛
                              7ًـ الأفخاذ واحدها فخذ و هي أصغر من البطن و تجمع العشائر؛
                              8ًـ و 9ًـ العشائر و الفصائل، واحدتها فصيلة، و هي أهل بيت الرجل و خاصته؛
                              10ًـ الرهط وهو الرجل و أسرته (15).
                              4ـ مبحث العرب أصولا و فروعا.
                              دأب المؤرخون على تقسيم العرب تقسيمات شتى منها ما هو محل اتفاق و منها ما هو غير كذلك، إلا أنهم يتفقون على تقسيمهم قسمين كبيرين مع اختلاف في التسمية أشرنا إليها في مبحث"الجنس العربي"، و نعود الآن فنذكر ما أوجزناه هناك بشيء من التفصيل كما وعدنا، فالعرب ينقسمون عموما قسمين كبيرين : عرب بائدة وعرب باقية.
                              1ًـ العرب البائدة: و يسمون العرب العرباء، أي الخُلَّص، و هم علا ما يذكره المؤرخون أمم كثيرة نذكر منها ما وجدناه من أسمائهم: عاد، ثمود، طسم، جديس، أميم، جرهم الأولى، قطورا، حضرموت، إرم، و أضاف جورجي زيدان الأنباط و التدموريين و عماليق العراق و عماليق مصر(16) إلى العرب البائدة، و ذكر الدكتور محمد بيومي مهران مدين و عبيل و حضورا(17)، و لابن خلدون تفاصيل كثيرة تخرج عن نطاق بحثنا هذا.
                              2ًـ العرب الباقية، و هم قسمان:
                              أـ العرب العاربة : و هم بنو قحطان بن عامر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح، عليه السلام(18)، و هم عرب اليمن و قد توزعوا في الأرض شمالا و من أشهر قبائلهم:
                              * جرهم: و كانت منازلهم أولا باليمن ثم انتقلوا إلى الحجاز فنزلوه و أقاموا به و منهم تزوج إسماعيل بن إبراهيم، عليهما السلام، مرتين أو ثلاثا كما في "البداية و النهاية" لابن كثير(19).
                              * يعرب: و منها تشعبت القبائل و البطون و هما حِمْيَر و كهلان، فأما حمير فمن أشهر بطونها قضاعة(20) و من أشهر أحياء قضاعة بلى و جهينة و كلب و بهراء و بنو نهل. و أما كهلان، فمن أشهر بطونها الأزد و تنقسم ثلاثة أقسام: أزد شنوءة و أزد السراة و أزد عمان، و الأزد كذلك بطون كثيرة منها غسان و الأوس و الخزرج و خزاعة. و من بطون كهلان كذلك طيء و مذحج و هي بطون كثيرة منها خولان و بنو الحارث، و من كهلان أيضا همدان و كندة و مراد و أنمار و جذام و لخم و الأشعريون و عاملة.
                              و في هذا السياق نذكر مثالا عن معرفة الرسول، صلى الله عليه و سلم، بأنساب العرب، فقد سئل، صلى الله عليه و سلم، عن سبأ و هو من القحطانيين أرجل هو أم امرأة أم أرض ؟ فقال، صلى الله عليه و سلم:" بل هو رجل من العرب ولد له عشرةٌ تيامن منهم ستة و تشاءم أربعة(21)، فأما اليمانيون: فمذحج و كندة و الأزد و الأشعريون و أنمار و حمير، و أما الشامية : فلخم و جذام و عاملة و غسان"، و سئل، صلى الله عليه و سلم، عن أنمار، فقال: " الذين منهم بجيلة و خثعم" و يوضح ابن كثير في تفسيره أن معنى " ولد له عشرة" أي كان نسله هؤلاء العشرة الذين ترجع إليهم أصول القبائل من عرب اليمن لا أنهم وُلدوا من صلبه بل منهم من بينه و بينه الأبوان و الثلاثة و الأقل و الأكثر كما هو مقرر في مواضعه من كتب النسب (22)، و كما ألمحنا إليه أعلاه.
                              ب ـ العرب المستعربة : و تعرف بالعدنانية نسبة إلى عدنان من ولد إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، و من أولاد عدنان: معد و أولاده إياد و نزار و قضاعة (23)، صارت إلى اليمن، و قنص، و يقسم النسابون عدنان إلى فرعين كبيرين هما:
                              * ربيعة و مضر و أنمار أخوهما على قول من يلحقه بنزار فقد رأينا سَمِيَّه في كهلان:
                              1. ربيعة: أسد و ضبيعة و من أسد بنو عنزة و جديلة و من جديلة عبد القيس و وائل، و منه بكر و من بكر بنو عجل؛
                              2. مضر: عيلان و إلياس ابنا مضر، و هوازن و من هوازن بنو عامر بن صعصعة، و منها بنو كلاب و بنو هلال، و بنو عقيل، و بنو جشم، و ثقيف، و من قبائل قيس بنو غطفان، و منهم ذبيان و منهم فزارة، و من قيس كذلك بنو سليم و عدوان ؛ و من أولاد إلياس بن مضر: قمعة و طابخة و مدركة، فمن طابخة تميم و تغلب، و من مدركة هذيل و أسد و كنانة و قريش، و هم الذين يهموننا كثيرا لنسب الرسول، صلى الله عليه و سلم، فيهم.
                              3. أنمار: تفرع إلى خثعم و بجيلة صاروا إلى اليمن و دخلوا في نسب كهلان على من يرى هذا الرأي و للحديث الذي أوردناه أعلاه.
                              4. خزيمة: و لهم فرعان هما الهون و أسد، أما أسد فهم بطن كبير متسع منهل أجأ و سلمى، و أما الهون فمنهم مليح و أولاده و يقال لهم "القارة" (24) و هم قوم رماة(25).
                              و تجدر الإشارة هنا أن آراء المؤرخين للقبائل العربية لا تكاد تستقر على قرار مُجمَع عليه، و ضبط أصول القبائل و فروعها يحتاج إلى جهود كبيرة و ذلك لتداخل تلك القبائل في بعضها البعض بالمصاهرة و الأحلاف و الولاء و لتشابه الأسماء بين القبائل القحطانية و القبائل العدنانية، و لذا فلا غرابة إن وجدنا اختلافات كثيرة بَيِّنَة بين المؤرخين و النسابين في إلصاق الفروع بالأصول و إلحاق المولدين بالوالدين.

