نهرٌمن لوعةٍ( النصّ الحائز على وسام الاحتراف الذهبيّ لأدب القصّة)وسام دبليز

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • إيمان الدرع
    نائب ملتقى القصة
    • 09-02-2010
    • 3576

    نهرٌمن لوعةٍ( النصّ الحائز على وسام الاحتراف الذهبيّ لأدب القصّة)وسام دبليز


    النصّ الحائز على وسام الاحتراف الذهبيّ لأدب القصّة
    نهر من لوعة
    للأديبة المبدعة: وسام دبليز


    صرخت أمي وكأنني سأقترف عملاً معيباً: طفل أنبوب ؟ ماذا حدث لك يا بنيتي,هل فقدتِ عقلك ؟استغفري الله , اصبري وتوكلي على اللهِ والأنبياءِ والأتقياء , قدمي الأضاحي وتضرعي للرحيم .


    آه يا أمي, أخطأتُ حين حملت أمومتي المبتورة إليك لعلََّ يدك تساعدني في الوصول إلى شواطئ الفرح وأن أحمل طفلي بين ذراعي .
    حاولتِ بكافةِ الأساليبِ إبعادي عن هذه الأفكارِ السّوداء, وأنت تُوقظين في روحي الخوفَ من غضبِ الله, فهذا عملٌ لا يرضيه , لم أستطع أن أقدمَ لكِ ما يُقنعك , كنتِ تتخيلين أطفالاً على شكلِ أنابيبٍ ناطقةٍ متحركةٍ يأتون من عالمٍ أخر , كنتِ تسألين بعفويّة: كيف سيكون شكلهم ؟ كيف سأحملهم؟ لا ..لابدّ أنك فقدت صوابك يا بنيّتي .
    هززتُ رأسي أمامك وأنا أغلق الباب الأول الذي توسمت على عتباته الخير, خرجتُ وجبلٌ من الحزن أقامَ في وجهي ,وعدت إلى البيت الذي ضاق بي بقضبانهِ وأخذ يبخلُ علي بهوائه ,من أين لنا بهذا المبلغ وراتبُ زوجي بالكاد يسدُّ نفقاتِنا اليوميّة؟
    تحت ثقل الديون جلسنا نبني غداً مشرقاً نحمل فيه طفلاً ينثر فوقنا الفرح حين يناغي لنا ,ومع إبر التحريض بدأنا نبني قصراً عالياً من الأمل نزرع حول حديقته الحبَّ وننصب لطفلنا الموعود أرجوحة من الياسمين, ونبني حوضاً من الفرح نغطسَ فيه حتى الغرق .
    كلماتُ الطبيبِ لم توقد شمعة الأمل فقط ,بل أشعلت مشاعل من حولي وشمساً أمامي ,حتى صرت أهذي بطفلٍ في أحلامي ,فأنام وأنا أغني له لاستيقظ على بكائه .
    عافتني المرآة وأنا أقفُ أمامها ببطني المنتفخ ,أستديرُ في كافةِ الجهاتِ لأرى جسدي الذي تغيرت تفاصيلُهُ الرقيقة بفعل هذا القادم الصغير, وعبثاً أبحث في فوضى ثيابي عن ثوب يناسبني، وأنا أحمل طفلي الممتلئ فلا أجدُ ما أدثر به جسدي بتضاريسه الجديدة , وألمسُ الوسادة الصغيرة التي اعتادت موقعها اليومي تحت ثيابي ،وأهمس له :متى ستخرج ؟ متى سيزرع وجهك حياتي ورداً وعنبراً ؟


    وعندما تمت زراعةُ ثلاث بويضاتٍ ملقحة في رحمي المتوقد تهتُ بين الوسادات الثلاث , وصار الشرشفُ الأبيضُ الوحيدَ القادرَ على تدثيري أنا وصغاري ..سيكونان ذكرين وبنتاً ..علي ،غدير،زينب,أو بنتين وذكر زينب ،ميس،غدير.
    المهم السلامة ..كنتُ أحلمُ بطفل ..طفلٍ واحدٍ فقط وهاهي ذي عدالةُ السماء تهبُني ثلاثةَ َأطفالٍ دُفعةً ًواحدة .
    خمسةَ َعشرَ يوماً وتظهر نتيجةُ زرع البيوض , لكن لا داعي للنتيجة , فأنا أشعر بهم في رحمي الذي يشع بعد ظلام دامس , ينمون ببطء وتمتد أصابعُهم البيضاءُ الصغيرةُ أو ربما السمراءُ إلى روحي , مكانُهم الآن جوارَ قلبي تماماً , يمدُهم بالحب والدفء ويظلُلهم بالحنان .
    بعيداً عن خوف أمي والناس رحت أخطو بحرصٍ على حافةِ الحذر وأبني أحلامي, قلقتُ على أطفالي من مجتمع يشير إلهم بأنهم من الأنابيب .
    فوضعت لاصقاً على فمي كي لا تجرفني مشاعري وأخبرَ أمي المسكينة التي لن تأتي يوم ولادتي لمساعدتي كما ساعدت أخواتي ,لأنها بتأكيد ستخاف على الأنابيبِ الصغيرةِ أن تنزلق من بين أصابِعها وتنكسرَ عند أول حمام لهم, وستخجل أمام الناس من هذا العمل المعيبِ الذي اقترفته ابنتها المثقفة.


