طُلّي بالأبيض
ـ أمّي ...أحتاجك ..أرجوكِ لا تقفلي الخطّ
بقيتُ هنيهةً ، أتردّد ..!!هل أضغط على الزرّ كما في كلّ مرّةٍ ؟؟أم أنتظر..؟؟
انقبض قلبي ، استزدتُ صوتها ، تلاشى الصّدى ..
ـ هالة ..هالة مابك ؟؟
لا جواب ..إلاّ من بعض غمغماتٍ ، ونشيجٍ بعيدٍ .
حسمتُ الأمر مصوّبةً وجهي نحوه :
ـ سأذهب إليها
ألقى بحقيبته السوداء على الأريكة بغضبٍ ، والتفتَ نحوي مهدّداً، والشرر يتطاير من فمه ، وعينيه:
ـ إياااك ..إيااك ..أن تفعلي ...هالة ماتتْ بالنسبة لنا ، أتسمعين ؟؟؟ ماتتْ إلى غير رجعة ، انتهى الأمر .
لم أسمع إلاّ صوتها ، ما رأيتُ فيه إلاّ ربطة عنقه الكادتْ تضغط على رقبتي أنا ، فتخنقني .
ألقيتُ ورائي كلّ الحمم التي قذفها في وجهي .
آااه يا ابنتي ها أنا في طريقي إليكِ ، لفافات التبغ تحرق أصابعي ، أقطع المسافات البعيدة التي فصلتني عنك ، منذ عامٍ ونيّفٍ .
كانتْ السّماء تمطر ، كما هي الآن تضرب نافذة سيّارتي ، التي أقودها بجنون ، لمّا
رحلتِ عنّا إليه .
من يومها والكابوس يطلع لي عند كلّ عشيّةٍ ، أغنّي لك نفس الأغنيّة التي تمنّيتُ أن أردّدها يوم زفافك في الصّالة الذهبيّة ، أتبختر خلفك ، وأنت أمامي كملكةٍ أسطوريّةٍ ، ذات ملامح آسرة:
طلّي بالأبيض طلّي ، يا زهرة نيسان ..........
طلّي يا حلوة وهلّي بها الوجه الريّان
وأميرك ماسك ايديك، وقلوب الكلّ حواليك ....
.والحبّ يشتّي عليك ،ورد وبيلسان ..
ولكنّك خذلتني ، وقصمتِ ظهر أبيك ، وأتعبتِ شريان قلبه النازف إلى اليوم ، حتى حار به الأطبّاء.
هاقد وصلتُ مشارفَ البلدةِ المتعبة الملامح ، ضمّتكِ إلى صدرها ، بدلاً عن قصرك المنيف ، ترنو إليّ بفضولٍ لا يخفى ، وجوه سمرٌ تجيد احتراف الابتسام رغم بساطة المظهر ، وكلالة الجسد .
وأسرابٌ من النحلات ، تناثرنَ برشاقةٍ في السّوق الفرعيّةِ ، يساومن الباعة في الشّراء ، بشطارةٍ تحسم لهنّ غالباً ، ترافقهنّ ابتسامة كبيرة ، تحمل علامة الظّفر.
وعند أوّل الشّارع ، طالعني رجلٌ خرج للتوّ من المقهى ، يتأبّط الصّحف التي تعبت فيما يبدو بين يديه، حين غاص في سطورها بنهمٍ ، وقلّب أوراقها بكلّ حواسه .
دلّني على العنوان ، بعد أن فرك جبهته ، وأغمض عينيه المحجوبتين بنظّارةٍ طبيّةٍ ، سميكةٍ ، لبرهةٍ وهو يتذكّره .
طويتُ درجات السّلّم ، أحتبس أنفاسي ، لم تصدّق عيناها لمّا رأتني ، مسحتْ دموعها بطرف طرحتها ، قالت لي :
ـ هالة تعبانة يا نظري ...أرجوك يا خانم ...الحقيها ..
