كتاب الموتى

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • توفيق بن حنيش
    أديب وكاتب
    • 14-06-2011
    • 490

    كتاب الموتى

    كتاب الموتى

    كتاب الموتى
    كنت وأنا طفل صغير أذهب إلى المدرسة الإبتدائيّة مارّا بالمقبرة فأرى ما قاله لي المعلّم :"يخرج الناس ,يوم الحشر,من قبورهم بعد أن تجتمع العظام ويعود ما كان منها رميما إلى صورته الأولى ...يخرجون حفاة عراة وقد أُحيوا وينطلقون إلى حسابهم "وكنت أراهم كما وصفتهم لي جدّتي :"يسيرون عراة وقد جعلت أعينهم في أعلى رؤوسهم حتّى لا يرى أحد عورة أحد "كنت أراهم يغادرون المقبرة متّجهين إلى الغرب حيث المسجد الصّغير المجاور لمتجر هو على ملك من تبرّع بذلك المسجد الذي هو في الأصل بيت كان معلّمونا يكترونه للسكنى ...المسجد الذي يقصده الموتى لم يكن يبعد عن المقبرة أكثر من مائتي متر وكنت أرى المسجد والمتجر والطّريق الذي يمرّ أمامهما تجسيما صادقا للدّار الباقية ...وكنت كلّما سمعت ذكر الجنّة قفزت إلى ذهني صورة المسجد الصّغير وكلّما ذكرت النار تراءى لي في ذهني المتجر الذي كان على شمال المسجد .ولصغر سنّي لم أكن أرى أكثر من بضع عشر نفرا يسيرون إلى الموقف وكانوا عندى يمثّلون النّاس من عهد آدم إلى آخر الزّمان ...ينتهي بالمبعوثين سيرهم إلى السّبيل المارة أمام المسجد فيمكثون منتظرين للحساب ...وإذا قرأ المعلّم سورة القارعة وذكر العهن المنفوش جالت بذهني صور لا تمتّ لقريتي بصلة بل هي في مكان لم استطع إلى الآن تبيّن خصائصه المميّزة .كلّما في الأمر أنّها جبال يمشي فيها المرء فتغوص رجلاه في الصّوف الذي أعرف كيف تجعله جدّتى منفوشا .و أرى القوم ينتظرون وكنت أميّز الشّخصيّات الفاعلة في المشهد وأستطيع أن أذكرها لكنّني قد حبست ذلك لأنّي رجل متقدّم في السنّ (استغفر الله)...
    المهمّ أني كنت أرى القوم في الجحيم والزّبانية يهشّمون رؤوسهم والحراب في بطون الكفار وكنت أسمع تقتقة النار التي كنت أسمعها في فرن جدّتي وهي تحرق مواعين الطّين وكنت أرى الشيطان وهو يسخر من المؤمنين به كما كنت أراه غربيّ المتجر أو شماليه وهو يعلن العصيان ويمتنع عن السّجود ..وكنت إذا حُدّثت عن الصّراط رأيته حبلا يمتدّ من أعلى شجرة الزّيتون وينطلق إلى المسجد ورأيت الناس يمشون عليه وهم يحاولون الصّمود ولكنّي لم أر أحدا سقط ..
    وحينما قرأت رسالة الغفران وقد شببت عن الطّوق رأيت بعين الخيال وصدّقوني حينما أقول لكم رأيت ابن القارح وهو يبحث عن صكّ الغفران ورأيته كما وصفه المعري وزدت أن عقلته هزيل البدن نحيفه وليس لوجهه ما يميّزه ورأيته يتشبّث بذيل الحصان ويجوز إلى الجنّة وهكذا أصبحت أحتاج إلى أن تكون الجنّة أوسع فامتدّ خيالي إلى المناطق الموجودة في ظهر المسجد فأضفتها إلى الجنّة لتتسع لملذّات ابن القارح ورأيت في المكان الذي هو الآن طريق معبّدة (وهو كذلك منذ عرفته)رأيت فيه الشّجرة والجارية التي نظر إليها ابن القارح حينما رفع من السّجود ثمّ كنت مضطرّا لتخيل جنّة عريضة بما يكفي لرؤيه القصرين المنيفين ...
    تلك الجنّة التي كنت أراها صغيرا تحوّلت إلى مجرّد بوّابة ...تلك الجنّة تغيّرت تماما خاصّة عندما هدم المتجر وأضيفت مساحته إلى المسجد وبنيت الصّومعة التي لم اكن أرى للجنّة قبّة ولا صوامع ,,,ضاع كلّ شيء خاصّة عندما قطعت الأشجار المحادية للطّريق وتغيّرت معالم المكان ورحل الزّمان بالمعلّم والجدّة ..... وصدّقوني لم أعد أميّز بين الجنّة والنار
    في 3-3-2010
    منشور هنا:http://www.madarate-alifba.com/showt...%DF%CA%C7%C8-%



