العجوز المتصابي
في عصر العولمة
مقامة*: نزار ب. الزين*
همست في أذن صديقي أبو سمير ، بعد أن نفثت أحر زفير ....
قلت يا أخي أعترف لك أني عاشق،و كأنني غِرّ مراهق ، عيناها يا صديقي - آه من عينيها - تدوخان،خداها بحمرة غامضة يتوهجان ،و شفتاها تعزفان على أوتار قلبي عندما تتحركان، و إذ أكون بقربها أنسى الزمان و أتوه في دهاليز المكان .
قال :- و أيم الله انك لمجنون ، أو عجوز خرف مأفون ، من كان في عمرك انزوى في محرابه ، و استغرق في صلواته ، في انتظار ساعته !
قلت : صحيح أنني مصدور و بتعدد العلل مقهور ، و قد اشتعل رأسي شيبا و ملأت وجهي الغضون و البثور ؛ إلا أن قلبي لا زال ذلك الخافق ، و كأنه لغرّ مراهق .!.
قال: بالله دعك من حديث الهزل و الخيال ، و انقلنا إلى الجد و حقيقة الأحوال .
قلت : إذاً حدثني عن رأيك بالعولمة فهي أحدوثة اليوم الشائعة !
قلت يا أخي أعترف لك أني عاشق،و كأنني غِرّ مراهق ، عيناها يا صديقي - آه من عينيها - تدوخان،خداها بحمرة غامضة يتوهجان ،و شفتاها تعزفان على أوتار قلبي عندما تتحركان، و إذ أكون بقربها أنسى الزمان و أتوه في دهاليز المكان .
قال :- و أيم الله انك لمجنون ، أو عجوز خرف مأفون ، من كان في عمرك انزوى في محرابه ، و استغرق في صلواته ، في انتظار ساعته !
قلت : صحيح أنني مصدور و بتعدد العلل مقهور ، و قد اشتعل رأسي شيبا و ملأت وجهي الغضون و البثور ؛ إلا أن قلبي لا زال ذلك الخافق ، و كأنه لغرّ مراهق .!.
قال: بالله دعك من حديث الهزل و الخيال ، و انقلنا إلى الجد و حقيقة الأحوال .
قلت : إذاً حدثني عن رأيك بالعولمة فهي أحدوثة اليوم الشائعة !
و بعد طول تمحيص و تفكير ، أجابني صديقي أبو سمير
فقال :- هل تعلم يا أخي أن العولمة هي بنت عم الهيمنة ؟ و أنها ظاهرة إنسانية منذ البدايات البشرية ، فما امتداد الإمبراطوريات عبر البلاد ، الا من ضروب العولمة و أشكال من التسلط و السيطرة ، تسلط القوي على المقدرات و نهب الثروات و الخيرات ، و استعباد الناس و تسخير الأجناس . ما الفارق بين حمورابي و توت عنخ آمون ، أو بين الاسكندر المقدوني و نيرون ، و ما الفرق بين هتلر و نابليون أو بين موسليني و أباطرة النيبون ؟ كلهم هدفوا إلى الهيمنة التي نسميها اليوم العولمة !
قلت لصديقي أبو سمير بعد روية و طول تفكير، و لكن الاستعمار غاب يا أخي في بطون التاريخ ، و عولمة اليوم تجارية و ثقافية ، فمن يمتلك زمام التقنية و جودة الإنتاج، و فنون الدعاية و الرواج ، فاز بالأسواق و انتشرت منتجاته عبر الآفاق .
فقال :- هل تعلم يا أخي أن العولمة هي بنت عم الهيمنة ؟ و أنها ظاهرة إنسانية منذ البدايات البشرية ، فما امتداد الإمبراطوريات عبر البلاد ، الا من ضروب العولمة و أشكال من التسلط و السيطرة ، تسلط القوي على المقدرات و نهب الثروات و الخيرات ، و استعباد الناس و تسخير الأجناس . ما الفارق بين حمورابي و توت عنخ آمون ، أو بين الاسكندر المقدوني و نيرون ، و ما الفرق بين هتلر و نابليون أو بين موسليني و أباطرة النيبون ؟ كلهم هدفوا إلى الهيمنة التي نسميها اليوم العولمة !