نسيتُ أن أمدّ لها يدي ، لم أدعها تُكمل ، سألتها عيناي عن غرفتها ، أجابتني بنفس الرنّة البسيطة ، المنكسرة ،التي استحضرتها هذه اللحظة ، يوم زارتنا ، وابنها ، تطلب يد ابنتي ، مشيرةً إلى غرفةٍ على يمين الموزّع الرّئيس في المنزل :
ـ إنّها هنا ...تفضّلي ..شرفتِ ، وآنستِ ...تفضّلي ..
دفعتُ الباب بلا استئذانٍ ، رأيتُ ملاكاً هزيلاً نائماً ، شحوبها يطغى على لون السّتائر ، فتبدّتْ لي صفرتها كالموت .
كانت عيناها مغمضتين وهناً ، والمصل منغرسٌ في معصمها ، ينوح نقطةً ، نقطة .
تفطّر قلبي ألماً ، وكدتُ أرتمي فوقها ، لأحيلها جنيناً من جديدٍ ،يعشّش بين أوردتي ، لولا خوفي عليها من إقلاق غفوتها ، بعد حقنةٍ مهدّئّةٍ .
كان يجلس قبالتها ، رميته بنظرةٍ كالرّمح من جعبة عين أمّ مفجوعةً حدّ الموتِ .
رجاني بجفنيه المسهدين : أن كفّي عن تأنيبي ، وتحميلي ما لا أطيق من اللّوم .
أشحتُ بوجهي عنه ، ولكنّي لمحتُ سيولاً بارقةً من الدموع على سرير ابنتي ، تحمل رائحته .
وقرب النّافذةِ ، تبدّتْ لي ملامح كائنٍ صغيرٍ ، انبثق للتوّ عن رحم ابنتي ، يسلم نفسه لأنفاس الحياة ، بدعةٍ ،وسلامٍ ، كأنّه يستعدّ لخوض غمار العمر ، باختزان لحظاتٍ من الأمان .
سألته بقسوةٍ ما استطعتُ مواربتها: ماذا حصل لها ؟ كيف تمّ ذلك ؟ ما الذي فعلته بها ؟ ماذا فعلتَ بوردتي التي خطفتها من حديقتي ؟ ...وكدتُ أجذبه من ثيابه لولا أن بادرني :
ـ لقد أُصيبتْ بحمّى النفاس عقب ولادتها ، لم أدّخر جهداً في طرق كلّ الأبواب من أجل شفائها ، عبثاً حاولت ، إنّها تزداد سوءاً يوماً عن يومٍ ، أراها تنسلّ من بين أصابعي ، أرجوكِ افعلي شيئاً ، لقد ردّدتْ اسمك وهي تهذي ، من فرط ارتفاع حرارتها ، أرجوك ، وحاول أن يكبح سيل دموعه ، منسحباً من أمامي ، تاركاً لي غرفةً متواضعةً، ومفارقات زمنٍ مرّ ، وهي ...وأنا ..وابنها .
لملمتُ نفسي ألتقط بعضاً من شهيقٍ استعصى على دخول رئتي ، جلستُ على حافّة سريرها ، أمسكتُ على خوفٍ أطراف أصابعها ، وددتُ تقبيلها ، تنحنحتْ ، ارتدَدْتُ للوراء قليلاً خشية إزعاجها.
تفحّصتُ الغرفة ، خزانة بسيطة ، طاولة خاصّة بالأعمال الهندسيّة ، مساطر بأحجام متنوّعة ، وأوراق تلتفّ كجذوع أشجارٍ متفاوتة الطول ، تتوضّع فوق بعضها ، مكتبةٌ بسيطة، تجمع مراجع في تخصّص
دراسة ابنتي ، وروايات غزيرة كانت تستهويها ..قلتُ في سرّي :
آااه نسيت ..إنّه مهندس ..قال لي ذلك يوم خطبها ، أحبّها ، بادلته الحبّ ، دخل حياتها بقوّة ، واستجمع كلّ ياقوت مشاعرها ، لم تفلح غلظتنا في ثنيه عنها ، ولم يبدّل طرده ، وأمّه على يد زوجي من إصراره شيئاً ، إلى أن صحونا ذات يومٍ غائمٍ على رحيلها إليه ..
أكرهك أيّها الرّجل ..يا من سرقتَ نبضي ، خطفتَ مني حلوتي ، بلا فستانٍ أبيض ، ومن دون أن تصدح الأغنية التي أحبّ ..
