رحل الى عالم الاموات , فمن الوفاء ان أنشر له هذه المحاضرة , مع تصرف بسيط جداً ربما سببه سرعة الكتابة , أثناء الالقاء
حول تحليل النصّ الشعريّ
معرفة الشروط المكونة للنصِّ الشعري في حقل معرفة مرجعيته أو مرجعياته العامة .
كلّ قراءة نقدية لنصٍّ ما هي رؤية فردية ذاتية اجتهادية غير مطلقة , إذ لا توجد قراءة مطلقة في عالم الأَدب .
معرفة النصّ كبنيةٍ مستقلة متميزة ذات مستويات لها أنساقها وقوانينها , ومن ثمة كشف حقل الدلالات فيه . هذه هي العملية المركزية في التحليل على العكس من القراءة السطحية العابرة .
اعتقد أنَّ الشرط الأول في معرفة النصّ هو التعايش معه إلى حدِّ الحفظ , والذوبان والتماهي بين حركاته وسكناته , حتَّى يصبح جزءاً من الأنفاس .
النصّ يرتبط بعددٍ من القراءات المحتملة , انه في ذاته ينطوي على أكثر من معنى , وتختلف القراءة باختلاف الزمان والمكان , وباختلاف القراء أنفسهم .
مرادنا في قراءة النصّ هو كشف فائض المعنى , ذلك الفائض الذي يزيد على النصّ , أو يرشح منه , المعنى الكامن خلف النصّ , لا المعنى الطافي فوق الألفاظ .
هدفنا هو البحث عمَّا يمكن أن يقوله النصّ الشعري , ممّا هو غير ظاهر على سطحه من أبنية لغوية واضحة , ومن دلالات مخبوءة في متون النصوص , ننظر إليها بغض النظر عن قدم قائلها أو حداثته , ونحاول تطبيق المنهج الذي نقترحه نحن للقراءة , ونحاول فتح النصّ على نصوص أخرى .
الأحكام النقدية تكون من النصّ , ذلك أنَّ أَعدل الأحكام هي المأخوذة من النصّ كمحاولة من محاولات تأويل النصّ , ولذلك نحاول فصل المؤلف عن نصّه , وقد يوؤل النصّ بعيداً عن كونه وثيقة تاريخية أو اجتماعية , كما فُعل ذلك كعب بن زهير والرمزية التي احتملتها سعاد .
فإنَّ الكشف عن الحياة الحقيقية للمضامين لا يأتي من القراءة العابرة العجلى , وإنَّما ينكشف من خلال معاينة المحمول الدلالي والهيأة الإبداعية الكامنة في نسيج النصّ .
في معرفة ماهية النصّ وكشف عناصره المكونة له , ظهرت انجازات نقدية عميقة الأهمية منها ما وُضع في مجال اللسانيات دي سوسير وياكوبسن وتشومسكي , ومنها ما وضع في باب انجاز الشكلانيين الروس , ومنها ما وُضع في باب الانثروبولوجي كلود ليفي شتراوس , ومنها وما وُضع في علم النفس الفرويدي واللاكاني . وقد وُضعت هذه الانجازات في خدمة النصّ والبحث عن مكوناته الأصلية , وأصبحت أسماء مثل : لوسيان غولدمان , ورولان بارت , وجيرار جينت , وكوهين , وجوليا كرستيفا , و ريفاتير ... أسماء تقدم أعمالها لتبلور منهجاً أكثر تكاملاً , أي أكثر قدرة على معرفة النصّ الأدبي في سره وغناه , وفي خصائصه ونظامه , فقد درست هذه المحاولات اللغة كجملة مفردات معجمية ونحوية وحروف وأصوات تتوازى وتتناقض فضلاً عن محاولاتها في دراسة الدلالة المختبئة وراء البنية وخاصة عند لوتمان , وقد ظهرت هذه المحاولات في نقدنا العربي المعاصر .
