حدة البصيرة
_________
قفزت القهقرى أتفادى يديه الممدوتين صوب وجهي يريد تحسسه، فكرت:
"يا لوقاحته كيف يجرؤ؟!" استغرب نفوري:
- آسف لإزعاجك، سامحيني..
- أعذرني، حان موعد محاضرتي، سعدت بمعرفتك، وداعا.
- انتظري.. أود بعد انتهائك منها مرافقتك إلى البيت للتعرف على أهلك...
ارتبكت محرجة، رمقته يبتسم فرحا بفكرته، لم أسطع رده خائبا للمرة الثانية، وعدته خيرا، ومضيت ركضا إلى كلّيتي البعيدة.
يراودني شعور الندم على مبادرتي بالتعرف عليه، ممزوجا بإحساس الفخر، هو يحمل اسم عائلتي، وعلى لوحة الشرف في الجامعة.
لكن مسألة مصاحبته إلى بيتي تضايقني، فأنا خجولة لم أعتد استقبال زملائي الذكور في بيتي.
استعدت مشهد تملصي من بين يديه، راغبا في تلمّس وجهي:
- لكنّني أودّ التعرف على ملامحك...
حينها نظرتُ إلى محجري عينيه الفارغتين، يملأهما سائل مغثٍ، تتلونان بلون الأحمر القاني مثل جمر النار، هو أعمى لا يحمل عصا بل يساعده رفاقه،
لهذا سأكون مجبرة على تأبط ذراعه، ولم أك لأرغب في ذلك.
تذكرت حين سألته متجرّئة:
- لم لا تضع نظارة سوداء؟ أعتقد أنّ ذلك أفضل، فأجاب رافضا بشدّة:
- كلا.. لا أريد أن أخفي نفسي عن عيون الناس، وعلى من يود التحدث معي تقبّلي هكذا كما خلقتني يا رب.
كدت أن أهمس له: "بل أرجوك إفعل، هما تخيفاني."
أعجبني منطقه، وشخصيته المنطلقة، وكونه محاورا فذّا حاد الذكاء،
لكن لم تعجبني جرأته في طرح الأسئلة كالقذائف يوجّهها الواحد تلو الآخر، فصرت أمامه كالكتاب المفتوح يعرف كلّ شيء عنّي.
نسيته أو بالأحرى تناسيته بعد انتهاء المحاضرة، وعدت بالمواصلات إلى البيت، يداهمني شعور بعدم الارتياح للإخلال بوعدي.
لما ولجت منزلي، فوجئت به يجلس في صدر البيت على الكنبة، يحتسي الشاي مع أفراد عائلتي، والكلّ على نار ينتظر وصولي،
لم أستطع مداراة نظرات إخواني الصغار وضحكاتهم المكتومة، وأمي تحدجني متسائلة غير راضية،
لن أنسى ما حييت مدى ارتباكي وأنا أبرر له نسيان موعدي معه.
فكّرت لكم هو محبوب وقد أوصله أحد زملائه من الأثرياء في سيّارته إلى عنواني.
تحملت ردحا من الزمن سخرية أهلي بخصوص زيارته. علما أنه لم يكررها مطلقا،
أعتقده شعر بانزعاجي وسخريتهم منه، بدوري لم أحاول رؤيته مجددا.
على الرغم من أن لقائنا معا لم يتجاوز بضعة ساعات في ذلك اليوم، إلا أني لم أنج من تأنيب الضمير،
ماذا لو سمحت له بالتواصل؟ من المؤكد لاستفدت من علمه وذكائه،
لكنني كنت غرّة صغيرة لأول مرة أتعامل مع شخص حرم نعمة الإبصار،
ولم أستوعب جيّدا رغبته في التعرّف على ملامحي.
بعد بضعة سنوات، اضطررت لمراجعة إحدى الوزارات في معاملة رسمية،
وجدت اسمه مكتوبا بالخط العريض على باب مكتب المدير. فتحت الباب بهدوء وألقيت نظرة،
رأيته جالسا على مكتب فخم يرتدي فاخر الثياب، ويضع نظّارة سوداء تغطّي عينيه.
بادرته بالسلام. رفع رأسه وأصاخ بسمعه ثم ناداني باسمي قائلا: هل هذه أنت عزيزتي؟!