أكرهك أيها الرّجل ..آلآن تستغيث بي في بقايا ملامح لابنتي ؟ أينها ابنتي ؟ أين ذاك القدّ الميّاس ؟و الشّعر الحريريّ ؟ والبسمة التي لا تفتر عن ثغرها ؟ أكرهك أيّها الرّجل .
الطّائر الصّغير الرّاقد على سريره ، بدأ ينقنق ، تبحث شفتاه العطشانتان عن ثدي أمّه ، يقلّص وجهه يمنةً ، ويسرةً بحثاً عن رائحتها ،سارعتُ إليه ، تحرّك دمي نحوه ، تفرّستُ بوجهه للحظات ٍ ، أفسّر ما يجري بي ، لم أدرِ أنّ للجدّة حبلاً سريّاً ، أطول ، وأقوى ، يجمع الابن ، والحفيد معا .
تصاعدت وتيرة بكائه ، تستدرّ الشّفقة ، والعطف ، سكتَ هنيهة ، ثمّ بحث عن رائحتها من جديدٍ ، يستجديها ،لم يُفلح ، ضممته إلى صدري بقوّةٍ ، كي يهدأ ..
نادتْ عليه ، مغمضة العينين ،بأحرفٍ بالكاد تُسمع : عمر ..عمر ..ماما ..تعال ..ما بك ؟
نالتني صدمةٌ كبرى ، وأنا أسمع نداءها ..إنّه اسم زوجي : والدها .
بكاء الطّفل يزداد ، اقتربتُ من سريرها : هالة ..هالة ..أنا هنا ياحبيبتي ..
ـ أمّي ..؟؟ أمّي ..؟؟ أنت هنا ؟
وحاولتْ النهوض لولا أن عاقتها الحقنة الوريديّة المنزرعة في ساعدها :
ـ الحمد لله أنّي رأيتك ..قبل أن أموت يا أمّي
عانقتها ، شممتُها ، قطفتُ تفّاح جدائلها ، نفس العبير الذي كنت أشمّه لمّا أمشّط شعرها ، وهي طفلةٌ .
أرعبني هزالها الذي أحسستُ به أكثر، لمّا شددتها بشوقٍ إلى صدري .
لم أدرِ أيّنا كان أشدّ انكساراً في هذه اللحظة : أنا ؟؟ أم هي ؟ كلّ الذي أعرفه أنّي لا أريد أن أُبعدها عن أحضاني من جديدٍ ، أن تنفلتَ عن خاطري ، ولو للحظةٍ أخرى ..
كفكفتُ دموعها ، أرحتها على ساعدي ، ممسكةً باليد الأخرى كفّها الناعم ، أفركها بلطفٍ .
تسرّبتْ إلى روحي حرارة جسدها المحموم ،أرجعتُ رأسها إلى الوسادة ، أكملتُ ما بدأ به زوجها أعصر الكمّادات الباردة فوق الوعاء ، ثم أكرّر وضعها على جبينها ..
وفي كلّ مرّة ، كانت تضغط بيدها على يدي، حين تقترب من وجنتيها، محاولة لثمها .
بينما تولّتْ أمّ زوجها شأن الصّغير، الذي راح يلتقط بشفتيه قطراتٍ من الماء المحلّى بالسّكر ، وماء الورد ، بشيء من الاستكانة .
وعندما خيّم المساء ، وجدتّه يحوم حولها ، محاولاً ألاّ يصطدم بي، اضطرابه يشي بقلبٍ تواتر قلقاً ،
وعينٍ تضطرم حزناً ، وحبّاً .
أدرتُ ظهري ، محاولة التشاغل عنه ، بفتح النافذة ،والستائر ، فتراقص الهواء المشبع برائحة المطر حول سريرها ، وعند التفاتي رأيته يقبّل على عجلٍ رأسها ، ويديها قبل أن يستأذن في المغادرة .
لم تكن المحبّة بينهما بحاجةٍ لأن تتخفّى، فعبيرها كقارورة عطرٍ، تناثر أريجها في أنحاء الغرفة ، وزواياها ، خلته يسقي ورود بستانه ، قبل أن تذبل بعيداً عنه ولو لسويعاتٍ .