    هو ثوب التوترِ أحاط بزوجي ,بينما كنتُ أحاول زرع الأمل ,فأنا أم وأنا أشعرُ بِهم، ثلاثة ُأطفال أنبضُ ِبهم .
    بمغلفٍ مطوي استلمنا نتيجةَ َالتحاليل من المخبر, وكفراشةٍ رفرفت إلى الطبيب , بينما تَبِعني زوجي متثاقلاًَ ورائي ،هو العد التنازلي ..يستقبلنا بحب ..أكادُ أقاطعُه بلا تكلَّف :هيا أفتح المغلف ...
    يضع نتيجة التحليل على الطاولة, تتعانق عيناي مع عيني زوجي للحظة, ثم تتشبث عيوننا بالمغلف وكأننا هران مستعدان للانقضاض على فأر صغير.
    يسأل الطبيب عن التعليماتِ والصحةِ والأخبارِ ومفاصلُ أصابعِ يدي تفرقعُ واحدة بعد الأخرى وقدماي تهتزان بشكل متواترٍ, بينما يطرق زوجي الطاولةَ َبأصابعه والعرقُ يتصبب من جبينه.
    أبتلعُ لعابي الجاف, وأشيرُ بيدي إلى المغلف مقاطعةً حديثَ الطبيب وكأنني أنهَرُه :كفى.. هيا افتحهُ .
    فََتح المغلف , فكاد قلبي يخلع عنه ثوب النبض، وتشبثت بكلمة تقف على لمى شفتيه ..ابتسم لي ..حبستُ ابتسامةً في داخلي , وبرقَ الأمل ..بينما غامت الدنيا في عيون زوجي أمام هذه الابتسامة .
    أسند الطبيبُ ظهره إلى الوراء وشبك أصابعه ببعضهما البعض: لا أدري ماذا سأقول ..البويضا كانت من الدرجة الأولى ....وظروف الزرع كانت ممتازة ،ولقد بذلنا الكثيرَ من الجُهد والعملِ المتقن و..
    قاطعته بحدة وماذا بعد : أريد نتيجةَ التحليل .
    كنت أدرك ما وراء الكلماتِ لكني أردت سماعها من فمه كي لا أسيئ الفهم .
    بنبرةِ صوتٍ ضعيفة : لا يوجد تعشيش للبيوض التي زرعناها...لم يحدث حمل. ..
    ابتسمت له:هل أنت متأكد من النتيجة ؟هل أعيد التحاليل ؟ربما هناك خطأ ما ,أنا أشعر ِِبهم .
    بهدوء همس : لا ينبض قلب الجنين إلا بعد الشهر الثالث .
    قاطعته :لكني أشعر بهم هم ثلاثة ..يوجد خطأ ما .
    كل كلمات المواساة التي سكبها فوق روحي لم أسمعها , تهتُ في عالم اللاوعي للحظات خرجت متثاقلة أجر جسدي مثل سُلَحْفاةٍ ورأسي فارغ مثل كرة ماء منفوخة ، فجرت قُنبلةَ حزني عندما وصلت إلى المنزل, وكأنني فقدت أطفالاً حملتهم تسعة وأرضعتهم عشرة وأحببتهم عُمراً.
    يا لي من حمقاء لقد أقنعت نفسي بما لم أحمل ,ووصل الجنون بي لأشعر بأجنة لم تسكن رحمي للحظة .
    الوساداتُ الثلاثُ ترامت أمامي كأجسادٍ صغيرةٍ فارقتها الروح, بعد أن ضجت شغباً وحباً في حياتي .
    ارتميتُ فوقها وقد أصابني الجنون وأنا أصرخ بهم معاتبةً لماذا تركتموني ؟
    سقطتْ روحي في بِئر الحُزن ووحدها كلمة ُماما كانت قادرة على الارتقاء بي .
    الأطفال يتراكضون في ساحة العمر, وأرمُقهم بحسرة, أزقزق معهم وهم يتنقلون بين أغصان الحياة , أتمنى أن أتحول إلى غجرية تخطف ذلك الطفلَ الأشقرَ من أرجوحة فرحه لأهربَ به إلى عالم أخر ،حتى أنني بتُ أخافُ عليهم من لحظة جنونٍ تعصفُ بي وتحولني إلى سارقة أطفال.
    سنون مرت وامتد الصقيع معها إلى فراشنا الزوجي, وأخذت أعاتُبه بعيني فيجيبني قلبُه :أنت السبب ..ما ذنبي حتى أُحرم من طفل يحمل اسمي ويسعد أمي .
    ويعاتبني بنظراته فتبكي روحي :أنتَ السبب ..ما ذنبي أن أعيشَ مبتورةَ الأمومة ,أن أحرم من كلمة ماما ألا يضيءَ رحمي لطفلٍ ولا يتدفقَ الحنانُ من نهدي لثغرٍ و لا تورقَ صحراء صدري لجسد ابني وهو بين يدي , لطفلٍ يحفرُ وجهه بعينين مغمضتين بين هضابي باحثاً عن ينبوع حبي المتوثبِ للعطاء،طفلٌ يدندن ٌعلى أوتار أُذني ,ويقلب حياتي رأسا على عقب فُيثير الفوضى في ترتيب منزلي.
    بعد سنين عاد ذلك الأملُ ليدغدغَ مشاعري ,أريد طفلاً لا بدَّ من نجاح عمليةِ الزرع هذه المرة...نعم طفل ..سأحاولُ مئاتِ المرات .
    وأمام رفضِ زوجي جلستُ راكعة أمام قدميه أطلب منه الرحمةَ َبقلبي والمحاولةَ َمرةً أخرى.
    وعدتُ إلى المركز وأنا أُعُد نفسي لطفل ولأملُ جديد , وعادت الوسادةُ لتستقرَ تحت ثيابِي وأنا ألتهمُ نفسي أمام المرآة بجسدي الجديد ،لعله حلمي الوحيد يمزق شرنقته ويرفرف إلى النور ،يستقر بحب بين ذراعي فأهديه من فيض أمومتي نهراً دائم التجدد في العطاء، يصب في بحره الصغير فيفيض عليه حتى الغرق.
    يقال الأمل يصنع المستحيل ،سأتمسك بك حتى تصبح حقيقتي الوحيد ،أليس كذلك يا صغيري ؟
    رنين الجرس يزف فرحتي بحمامك الأول ،تدخل أمي بخطواتها المترددة وهي ترشق وجهي بتلك النظرة الحزينة، أطلب منها نزع الثياب عن جسدك ريثما أجهز لك حمامك الصغير ،ومن بين تلك الردهة التي تصل الحمام عن غرفتك ،يأتيني صوتها المكتوم بنشيج حزين ،يخترق أذنيَّ كرصاصة ،أهرول إليها ،فأجدها أمام سريرك تحفر وجهها في الوسادة وقد تناثرت "ديارتك "على الأرض ثم تضمها بصرخة ألم إلى نار صدرها .