_________
قفزت القهقرى أتفادى يديه الممدوتين صوب وجهي يريد تحسسه، فكرت:
"يا لوقاحته كيف يجرؤ؟!" استغرب نفوري:
- آسف لإزعاجك، سامحيني..
- أعذرني، حان موعد محاضرتي، سعدت بمعرفتك، وداعا.
- انتظري.. أود بعد انتهائك منها مرافقتك إلى البيت للتعرف على أهلك...
ارتبكت محرجة، رمقته يبتسم فرحا بفكرته، لم أسطع رده خائبا للمرة الثانية، وعدته خيرا، ومضيت ركضا إلى كلّيتي البعيدة.
يراودني شعور الندم على مبادرتي بالتعرف عليه، ممزوجا بإحساس الفخر، هو يحمل اسم عائلتي، وعلى لوحة الشرف في الجامعة.
لكن مسألة مصاحبته إلى بيتي تضايقني، فأنا خجولة لم أعتد استقبال زملائي الذكور في بيتي.
استعدت مشهد تملصي من بين يديه، راغبا في تلمّس وجهي:
- لكنّني أودّ التعرف على ملامحك...
حينها نظرتُ إلى محجري عينيه الفارغتين، يملأهما سائل مغثٍ، تتلونان بلون الأحمر القاني مثل جمر النار، هو أعمى لا يحمل عصا بل يساعده رفاقه،
لهذا سأكون مجبرة على تأبط ذراعه، ولم أك لأرغب في ذلك.
تذكرت حين سألته متجرّئة:
- لم لا تضع نظارة سوداء؟ أعتقد أنّ ذلك أفضل، فأجاب رافضا بشدّة:
- كلا.. لا أريد أن أخفي نفسي عن عيون الناس، وعلى من يود التحدث معي تقبّلي هكذا كما خلقتني يا رب.
كدت أن أهمس له: "بل أرجوك إفعل، هما تخيفاني."
أعجبني منطقه، وشخصيته المنطلقة، وكونه محاورا فذّا حاد الذكاء،
لكن لم تعجبني جرأته في طرح الأسئلة كالقذائف يوجّهها الواحد تلو الآخر، فصرت أمامه كالكتاب المفتوح يعرف كلّ شيء عنّي.
نسيته أو بالأحرى تناسيته بعد انتهاء المحاضرة، وعدت بالمواصلات إلى البيت، يداهمني شعور بعدم الارتياح للإخلال بوعدي.
لما ولجت منزلي، فوجئت به يجلس في صدر البيت على الكنبة، يحتسي الشاي مع أفراد عائلتي، والكلّ على نار ينتظر وصولي،
لم أستطع مداراة نظرات إخواني الصغار وضحكاتهم المكتومة، وأمي تحدجني متسائلة غير راضية،
لن أنسى ما حييت مدى ارتباكي وأنا أبرر له نسيان موعدي معه.
فكّرت لكم هو محبوب وقد أوصله أحد زملائه من الأثرياء في سيّارته إلى عنواني.
تحملت ردحا من الزمن سخرية أهلي بخصوص زيارته. علما أنه لم يكررها مطلقا،
أعتقده شعر بانزعاجي وسخريتهم منه، بدوري لم أحاول رؤيته مجددا.
على الرغم من أن لقائنا معا لم يتجاوز بضعة ساعات في ذلك اليوم، إلا أني لم أنج من تأنيب الضمير،
ماذا لو سمحت له بالتواصل؟ من المؤكد لاستفدت من علمه وذكائه،
لكنني كنت غرّة صغيرة لأول مرة أتعامل مع شخص حرم نعمة الإبصار،
ولم أستوعب جيّدا رغبته في التعرّف على ملامحي.
بعد بضعة سنوات، اضطررت لمراجعة إحدى الوزارات في معاملة رسمية،
وجدت اسمه مكتوبا بالخط العريض على باب مكتب المدير. فتحت الباب بهدوء وألقيت نظرة،
رأيته جالسا على مكتب فخم يرتدي فاخر الثياب، ويضع نظّارة سوداء تغطّي عينيه.
بادرته بالسلام. رفع رأسه وأصاخ بسمعه ثم ناداني باسمي قائلا: هل هذه أنت عزيزتي؟!
تعليق