قالت لي : أمّي لقد أفردتُ لك مكاناً على سريري ، نامي قربي ، أحتاجك أمي ، يلزمني الكثير من عطفك الذي افتقدته لأشفى .
حاذيتها قليلاً .. فرحةً لاسترداد بعض عافيتها بحضوري ، شدّتني :
ـ بل اقتربي ..ادفني وجهي بحجرك أمّي ، غنّي لي أغنية ما قبل النوم ، وأنا طفلة : محبوبة قلبي هالة ..دمعة عينا رسمالا..
ـ سأفعل حبيبتي ...آاااه لو تدرين أنّ أغنية أخرى كانت تشعل الحرائق في حنجرتي لأنّي لم أردّدها لك يوم عرسك الذي كنت أحلم به :
طلّي بالأبيض طلّي.. يازهرة نيسان ..
طلّي يا حلوة وهلّي بها الوجه الريّان
قلبي بيدعيلك يا بنتي بها الليلة الشعلانة ...
يا أميرة قلبي أنت سلّمنا الأمانة
للصمت حوارٌ لا يتقنه صخب الكلام ، عاتبتها ، عاتبتني ، قسوتُ عليها ، فسّرتْ لي ، أنّبتُها بحبّ ودمعةٍ ، اشتكتْ لي قلباً أحبّ وما استطاع أن يقاوم ، قلتُ لها : ولكنّي أكرهه ، قالتْ : وأنا أحبّه ، ولن أسعد بغيره ، ولكنّك حُرمتِ من نعيم أبيك :
ـ لا أريد غيره ، سنبني غداً قصراً أكبر ، وأجمل
ـ وأنا ...؟؟؟؟
أنت أمي ..أمي !!!! ما حننتُ إلاّ ليديك ، لصدرك ، لصوتك.
ولفّنا اللّيل تحت جنحيه ، إلى أن انبلج الصّبح ، انتزعتُ رأسها برفقٍ عن ساعدي ....
شيء ما أشرق بصدري مع طلوع الشّمس ، احتضنتُ حفيدي ، أهدهده ، أبدلتُ دثاره ، أحطتُ رأسه الصّغير بقبّعةٍ قطنيّةٍ زرقاء، تثاءبتْ عيناه ، أرجحته على ذراعيّ ، وأنا أتأمّل صورةً جمعتْ ابنتي ، وزوجها بجانب السّرير ، لم يسبق أن رأيتُ أعيناً تتّحد ، بمثل ذاك الحبّ ، والانسجام ، والبريق .
نادتني : أمّي ..أمّي أريد أن أخرج إلى الشّرفة ..
طرتُ من الفرح ، دثّرتها بشالٍ صوفيٍّ ، أمسكتها من يدها ، سرتُ معها بتؤدةٍ ، استراحتْ قليلاً ، التقطتْ أنفاسها ، ثمّ طلبتْ العودة إلى السرير ، بعد أن قرصتها لسعات البرد .
ألقمتها غصباً بيدي ..كنت أستزيدها ..رغم تمنّعها ، وفي كلّ لقيمةٍ ، تنبت وردة على خدّيها ..حتى صارتْ مروجاً ..
و هاهو .. يتهلّل فرحاً كلّما وجدها تخلع ثوب المرض عنها ، كنت أرقبه بصمتٍ ، وكأنّي أستكشفه من جديدٍ .
مرّ أسبوعٌ على وجودي في بيت رجلٍ كنت أكرهه ..
وعندما هممْتُ بمغادرة المكان ، وقد تماثلتْ حبيبتي للشفاء ، استحلفتني عيناها أن يحدث شيء يزيل تراكم الغبار عن صفحات العمر ، طمأنتها بأنّ كلّ شيءٍ سيكون على ما يرام .
ولمّا عانقتني قرب الباب ..عرفتُ متأخّرةً ..بأنّنا نحن من نقتل أحلامنا ، وأمانينا ، وربّما عن غير قصدٍ ...أنا من خنقت حروف أغنية زفاف ابنتي .. أنا من أوقفتُ موكب عرسها ، ومزّقتُ ثوبها الأبيض الملكيّ ..من قبل أن ترتديه ... أنا ...لا هي ..