    تعيش وتسلم يا ااااااوطني ...يا حبّ فاق كلّ الحدود
  • فايزشناني
    عضو الملتقى
    • 29-09-2010
    • 4795

    #2
    لي صديق وزوجته مرا بنفس الحالة وعانا من ذات الحرمان
    وكما قالت الأخت وسام : لقد أقامت جبال الحزن في وجيههما
    وضاق البيت بقضبانه عليهما ، وماعاد الهواء يكفي لتنفسهما
    وبعد أن جربت زوجته الزرع أكثر من مرة وكل المحاولات باءت بالفشل
    قررا أن يتخطيا أمر الزرع برمته وقصدا الوزارة المختصة وقدما طلب التبني
    كانت الاجراءات دقيقة وحازمة ولكن الأمر تم أخيراً وحظيا بالموافقة
    وعندما ذهبا لاستلام الطفل ( كانا قد حددا أن يكون المتبني ذكر وليس أنثى )
    خفق قلب الزوجة بشدة وهي تنظر إلى مجموعة من الأطفال ( من عمر الشهر حتى السنة تقريباً )
    تداخلت مشاعرها ببعضها وهي تنظر إليهم والحيرة تكاد تأكلها : أيهم تختار
    لم تستطع أن تتابع المشهد فخرجت إلى غرفة الادارة وأجشهت بالبكاء
    لحقها زوجها بعد دقيقتين يحمل طفلاً رضيعاً بعمر الثلاث شهور
    عرفا وهما يوقعان الأوراق أنه من العراق أحضر مع مجموعة أطفال فقدوا أهلهم جميعاً
    بالأمس رأيت ربيع ( الأسمر ) وهو يلعب في باحة الدار ويركب أرجوحة من الياسمين
    وهكذا تجاوزا نهر اللوعة بسهولة
    تحية للأستاذة وسام على هذه القصة الجميلة ومبروك فوزها بالمركز الأول
    وتحية للاخت إيمان على جهدها الطيب
    التعديل الأخير تم بواسطة فايزشناني; الساعة 11-10-2011, 11:19.
    هيهات منا الهزيمة
    قررنا ألا نخاف
    تعيش وتسلم يا وطني​

