مقامة حسن وأمينة: كلاكما يرعى بأرض قاحلة
أما حسن ذو القامة القصيرة، فابن بكر في عائلة فقيرة. أذكره مازال راسخا في ذهني، وما زالت صورته نصب عيني. استحال لونه الخمري سمرة داكنة، نظراته حادة، ثابتة، ساكنة. إن كلمته طأطأ رأسه باستحياء لطيف، وافتر ثغره عن تبسم خفيف. رغم صغر سنه تعجز أن تعرف، شيئا عن حزنه، عن خوفه، عن انزعاجه أو أن تستشف. كثير السكوت قليل الكلام، صغير الهيئة كبير الأحلام. لازلت أراه في مخيلتي، وهو يجيب كتابة على أسئلتي. صمته الغريب يذكرني بأبي الهول، وإذا صححت فروضه أهتف يا للهول!
كم ركب من الأوراق المهملة دفاتر، وكم رأيته في سوق الكتب القديمة كالراشد يتاجر. فموسم الدخول المدرسي فرصة له، لتأمين الكتب والأدوات وما يلزم له.
كم صادفته يسوق شياهه الهزيلة، وليس له لاتقاء لفح الشمس من وسيلة. يتراءى لي كالحمل الوديع، بين حملانه الوديعة. كتابه في يده على الدوام، يستعيض به عن مزود الماء والطعام. فيصبح همه شاغلي، ويتعالى صوت بداخلي: يا صغيري, كلاكما يرعى بأرض قاحلة. وهل وراء هذا السعي من طائلة؟ فيهتف آخر: ألا تدر هذه الشياه في آخر النهار بعض الحليب؟ فحاشا لله من كان هذا دأبه أن يخيب.
وفارقته على هذه الحال، وأصبح تتبع أخباره من المحال. إذ انتقلت إلى منطقة بعيدة، وغصت بها في حياة جديدة. حتى انتشلني يوما على حين غرة، ولم يخطر ذاك على بالي بالمرة. إذ كنت أتصفح الجريدة كالمألوف، فإذا بعيني ترمقان اسما معروفا، وقلبت الصفحات بسرعة الملهوف. لأتأكد من صحة الخبر، فإذا بصورته تتصدر كل الصور. أستاذ جامعي من الأساتذة الكبار، وباحث جريء لا يشق له غبار.
وأما أمينة الصغيرة، فهي الإبنة الوحيدة لأسرة فقيرة. أخذت أمها المنون، لكن أباها أب حنون، كذلك زوجته لم تخيب حسن الظنون. بيد أن الزمن كان لأمينة بالمرصاد، وتصدى لها بصلابة وعناد. إذ تقاعد أبوها على اضطرار، حين لاذ طلبة القرآن بالفرار. من الكتاب إلى المدرسة الجديدة، التي تم زرعها في تلك المنطقة البعيدة. وتراجع دخل فقيه "الدوار"، سوى ما يجود به إحياء ليالي المدح والأذكار، أو رقية من نزلت بهم الأقدار. وأحيانا إكراميات بعض المحسنين، أبوا إهمال فقيه خدم القرية لسنين.
فكانت أمينة تلبس ـ حسب المستطاع ـ ملابس تطولها بمترين، أو قصيرة تعلو الركبة بشبرين. بالية أكل عليها الزمان وشرب، أو جديدة لألوانها الأعناق تشرئب. وفي كل أحوالها أمينة هانئة البال، راضية بقسمة الله ذي الجلال. وجهها المستدير بشرته بيضاء، عيناها الواسعتان ضاحكتان في صفاء. كذا ثغرها دائم الإبتسام، طلعتها تمنحك إحساسا بالسلام. خصلات شعرها تسترسل في تجعد جذاب، شقراء لامعة كأشعة عذاب. قامتها قصيرة في تناسق حلو بريء، كلامها فيه ذكاء طفولي جريء. في الثامنة من عمرها كتبت بخط بديع، تعبر عن أحلامها بوصف بليغ. بكى له كل الأساتذة، وقالوا من أين لها بهذا وهي بعد في صف التلامذة؟ وصفت أباها والمعاناة، وناجته بأصدق مناجاة. وعدته أنها لما تكبر، ستتيح له أن يعيش زهر العمر. سترفعه إلى أعلى الدرجات، وتعوض له كل ما فات. لكن الزمن أبى أن ينهزم، أمام صغيرة جراحها لا تلتئم. فوجه لها ضربة قاصمة، علها تكون المعركة الحاسمة. وغابت أمينة عن المؤسسة، ولم تعد رنات ضحكاتها تسمع في المدرسة. سألت ابن عمها زميلها في الصف، فقال: اتخذ القرار بلا دوران أو لف، و لن نرى أمينة في حجرة الدرس بعد، فهي في مكان آخر تجد. زوجة أبيها وضعت، وعلى فراش المرض انطرحت. وما من أحد يقوم على خدمة الأسرة المسكينة، سوى أمينة الحزينة. استدعيتها وطلبت منها أن تثور، وتدعو عليهم بالويل والثبور. لكن عينيها اغرورقتا بالدموع، ثم همست بصوت خنوع. زوجة أبي وحيدة، وليس لها غيري في اللحظات الشديدة. بعد ذلك انسحبت في هدوء شديد، وتركتني أضطرم برفض عنيد: أيها الزمن القاسي علينا، لم تصر على تمريغ وجوهنا؟ لم يحلو لك التمثيل بذبيحنا؟ لم تمتص كفايتك من ضعيفنا؟ أليس لك دموع كدموعنا؟ أليس لك أنين كأنيننا؟ وتوجهت إلى الله رافعة، كفيَّ إلى رحمته ضارعة. يا إلهي يا رب العالمين، رحماك بهؤلاء المساكين...
وانتهت السنة الدراسية بعد حين، وصنفت أمينة مع الناجحين. ثم انصرمت سنة أخرى، ولم يلح لأمينة طيف بالمرة. حتى انتصفت السنة الجديدة، فأطلت علينا في لحظة سعيدة. جاءت تسأل هل يمكن أن تعود، إلى مقعدها بعد هذه العهود.
ورغم انطفاء بريق عينيها، وأفول ابتسامة شفتيها. بقيت أمينة هي أمينة، وإن بدت أكبر من عمرها ناضجة ورزينة. لسان حالها يقول بصوت مدو، الضربة التي لا تقتل تقوي. بعد ذلك ودعتها كما ودعت حسن، وانقطعت الصلة ردحا من الزمن. لأفاجأ بظهورها في أحد البرامج، تقضي للسائلين الحوائج. لقد أصبحت رئيسة أشهر الجمعيات، للدفاع عن حقوق الخادمات.
يا أحبائي هذه تجربة حسن وأمينة، جئتكم عنها بأخبار يقينة. لتعلموا أن الشخصيات العظيمة عظيمة، وليس لملاعق الذهب أي قيمة. لتعلموا أن العظماء عظماء منذ الصغر، في سلوكهم يظهر للعظمة أثر.فانظروا إلى اختياراتكم الراهنة،هل توحي لكم بعظمة كامنة.
تعليق