ترنيمة العصر لحكاية بلا نهاية

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • رشيد الميموني
    مشرف في ملتقى القصة
    • 14-09-2008
    • 1533

    ترنيمة العصر لحكاية بلا نهاية

    ترنيمة العصر لحكاية بلا نهاية


    [align=justify]
    ربما يكون الوقت عصرا...الآن وأنا أنطلق مستسلما لخطواتي ، منقادا للتيار، متحاشيا التفاف الساق بالساق...أساير الجمع في ترنيمته دون ان أعي ما حولي. وتختفي زرقة السماء لتشملها صفرة سرعان ما تغلف الكون فيصير كل شيء اصفر...الأفق ، الأرصفة ، الناس . فيخيل إلي أحيانا أني أسير محمولا. وتبدو لي الأشياء غامضة والوجوه لا معنى لها. وأغمض عيني كلما اقتربت من وسط الحشد ، بل وأتحاشى الدنو منه...الناس يتدافعون إلى حيث لا أدري...لماذا أسير معهم؟ وكيف ومن أين بدأت اولى خطواتي...تارة خلفهم، وتارة في مقدمتهم؟ لماذا هذا الخوف من الوسط ؟ ليست هذه أول مرة أجد فيها نفسي خلف موكب ما. في مقدمته ، وفي خضمه. فلا يكتنفني سوى شعور بالحزن وأنا أتخيل الموكب موكبي ، والناس أهلي ومعارفي...وقد أسهو أحيانا عن هذا الأحساس بالنظر إلى السيقان في هرولتها وأتذكر ما قيل لي عن أن بعضها ليست آدمية خصوصا في مثل هذا الموقف...فلا أجد سوى أحذية ونعال مغبرة وأخرى لماعة ، فأبتسم ثم أخجل من نفسي لأن جلال الموقف لا يسمح بهذا فألهج بالترنيمة من جديد.
    الآن والأجساد تتقاذفني ، والمناكب تسد الطريق أمامي طورا، وتفسح لي المجال حينا، أسائل نفسي إلى أين؟..ولم كل هذا الحزن ؟ ولم كل هذا الخوف؟..هل أحلم؟..ماذا أفعل كي أستيقظ ؟..أفرك جفوني وأعض شفتي...لا جدوى...إذن لأفكر في شيء آخر...أغمض عيني فأسبح في دنيا أخرى، ويختفي كل شيء برهة ثم ينقشع الظلام عن منظر طفل يتوسد فخذ جدته... ملامح وجهه تنم عن عناده وتعوده على الإصرار حتى ينال ما يروم، ويحصل على كل ما يبتغي...يستسلم لعبث أصابعها بشعر رأسه وتنطبق جفونه، فيصغي إلى حكايتها، ويتنهد ، ثم يفتح عينيه ويحدق في الظلام...يستعصي عليه فهم بعض الأشياء، فيقطب...حكايتها ممتعة، ترافقها ترنيمة شجية ذات وقع خاص على نفسي..وأشعر فجأة بضيق فيختفي الحلم، وجسدي لا يزال مندفعا صوب الأزقة الموحلة...صفرة الأصيل تتلاشى ويغشاها سواد الزقاق...كم أنا مشدود لحكاية الجدة...لعبث أصابعها...لحضنها. هل أغمض عيني من جديد؟ لأتمهل قليلا حتى لا أقع وتدوسني الأقدام..ولكن هاهو الجمع يتوقف...وألتفت حولي فيمتد بي النظر الى ما لا نهاية..الأفق..الجبل..البحر.
    في تلك اللحظة التي اصطف فيها الحشد ، اغتنمت فرصة انشغال الناس بما هم فيه من تمتمة وخشوع، وعدت إلى دنيا الأحلام حيث الطفل والجدة والحكاية...لهفتي لا مثيل لها لمعرفة ماذا حدث للأميرة ، وهي ترى أخاها يقسم على الزواج بصاحبة الشعرة التي التفت حول أسنان فرسه عند المنبع...لكن الجدة تتوقف عن السرد . فالطفل قد غلبه الكرى, وعلامات الرضى تعلو وجهه البريء...فاراني أتقدم خلسة وأضطجع متوسلا ، باكيا لعلها تستمر في الرواية. وأحس بأصابعها تتخلل شعر رأسي...تتنهد ثم تنطلق كما لو أنها توقفت فقط لاسترداد أنفاسها" ... وجلست على الصخرة ، بينما يشير أبوها الملك إليها بالنزول، فترد منتحبة :
    بالأمس كنت أبي واليوم صرت حماي
    ارتفع بي يا جبل
    وترتفع الصخرة فتصير تلا ، ثم جبلا.ويتوافد الأهل مستعطفين كي تعود إليهم ، فتعيد نفس المقطع ، لكل حسب قرابته لها.
    - هل ستعود؟...-قلتها باكيا، فأجابت برقة وهي تمسح دمع عيني :"لماذا تبكي هل خفت ؟
    - كلا ، أخشى أن تتركيني قبل أن أعرف النهاية ...
    نظرت أمامها متأملة برهة ثم همست:" لا بد أن أذهب ، فالليل قد تقدم كثيرا...لكني سوف أعود.
    - هل تتركينني لوحدي ؟ ...-كدت اصرخ وأنا أراها تزيح رأسي برفق عن فخذها ، وتربت عليه ، ثم توليني ظهرها وتختفي في الظلام.
    ألتفت من جديد حولي فأجد أناسا يتعانقون ثم يقبلون نحوي ويعانقونني ثم يهدئون من روعي...يا للعجب ..هل علموا؟..هل يعرفون الحكاية كلها؟..أأنا في حلم أم أني كنت احلم؟..أيهما حقيقة؟
    في سكون الليل أجلس...أتثاءب بعد أن أنهيت حكاية لابنتي...حكاية الأميرة التي علقت شعرتها بأسنان الفرس وهي تستحم عند المنبع ، وفرت من أهلها خوفا من الزواج بأخيها الأمير...وحين أصل إلى حيث يجب أن أتوقف ، أتردد هنيهة وأغمض عيني فلا أجد سوى الظلام...وأعيد السرد من جديد ، لأني أعلم أنها ذهبت...لكي لا تعود...