    تعليق

    • ريما ريماوي
      عضو الملتقى
      • 07-05-2011
      • 8501

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة إيمان الدرع مشاهدة المشاركة
      النصّ الحائز على وسام الاحتراف الذهبيّ لأدب القصّة
      نهر من لوعة
      للأديبة المبدعة: وسام دبليز


      صرخت أمي وكأنني سأقترف عملاً معيباً: طفل أنبوب ؟ ماذا حدث لك يا بنيتي,هل فقدتِ عقلك ؟استغفري الله , اصبري وتوكلي على اللهِ والأنبياءِ والأتقياء , قدمي الأضاحي وتضرعي للرحيم .


      آه يا أمي, أخطأتُ حين حملت أمومتي المبتورة إليك لعلَّ يدك تساعدني في الوصول إلى شواطئ الفرح وأن أحمل طفلي بين ذراعي .
      حاولتِ بكافةِ الأساليبِ إبعادي عن هذه الأفكارِ السّوداء, وأنت تُوقظين في روحي الخوفَ من غضبِ الله, فهذا عملٌ لا يرضيه , لم أستطع أن أقدمَ لكِ ما يُقنعك , كنتِ تتخيلين أطفالاً على شكلِ أنابيبٍ ناطقةٍ متحركةٍ يأتون من عالمٍ أخر , كنتِ تسألين بعفويّة: كيف سيكون شكلهم ؟ كيف سأحملهم؟ لا ..لابدّ أنك فقدت صوابك يا بنيّتي .
      هززتُ رأسي أمامك وأنا أغلق الباب الأول الذي توسمت على عتباته الخير, خرجتُ وجبلٌ من الحزن أقامَ في وجهي ,وعدت إلى البيت الذي ضاق بي بقضبانهِ وأخذ يبخلُ علي بهوائه ,من أين لنا بهذا المبلغ وراتبُ زوجي بالكاد يسدُّ نفقاتِنا اليوميّة؟
      تحت ثقل الديون جلسنا نبني غداً مشرقاً نحمل فيه طفلاً ينثر فوقنا الفرح حين يناغي لنا ,ومع إبر التحريض بدأنا نبني قصراً عالياً من الأمل نزرع حول حديقته الحبَّ وننصب لطفلنا الموعود أرجوحة من الياسمين, ونبني حوضاً من الفرح نغطسَ فيه حتى الغرق .
      كلماتُ الطبيبِ لم توقد شمعة الأمل فقط ,بل أشعلت مشاعل من حولي وشمساً أمامي ,حتى صرت أهذي بطفلٍ في أحلامي ,فأنام وأنا أغني له لاستيقظ على بكائه .
      عافتني المرآة وأنا أقفُ أمامها ببطني المنتفخ ,أستديرُ في كافةِ الجهاتِ لأرى جسدي الذي تغيرت تفاصيلُهُ الرقيقة بفعل هذا القادم الصغير, وعبثاً أبحث في فوضى ثيابي عن ثوب يناسبني، وأنا أحمل طفلي الممتلئ فلا أجدُ ما أدثر به جسدي بتضاريسه الجديدة , وألمسُ الوسادة الصغيرة التي اعتادت موقعها اليومي تحت ثيابي ،وأهمس له :متى ستخرج ؟ متى سيزرع وجهك حياتي ورداً وعنبراً ؟