إنَّ عملية القراءة هي التفتيش عن المدلولات المخبأة , والمدلول – كما يقول محمد خرماش – هو حاصل جمع بين الشيء واسمه , وهذا يندرج في إطار البحث عن مضامين اللغة , ويفيد بأنَّ اشتغال الفكر عملية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالتربية اللسانية وبالمكّون اللغوي الذي يكتسبه الإنسان من مجتمعه , لأنَّ المجتمع هو المخزن الذي تتراكم فيه البنى اللغوية , ومن هنا ينتقل الكلام – كما قال سوسير – من صفته التصريحية التي يجتمع فيها الدال والمدلول , إلى الصيغة الإيحائية , بوصفها الموطن الأصلي للنصِّ الذي نسعى إلى اكتشافه من خلال قراءتنا لمجموعة من النصوص الشعرية , وبما أنَّ الخطاب الأدبي هو خطاب إيحائي , فإنَّ الشعر , بوصفه خطابا أدبياً , لا يقدم لنا الواقع كما هو , وانما يقدم لنا ما يساعد على تلمسه . ومن هنا فان نظريات التأويل تصر على دمج القارئ في النصّ , وترى ان الفهم الحقيقي يقوم على الاستجابة الحقيقية لمقصدية النصّ , أي على المؤشرات التي ينقلها القارئ كي يدرك قيمة بنائه . من هنا فان عملية القراءة لم تكن متروكة لاجتهادات القارئ أو الناقد , وانما هي محكومة بمعرفة الظواهر النصّية وكيفية اشتغالاتها , وبذلك تكون القراءة الواعية محاولة للفهم العميق والاستنباط , أو كما قال فالديس : نشاط إنساني خلاق في عملية التمثيل والتوسط والإبلاغ عن مرجعيات النصّ ومكوناته الدلالية .
وبعد , فإننا نسعى من خلال ما تقدم , إلى تقديم مقترحات لقراءة تنطلق من إيمان بما اسميه ( منهج النصّ ) : ذلك المنهج الذي يعتمد التحليل والتأويل احتكاما إلى معطيات النصّ , وما يمكن ان يتركه في نفس قارئه , وما يشكل من صور . وذلك لا يعني الافتراق عن المناهج الأخرى تماماً , فنحن نستفيد من السيرة والعوامل النفسية والاجتماعية في إضاءة كثير من زوايا النصّ المعتِمة , إلا أنَّ الحكم دوما هو للنصِّ بوصفه بنية متكاملة تعطي موقفا , أو تحدد حالة يفترض وصولها إلى القارئ .
د. حسن جبار شمسي
كلية التربية اللغة العربية
رحمك الله يا أستاذنا , وأدخلك فسيح الجنان
تلميذك منتظر
حول تحليل النصّ الشعريّ
معرفة الشروط المكونة للنصِّ الشعري في حقل معرفة مرجعيته أو مرجعياته العامة .
كلّ قراءة نقدية لنصٍّ ما هي رؤية فردية ذاتية اجتهادية غير مطلقة , إذ لا توجد قراءة مطلقة في عالم الأَدب .
معرفة النصّ كبنيةٍ مستقلة متميزة ذات مستويات لها أنساقها وقوانينها , ومن ثمة كشف حقل الدلالات فيه . هذه هي العملية المركزية في التحليل على العكس من القراءة السطحية العابرة .
اعتقد أنَّ الشرط الأول في معرفة النصّ هو التعايش معه إلى حدِّ الحفظ , والذوبان والتماهي بين حركاته وسكناته , حتَّى يصبح جزءاً من الأنفاس .
النصّ يرتبط بعددٍ من القراءات المحتملة , انه في ذاته ينطوي على أكثر من معنى , وتختلف القراءة باختلاف الزمان والمكان , وباختلاف القراء أنفسهم .
مرادنا في قراءة النصّ هو كشف فائض المعنى , ذلك الفائض الذي يزيد على النصّ , أو يرشح منه , المعنى الكامن خلف النصّ , لا المعنى الطافي فوق الألفاظ .
هدفنا هو البحث عمَّا يمكن أن يقوله النصّ الشعري , ممّا هو غير ظاهر على سطحه من أبنية لغوية واضحة , ومن دلالات مخبوءة في متون النصوص , ننظر إليها بغض النظر عن قدم قائلها أو حداثته , ونحاول تطبيق المنهج الذي نقترحه نحن للقراءة , ونحاول فتح النصّ على نصوص أخرى .
الأحكام النقدية تكون من النصّ , ذلك أنَّ أَعدل الأحكام هي المأخوذة من النصّ كمحاولة من محاولات تأويل النصّ , ولذلك نحاول فصل المؤلف عن نصّه , وقد يوؤل النصّ بعيداً عن كونه وثيقة تاريخية أو اجتماعية , كما فُعل ذلك كعب بن زهير والرمزية التي احتملتها سعاد .
