آثار اللهجات العربية في القراءات القرآنية
(بحث في بقايا اللهجات العربية من خلال القراءات القرآنية)
المقدمة
[align=justify]الحمد لله الذي خلق الإنسان و علمه البيان و أنزل القرآن هاديا إلى الحق و مرشدا إلى الصواب و دليلا إلى رب العالمين، ثم أما بعد: لم يعد القرآن الكريم موضوعا للدراسات الشرعية و اللغوية التقليدية و التي تناوله فيها العلماء من كل جانب فحسب، بل صار الآن موضوع دراسات لسانية و صوتية حديثة بما تمنحه قراءاته المختلفة من فرص لمعرفة لهجات العرب التي نطق بها القرآن الكريم، و قد بادت تلك اللهجات كلها أوجلها و اندثرت و ذهبت بذهاب الناطقين بها، و لولا ما سجله العلماء قديما من مختلف القراءات و الاستدلال عليها بلهجات القبائل أو لغاتهم و لحونهم لما أمكننا اليوم معرفة الفروق الدقيقة بين لهجات تلك القبائل و التي عاصرت نزول الوحي أو معرفة وجوه الخلاف بين علماء اللغة فيما يذهبون إليه من أقوال يعللون بها ما يثيرونه من مسائل نحوية أو صرفية و شروح للشواهد الشعرية يعتمدونها في أقوالهم و مواقفهم و آرائهم و مذاهبهم، و يبحثون من خلالها وجوه الاحتجاج لمواقفهم و آرائهم تلك.
لقد اخترت، انطلاقا من هذه النظرة العامة، آثار اللهجات العربية في القراءات القرآنية موضوعا لبحثي هذا حتى نرى جميعا من خلاله ما تبقى من لهجات عربية مختلفة، و هي كثيرة جدا حسب بعض العلماء، لم يعد لها وجود في الواقع المعيش لولا وجود القراءات، و بهذا صار القرآن الكريم بمختلف قراءاته السجل الموثوق لتلك اللهجات المندثرة، لعلي أقدم خدمة و لو بسيطة إلى اللغة العربية المستعملة اليوم بلفت الانتباه إلى ضرورة إعادة النظر في تلك اللهجات لتوظيف الصالح من ألفاظها و صيغها، مفرداتها و تعابيرها، توظيفا يخدم اللغة العربية المعاصرة.
و يجرنا هذا الكلام إلى مناقشة العنوان نفسه لما قد يحدثه من غموض أو لبس عند النظرة السطحية السريعة، أو المتسرعة، فيخيل إلى القارئ أنه كان يجب علينا إثبات العكس بحيث يصاغ، و قد قيل لي ذلك، كما يلي "أثر القرآن في اللهجات العربية" و هذا يتعارض مع ما أقصده من بحثي من جانبين اثنين:
أولهما: أننا لو فعلنا ذلك لخيل إلينا أن القرآن الكريم نزل بغير لغة، أو لغات، العرب فأثر فيها إن كثيرا فقليلا بحكم هيمنة الإسلام على الأمم كما حدث مع الشعوب غير العربية و التي دخلت فيه فتأثرت لغاتها بلغته كثيرا أو قليلا كما يتأثر المغلوب بأحوال الغالب بما فيها اللغة، و لو أن أثر القرآن الكريم في اللغة العربية ذاتها أثر بليغ لا يمكن تجاهله أو تجاوزه، لكن هذا ليس موضوع بحثنا الآن.
و ثانيهما: أن القرآن الكريم كله و في حد ذاته أثر من آثار اللهجات العربية و قد نص القرآن نفسه على هذا بقوله {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }إبراهيم4، و القوم أسبق من النبي المرسل إليهم و لسانهم أسبق من لسان الوحي المنزل عليهم بواسطة ذلك النبي، و ما اللغة العربية إلا مجموع لغات العرب أو لهجاتهم أو لحونهم، و ما القرآن الكريم إلا مزيج محكم من لهجات العرب قد تخير الله سبحانه و تعالى أبلغها و أفصحها و أبينها و أسلسها و أنزل آخر كتبه و جعله معجزة آخر أنبيائه عليه الصلاة و السلام، و قد نص الإمام السيوطي في كتابه "الإتقان في علوم القرآن" أن في القرآن خمسين لغة من لغات العرب إضافة إلى ما فيه من لغات الأمم الأخرى (1) على ما في هذا الرأي من خلاف و جدال سنبينه في محله، إن شاء الله تعالى، و لذا أثبتُّ كلمة "آثار" و أقصد بها بقايا اللهجات العربية و التي لم يعد لها ذكر إلا من خلال القراءات القرآنية المُتوثَّق منها.