    [/align]



  • بسمة الصيادي
    مشرفة ملتقى القصة
    • 09-02-2010
    • 3185

    #2
    الأمور تداخلت في رأسي
    لكنها تركت أثرا عميقا في رأسي
    هو الموت .. والجولة الأخيرة
    لكن الحلم لا يتوقف عن سيره
    يتابع الجدة يلاحق سطور قصصها
    بشغف ..لأنه يحتاج زمن البراءة ذلك بشدة
    ولكي لا تموت الذاكرة ..!
    رائع وأكثر
    أطيب التحيات لك سيدي
    في انتظار ..هدية من السماء!!

    تعليق

    • رشيد الميموني
      مشرف في ملتقى القصة
      • 14-09-2008
      • 1533

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة بسمة الصيادي مشاهدة المشاركة
      الأمور تداخلت في رأسي

      لكنها تركت أثرا عميقا في رأسي
      هو الموت .. والجولة الأخيرة
      لكن الحلم لا يتوقف عن سيره
      يتابع الجدة يلاحق سطور قصصها
      بشغف ..لأنه يحتاج زمن البراءة ذلك بشدة
      ولكي لا تموت الذاكرة ..!
      رائع وأكثر

      أطيب التحيات لك سيدي
      الغالية العزيز بسمة ..
      بقدر ما اسال تعقيبك دمعة من دمعاتي وأنت ترجعين بذاكرتي إلى يوم ذاك الحدث الجلل الذي هز كياني برحيل جدتي الحبيبة ، بقدر ما ارتسمت على شفتي بسمة وانا أتذكر كل اللحظات المرحة التي كنت أقضيها بصحبتها .
      ألف شكر لك بسمة على هذا التعليق الجميل .
      تقبلي مني باقة ورد تليق بمقامك و شخصك الكريم .

      تعليق

      • عائده محمد نادر
        عضو الملتقى
        • 18-10-2008
        • 12843

        #4
        الزميل القدير
        رشيد ميموني
        نص يحتمل التأويل كثيرا
        يستحق أن يقرأ لأن فيه تلك الماورائيات والذكريات المموهة أحيانا والتي تشبه الحاضر بكل تلك الضبابية المصفرة بالغبار
        أحببت رؤيتك كثيرا وأحسست بها تناسب واقعنا اليوم
        بل أني رأيته نص يشبه أحداث الساعة
        وهل نرى ما لايراه الآخرين
        ربما
        ودي ومحبتي لك سيدي الكريم
        و
        عاشقين


        عاشقين حكايات ملتهبة نسبت إليها، كتبت عنها. أساطير، تداولها الأبناء عن آبائهم. قالوا: - طاغية تسطر تاريخ العشق، بأحرف من جمر منحوتة من نور و نار.. وحمم، تصطلي الأرواح فيها فحذار، حذاري منها! فاتنة فتاكة ترمي بسهام سحرها فتغوي الرجال بفتنتها وبهاء طلتها، يهيمون فيها يشرئبون بأعناقهم نحوها وقلوبهم واجفة، خوفا عليها.. لكنهم لا
        الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

        تعليق

        • رشيد الميموني
          مشرف في ملتقى القصة
          • 14-09-2008
          • 1533

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة عائده محمد نادر مشاهدة المشاركة
          الزميل القدير
          رشيد ميموني
          نص يحتمل التأويل كثيرا
          يستحق أن يقرأ لأن فيه تلك الماورائيات والذكريات المموهة أحيانا والتي تشبه الحاضر بكل تلك الضبابية المصفرة بالغبار
          أحببت رؤيتك كثيرا وأحسست بها تناسب واقعنا اليوم
          بل أني رأيته نص يشبه أحداث الساعة
          وهل نرى ما لايراه الآخرين
          ربما
          ودي ومحبتي لك سيدي الكريم
          و
          عاشقين


          http://www.almolltaqa.com/vb/showthr...

          تعليق

          • ريما ريماوي
            عضو الملتقى
            • 07-05-2011
            • 8501

            #6
            روعة والجدة عظيمة دائما
            وتبقى هي وقصصها وحنانها وعطفها
            وذكراها تعطر ذكرياتنا.
            شكرا لك على القصة الحلوووة.


            أنين ناي
            يبث الحنين لأصله
            غصن مورّق صغير.

            تعليق

            • رشيد الميموني
              مشرف في ملتقى القصة
              • 14-09-2008
              • 1533

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة ريما ريماوي مشاهدة المشاركة
              روعة والجدة عظيمة دائما
              وتبقى هي وقصصها وحنانها وعطفها
              وذكراها تعطر ذكرياتنا.
              شكرا لك على القصة الحلوووة.
              [align=justify]
              العزيزة ريما ..
              ربما لا تدرين أنك بتعليقك هذا قد كرمت الجدة و القصة معا ، و كرمتني أنا عبرهما . فكان لا بد لي أن أبحث عن كلمات تفيك حقك من الشكر والامتنان . وقد لا تسعفني هذه الكلمات لكني واثق من إدراكك لمدى سعادتي بما أدرجته هنا فلك الشكر كله ، ولك المودة كلها مع باقة ورد لائقة بشخصك الكريم .
              [/align]

              تعليق

              يعمل...
              X