فإنَّ الكشف عن الحياة الحقيقية للمضامين لا يأتي من القراءة العابرة العجلى , وإنَّما ينكشف من خلال معاينة المحمول الدلالي والهيأة الإبداعية الكامنة في نسيج النصّ .
في معرفة ماهية النصّ وكشف عناصره المكونة له , ظهرت انجازات نقدية عميقة الأهمية منها ما وُضع في مجال اللسانيات دي سوسير وياكوبسن وتشومسكي , ومنها ما وضع في باب انجاز الشكلانيين الروس , ومنها ما وُضع في باب الانثروبولوجي كلود ليفي شتراوس , ومنها وما وُضع في علم النفس الفرويدي واللاكاني . وقد وُضعت هذه الانجازات في خدمة النصّ والبحث عن مكوناته الأصلية , وأصبحت أسماء مثل : لوسيان غولدمان , ورولان بارت , وجيرار جينت , وكوهين , وجوليا كرستيفا , و ريفاتير ... أسماء تقدم أعمالها لتبلور منهجاً أكثر تكاملاً , أي أكثر قدرة على معرفة النصّ الأدبي في سره وغناه , وفي خصائصه ونظامه , فقد درست هذه المحاولات اللغة كجملة مفردات معجمية ونحوية وحروف وأصوات تتوازى وتتناقض فضلاً عن محاولاتها في دراسة الدلالة المختبئة وراء البنية وخاصة عند لوتمان , وقد ظهرت هذه المحاولات في نقدنا العربي المعاصر .
إنَّ عملية القراءة هي التفتيش عن المدلولات المخبأة , والمدلول – كما يقول محمد خرماش – هو حاصل جمع بين الشيء واسمه , وهذا يندرج في إطار البحث عن مضامين اللغة , ويفيد بأنَّ اشتغال الفكر عملية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالتربية اللسانية وبالمكّون اللغوي الذي يكتسبه الإنسان من مجتمعه , لأنَّ المجتمع هو المخزن الذي تتراكم فيه البنى اللغوية , ومن هنا ينتقل الكلام – كما قال سوسير – من صفته التصريحية التي يجتمع فيها الدال والمدلول , إلى الصيغة الإيحائية , بوصفها الموطن الأصلي للنصِّ الذي نسعى إلى اكتشافه من خلال قراءتنا لمجموعة من النصوص الشعرية , وبما أنَّ الخطاب الأدبي هو خطاب إيحائي , فإنَّ الشعر , بوصفه خطابا أدبياً , لا يقدم لنا الواقع كما هو , وانما يقدم لنا ما يساعد على تلمسه . ومن هنا فان نظريات التأويل تصر على دمج القارئ في النصّ , وترى ان الفهم الحقيقي يقوم على الاستجابة الحقيقية لمقصدية النصّ , أي على المؤشرات التي ينقلها القارئ كي يدرك قيمة بنائه . من هنا فان عملية القراءة لم تكن متروكة لاجتهادات القارئ أو الناقد , وانما هي محكومة بمعرفة الظواهر النصّية وكيفية اشتغالاتها , وبذلك تكون القراءة الواعية محاولة للفهم العميق والاستنباط , أو كما قال فالديس : نشاط إنساني خلاق في عملية التمثيل والتوسط والإبلاغ عن مرجعيات النصّ ومكوناته الدلالية .
وبعد , فإننا نسعى من خلال ما تقدم , إلى تقديم مقترحات لقراءة تنطلق من إيمان بما اسميه ( منهج النصّ ) : ذلك المنهج الذي يعتمد التحليل والتأويل احتكاما إلى معطيات النصّ , وما يمكن ان يتركه في نفس قارئه , وما يشكل من صور . وذلك لا يعني الافتراق عن المناهج الأخرى تماماً , فنحن نستفيد من السيرة والعوامل النفسية والاجتماعية في إضاءة كثير من زوايا النصّ المعتِمة , إلا أنَّ الحكم دوما هو للنصِّ بوصفه بنية متكاملة تعطي موقفا , أو تحدد حالة يفترض وصولها إلى القارئ .
د. حسن جبار شمسي
كلية التربية اللغة العربية
رحمك الله يا أستاذنا , وأدخلك فسيح الجنان
تلميذك منتظر
تعليق