      وعندما تمت زراعةُ ثلاث بويضاتٍ ملقحة في رحمي المتوقد تهتُ بين الوسادات الثلاث , وصار الشرشفُ الأبيضُ الوحيدَ القادرَ على تدثيري أنا وصغاري ..سيكونان ذكرين وبنتاً ..علي ،غدير،زينب,أو بنتين وذكر زينب ،ميس،غدير.
      المهم السلامة ..كنتُ أحلمُ بطفل ..طفلٍ واحدٍ فقط وهاهي ذي عدالةُ السماء تهبُني ثلاثةَ َأطفالٍ دُفعةً ًواحدة .
      خمسةَ َعشرَ يوماً وتظهر نتيجةُ زرع البيوض , لكن لا داعي للنتيجة , فأنا أشعر بهم في رحمي الذي يشع بعد ظلام دامس , ينمون ببطء وتمتد أصابعُهم البيضاءُ الصغيرةُ أو ربما السمراءُ إلى روحي , مكانُهم الآن جوارَ قلبي تماماً , يمدُهم بالحب والدفء ويظلُلهم بالحنان .
      بعيداً عن خوف أمي والناس رحت أخطو بحرصٍ على حافةِ الحذر وأبني أحلامي, قلقتُ على أطفالي من مجتمع يشير إلهم بأنهم من الأنابيب .
      فوضعت لاصقاً على فمي كي لا تجرفني مشاعري وأخبرَ أمي المسكينة التي لن تأتي يوم ولادتي لمساعدتي كما ساعدت أخواتي ,لأنها بالتأكيد ستخاف على الأنابيبِ الصغيرةِ أن تنزلق من بين أصابِعها وتنكسرَ عند أول حمام لهم, وستخجل أمام الناس من هذا العمل المعيبِ الذي اقترفته ابنتها المثقفة.


