اسمي أحمد.
ولدت في بداية الألفية الثالثة..
عمري ما شعرت باهتمام بالأرقام. ماذا تعني الألفية الثالثة؟
ماذا يعني مرور السنين وتتاليها؟
ربما يعني هذا أن الأرض عجوز.. وأنني في ربيع العمر.
أنا في الحادية عشرة من عمري، وكنت أتساءل: ماذا يعنون بربيع العمر؟
في اليوم الرابع عشر من الشهر الأول من هذه السنة 2011 ولد ربيع الثورات العربية.
رأيت بابا يخرج إلى ساحة الدار. يرفع رأسه ويديه إلى السماء، ويدور ويدور.
كنت أراقبه أنا وأمي من النافذة.
سألتها وأنا أضحك: ماما، ماذا يفعل بابا؟ ما به؟
قالت لي وهي تمسد على شعري وتشدني إليها: إنه سعيد، سعيد.
نظرتْ إليّ وقالت: سعيد كيوم وُلِدْتَ.
خرجت إلى بابا، وصرت أدور معه، أشاركه سعادته.
حين توقف جاءني واحتضنني.
سألته:ماذا كنت تفعل يا بابا؟
قال لي: شم..
وامرني أن أسحب نفسا عميقا من الجو.
قال لي: تنشّق الأمل ملء روحك.
كان جدو رحمه الله يحلم بتحرير فلسطين.
سنة1967 كان مستعدا للمقاومة ككل الفدائيين.
طلب سيارة أجرة لتأخذ تاتا والصغار إلى عمان، ويبقى مع الرجال للقتال.
جاءه أحد الأصدقاء فجأة وقال: أهرب سريعا إلى عمان.. لقد سقطت البقية الباقية من فلسطين.
ذهب إلى الأردن حيث بدأت المقاومة شرقي النهر، وترك العائلة في رام الله.
حين مرالإسرائيليون يبحثون عن السلاح خافت تاتا، وسلمتهم البنادق التي كانت في البيت.
لم يغفر جدو لتاتا هذه الفعلة.. وظل لسنين يتحسر ويلومها أشد اللوم.
كان يهز رأسه ويقول بحسرة لبابا وأعمامي: ههْ.. لقد سلمت البنادق.. كلَّ البنادق!
في يومٍ فاض فيه الكيل، ولم تستطع فيه تاتا أن تتحمل، قالت له:
يا أخي خلصني! تظل تقول: "سلمت البواريد.. سلمت البواريد.. وكأنني سبب النكسة،وكأنها لم تكن مجرد بواريد صيد!!"
كان جدو كما الفدائيين جميعا ينتظر دفعة السلاح الموعودة من الدول العربية للمقاومة، تلك الأسلحة التي لم تصل يوما.
كان النصر وعداً من الله تعالى، لم يشك جدو في هذا يوما.. لكنه كان يرى بُعد الشقة مع ضربات الأعداء، وخيانة الأصدقاء.
كان جدو ينظر إلى أبي وأعمامي ويقول لهم وقد غمره الأسى:
الأمل فيكم يا أولاد..
ويكرر وهو يشد على أيديهم: الأمل فيكم.
كان بابا وأعمامي يشعرون بثقل الوصية وهم يحمّلونها وصية لأبنائهم..
:الأمل فيكم..
والوصية تنتقل من جيل إلى جيل..
والأمل يطير بعيدا بعيدا..في سماء الأيام..
لايكاد يُلمح!
ذات2011 م
ذات1432 هـ
وقف بابا يتنشق الأمل ملء روحه في ساحة الوطن.
مد يده في الجو يتلقفه.. ويشد قبضته عليه.
قلت له بسعادة: يا سلام! ولكن.. ماذا سنفعل بالأمل؟!
ضحك وقال: سنزرعه؟
قلت بتعجب: حقا؟!
قال لي: وسترويه كل يوم.
قال:سترويه ليصير واقعا جذوره في الأرض، وفروعه عالية مرفوعة إلى السماء.
ارتفعت ضحكتي وقد قبلت المهمة، ومددت كفي أصافحة دليل اتفاق.
قال: وسيقلمه حسن.. ويرشه إبراهيم بالمبيدات الحشرية.
قلت له: وماذا عن النباتات المتسلقة..
ضحك بابا وضحك وضحك وقال: كلكم ستهتمون بها، وتلقنونها ما تستحق.
--
اسمي أحمد
عمري ما شعرت باهتمام بالأرقام، لكن رقما ما لفت انتباهي كان تاريخ ربيع الثورات العربية.
في سنة واحدة هجرية ولدت أمة.
وفي:
2
3
4
بعدالألف..
بعثت من جديد.
4-10-2011
القصة هديتي لأحمد أيمن يحيى حمودة
في عيده الحادي عشر
تعليق