ـ أمّي ...أحتاجك ..أرجوكِ لا تقفلي الخطّ
بقيتُ هنيهةً ، أتردّد ..!!هل أضغط على الزرّ كما في كلّ مرّةٍ ؟؟أم أنتظر..؟؟
انقبض قلبي ، استزدتُ صوتها ، تلاشى الصّدى ..
ـ هالة ..هالة مابك ؟؟
لا جواب ..إلاّ من بعض غمغماتٍ ، ونشيجٍ بعيدٍ .
حسمتُ الأمر مصوّبةً وجهي نحوه :
ـ سأذهب إليها
ألقى بحقيبته السوداء على الأريكة بغضبٍ ، والتفتَ نحوي مهدّداً، والشرر يتطاير من فمه ، وعينيه:
ـ إياااك ..إيااك ..أن تفعلي ...هالة ماتتْ بالنسبة لنا ، أتسمعين ؟؟؟ ماتتْ إلى غير رجعة ، انتهى الأمر .
لم أسمع إلاّ صوتها ، ما رأيتُ فيه إلاّ ربطة عنقه الكادتْ تضغط على رقبتي أنا ، فتخنقني .
ألقيتُ ورائي كلّ الحمم التي قذفها في وجهي .
آااه يا ابنتي ها أنا في طريقي إليكِ ، لفافات التبغ تحرق أصابعي ، أقطع المسافات البعيدة التي فصلتني عنك ، منذ عامٍ ونيّفٍ .
كانتْ السّماء تمطر ، كما هي الآن تضرب نافذة سيّارتي ، التي أقودها بجنون ، لمّا
رحلتِ عنّا إليه .
من يومها والكابوس يطلع لي عند كلّ عشيّةٍ ، أغنّي لك نفس الأغنيّة التي تمنّيتُ أن أردّدها يوم زفافك في الصّالة الذهبيّة ، أتبختر خلفك ، وأنت أمامي كملكةٍ أسطوريّةٍ ، ذات ملامح آسرة:
طلّي بالأبيض طلّي ، يا زهرة نيسان ..........
طلّي يا حلوة وهلّي بها الوجه الريّان
وأميرك ماسك ايديك، وقلوب الكلّ حواليك ....
.والحبّ يشتّي عليك ،ورد وبيلسان ..
ولكنّك خذلتني ، وقصمتِ ظهر أبيك ، وأتعبتِ شريان قلبه النازف إلى اليوم ، حتى حار به الأطبّاء.
هاقد وصلتُ مشارفَ البلدةِ المتعبة الملامح ، ضمّتكِ إلى صدرها ، بدلاً عن قصرك المنيف ، ترنو إليّ بفضولٍ لا يخفى ، وجوه سمرٌ تجيد احتراف الابتسام رغم بساطة المظهر ، وكلالة الجسد .
وأسرابٌ من النحلات ، تناثرنَ برشاقةٍ في السّوق الفرعيّةِ ، يساومن الباعة في الشّراء ، بشطارةٍ تحسم لهنّ غالباً ، ترافقهنّ ابتسامة كبيرة ، تحمل علامة الظّفر.
وعند أوّل الشّارع ، طالعني رجلٌ خرج للتوّ من المقهى ، يتأبّط الصّحف التي تعبت فيما يبدو بين يديه، حين غاص في سطورها بنهمٍ ، وقلّب أوراقها بكلّ حواسه .
دلّني على العنوان ، بعد أن فرك جبهته ، وأغمض عينيه المحجوبتين بنظّارةٍ طبيّةٍ ، سميكةٍ ، لبرهةٍ وهو يتذكّره .
طويتُ درجات السّلّم ، أحتبس أنفاسي ، لم تصدّق عيناها لمّا رأتني ، مسحتْ دموعها بطرف طرحتها ، قالت لي :
ـ هالة تعبانة يا نظري ...أرجوك يا خانم ...الحقيها ..
نسيتُ أن أمدّ لها يدي ، لم أدعها تُكمل ، سألتها عيناي عن غرفتها ، أجابتني بنفس الرنّة البسيطة ، المنكسرة ،التي استحضرتها هذه اللحظة ، يوم زارتنا ، وابنها ، تطلب يد ابنتي ، مشيرةً إلى غرفةٍ على يمين الموزّع الرّئيس في المنزل :
ـ إنّها هنا ...تفضّلي ..شرفتِ ، وآنستِ ...تفضّلي ..