      هو ثوب التوترِ أحاط بزوجي ,بينما كنتُ أحاول زرع الأمل ,فأنا أم وأنا أشعرُ بِهم، ثلاثة ُأطفال أنبضُ ِبهم .
      بمغلفٍ مطوي استلمنا نتيجةَ َالتحاليل من المخبر, وكفراشةٍ رفرفت إلى الطبيب , بينما تَبِعني زوجي متثاقلاَ ورائي ،هو العد التنازلي ..يستقبلنا بحب ..أكادُ أقاطعُه بلا تكلَّف :هيا افتح المغلف ...
      يضع نتيجة التحليل على الطاولة, تتعانق عيناي مع عيني زوجي للحظة, ثم تتشبث عيوننا بالمغلف وكأننا هران مستعدان للانقضاض على فأر صغير.
      يسأل الطبيب عن التعليماتِ والصحةِ والأخبارِ ومفاصلُ أصابعِ يدي تفرقعُ واحدة بعد الأخرى وقدماي تهتزان بشكل متواترٍ, بينما يطرق زوجي الطاولةَ َبأصابعه والعرقُ يتصبب من جبينه.
      أبتلعُ لعابي الجاف, وأشيرُ بيدي إلى المغلف مقاطعةً حديثَ الطبيب وكأنني أنهَرُه :كفى.. هيا افتحهُ .
      فَتح المغلف , فكاد قلبي يخلع عنه ثوب النبض، وتشبثت بكلمة تقف على لمى شفتيه ..ابتسم لي ..حبستُ ابتسامةً في داخلي , وبرقَ الأمل ..بينما غامت الدنيا في عيون زوجي أمام هذه الابتسامة .
      أسند الطبيبُ ظهره إلى الوراء وشبك أصابعه ببعضهما البعض: لا أدري ماذا سأقول ..البويضات كانت من الدرجة الأولى ....وظروف الزرع كانت ممتازة ،ولقد بذلنا الكثيرَ من الجُهد والعملِ المتقن و..
      قاطعته بحدة وماذا بعد : أريد نتيجةَ التحليل .
      كنت أدرك ما وراء الكلماتِ لكني أردت سماعها من فمه كي لا أسيئ الفهم .
      بنبرةِ صوتٍ ضعيفة : لا يوجد تعشيش للبيوض التي زرعناها...لم يحدث حمل. ..
      ابتسمت له:هل أنت متأكد من النتيجة ؟هل أعيد التحاليل ؟ربما هناك خطأ ما ,أنا أشعر ِبهم .
      بهدوء همس : لا ينبض قلب الجنين إلا بعد الشهر الثالث .
      قاطعته :لكني أشعر بهم هم ثلاثة ..يوجد خطأ ما .
      كل كلمات المواساة التي سكبها فوق روحي لم أسمعها , تهتُ في عالم اللاوعي للحظات خرجت متثاقلة أجر جسدي مثل سُلَحْفاةٍ ورأسي فارغ مثل كرة ماء منفوخة ، فجرت قُنبلةَ حزني عندما وصلت إلى المنزل, وكأنني فقدت أطفالاً حملتهم تسعة وأرضعتهم عشرة وأحببتهم عُمراً.
      يا لي من حمقاء لقد أقنعت نفسي بما لم أحمل ,ووصل الجنون بي لأشعر بأجنة لم تسكن رحمي للحظة .
      الوساداتُ الثلاثُ ترامت أمامي كأجسادٍ صغيرةٍ فارقتها الروح, بعد أن ضجت شغباً وحباً في حياتي .
      ارتميتُ فوقها وقد أصابني الجنون وأنا أصرخ بهم معاتبةً لماذا تركتموني ؟
      سقطتْ روحي في بِئر الحُزن ووحدها كلمة ُماما كانت قادرة على الارتقاء بي .
      الأطفال يتراكضون في ساحة العمر, وأرمُقهم بحسرة, أزقزق معهم وهم يتنقلون بين أغصان الحياة , أتمنى أن أتحول إلى غجرية تخطف ذلك الطفلَ الأشقرَ من أرجوحة فرحه لأهربَ به إلى عالم أخر ،حتى أنني بتُ أخافُ عليهم من لحظة جنونٍ تعصفُ بي وتحولني إلى سارقة أطفال.
      سنون مرت وامتد الصقيع معها إلى فراشنا الزوجي, وأخذت أعاتُبه بعيني فيجيبني قلبُه :أنت السبب ..ما ذنبي حتى أُحرم من طفل يحمل اسمي ويسعد أمي .
      ويعاتبني بنظراته فتبكي روحي :أنتَ السبب ..ما ذنبي أن أعيشَ مبتورةَ الأمومة ,أن أحرم من كلمة ماما ألا يضيءَ رحمي لطفلٍ ولا يتدفقَ الحنانُ من نهدي لثغرٍ و لا تورقَ صحراء صدري لجسد ابني وهو بين يدي , لطفلٍ يحفرُ وجهه بعينين مغمضتين بين هضابي باحثاً عن ينبوع حبي المتوثبِ للعطاء،طفلٌ يدندن ٌعلى أوتار أُذني ,ويقلب حياتي رأسا على عقب فُيثير الفوضى في ترتيب منزلي.
      بعد سنين عاد ذلك الأملُ ليدغدغَ مشاعري ,أريد طفلاً لا بدَّ من نجاح عمليةِ الزرع هذه المرة...نعم طفل ..سأحاولُ مئاتِ المرات .
      وأمام رفضِ زوجي جلستُ راكعة أمام قدميه أطلب منه الرحمةَ َبقلبي والمحاولةَ َمرةً أخرى.
      وعدتُ إلى المركز وأنا أُعُد نفسي لطفل ولأملُ جديد , وعادت الوسادةُ لتستقرَ تحت ثيابِي وأنا ألتهمُ نفسي أمام المرآة بجسدي الجديد ،لعله حلمي الوحيد يمزق شرنقته ويرفرف إلى النور ،يستقر بحب بين ذراعي فأهديه من فيض أمومتي نهراً دائم التجدد في العطاء، يصب في بحره الصغير فيفيض عليه حتى الغرق.
      يقال الأمل يصنع المستحيل ،سأتمسك بك حتى تصبح حقيقتي الوحيدة، أليس كذلك يا صغيري ؟
      رنين الجرس يزف فرحتي بحمامك الأول ،تدخل أمي بخطواتها المترددة وهي ترشق وجهي بتلك النظرة الحزينة، أطلب منها نزع الثياب عن جسدك ريثما أجهز لك حمامك الصغير ،ومن بين تلك الردهة التي تصل الحمام عن غرفتك ،يأتيني صوتها المكتوم بنشيج حزين ،يخترق أذنيَّ كرصاصة ،أهرول إليها ،فأجدها أمام سريرك تحفر وجهها في الوسادة وقد تناثرت "ديارتك "على الأرض ثم تضمها بصرخة ألم إلى نار صدرها .
      معاناة امرأة في سبيل الأمومة,

      وبالمقابل ياما رأينا أمهات ينهرن ويقتلن أولادهن بأيديهن,

      ومن يرضى بحكم الله وقضائه يعش سعيدا,

      مبروك الوسام الذهبي,

      مودتي وتقديري, تحياتي.

      أرجو ملاحظة علامات الترقيم تأتي ملاصقة لآخر الكلمة السابقة وليس اللاحقة.


      أنين ناي
      يبث الحنين لأصله
      غصن مورّق صغير.