                              تنبيه مهم: لا نغادر هذا المبحث قبل الإشارة إلى موضوع خطير قد اختلف الباحثون فيه و خاضوا لُجَّته و تعارضوا حوله مع أنه ليس بالأهمية التي أعاروها إياه إذ أنه لا يضيف شيئا إلى قيمة العرب و لا ينقص منها ما داموا الآن على ما هم عليه من هوان و ضياع و تشتت و اختلاف حتى شَغلوا أواخر القوائم في كل مجال إلا مجال التخلف، فقد بلغوا فيه الكمال و احتلوا فيه المرتبة الأولى بلا مُنازع أو منافس ! و هذا الموضوع هو: هل العرب ساميون أم لا ؟ يا لها من قضية مهمة سامية و مصيرية(؟!!!) و قد عالج بعض المهتمين(26) هذه المسألة معالجة مستفيضة و اتخذوا منها موقفا صارما، و هو موقف يرفض نسبة العرب إلى الساميين أو إلى سام بن نوح، عليه السلام، رفضا باتا و يفضلون إطلاق كلمة "عرب" وحدها على هذا الجنس البشري و علة من يلحق بهم من الأمم.
                              و ما أثار حفيظة أولئك الباحثين كون التسمية و هي من وضع العالم الألماني شلوزر أو شلوتسر، عام 1781 ثم روجها إيكهورن، أو إيشهورن، المستشرق النمساوي مأخوذة من التوراة (سفر التكوين الإصحاح العاشر)(27)، أما أنا فلا أرى حرجا في إطلاق تلك التسمية على العرب لسبب بسيط للغاية و هو أنهم لم ينشئوا عربا هكذا عفوا و بَدْأَة دون الانتساب إلى أب أيًّا كان، وما يؤيد رأيي هذا هو أن المؤرخين المسلمين مثل ابن قتيبة الدينوري في كتابه "المعارف"(28) و ابن خلدون في كتابه "العبر"(29) و غيرهم قد أثبتوا نسبة العرب إلى سام بن نوح، عليه السلام، مع الإشارة أن نسبة "السامية"تطلق أساسا على اللغات التي كانت مستعملة من بعض الأمم أكثر مما تطلق على تلك الأمم ذاتها(30)، أو أنها تطلق على الأمم لأنها تنطق بتلك اللغات بالذات !
                              هذا و لم يقتصر اختلاف الباحثين في أصل العرب من حيث العرق فحسب بل اختلفوا في التسمية ذاتها من حيث أصلها أو جذرها و اشتقاقها و من حيث معناها كما فعل الدكتور فروخ في كتابه "العرب في حضارتهم و ثقافتهم" فذهب إلى أن أصل كلمة "عرب"إنما هو من"أ ـ ري ـ بي" المجهول الأصل، أي غريب بقلب حرف الغين المعجمة إلى العين المهملة و عنده فذلكة لغوية طريفة لا تبعد عن الترف الفكري البحت و ليس هنا مجال مناقشتها و قد كفانا الدكتور عبد العزيز الدوري في كتابه "التكوين التاريخي للأمة العربية"، ص 16، مئونة نقدها.
                              [/align]