و نظرا لمستوى البحث الابتدائي لم أجعله بحثا مستفيضا لا يذر شاردة و لا واردة لها صلة بالموضوع إلا أحصاها وأثبتها و قيدها فهذا مما لا طاقة لي به وحسبي أنني بذلت ما وسعني الجهد لعرض موضوع واسع كهذا عرضا آمل أن يكون لائقا حاولت الإلمام فيه بالجوانب التي حصرت بحثي فيها حسب ما توفر لدي من مراجع لها صلة مباشرة أو غير مباشرة بالموضوع و حسب ما توفر لي من طاقة و وفق استطاعتي مع أن البحث فيه لا يزال مفتوحا.
و أستأنس هنا و أنا في سياق الحديث عن آثار اللهجات العربية في القراءات القرآنية بفقرة من كتاب الدكتور عبده الرّاجحي، رحمه الله تعالى "اللهجات العربية في القراءات القرآنية"، إذ يقول في أول مقدمته: "... القرآن الكريم حياة هذه الأمة، لا تبتعد عنه لحظة إلا و تبتعد عنها معالم الحياة، و إن حياة لغتنا العربية في هذا الكتاب الكريم، و لا يعرف تاريخ لغة اتصلت حياتها بكتاب مقدس كما تتصل حياة العربية بالقرآن، و لا سبيل إلى فهم حياة أمة إلا بدرس كتابها ودرس لغتها التي عاشت فيه، و لسنا نعرف درسا لغويا آصل و لا أعمق من درس يصل بين العربية و القرآن" اهـ (2)، و أضيف انطلاقا من هذه النظرة الشاملة للدكتور الرّاجحي أن القراءات القرآنية المختلفة لا تزال مجالا واسعا و مرتعا خصبا لكل أنواع الدراسات العلمية الحديثة : لسانيات، صوتيات ...، لو تجد العناية الكافية من المختصين الذين تخلصوا من النظرات السطحية المتسرعة و الأحكام المسبقة و الخلفيات المشبوهة ليتناولوها تناولا موضوعيا صرفا خدمة للغة العربية و إثراء لها لتغطي متطلبات الحياة كلها الآن و مستقبلا، إذ العربية بحر زاخر عميق ثري يصدق فيها قول شاعر النيل، حافظ إبراهيم، رحمه الله تعالى، على لسانها بحق :
[GASIDA="type=0 width="100%" border="none" font="bold x-large Arial" bkimage="""]"أنا البحر في أحشائه الدر كامن=فهل سألوا الغواص عن صدفاتي ؟"[/GASIDA]و قبله قال :
[GASIDA="type=0 width="100%" border="none" font="bold x-large Arial" bkimage="""]و سعتُ كتاب الله لفظا و غاية=و ما ضقت عن آي به و عظات،
فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة=و تنسيق أسماء لمخترعات ؟[/GASIDA]لم يكن اختياري لهذا الموضوع الشيق و الممتع في الوقت نفسه اعتباطيا و إنما كان بقصد الإطلاع على خلفيات علاقة القراءات القرآنية باللغة العربية عموما و الإلمام بمدى صلتها باللهجات العربية خصوصا و إثبات أصالة الدراسة ذاتها في هذا المجال الرحب ؛ لكن بقدر ما كانت الدراسة ممتعة و شيقة بقدر ما كانت صعبة الإنجاز و شاقة التحقيق و مكلفة في الجهود، و قد سلخت في تحريرها مدة قد طالت و أنفقت في تنظيمها حجها معتبرا و إنني و بكل صدق لأستقل ما بذلته من جهود في إنجازها لما حققه لي البحث من متعة المعرفة و شائقة التنقيب و التنقل بين عشرات المصادر و المراجع و غبطة الاكتشاف و سعادة التعلم و فرحة العرض المبسط ما يزيدني فهما للموضوع و ثقة بأصالة الدراسة العلمية في هذا الميدان الواسع و ضرورة المراجعة ة و التحقيق و التوثيق حتى نديم الصلة بين الحاضر بما يمثله من دراسات حديثة و الماضي بما يحمله من تراث أصيل.