دفعتُ الباب بلا استئذانٍ ، رأيتُ ملاكاً هزيلاً نائماً ، شحوبها يطغى على لون السّتائر ، فتبدّتْ لي صفرتها كالموت .
كانت عيناها مغمضتين وهناً ، والمصل منغرسٌ في معصمها ، ينوح نقطةً ، نقطة .
تفطّر قلبي ألماً ، وكدتُ أرتمي فوقها ، لأحيلها جنيناً من جديدٍ ،يعشّش بين أوردتي ، لولا خوفي عليها من إقلاق غفوتها ، بعد حقنةٍ مهدّئّةٍ .
كان يجلس قبالتها ، رميته بنظرةٍ كالرّمح من جعبة عين أمّ مفجوعةً حدّ الموتِ .
رجاني بجفنيه المسهدين : أن كفّي عن تأنيبي ، وتحميلي ما لا أطيق من اللّوم .
أشحتُ بوجهي عنه ، ولكنّي لمحتُ سيولاً بارقةً من الدموع على سرير ابنتي ، تحمل رائحته .
وقرب النّافذةِ ، تبدّتْ لي ملامح كائنٍ صغيرٍ ، انبثق للتوّ عن رحم ابنتي ، يسلم نفسه لأنفاس الحياة ، بدعةٍ ،وسلامٍ ، كأنّه يستعدّ لخوض غمار العمر ، باختزان لحظاتٍ من الأمان .
سألته بقسوةٍ ما استطعتُ مواربتها: ماذا حصل لها ؟ كيف تمّ ذلك ؟ ما الذي فعلته بها ؟ ماذا فعلتَ بوردتي التي خطفتها من حديقتي ؟ ...وكدتُ أجذبه من ثيابه لولا أن بادرني :
ـ لقد أُصيبتْ بحمّى النفاس عقب ولادتها ، لم أدّخر جهداً في طرق كلّ الأبواب من أجل شفائها ، عبثاً حاولت ، إنّها تزداد سوءاً يوماً عن يومٍ ، أراها تنسلّ من بين أصابعي ، أرجوكِ افعلي شيئاً ، لقد ردّدتْ اسمك وهي تهذي ، من فرط ارتفاع حرارتها ، أرجوك ، وحاول أن يكبح سيل دموعه ، منسحباً من أمامي ، تاركاً لي غرفةً متواضعةً، ومفارقات زمنٍ مرّ ، وهي ...وأنا ..وابنها .
لملمتُ نفسي ألتقط بعضاً من شهيقٍ استعصى على دخول رئتي ، جلستُ على حافّة سريرها ، أمسكتُ على خوفٍ أطراف أصابعها ، وددتُ تقبيلها ، تنحنحتْ ، ارتدَدْتُ للوراء قليلاً خشية إزعاجها.
تفحّصتُ الغرفة ، خزانة بسيطة ، طاولة خاصّة بالأعمال الهندسيّة ، مساطر بأحجام متنوّعة ، وأوراق تلتفّ كجذوع أشجارٍ متفاوتة الطول ، تتوضّع فوق بعضها ، مكتبةٌ بسيطة، تجمع مراجع في تخصّص
دراسة ابنتي ، وروايات غزيرة كانت تستهويها ..قلتُ في سرّي :
آااه نسيت ..إنّه مهندس ..قال لي ذلك يوم خطبها ، أحبّها ، بادلته الحبّ ، دخل حياتها بقوّة ، واستجمع كلّ ياقوت مشاعرها ، لم تفلح غلظتنا في ثنيه عنها ، ولم يبدّل طرده ، وأمّه على يد زوجي من إصراره شيئاً ، إلى أن صحونا ذات يومٍ غائمٍ على رحيلها إليه ..
أكرهك أيّها الرّجل ..يا من سرقتَ نبضي ، خطفتَ مني حلوتي ، بلا فستانٍ أبيض ، ومن دون أن تصدح الأغنية التي أحبّ ..