    التعديل الأخير تم بواسطة توفيق بن حنيش; الساعة 25-07-2011, 10:42.
  • بيان محمد خير الدرع
    أديب وكاتب
    • 01-03-2010
    • 851

    #2
    الأخ الأستاذ توفيق ..
    و الله قد جعلتني أعبر ممر ذاكرة الطفولة ..
    حدثتني جدتي نفس الحديث .. فكانت الخيالات و التصورات متقاربة جدا بيني وبينك ..
    وها هي أيضا قد تغيرت معالم صورة المكان الراسخة .. و حل مكانها صورة و خارطة مغايرة لها تماما ..
    أما أنا من وهن وعذاب هذا الزمن .. بت أسأل نفسي ربما هذا هو الجحيم ! و البشر هم زبانية التعذيب ..
    لكني ما زلت آامل أن الجنة .. بانتظار الصابرين ..
    أخي نصك ممتع شيق ..
    دمت بخير .. تحياتي

    تعليق

    • توفيق بن حنيش
      أديب وكاتب
      • 14-06-2011
      • 490

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة بيان محمد خير الدرع مشاهدة المشاركة
      الأخ الأستاذ توفيق ..
      و الله قد جعلتني أعبر ممر ذاكرة الطفولة ..
      حدثتني جدتي نفس الحديث .. فكانت الخيالات و التصورات متقاربة جدا بيني وبينك ..
      وها هي أيضا قد تغيرت معالم صورة المكان الراسخة .. و حل مكانها صورة و خارطة مغايرة لها تماما ..
      أما أنا من وهن وعذاب هذا الزمن .. بت أسأل نفسي ربما هذا هو الجحيم ! و البشر هم زبانية التعذيب ..
      لكني ما زلت آامل أن الجنة .. بانتظار الصابرين ..
      أخي نصك ممتع شيق ..
      دمت بخير .. تحياتي
      اسعدتني أستاذي لنزولك خيمتى وشرّفتني بما خططت من رائع الكلم ..نعم ربّما "وقع الحافر على الحافر"لأنّنا عرب ومسلمون ونصدر من الثقافة ذاتها لذلك لا غرابة في أن يتماهى الشعور ةتتشايه الأحلام ...دم بخير

      تعليق

      • إيمان الدرع
        نائب ملتقى القصة
        • 09-02-2010
        • 3576

        #4
        الزميل القدير : توفيق حنيش :
        ليت الأحلام الجميلة لا تغادر سقف آفاقنا ...
        تبقى هذي الصور التي نُقشتْ على صدورنا ، دون أن تمسّها أشواك العمر
        حين يغتال الواقع المرّ جمال مروج حياتنا ، فيسحقها وردة ، وردة ..
        لنقف على أطلال أريجٍ منطفئ الشّذى ، نستنشق ذكريات طفولةٍ مليئةٍ بدهشةٍ ، نفتقدها اليوم ، ولانجدها ..

        أديبنا الرائع ، أفكارك عميقة ، رائعة ، ذات بعدٍ موغلٍ في الإنسانيّة وعوالمها ..
        سعيدة بالقراءة لك ..
        ومع أطيب أمنياتي ...تحيّاتي

        تعيش وتسلم يا ااااااوطني ...يا حبّ فاق كلّ الحدود

        تعليق

        • توفيق بن حنيش
          أديب وكاتب
          • 14-06-2011
          • 490

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة إيمان الدرع مشاهدة المشاركة
          الزميل القدير : توفيق حنيش :
          ليت الأحلام الجميلة لا تغادر سقف آفاقنا ...
          تبقى هذي الصور التي نُقشتْ على صدورنا ، دون أن تمسّها أشواك العمر
          حين يغتال الواقع المرّ جمال مروج حياتنا ، فيسحقها وردة ، وردة ..
          لنقف على أطلال أريجٍ منطفئ الشّذى ، نستنشق ذكريات طفولةٍ مليئةٍ بدهشةٍ ، نفتقدها اليوم ، ولانجدها ..