هذا و إنني لم أسجل إلا ما خطته يميني و لم أثبت إلا ما حققه بحثي حرصا مني على نزاهة الدراسة و أمانة النقل و موضوعية النتائج مفضلا التركيز أو الاقتضاب غير المخل على التطويل أو الإطناب الممل قدر المستطاع.
لقد واجهتني، في البداية، عقبات كأداء كثيرة أصعبها ندرة المراجع التي تعرضت لمثل هذا الموضوع، و صعوبة الحصول عليها إن وجدت، ثم عقبة تناقض كثير من تلك المراجع ذاتها في إثبات بعض الحقائق التي لها صلة مباشرة بالموضوع أو نفيها، كتلك التي تنفي وجود لغات غير العربية في القرآن أو الأخرى التي تثبت العكس جازمة.
أما قضية ما هي اللغة أو اللهجة التي نزل بها القرآن الكريم فهذا موضوع آخر لا يقل أهمية عن سابقه، و قد خاض الدارسون قديما و حديثا غماره حتى كاد لا يسع لمزيد من الدراسة و التحقيق لولا الفضول المعرفي الملح، و لذا فإنني ألتمس العذر من المطلعين على هذا البحث المتواضع إن لاحظوا فيه شططا في الرأي أو وجدوا فيه خروجا عن المنهجية العلمية الصارمة فما كان قصدي سوى الإلمام بخيوط الموضوع الكبير الرئيسة بما يسمح به مستوى البحث الابتدائي تاركا التحقيق العلمي الدقيق إلى مستويات أخرى أعلا و أوسع و أشمل أرجو أن تمنح لي فرصة إنجازها بعد هذا إن شاء الله تعالى.
هذا و قد قسمت البحث إلى ثلاثة فصول هي التوسعة بعد هذه المقدمة و التمهيد الذي يليها فقد أردتهما أن يكونا بمثابة منهج البحث قد يعتمده من يرغب في توسيع الدراسة أو تعميقها ممن سيستفيد منه من طلاب العلم، ثم و في آخر المطاف وضعت الخاتمة و التي أحاول فيها تلخيص ما انتهيت إليه من نتائج أرجو أن تضيف جديدا في هذا المجال، و قسمت الفصول إلى مباحث و هذه الأخيرة إلى عناصر تحليلية تسهيلا لمتابعة القراءة و تتفاوت الفصول في أحجامها بتمايز المباحث و العناصر في تعدادها.
فأما المقدمة فهي بين يديك أعرض فيها الهدف من البحث و الإشارة إلى أهمية دراسة اللهجات العربية القديمة من خلال القراءات القرآنية المختلفة و فيها أثبت الإشكال موضوع البحث و هو : هل يمكن أن تستفيد الدراسات اللسانية الحديثة من القراءات القرآنية المعتبرة لتطوير اللغة العربية المعاصرة في جملتها و الخروج بمناهج علمية محترمة في دراسة اللغة لإثراء اللغة العربية المستعملة اليوم.
و أما التمهيد فقد خصصته للحديث عن المنهج المتبع في بحثي هذا و قد فضلت المزاوجة بين المنهج التاريخي لأن الموضوع مرتبط بقضايا تاريخية أصيلة و بين المنهج المقارن لأن البحث يعتمد المقارنة بين اللهجات فيما بينها من جهة و بين القراءات القرآنية المختلفة من جهة أخرى مع استعمال المنهج الوصفي التحليلي المعتمد في الدراسات اللغوية.