      تعليق

      • شيماءعبدالله
        أديب وكاتب
        • 06-08-2010
        • 7583

        #4
        نص جميل بحق ومميز وصادق
        يستحق التميز وألف ألف مبرووووك
        سلم الساعد بما جاد ودام العطاء الراقي المورق
        مع باقة ورد وبحر ود ياغالية
        تحيتي



        تعليق

        • وسام دبليز
          همس الياسمين
          • 03-07-2010
          • 687

          #5
          هي أيضا موضوع لقصة جميلة
          ربما عشت كثيرا من معاناة هؤلاء الناس لأني كنت أعمل في هذا القسم "طفل الأنبوب"
          لكل منهم مأساة في سعيها وراء كلمة ماما
          كثيرا ما أخفيت دمعة عنهم وهم يستلمون نتيجة التحليل
          وتسلل هذا الخوف إلي من أن أعيش هذا الفقد والحرمان "لكن الحمد لله"
          الأستاذ فايز شكرا لمرورك الجميل

          تعليق

          • وسام دبليز
            همس الياسمين
            • 03-07-2010
            • 687

            #6

            الأستاذة شيماء شكرا لعذب مرورك الجميل
            باقة من ياسمين لروحك

            تعليق

            • وسام دبليز
              همس الياسمين
              • 03-07-2010
              • 687

              #7

              لا يشعر بالفقد والحرمان إلا المحروم
              وحدها المرأة العاقر تدرك تلك المرارة
              "وبالمقابل ياما رأينا أمهات ينهرن ويقتلن أولادهن بأيديهن,"يمكن لانو الولد أحيانا بيطلع الأهل عن طورهم بس بضل مشاعر الأمومة أقوى
              شكرا للملاحظة استاذة ريما

              تعليق

              • نورة الحوتي
                أديب وكاتب
                • 07-05-2011
                • 9

                #8
                حقا ، الأقصوصة رائعة وممتعة بكل المقاييس الأدبية ، في باب القص المعبر .

                وهي بذلك تستحق ، وعن جدارة مميزة ، وسام الاحتراف الذهبي ..

                فهنيئا للقاصة المبدعة المحترفة وسام دبليز بالجائزة . ومزيدا من العطاء الجميل مع

                دوام التألق الناجح ..
                التعديل الأخير تم بواسطة نورة الحوتي; الساعة 12-10-2011, 09:35.

                تعليق

                • عكاشة ابو حفصة
                  أديب وكاتب
                  • 19-11-2010
                  • 2174

                  #9
                  [frame="11 98"]

                  الأديبة المتألقة الاستاذة الفاضلة وسام دبليز, في البداية أبارك لك هذا التتويج .صدقا تستحقين أكثر منه . ربما أحسن ما قرأت هذه السنة .فالقصة الفائزة نابعة من الإحتكاك اليومي مع المحرومين من الأمومة بسبب العقم أوشئ آخر. أسأل عن معانات الأب المحروم من كلمة بابا بشكل متعمد .- أكرر للأهمية بشكل متعمد - هناك الصابر المحتسب , ماذا عن الأب المحروم من هذه الكلمة وقد رزق الله بفلذة الكبد ؟ .
                  آه لا أقدر أن أصف لكم الحرمان من كلمة بابا على قلب الأب رغم أن دفتر الحالة المدنية يحمل تسجيل طفلة به. مقارنة بحرمان من كلمة بابا عشت القصة وقارنت الحرمان مع بطلة القصة فالصبر والإحتساب هو البلسم. يقولون لي ستكبر وتأتي فأقول الى متى؟. وإذا مت قبل أن أعانقها وأشتم رائحتها . والدمع ينحث الخد ... ومع ذلك أرجع إلى قوله تعالى:* وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم .* وقوله أيضا.* لله ملك السماوات والأرض. يخلق ما يشاء. يهب لمن يشاء إناثا .ويهب لمن يشاْ الذكور.أو يزوجهم ذكرانا وإناثا . ويجعل ما يشاء عقيما.انه عليم قدير.- سورة الشورى.
                  شكرا لك على هذا الألق و التتويج والسلام عليك.

