ترنيمة العصر لحكاية بلا نهاية
[align=justify]
ربما يكون الوقت عصرا...الآن وأنا أنطلق مستسلما لخطواتي ، منقادا للتيار، متحاشيا التفاف الساق بالساق...أساير الجمع في ترنيمته دون ان أعي ما حولي. وتختفي زرقة السماء لتشملها صفرة سرعان ما تغلف الكون فيصير كل شيء اصفر...الأفق ، الأرصفة ، الناس . فيخيل إلي أحيانا أني أسير محمولا. وتبدو لي الأشياء غامضة والوجوه لا معنى لها. وأغمض عيني كلما اقتربت من وسط الحشد ، بل وأتحاشى الدنو منه...الناس يتدافعون إلى حيث لا أدري...لماذا أسير معهم؟ وكيف ومن أين بدأت اولى خطواتي...تارة خلفهم، وتارة في مقدمتهم؟ لماذا هذا الخوف من الوسط ؟ ليست هذه أول مرة أجد فيها نفسي خلف موكب ما. في مقدمته ، وفي خضمه. فلا يكتنفني سوى شعور بالحزن وأنا أتخيل الموكب موكبي ، والناس أهلي ومعارفي...وقد أسهو أحيانا عن هذا الأحساس بالنظر إلى السيقان في هرولتها وأتذكر ما قيل لي عن أن بعضها ليست آدمية خصوصا في مثل هذا الموقف...فلا أجد سوى أحذية ونعال مغبرة وأخرى لماعة ، فأبتسم ثم أخجل من نفسي لأن جلال الموقف لا يسمح بهذا فألهج بالترنيمة من جديد.
الآن والأجساد تتقاذفني ، والمناكب تسد الطريق أمامي طورا، وتفسح لي المجال حينا، أسائل نفسي إلى أين؟..ولم كل هذا الحزن ؟ ولم كل هذا الخوف؟..هل أحلم؟..ماذا أفعل كي أستيقظ ؟..أفرك جفوني وأعض شفتي...لا جدوى...إذن لأفكر في شيء آخر...أغمض عيني فأسبح في دنيا أخرى، ويختفي كل شيء برهة ثم ينقشع الظلام عن منظر طفل يتوسد فخذ جدته... ملامح وجهه تنم عن عناده وتعوده على الإصرار حتى ينال ما يروم، ويحصل على كل ما يبتغي...يستسلم لعبث أصابعها بشعر رأسه وتنطبق جفونه، فيصغي إلى حكايتها، ويتنهد ، ثم يفتح عينيه ويحدق في الظلام...يستعصي عليه فهم بعض الأشياء، فيقطب...حكايتها ممتعة، ترافقها ترنيمة شجية ذات وقع خاص على نفسي..وأشعر فجأة بضيق فيختفي الحلم، وجسدي لا يزال مندفعا صوب الأزقة الموحلة...صفرة الأصيل تتلاشى ويغشاها سواد الزقاق...كم أنا مشدود لحكاية الجدة...لعبث أصابعها...لحضنها. هل أغمض عيني من جديد؟ لأتمهل قليلا حتى لا أقع وتدوسني الأقدام..ولكن هاهو الجمع يتوقف...وألتفت حولي فيمتد بي النظر الى ما لا نهاية..الأفق..الجبل..البحر.
في تلك اللحظة التي اصطف فيها الحشد ، اغتنمت فرصة انشغال الناس بما هم فيه من تمتمة وخشوع، وعدت إلى دنيا الأحلام حيث الطفل والجدة والحكاية...لهفتي لا مثيل لها لمعرفة ماذا حدث للأميرة ، وهي ترى أخاها يقسم على الزواج بصاحبة الشعرة التي التفت حول أسنان فرسه عند المنبع...لكن الجدة تتوقف عن السرد . فالطفل قد غلبه الكرى, وعلامات الرضى تعلو وجهه البريء...فاراني أتقدم خلسة وأضطجع متوسلا ، باكيا لعلها تستمر في الرواية. وأحس بأصابعها تتخلل شعر رأسي...تتنهد ثم تنطلق كما لو أنها توقفت فقط لاسترداد أنفاسها" ... وجلست على الصخرة ، بينما يشير أبوها الملك إليها بالنزول، فترد منتحبة :
بالأمس كنت أبي واليوم صرت حماي
ارتفع بي يا جبل
- هل ستعود؟...-قلتها باكيا، فأجابت برقة وهي تمسح دمع عيني :"لماذا تبكي هل خفت ؟
- كلا ، أخشى أن تتركيني قبل أن أعرف النهاية ...
نظرت أمامها متأملة برهة ثم همست:" لا بد أن أذهب ، فالليل قد تقدم كثيرا...لكني سوف أعود.
- هل تتركينني لوحدي ؟ ...-كدت اصرخ وأنا أراها تزيح رأسي برفق عن فخذها ، وتربت عليه ، ثم توليني ظهرها وتختفي في الظلام.
ألتفت من جديد حولي فأجد أناسا يتعانقون ثم يقبلون نحوي ويعانقونني ثم يهدئون من روعي...يا للعجب ..هل علموا؟..هل يعرفون الحكاية كلها؟..أأنا في حلم أم أني كنت احلم؟..أيهما حقيقة؟
في سكون الليل أجلس...أتثاءب بعد أن أنهيت حكاية لابنتي...حكاية الأميرة التي علقت شعرتها بأسنان الفرس وهي تستحم عند المنبع ، وفرت من أهلها خوفا من الزواج بأخيها الأمير...وحين أصل إلى حيث يجب أن أتوقف ، أتردد هنيهة وأغمض عيني فلا أجد سوى الظلام...وأعيد السرد من جديد ، لأني أعلم أنها ذهبت...لكي لا تعود...
[/align]
تعليق