و أما الفصل الأول فقد خصصته للحديث عن الجنس العربي من حيث أصله و أرضه و أقسامه، و عن اللغة العربية من حيث أصلها و انتماؤها إلى اللغات السامية الأخرى و عن اللهجة القرشية و موقعها بين اللهجات العربية الأخرى، و هي كثيرة، و لغة القرآن الكريم الراقية الأنيقة المتميزة عن غيرها من اللغات العربية ؛ و قد جاء هذا الفصل، بحكم مباحثه المتعددة، أوسع مرتين عن الفصلين التاليين له لأنه بمثابة الأرض الخصبة الضرورية لمنبت جذور الشجرة و عروقها الغائصة في الأعماق، شجرة القرآن الكريم و قراءاته المتعددة.
و أما الفصل الثاني فقد تعرضت فيه إلى التعريف بالقرآن الكريم و القراءات و الحروف السبعة و هو بمثابة الجذع الراسخ المنبثق من جذور الفصل الأول.
و أما الفصل الثالث فخصصته للحديث عن القراءات و اللهجات العربية من حيث صلتها بالدراسات الصوتية والصرفية و النحوية و اللغوية و العلوم الشرعية و هو بمباحثه الأربعة كالأغصان المتفرعة عن الجذع في الفصل الثاني.
و أما الخاتمة فإنني ألخص فيها ما خلصت إليه من نتائج من خلال الفصول الثلاثة السابقة و عرضت فيها وجهة نظري عن ضرورة مواصلة البحث في مثل هذه المواضيع إثراء للغة العربية المعاصرة المغبونة من أبنائها قبل أن تغبن من أعدائها، و جاءت الخاتمة بمثابة الثمار الجنية من تلك الشجرة الطيبة.
هذا، و قد ارتأيت إتماما للفائدة إلحاق الخرائط و الجداول التي تفصل بعض ما أوجزته في التوسعة في موضوع اللهجات أو اللغات التي وردت في القرآن الكريم مؤكدا على ضرورة وضع الأطلس اللغوي للهجات العربية و إحصاء المفردات الدخيلة في القرآن الكريم.
و إنني لا أغادر مقامي هذا قبل أن أعيد ما قاله العماد الأصفهاني في بعض كتبه معتذرا عن تقصيره في التأليف حيث قال: "لا يكتب إنسان كتابا في يومه إلا قال في غده : لو غُيِّر هذا لكان أحسن، و لو زيد هذا لكان يستحسن، و لو قُدِّم هذا لكان أفضل، و لو أخر هذا لكان أكمل، و لو ترك هذا لكان أجمل، و هذا من أعظم العبر و هو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر" و أنا أقول بقوله اعترافا بما يوجد في بحثي هذا من خلل أو بما يشوبه من زلل و لسان حالي ينشد ما قاله الشاعر :
[GASIDA="type=0 width="100%" border="none" font="bold x-large Arial" bkimage="""]"كم من كتاب قد تصفحته=و قلت في نفسي أصلحه
حتى إذا طالعته ثــانيا=وجدت تصحيفا فصححته"[/GASIDA]
و ختاما أقول ما قاله الأستاذ جورجي زيدان في مقدمة كتابه "العرب قبل الإسلام" معترفا بقصوره عن بلوغ الغاية من البحث "و غاية ما نرجوه من وراء ذلك أن تزيد مواضع الإصابة في هذا الكتاب على مواضع الخطأ، و لا نقول أن كل خطأ سهو جرى به القلم، بل نعترف أن ما نجهل أكثر مما نعلم، و ما تمام العلم إلا لمن علم الإنسان ما لم يعلم" سبحانه و تعالى، و هو ولينا فنعم المولى و نعم النصير و هو حسبنا و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم و الحمد لله في الأول و الأخير.
ـــــــــــــــــــ
(1) الإتقان في علوم القرآن، جلال الدين السيوطي، ج1، ص 136.
(2) اللهجات العربية في القراءات القرآنية، دار المعارف، مصر، 1968، ص 1.[/align]
تعليق