جذور قلبها...
- أصمتي يا ابنتي ..دعي البئر راكدة!
- لن أصمت أمي ! المياه الراكدة تتعفن و تنمو فوقها الطحالب الضارة ..سوف أرمي البئر بحجر , بحجرين أو عشرة ..لننتهِ من هذا . اليوم. ..الآن ..ما عدت أحتمل !
- لن أصمت أمي ! المياه الراكدة تتعفن و تنمو فوقها الطحالب الضارة ..سوف أرمي البئر بحجر , بحجرين أو عشرة ..لننتهِ من هذا . اليوم. ..الآن ..ما عدت أحتمل !
أكبر بناتك , يحرقها الغضب و الألم من أجلك , هي لا تصدّق أنه تجرأ على إيلامك , و جعل الدمع يفيض من عينيك الحبيبتين .. و لا تدري من شحن قلبه بكل هذا السمّ الذي أصبح يسيل من نظرته و كلامه .. الآن فهمت إحساسك يا يوسف يا صدّيق ! رهيب ظلم ذوي القربى , أشدّ إيلاما من الألم نفسه ..
- يريد نصيبه من البيت . العصفور الصغير قويَ ريشه يا ابنتي و يريد مغادرة العش .
- ما سمعت عن عصفور أدمى بمنقاره كل من في العش قبل أن يغادر . ليأخذ نصيبه أمي , ليأخذ أكثر , و ليترك لنا حمائم السلام تتهادى فوق سور الحديقة كما كانت دوما .
ابنك , آخر العنقود , الأمل المنتظر , فرحة العمر و هدية السماء بعد سنين من الانتظار و الخيبة . تذكرين كيف أنه مع كل حمل يعشّش في رحمك , كان الأمل يكبر , يتكوّر , يستدير , ينمو كما الجنين في أحشائك , يكتمل ثم يتهاوى في آخر الشوط , مقطّعا الحبل السرّي الذي يربطه بالفرح .
بنت و بنت و بنت و رابعة و خامسة , و يخبو بريق عينيك و تلمع في أحداقك دموع اليأس , لكن الحب في صدرك لا يغيض أو يتقلّص قيد أنملة . ترضين بالمقسوم , لا تتذمّرين و تغدقين على البنات من حنانك , تلفّيهن في وشاح عطفك .. و تفخرين بهن " بناتي هن كل عمري , هن أخواتي و صديقاتي " ..
و يتغامز النسوة في العائلة " تلك التي تلد الإناث .. " و حين يصلك ذلك تبتسمين و تنكّتين " أنا لا ألد سوى الإناث , عليه هو أن يلد الذكور ّ ! " . لكنك كنت تتمزّقين شوقا , تحلمين بالذكر , الولد الذي سيخلّد لقب العائلة و يجتاز بك و بأبيه بحار المحن و الأحزان , الذي ستستخلصيه لنفسك و تدّخريه لضربات الزمن .
و يتغامز النسوة في العائلة " تلك التي تلد الإناث .. " و حين يصلك ذلك تبتسمين و تنكّتين " أنا لا ألد سوى الإناث , عليه هو أن يلد الذكور ّ ! " . لكنك كنت تتمزّقين شوقا , تحلمين بالذكر , الولد الذي سيخلّد لقب العائلة و يجتاز بك و بأبيه بحار المحن و الأحزان , الذي ستستخلصيه لنفسك و تدّخريه لضربات الزمن .
ما زرتِ وليّا يوما و لم تمارسي شعوذة , لم تحضري " وعدة " أو " زردة " كما كانت النسوة يفعلن ..و لكنك كنت تتمنين الولد ..من كل قلبك .
و ينبت في ظلمة أحشائك حمل سادس . و ينمو الخوف , بشع و قاتل , ثعبان ينفث سمّه في روحك , لكن الأمل يتوزّع في أرجاء قلبك كما نور الفجر . تراه سيأتي ؟
يبدأ المخاض , تتوجّعين , تبكين في صمت, تصلّين في قلبك , تتضرّعين . و ينبت في ظلمة أحشائك حمل سادس . و ينمو الخوف , بشع و قاتل , ثعبان ينفث سمّه في روحك , لكن الأمل يتوزّع في أرجاء قلبك كما نور الفجر . تراه سيأتي ؟
تبتسم القابلة " ولد , يا أم البنات ,..أخيرا ! مبروك " .
تقرع أجراس البشائر و في أرجاء البيت الكبير تهطل السعادة و ينخرط الجميع في فرح هستيري .. جاء الإبن , جاء الأخ و الحبيب يا أمي , أتى من سنشدّ به أزرنا و نشركه في أمرنا ..ستربيه معا , نحمله وندل له و نحبّه , و نتنازل له عن نصيبنا من الكعك و الحلوى و الحب..