قلت لصديقي أبو سمير بعد روية و طول تفكير، و لكن الاستعمار غاب يا أخي في بطون التاريخ ، و عولمة اليوم تجارية و ثقافية ، فمن يمتلك زمام التقنية و جودة الإنتاج، و فنون الدعاية و الرواج ، فاز بالأسواق و انتشرت منتجاته عبر الآفاق .
قاطعني أبو سمير بشيء من المودة ، مشوبة ببعض حدة :
أنت يا صاحبي إما جاهل أو متجاهل،فما الفارق بين البونابارتية و النازية و الفاشية و بين مناهج دول هذا العصر الإمبريالية، إلا باختلاف الأسلوب و المناهج الإحتيالية ، فالمسلوب يبقى مسلوبا ، و المنهوب يظل منهوبا ،و خيرات الضعفاء يستمر بابتلاعها الأقوياء . لقد كانت العولمة تفرض بالحديد و النار و أساليب الحماية و الاستعمار ، واليوم تفرض عن طريق المنظمات الأممية و دوائر الاستخبار ،و عقول العلماء بمساعدة العملاء . لا حاجة اليوم لتجييش الجيوش من أجل تقويض العروش ، فشراء حفنة من الضباط تقلب أعتى بلاط، و تحريك زمرة من المأجورين تذهب بمنجزات المخلصين .
لقد نطق صديقي بالحكمة وأفحمتني معلوماته الجمة، و لكنني عدت لواقع الحال ، فوجدت هناك بطشا لا زال ، و إحتلالا و قتلا و إغتيال ، و أن القوي لا زال لحق الضعيف أكّال .
أنت يا صاحبي إما جاهل أو متجاهل،فما الفارق بين البونابارتية و النازية و الفاشية و بين مناهج دول هذا العصر الإمبريالية، إلا باختلاف الأسلوب و المناهج الإحتيالية ، فالمسلوب يبقى مسلوبا ، و المنهوب يظل منهوبا ،و خيرات الضعفاء يستمر بابتلاعها الأقوياء . لقد كانت العولمة تفرض بالحديد و النار و أساليب الحماية و الاستعمار ، واليوم تفرض عن طريق المنظمات الأممية و دوائر الاستخبار ،و عقول العلماء بمساعدة العملاء . لا حاجة اليوم لتجييش الجيوش من أجل تقويض العروش ، فشراء حفنة من الضباط تقلب أعتى بلاط، و تحريك زمرة من المأجورين تذهب بمنجزات المخلصين .
لقد نطق صديقي بالحكمة وأفحمتني معلوماته الجمة، و لكنني عدت لواقع الحال ، فوجدت هناك بطشا لا زال ، و إحتلالا و قتلا و إغتيال ، و أن القوي لا زال لحق الضعيف أكّال .
وإذ تركته مودعا عدت إلى خيالي و إلى أحلام الليالي ،أنسج من ظلام الليل جدائل شعرها و من خيوط البدر نور وجهها ، و لم تثنني آلام مفاصلي و قرقعة عظامي ، أو ارتفاع السكر في دمائي ، عن تكوين صورتها في عمق خيالي ! حقا أنى لعاشق كأنني غرٌّ مراهق؛و لكن لا حيلة لي فقلبي لا زال بالحب خافق !
------------------------------------
* فن المقامة المقامة جنس أدبي يعتمد على الترصيع البياني و تسجيع نهايات العبارات ولذا اعتبر فنا،و يمتاز بطرافة موضوعاته و ميلها الى التهكم والتندر والتفكه ؛ و أشهر من كتب في فن المقامة : بديع الزمان الهمزاني _ أحمد حسين الهمزاني 1007 ميلادية ) و (الحريري- محمد القاسم الحريري 1112 م.
------------------------------------
سوري مغترب
عضو إتحاد كتاب الأنترنيت العرب
الموقع : www.FreeArabi.com
------------------------------------
تعليق