مقامة حسن وأمينة: كلاكما يرعى بأرض قاحلة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • سعيدة خربوش
    عضو الملتقى
    • 14-09-2011
    • 15

    مقامة حسن وأمينة: كلاكما يرعى بأرض قاحلة

    مقامة حسن وأمينة: كلاكما يرعى بأرض قاحلة

    في حفل لصغار البراعم، حضرت خالتنا نواعم. تأملت في وجوهنا الحالمة، وقالت: سأهديكم يا أحبائي كلمة. عن طفلين بريئين كما أنتم، وسكنا روحي كما سكنتم. اسمهما حسن وأمينة، أخذ الزمن القاسي كلا منهما رهينة.
    أما حسن ذو القامة القصيرة، فابن بكر في عائلة فقيرة. أذكره مازال راسخا في ذهني، وما زالت صورته نصب عيني. استحال لونه الخمري سمرة داكنة، نظراته حادة، ثابتة، ساكنة. إن كلمته طأطأ رأسه باستحياء لطيف، وافتر ثغره عن تبسم خفيف. رغم صغر سنه تعجز أن تعرف، شيئا عن حزنه، عن خوفه، عن انزعاجه أو أن تستشف. كثير السكوت قليل الكلام، صغير الهيئة كبير الأحلام. لازلت أراه في مخيلتي، وهو يجيب كتابة على أسئلتي. صمته الغريب يذكرني بأبي الهول، وإذا صححت فروضه أهتف يا للهول!
    كم ركب من الأوراق المهملة دفاتر، وكم رأيته في سوق الكتب القديمة كالراشد يتاجر. فموسم الدخول المدرسي فرصة له، لتأمين الكتب والأدوات وما يلزم له.
    كم صادفته يسوق شياهه الهزيلة، وليس له لاتقاء لفح الشمس من وسيلة. يتراءى لي كالحمل الوديع، بين حملانه الوديعة. كتابه في يده على الدوام، يستعيض به عن مزود الماء والطعام. فيصبح همه شاغلي، ويتعالى صوت بداخلي: يا صغيري, كلاكما يرعى بأرض قاحلة. وهل وراء هذا السعي من طائلة؟ فيهتف آخر: ألا تدر هذه الشياه في آخر النهار بعض الحليب؟ فحاشا لله من كان هذا دأبه أن يخيب.
    وفارقته على هذه الحال، وأصبح تتبع أخباره من المحال. إذ انتقلت إلى منطقة بعيدة، وغصت بها في حياة جديدة. حتى انتشلني يوما على حين غرة، ولم يخطر ذاك على بالي بالمرة. إذ كنت أتصفح الجريدة كالمألوف، فإذا بعيني ترمقان اسما معروفا، وقلبت الصفحات بسرعة الملهوف. لأتأكد من صحة الخبر، فإذا بصورته تتصدر كل الصور. أستاذ جامعي من الأساتذة الكبار، وباحث جريء لا يشق له غبار.
    وأما أمينة الصغيرة، فهي الإبنة الوحيدة لأسرة فقيرة. أخذت أمها المنون، لكن أباها أب حنون، كذلك زوجته لم تخيب حسن الظنون. بيد أن الزمن كان لأمينة بالمرصاد، وتصدى لها بصلابة وعناد. إذ تقاعد أبوها على اضطرار، حين لاذ طلبة القرآن بالفرار. من الكتاب إلى المدرسة الجديدة، التي تم زرعها في تلك المنطقة البعيدة. وتراجع دخل فقيه "الدوار"، سوى ما يجود به إحياء ليالي المدح والأذكار، أو رقية من نزلت بهم الأقدار. وأحيانا إكراميات بعض المحسنين، أبوا إهمال فقيه خدم القرية لسنين.