          أديبنا الرائع ، أفكارك عميقة ، رائعة ، ذات بعدٍ موغلٍ في الإنسانيّة وعوالمها ..
          سعيدة بالقراءة لك ..
          ومع أطيب أمنياتي ...تحيّاتي
          أشكرك إيمان شكرا جزيلا وأتمنى أن اكون عند حسن ظنّ اصدقائي بي ...ولا شكّ انّي أسعد كثيرا بإطلالتك الرّائعة ,,,دمت بودّ

          تعليق

          • ربيع عقب الباب
            مستشار أدبي
            طائر النورس
            • 29-07-2008
            • 25792

            #6
            تلك الجنّة تغيّرت تماما خاصّة عندما هدم المتجر وأضيفت مساحته إلى المسجد وبنيت الصّومعة التي لم اكن أرى للجنّة قبّة ولا صوامع ,,,ضاع كلّ شيء خاصّة عندما قطعت الأشجار المحادية للطّريق وتغيّرت معالم المكان ورحل الزّمان بالمعلّم والجدّة ..... وصدّقوني لم أعد أميّز بين الجنّة والنار

            بالتأكيد تغير كل شىء
            فلم يعد المكان هو المكان
            و لا عين الطفل هى ذاتها العين التى ضخت المخيلة
            و لا حتى الشاب الذى مرّ بأبعد من تلك الرقعة
            ليري للجنة وجها آخر ، و ربما محض بوابة ما .. و هذا اكتمال الوقت بلا مدارة أو تكهن
            لم يعد .. لكن الذى ظل هنا ، ذاكرة استطاعت بمهارة ، و قدرة حكائية على صياغة الأمر ، و تقديمه على تلك الكيفية التى ظلت تتنامى و تتسع ، حتى وصلت إلى أمرنا الشائك !
            ربما توفيق صديقي تخدع قارئك أو تصرفه ببدايات قصصك ، و هذا أجده بالفعل مصرفا و مبعدا
            و ليس محببا و جاذبا .. إذ الجملة ألأولي أولى بالعناية كحالة جذب .. !
            و قد وقفت أمام تلك القصة من قبل و صرفني الحديث عنها ، خاصة البداية التى وجدتك لا تهتم بها
            ربما لاقتناعك بهذا ، و لكن ربما بيننا من ينظر إلى العمل من خلال جملته الأولى !!

            شكرا لك أخي الجميل
            محبتي

            التعديل الأخير تم بواسطة ربيع عقب الباب; الساعة 15-08-2011, 20:42.
            sigpic

            تعليق

            • توفيق بن حنيش
              أديب وكاتب
              • 14-06-2011
              • 490

              #7
              أستاذي ربيع ...شكرا جزيلا على جواهرك التي تخصّ نصوصي بها وأنا ممنون لتبديدك السّجف التي يحاول النصّ أن يتقي بها الحفر في أعماقه ,,دمت لي صديقا موجّها يا صاحبي

              تعليق

              • شيماءعبدالله
                أديب وكاتب
                • 06-08-2010
                • 7583

                #8
                الأستاذ الفاضل توفيق
                أتعلم سر استنكارك للواقع واختلاف الرؤى مما عليه في الطفولة ؟
                هو النشأة لأحدنا فمشاربنا واحدة ، غذينا على القصص التي تفوق الواقع كانت الرضعة الأولى لنا هي الترهيب ! الحرام النار العذاب ، كبرنا على الخوف والقيم الصارمة ومن حولنا انتشر التسويف والترويع في صورمخالفة لمخيلتنا !
                رأينا العالم على غير ما شربناه ، ولا ننسى نحن أيضا من غيرنا وتغيرنا ولنا يد بما جرى ويجري...
                الواقع مؤلم وموجع والحياة كانت على بساطتها أجمل تزينها القناعة ..
                نص رائع بحق له أبعاد عميقة ومؤثر جدا
                دام الإبداع وهذا العطاء الموسر
                تحية تليق مع فائق التقدير

                تعليق

                • توفيق بن حنيش
                  أديب وكاتب
                  • 14-06-2011
                  • 490

                  #9
                  سلمت لنا شيماء ...نعم ,لقد وضعت الأصبع على الجرح ...بورك في عقلك الراجح

                  تعليق

                  يعمل...
                  X