أكرهك أيها الرّجل ..آلآن تستغيث بي في بقايا ملامح لابنتي ؟ أينها ابنتي ؟ أين ذاك القدّ الميّاس ؟و الشّعر الحريريّ ؟ والبسمة التي لا تفتر عن ثغرها ؟ أكرهك أيّها الرّجل .
الطّائر الصّغير الرّاقد على سريره ، بدأ ينقنق ، تبحث شفتاه العطشانتان عن ثدي أمّه ، يقلّص وجهه يمنةً ، ويسرةً بحثاً عن رائحتها ،سارعتُ إليه ، تحرّك دمي نحوه ، تفرّستُ بوجهه للحظات ٍ ، أفسّر ما يجري بي ، لم أدرِ أنّ للجدّة حبلاً سريّاً ، أطول ، وأقوى ، يجمع الابن ، والحفيد معا .
تصاعدت وتيرة بكائه ، تستدرّ الشّفقة ، والعطف ، سكتَ هنيهة ، ثمّ بحث عن رائحتها من جديدٍ ، يستجديها ،لم يُفلح ، ضممته إلى صدري بقوّةٍ ، كي يهدأ ..
نادتْ عليه ، مغمضة العينين ،بأحرفٍ بالكاد تُسمع : عمر ..عمر ..ماما ..تعال ..ما بك ؟
نالتني صدمةٌ كبرى ، وأنا أسمع نداءها ..إنّه اسم زوجي : والدها .
بكاء الطّفل يزداد ، اقتربتُ من سريرها : هالة ..هالة ..أنا هنا ياحبيبتي ..
ـ أمّي ..؟؟ أمّي ..؟؟ أنت هنا ؟
وحاولتْ النهوض لولا أن عاقتها الحقنة الوريديّة المنزرعة في ساعدها :
ـ الحمد لله أنّي رأيتك ..قبل أن أموت يا أمّي
عانقتها ، شممتُها ، قطفتُ تفّاح جدائلها ، نفس العبير الذي كنت أشمّه لمّا أمشّط شعرها ، وهي طفلةٌ .
أرعبني هزالها الذي أحسستُ به أكثر، لمّا شددتها بشوقٍ إلى صدري .
لم أدرِ أيّنا كان أشدّ انكساراً في هذه اللحظة : أنا ؟؟ أم هي ؟ كلّ الذي أعرفه أنّي لا أريد أن أُبعدها عن أحضاني من جديدٍ ، أن تنفلتَ عن خاطري ، ولو للحظةٍ أخرى ..
كفكفتُ دموعها ، أرحتها على ساعدي ، ممسكةً باليد الأخرى كفّها الناعم ، أفركها بلطفٍ .
تسرّبتْ إلى روحي حرارة جسدها المحموم ،أرجعتُ رأسها إلى الوسادة ، أكملتُ ما بدأ به زوجها أعصر الكمّادات الباردة فوق الوعاء ، ثم أكرّر وضعها على جبينها ..
وفي كلّ مرّة ، كانت تضغط بيدها على يدي، حين تقترب من وجنتيها، محاولة لثمها .
بينما تولّتْ أمّ زوجها شأن الصّغير، الذي راح يلتقط بشفتيه قطراتٍ من الماء المحلّى بالسّكر ، وماء الورد ، بشيء من الاستكانة .
وعندما خيّم المساء ، وجدتّه يحوم حولها ، محاولاً ألاّ يصطدم بي، اضطرابه يشي بقلبٍ تواتر قلقاً ،
وعينٍ تضطرم حزناً ، وحبّاً .
أدرتُ ظهري ، محاولة التشاغل عنه ، بفتح النافذة ،والستائر ، فتراقص الهواء المشبع برائحة المطر حول سريرها ، وعند التفاتي رأيته يقبّل على عجلٍ رأسها ، ويديها قبل أن يستأذن في المغادرة .
لم تكن المحبّة بينهما بحاجةٍ لأن تتخفّى، فعبيرها كقارورة عطرٍ، تناثر أريجها في أنحاء الغرفة ، وزواياها ، خلته يسقي ورود بستانه ، قبل أن تذبل بعيداً عنه ولو لسويعاتٍ .
