أقفال
النجوى ترهفُ النفسَ، تمورُ في أعماقها، تحطّم دائرة الصمت، فتعشبُ الروحُ بألوان المواويل، يتراكم الحزن خلف الأبواب، تحت شرفات أولئك الذين نسيهم العيد والعيد بسمة لا تورق إلا عندما تغذّى بشهد خلجات مجلوّة الخواطر.. وأنا كالليل أسري وحيداً، أمدّ عباءتي، أنشرُ هسيسي، أنقرُ على شؤم الهم، أواري تحت جنحي ظلال العابثين، أباركُ بوح من عشقوا وأداعب أحلامَ الأطفال.. أسيرُ والمطر وئيداً،أغوصُ في الأعماق فيختلط النشيد بنشيج الميازيب.. وحدها الشوارع تدرك أن من خرجَ ليلاً، يبحثُ عن أفق.. أضاعَ هدأته، والريحُ تمزج النباح بالعويل فتتراقصُ الأشجاركالقرابين تزدادُ خطواتي ثباتاً بعد أن يخاطبني صوتٌ يصرخ داخلي.
-لا بأس لن ينالَ منكَ التعبُ.. وستكونُ أصبرَ من قبل، ستجتاز محنة العيد بكل صبر..
أصلٌ البابَ الخارجي أديرُ المفتاحَ، ينفكُ القفلُ، والدنيا أقفالٌ وأبوابٌ موصدةٌ لاتفتحُ إلاّ لبعض الناس وإن كان .. يعاودُ الصوت من جديد.
-كثيرةٌ هي المرات التي ملكتَ فيها مفاتيحاً.. لكنك أنظفُ من أن تفكرَ في استخدامها..!
ألجُ غرفتي الوحيدةَ .. ما تزالُ تكبُ على صغيرها تبادرني كالملسوعة والدمع يوشح وجنتيها.
- هل أحضرت الدواء؟
- نعم
يلمع البرقُ ويدّوي الرعد ليكشف عن ابتسامة أشكُ في كنهها..
- كيف تدبرتَ الأمر؟
-لاعليكِ هيا أعطه الدواء لعله يخفف عنه الألم.
تمسحُ دمعة وتتحجر أخرى...
يازمن الخسف لا تلمنا وترُ القوس ترهل، والضياع يقودنا بحذر فنلومُ الأمس ونحار في مركب اليوم.. يشرد ذهني أسمع..
-من أين حصلت على ثمن الدواء؟!
أتهدُر دمعة.. أتزعقُ في الفضاء الملوث بالمطرِ الكاذب وحمّى النفوس
- بعتُ ساعتي
- كيف تفرّط بهدية والدكَ .
يارعد مهلاً رحماك... لم يبقَ هناك شيء تصعقه.. الروح تذبل أهدابها والحلقة تضيق وتضيق.. والقداسة تُذبح على معبدِ الحاجة.. عفوك والدي ما الخيار..؟!!
البرديقطع الأوصال والغرفة تجأر بالرثاء وكأن صوتها يستجديني..
- لم يبقَ فيّ وقود.
يتصاعد الصوت في داخلي إلاّ أن لساني يعجز، أستنهض قناعتي، فتلبي.
- فيالصباح سأتدبر الأمر
أي صباحٍ أنت أيها القادمُ المشؤوم الطلعة، يا ليلاً يجتر الأيام ويقذف بنا حصاة صغيرة تتقاذفها سيول الشتاءات، وهل ستحرق أثاث بيتك لتدفئ ابنك وزوجتك؟! أم ستلقم المدفأة بقية كتبٍ أكلتَ ببعضها خبزاً ؟! وبعض ينتظر المزاد.. أم ستنتظر مكافأة الوظيفة بعدأشهر وأشهر؟! "الأنوار الباهرة تحجب الرؤية وكذلك الظلام".
كثيرةهي المرات التي أحسستَ بالنشوة بعد رفضك عروضاً تخلّصكَ مما أنت فيه وعرفتَ أن تلك النشوة أهم من أموال الأرض وحزن الثكالى وإن كانت زوجتك إحداهن.
أغفوعلى مواساة صديقي الذي حرصت أن لا يخرج من ذاتي.
الضوء يتسلل من ألواح الزجاج الشاحبة وبقعة ضوء صغيرة تخترق ثقب الباب الحديدي وتلامس وجهي وأنا أكبُ على طرفالسرير أرفع رأسي ألمح تباشير ابتسامة على وجه طفلي، أستمع إلى مناغاته..
تشرق الشمس، أهرع إلى المطبخ لأعدّ فنجان شاي أقدمه لزوجتي تستيقظ على يدي تلامس شعرها تقبل الطفل، وتقول كل عام وأنت بخير الحمد لله لقد تخطّى الطفل الأزمة بسلام.
*********
تعليق