    فكانت أمينة تلبس ـ حسب المستطاع ـ ملابس تطولها بمترين، أو قصيرة تعلو الركبة بشبرين. بالية أكل عليها الزمان وشرب، أو جديدة لألوانها الأعناق تشرئب. وفي كل أحوالها أمينة هانئة البال، راضية بقسمة الله ذي الجلال. وجهها المستدير بشرته بيضاء، عيناها الواسعتان ضاحكتان في صفاء. كذا ثغرها دائم الإبتسام، طلعتها تمنحك إحساسا بالسلام. خصلات شعرها تسترسل في تجعد جذاب، شقراء لامعة كأشعة عذاب. قامتها قصيرة في تناسق حلو بريء، كلامها فيه ذكاء طفولي جريء. في الثامنة من عمرها كتبت بخط بديع، تعبر عن أحلامها بوصف بليغ. بكى له كل الأساتذة، وقالوا من أين لها بهذا وهي بعد في صف التلامذة؟ وصفت أباها والمعاناة، وناجته بأصدق مناجاة. وعدته أنها لما تكبر، ستتيح له أن يعيش زهر العمر. سترفعه إلى أعلى الدرجات، وتعوض له كل ما فات. لكن الزمن أبى أن ينهزم، أمام صغيرة جراحها لا تلتئم. فوجه لها ضربة قاصمة، علها تكون المعركة الحاسمة. وغابت أمينة عن المؤسسة، ولم تعد رنات ضحكاتها تسمع في المدرسة. سألت ابن عمها زميلها في الصف، فقال: اتخذ القرار بلا دوران أو لف، و لن نرى أمينة في حجرة الدرس بعد، فهي في مكان آخر تجد. زوجة أبيها وضعت، وعلى فراش المرض انطرحت. وما من أحد يقوم على خدمة الأسرة المسكينة، سوى أمينة الحزينة. استدعيتها وطلبت منها أن تثور، وتدعو عليهم بالويل والثبور. لكن عينيها اغرورقتا بالدموع، ثم همست بصوت خنوع. زوجة أبي وحيدة، وليس لها غيري في اللحظات الشديدة. بعد ذلك انسحبت في هدوء شديد، وتركتني أضطرم برفض عنيد: أيها الزمن القاسي علينا، لم تصر على تمريغ وجوهنا؟ لم يحلو لك التمثيل بذبيحنا؟ لم تمتص كفايتك من ضعيفنا؟ أليس لك دموع كدموعنا؟ أليس لك أنين كأنيننا؟ وتوجهت إلى الله رافعة، كفيَّ إلى رحمته ضارعة. يا إلهي يا رب العالمين، رحماك بهؤلاء المساكين...
    وانتهت السنة الدراسية بعد حين، وصنفت أمينة مع الناجحين. ثم انصرمت سنة أخرى، ولم يلح لأمينة طيف بالمرة. حتى انتصفت السنة الجديدة، فأطلت علينا في لحظة سعيدة. جاءت تسأل هل يمكن أن تعود، إلى مقعدها بعد هذه العهود.
    ورغم انطفاء بريق عينيها، وأفول ابتسامة شفتيها. بقيت أمينة هي أمينة، وإن بدت أكبر من عمرها ناضجة ورزينة. لسان حالها يقول بصوت مدو، الضربة التي لا تقتل تقوي. بعد ذلك ودعتها كما ودعت حسن، وانقطعت الصلة ردحا من الزمن. لأفاجأ بظهورها في أحد البرامج، تقضي للسائلين الحوائج. لقد أصبحت رئيسة أشهر الجمعيات، للدفاع عن حقوق الخادمات.
    يا أحبائي هذه تجربة حسن وأمينة، جئتكم عنها بأخبار يقينة. لتعلموا أن الشخصيات العظيمة عظيمة، وليس لملاعق الذهب أي قيمة. لتعلموا أن العظماء عظماء منذ الصغر، في سلوكهم يظهر للعظمة أثر.فانظروا إلى اختياراتكم الراهنة،هل توحي لكم بعظمة كامنة.
    التعديل الأخير تم بواسطة سعيدة خربوش; الساعة 21-10-2011, 20:41.
  • هشام البوزيدي
    أديب وكاتب
    • 07-03-2011
    • 391