                              خريطة منازل أهم القبائل العربية.
                              (يتبع إن شاء الله بالمبحث الخامس: "اللغة العربية و لهجاتها")
                              ـــــــــــــ
                              1. ابن كثير، "تفسير القرآن العظيم"، ج3، ص 530؛
                              2. عبده الراجحي، "اللهجات العربية في القراءات القرآنية"، ص 22؛
                              3. ابن قتيبة، "المعارف" بتحقيق د.ثروت عكاشة؛
                              4. أبو بكر بن دريد، " الاشتقاق"، بتحقيق عبد السلام محمد هارون؛
                              5. ابن حزم الأندلسي، "جمهرة أنساب العرب" بتحقيق عبد السلام محمد هارون؛
                              6. السهيلي، "الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية لابن هشام، بتحقيق طه عبد الرءوف سعيد؛
                              7. ابن كثير، "البداية و النهاية"؛
                              8. ابن خلدون، "كتاب العبر"؛
                              9. أبو الفوز محمد أمين البغدادي، "سبائك الذهب في معرفة قبائل العرب"؛
                              10. أحمد بن فارس، "الصاحبي"؛
                              11. ابن حزم، "جمهرة أنساب العرب، ص42؛
                              12. القاضي عياض، "الشفا بتعريف حقوق المصطفى" (صلى الله عليه و سلم)، ص356 و ابن كثير، "البداية و النهاية"، ج.2، ص157 إلى159؛
                              13. ابن حزم، "الجمهرة" مصدر سابق؛
                              14. التعصيب هو التمليك بالإرث لغير الآباء ة الأبناء كالأعمام و غيرهم؛
                              15. حسين حاج حسن، د، "حضارة العرب في العصر الجاهلي"، ص 60، و يختلف الباحثون حول هذا التقسيم كما في "البداية و النهاية" لابن كثير، ج2، ص 157، و "سبائك الذهب" لأبي الفوز، صص 13/14؛
                              16. جورجي زيدان، " العرب قبل الإسلام" مرجع سابق، صص 42 و70، و يرجع إلى "جمهرة" ابن حزم، ص8/9، و "المزهر" للسيوطي، ج1، ص 31، مع بعض الاختلاف و كثير من التفاصيل؛
                              17. محمد بيومي مهران، مرجع سابق، ص 164؛
                              18. على ما في هذا النسب من اختلاف؛
                              19. ابن كثير، "البداية و النهاية"، ج1، ص 193، في قصة إسماعيل بن إبراهيم، عليهما السلام؛
                              20. و من النسابة من يجعل "قضاعة" ثالث ثلاثة مع "قحطان" و "عدنان" لعظمهم و كثرتهم كما في "البداية و النهاية" لابن كثير، ج2، ص 157، و كذا "جمهرة أنساب العرب" لابن حزم، ص 7؛
                              21. القاضي عياض، "الشفا"، ج1، ص 356؛
                              22. ابن كثير: "البداية و النهاية"، ج2، ص 159 و التفسير، له، ج3، صص 530/531؛
                              23. انظر الهامش 20 أعلاه؛
                              24. ابن حزم، الجمهرة، المصدر السابق، ص190؛
                              25. ابن قتيبة، "المعارف"، المصدر السابق، ص 65؛
                              26. محمد عزة دروزة، مرجع سابق، صص16/18، نقر عن جواد علي و عن الرفاعي و رفقائه، و كذلك د.محمد أسعد طلس: "تاريخ العرب"، ج1، ص11، و كذلك أنور الرفاعي "الإنسان العربي و الحضارة" ص25/26؛
                              27. إ.ولفنسون، أبو ذئيب، "تاريخ اللغات السامية"، ص 2؛
                              28. ابن قتيبة، "المعارف"، ص81،
                              29. ابن خلدون، "العبر"، ج3، ص28؛
                              30. موسكاتي، "الحضارات السامية القديمة"، ص 42 و من صص 48/49.
                              sigpic
                              (رسم نور الدين محساس)
                              (رسّام بجريدة المساء الجزائرية 1988)

                              "القلم المعاند"
                              (قلمي هذا أم هو ألمي ؟)
                              "رجوت قلمي أن يكتب فأبى، مُصِرًّا، إلاَّ عِنادا
                              و بالرَّفض قابل رجائي و في الصَّمت تمــادى"

                              تعليق

                              يعمل...
                              X