قالت لي : أمّي لقد أفردتُ لك مكاناً على سريري ، نامي قربي ، أحتاجك أمي ، يلزمني الكثير من عطفك الذي افتقدته لأشفى .
حاذيتها قليلاً .. فرحةً لاسترداد بعض عافيتها بحضوري ، شدّتني :
ـ بل اقتربي ..ادفني وجهي بحجرك أمّي ، غنّي لي أغنية ما قبل النوم ، وأنا طفلة : محبوبة قلبي هالة ..دمعة عينا رسمالا..
ـ سأفعل حبيبتي ...آاااه لو تدرين أنّ أغنية أخرى كانت تشعل الحرائق في حنجرتي لأنّي لم أردّدها لك يوم عرسك الذي كنت أحلم به :
طلّي بالأبيض طلّي.. يازهرة نيسان ..
طلّي يا حلوة وهلّي بها الوجه الريّان
قلبي بيدعيلك يا بنتي بها الليلة الشعلانة ...
يا أميرة قلبي أنت سلّمنا الأمانة
للصمت حوارٌ لا يتقنه صخب الكلام ، عاتبتها ، عاتبتني ، قسوتُ عليها ، فسّرتْ لي ، أنّبتُها بحبّ ودمعةٍ ، اشتكتْ لي قلباً أحبّ وما استطاع أن يقاوم ، قلتُ لها : ولكنّي أكرهه ، قالتْ : وأنا أحبّه ، ولن أسعد بغيره ، ولكنّك حُرمتِ من نعيم أبيك :
ـ لا أريد غيره ، سنبني غداً قصراً أكبر ، وأجمل
ـ وأنا ...؟؟؟؟
أنت أمي ..أمي !!!! ما حننتُ إلاّ ليديك ، لصدرك ، لصوتك.
ولفّنا اللّيل تحت جنحيه ، إلى أن انبلج الصّبح ، انتزعتُ رأسها برفقٍ عن ساعدي ....
شيء ما أشرق بصدري مع طلوع الشّمس ، احتضنتُ حفيدي ، أهدهده ، أبدلتُ دثاره ، أحطتُ رأسه الصّغير بقبّعةٍ قطنيّةٍ زرقاء، تثاءبتْ عيناه ، أرجحته على ذراعيّ ، وأنا أتأمّل صورةً جمعتْ ابنتي ، وزوجها بجانب السّرير ، لم يسبق أن رأيتُ أعيناً تتّحد ، بمثل ذاك الحبّ ، والانسجام ، والبريق .
نادتني : أمّي ..أمّي أريد أن أخرج إلى الشّرفة ..
طرتُ من الفرح ، دثّرتها بشالٍ صوفيٍّ ، أمسكتها من يدها ، سرتُ معها بتؤدةٍ ، استراحتْ قليلاً ، التقطتْ أنفاسها ، ثمّ طلبتْ العودة إلى السرير ، بعد أن قرصتها لسعات البرد .
ألقمتها غصباً بيدي ..كنت أستزيدها ..رغم تمنّعها ، وفي كلّ لقيمةٍ ، تنبت وردة على خدّيها ..حتى صارتْ مروجاً ..
و هاهو .. يتهلّل فرحاً كلّما وجدها تخلع ثوب المرض عنها ، كنت أرقبه بصمتٍ ، وكأنّي أستكشفه من جديدٍ .
مرّ أسبوعٌ على وجودي في بيت رجلٍ كنت أكرهه ..
وعندما هممْتُ بمغادرة المكان ، وقد تماثلتْ حبيبتي للشفاء ، استحلفتني عيناها أن يحدث شيء يزيل تراكم الغبار عن صفحات العمر ، طمأنتها بأنّ كلّ شيءٍ سيكون على ما يرام .
ولمّا عانقتني قرب الباب ..عرفتُ متأخّرةً ..بأنّنا نحن من نقتل أحلامنا ، وأمانينا ، وربّما عن غير قصدٍ ...أنا من خنقت حروف أغنية زفاف ابنتي .. أنا من أوقفتُ موكب عرسها ، ومزّقتُ ثوبها الأبيض الملكيّ ..من قبل أن ترتديه ... أنا ...لا هي ..
تعليق