يكبر الأخ و تكبر الفرحة . لاتزال الجدران تحتفظ بكل الذكريات , تكتنز صدى الضحكات , لحظات اللعب و المرح و البراءة قبل ان يتكدذر الصفاء و ينقلب حال الابن بعد ان يكبر و يشتد عوده . . يختفي تماما ذلك الصبي الجميل المرح , بشعره الأشقر الطويل و عينيه الضاحكتين و شخصيته المحبوبة , ليقف مكانه شخص آخر ,مختلف تماما , جاف النظرة , حاد الطبع , قاس القلب , كلماته جمر وحواره صياح و كلامه صراخ ..
لا تذكرين بالضبط متى بدأت كراهيته لك و لأخواته تظهر و تتكاثر كالفطر السام , و لا أحد يفهم لماذا ..لم يكن هناك من سبب واضح ..
و تمر الأيام و تتمدّد المسافة أكثر بينه و بينك ..
لا تذكرين بالضبط متى بدأت كراهيته لك و لأخواته تظهر و تتكاثر كالفطر السام , و لا أحد يفهم لماذا ..لم يكن هناك من سبب واضح ..
و تمر الأيام و تتمدّد المسافة أكثر بينه و بينك ..
و يقرّر ..بعد أشهر على موت أبيه .." أريد بيع البيت ..أريد نصيبي من كل ما ترك أبي .." و ماذا ترك الأب ؟ ..هل ستتقاسمون مصحفه الشريف أم عدّة تصليح ساعات اليد التي كان يكسب منها قوت العائلة , أم شجرة التين فيكون له الأغصان و لكنّ الجذور ؟ ماذا ترك الأب غير غصّة في قلبك يوم همس لك بصوت ضعيف واهن و هو في طوافه الأخير " اهتمي بنفسك .. "
كان خائفا عليك ..أدرك أن الإبن الوحيد ليس على قدر المسؤولية , ما كان كذلك في حياته فهل سيكون في موته ؟
تحايلت عليك البنات , كل واحدة ترجّتك أن تتركي له البيت و تمضي معها , ستعيشين معنا ملكة مبجّلة , سنفسح لك داخل أحداقنا يا أمي لو ضاق المكان , نطعمك من قلوبنا لو شحّ الطعام و نرويك من دمنا و دموعنا .. تطرقين , تتأمّلين الحيطان و النوافذ , تمسحين بعينيك على شجرة التين العتيقة , تحدّقين في السماء , " لن أترك هذا البيت إلا جثة هامدة ..هنا عمري , حياتي , بأحزانها و أفراحها , هنا تاريخي و ذكريات المرحوم ..لن تفهمن ." ..
تحايلت عليك البنات , كل واحدة ترجّتك أن تتركي له البيت و تمضي معها , ستعيشين معنا ملكة مبجّلة , سنفسح لك داخل أحداقنا يا أمي لو ضاق المكان , نطعمك من قلوبنا لو شحّ الطعام و نرويك من دمنا و دموعنا .. تطرقين , تتأمّلين الحيطان و النوافذ , تمسحين بعينيك على شجرة التين العتيقة , تحدّقين في السماء , " لن أترك هذا البيت إلا جثة هامدة ..هنا عمري , حياتي , بأحزانها و أفراحها , هنا تاريخي و ذكريات المرحوم ..لن تفهمن ." ..
نعم .. لن يفهمن , كيف سيفهمن أن الشجرة و أنت واحد , و أن ابتعادك عنها انتحار و موت محتوم . كانت شتلة صغيرة , هشّة يوم أحضرها المرحوم في إحدى أماسي الربيع و كنت حاملا بالبنت الكبرى . زرعها في قلب الحديقة فكأنما زرع معها أوردة قلبك . كبرتما معا , سقيتها من معين الحب و السخاء , و تعلّمتِ منها كيف يكون الصبر و العطاء و مواجهة الرياح , لم تهزمكما الأيام و لا الشتاءات التي عصفت بالبيت .
و الآن , و لكي تنسلخي عنها , عليك طرحها من الذاكرة , عليك لملمة عمرك المهروق حول تربة جذعها و قطف ابتساماتك و دموعك من فوق أغصانها .
- لو بناتي حقا , حبيباتي , لا تحقدن عليه , اطلبن له الهداية , ليس ذلك على الله بعزيز .
ترفع الحبيبة كفيها بالدعاء , و ينهمر دمعها, ترفع البنات أكفّهن بالدعاء مثلها ..
ترفع الحبيبة كفيها بالدعاء , و ينهمر دمعها, ترفع البنات أكفّهن بالدعاء مثلها ..
و في قلب الصمت يُسمع تمزّقٌ للدّم في الشرايين , و تأوّهات رحم تحتضر .
ليس ماءً ما يجري في العروق , و لكن ...كأنّ معاني الحب و الأخوّة تهوي في كهف مظلم سحيق .
ليس ماءً ما يجري في العروق , و لكن ...كأنّ معاني الحب و الأخوّة تهوي في كهف مظلم سحيق .
تعليق