    #2
    أيا أيتها السعيدة, ذكرتني منازل بعيدة, وحملتني على متن مقامة ناعمة, أتتك معانيها طائعة وراغمة, بشرى للكريمين حسن وأمينة, وقد كنت لخبرهما ناقلة أمينة, فأنعم بأهل الصبر والمصابرة, أولي العزم والإصرار والمثابرة, وليتك ما ذممت الزمان وإيلامه, فأهله من دونه أولى بالملامة.
    التعديل الأخير تم بواسطة غسان إخلاصي; الساعة 11-10-2011, 13:36.

    [gdwl]اللهم احقن دماء إخواننا في سوريا وفي كل البلاد وأبدلهم من بعد خوفهم أمنا

    لا يحسن أن ينزل على أفضل رسول، أفضل كتاب بلسان مفضول, ومن لم يعقل عن الله تعالى:{‏بلسان عربي مبين} فلا عَقِل.(الزمخشري)
    قد لا توجد لغة سوى العربية, بهذا التناسق الأصيل بين الروح والكلمة والخط, كأنها جسد واحد. (جوته)
    [/gdwl]

    تعليق

    • غسان إخلاصي
      أديب وكاتب
      • 01-07-2009
      • 3456

      #3
      أخي الكريم هشام المحترم
      مساء الخير
      حياك الله وبيّاك ، وببرد الجنة ريّاك .
      لقد كانت مقامتك - يا عزيزي - مثيرة للشجون تارة ومحفّزة تارة أخرى ، ولكنها ماتعة ، جزاك الله خيرا ،
      هكذا هي الحياة تعطي وتأخذ ، وما خفي أعظم .
      ياترى هل حسن وأمينة شخصيتان حقيقيتان ؟ .
      لابدّ أنهما كذلك فهذه الحياة حافلة بالدراما في كل ثانية من حياة البشر .
      أتمنى من الله أن يعتبر الناس بما يقرؤون ...........
      اسمح لي :( في القسم الثاني ) :
      من وجهة نظري المتواضعة : أن ( أيا ) حرف نداء ، وكذلك( أيتها ) حرف نداء للاسم المعرف بأل .
      فهل قصدت بذلك الجمع بينهما شيئا ؟.
      تحياتي وودي لك .
      التعديل الأخير تم بواسطة غسان إخلاصي; الساعة 11-10-2011, 13:48.
      (مِنْ أكبرِ مآسي الحياةِ أنْ يموتَ شيءٌ داخلَ الإنسانِِ وهو حَيّ )

      تعليق

      • هشام البوزيدي
        أديب وكاتب
        • 07-03-2011
        • 391

        #4

        أستاذي الكريم غسان:
        لم أقصد شيئا معينا بعبارتي أعلاه, لكني أحسب أن الجمع بين هاتين الكلمتين أمر مستساغ, فقد جاء في التنزيل قول ربنا: (يا أيها الإنسان) في موضعين, كما جاء لخطاب المؤنث في قوله تعالى: (يا أيتها النفس المطمئنة). مهما يكن الأمر فإن هذه العبارة إنما خرجت مني عرضا وقد تكون مما تستثقله الأذن فإنما حالي مع العربية كحال الأعجمي.
        التعديل الأخير تم بواسطة هشام البوزيدي; الساعة 13-10-2011, 18:22.

        [gdwl]اللهم احقن دماء إخواننا في سوريا وفي كل البلاد وأبدلهم من بعد خوفهم أمنا

        لا يحسن أن ينزل على أفضل رسول، أفضل كتاب بلسان مفضول, ومن لم يعقل عن الله تعالى:{‏بلسان عربي مبين} فلا عَقِل.(الزمخشري)
        قد لا توجد لغة سوى العربية, بهذا التناسق الأصيل بين الروح والكلمة والخط, كأنها جسد واحد. (جوته)
        [/gdwl]

        تعليق

        • سعيدة خربوش
          عضو الملتقى
          • 14-09-2011
          • 15

          #5
          يا أيها الاخ الكريم ،هشام ذو القلم السليم،سعيدة أنا بمرورك الخفيف،وممتنة أنالكلامك اللطيف،ملاحظتك صبت في الصميم،ذكرتني ببيت شعري قديم:
          نعيب زماننا والعيب فينا وما لزماننا عيب سوانا
          وانماأقصد بالزمان،المسؤولون عنا في ذلك الزمان،ولا غرابة أن عامة الناس في بلدي يطلقون عليهم "أصحاب الوقت".
          تحياتي دوما
          التعديل الأخير تم بواسطة سعيدة خربوش; الساعة 14-10-2011, 20:34.

          تعليق

          • سعيدة خربوش
            عضو الملتقى
            • 14-09-2011
            • 15

            #6
            الاخ الكريم غسان
            السلام عليك و رحمة الله
            تساؤلك عن حقيقة حسن وامينة يؤشر على اني حققت بعض النجاح في التعبير و ترجيحك انهما حقيقيان يرفع حظي في النجاح الى نسبة اعلى.
            اشكرك وتقبل تحياتي

            تعليق

            • عبد الرحيم صادقي
              أديب وكاتب
              • 04-02-2011
              • 326

              #7
              أختي سعيدة أسعد الله أيامك
              حسن وأمينة، ولذلك وفاهما الله بحسب ما فيهما من يمن وحُسن.
              جميل ما قرأت هنا
              سلم يراعك
              لكن لعلك تعرفين أختي أن المقامة ليست سجعا وحسب.
              ملحوظة: ألا تذر هذه الشياه.../ أظنك تقصدين: تدر.
              تقبلي أختي هذا المرور، أدام الله لك السرور

              تعليق

              يعمل...
              X