                  -*- عكاشة أبو حفصة.
                  [/frame]
                  [frame="1 98"]
                  *** حفصة الغالية أنت دائما في أعماق أعماق القلب, رغم الحرمان...فلا مكان للزيارة ما دمت متربعة على عرش القلب.
                  ***
                  [/frame]

                  تعليق

                  • منيره الفهري
                    مدير عام. رئيس ملتقى الترجمة
                    • 21-12-2010
                    • 9870

                    #10
                    الأستاذة القديرة الرائعة وسام دبليز

                    أهنئك على هذا الأسلوب الشيق الجميل

                    و هذا الصدق في التعبير

                    و لا غرابة أن تفوزي بالمرتبة الأولى

                    فمبروووووووووووووك ألف مبروك

                    لا أدري ربما أتيت متأخرة و لكني سعيدة جدا بهذا التتويج و قد استمتعت بهذه القصة الجميلة حد الوجع

                    شكرا لابداعك سيدتي

                    مزيدا من التألق و النجاح

                    تعليق

                    • ربيع عقب الباب
                      مستشار أدبي
                      طائر النورس
                      • 29-07-2008
                      • 25792

                      #11
                      يستحق الجائزة الأولى عن جدارة و استحقاق
                      حركة و ديناميكية عالية
                      إحساس قوي ومشع
                      لغة تتحس الجمال فيما تقول
                      قدرة و براعة على الصياغة

                      لن أزيد وسام الرائعة

                      كنت مبدعة " بحق "
                      sigpic

                      تعليق

                      • بسمة الصيادي
                        مشرفة ملتقى القصة
                        • 09-02-2010
                        • 3185

                        #12
                        لطالما أدهشتنا الأستاذة المبدعة وسام دبليز
                        بلغتها الرائعة وأسلوبها السلس
                        وقصصها ذات البنية القوية
                        إضافة إلى أنها تنتقي مواضيعها بعناية
                        وتعالجها بمشاعر عالية ووعي أكبر
                        إذ لا يغيب المجتمع وتأثيره على القضية
                        ولا تغفل كاتبنا عن وصف حالة الشخصيات بدقة كبيرة

                        ألف مبروك لك ولنا أستاذتي
                        طبعا تستحقين المركز الأول
                        محبتي
                        في انتظار ..هدية من السماء!!

                        تعليق

                        • سمية البوغافرية
                          أديب وكاتب
                          • 26-12-2007
                          • 652

                          #13
                          المشاركة الأصلية بواسطة إيمان الدرع مشاهدة المشاركة
                          النصّ الحائز على وسام الاحتراف الذهبيّ لأدب القصّة
                          نهر من لوعة
                          للأديبة المبدعة: وسام دبليز


                          صرخت أمي وكأنني سأقترف عملاً معيباً: طفل أنبوب ؟ ماذا حدث لك يا بنيتي,هل فقدتِ عقلك ؟استغفري الله , اصبري وتوكلي على اللهِ والأنبياءِ والأتقياء , قدمي الأضاحي وتضرعي للرحيم .


                          آه يا أمي, أخطأتُ حين حملت أمومتي المبتورة إليك لعلََّ يدك تساعدني في الوصول إلى شواطئ الفرح وأن أحمل طفلي بين ذراعي .
                          حاولتِ بكافةِ الأساليبِ إبعادي عن هذه الأفكارِ السّوداء, وأنت تُوقظين في روحي الخوفَ من غضبِ الله, فهذا عملٌ لا يرضيه , لم أستطع أن أقدمَ لكِ ما يُقنعك , كنتِ تتخيلين أطفالاً على شكلِ أنابيبٍ ناطقةٍ متحركةٍ يأتون من عالمٍ أخر , كنتِ تسألين بعفويّة: كيف سيكون شكلهم ؟ كيف سأحملهم؟ لا ..لابدّ أنك فقدت صوابك يا بنيّتي .
                          هززتُ رأسي أمامك وأنا أغلق الباب الأول الذي توسمت على عتباته الخير, خرجتُ وجبلٌ من الحزن أقامَ في وجهي ,وعدت إلى البيت الذي ضاق بي بقضبانهِ وأخذ يبخلُ علي بهوائه ,من أين لنا بهذا المبلغ وراتبُ زوجي بالكاد يسدُّ نفقاتِنا اليوميّة؟
                          تحت ثقل الديون جلسنا نبني غداً مشرقاً نحمل فيه طفلاً ينثر فوقنا الفرح حين يناغي لنا ,ومع إبر التحريض بدأنا نبني قصراً عالياً من الأمل نزرع حول حديقته الحبَّ وننصب لطفلنا الموعود أرجوحة من الياسمين, ونبني حوضاً من الفرح نغطسَ فيه حتى الغرق .
                          كلماتُ الطبيبِ لم توقد شمعة الأمل فقط ,بل أشعلت مشاعل من حولي وشمساً أمامي ,حتى صرت أهذي بطفلٍ في أحلامي ,فأنام وأنا أغني له لاستيقظ على بكائه .
                          عافتني المرآة وأنا أقفُ أمامها ببطني المنتفخ ,أستديرُ في كافةِ الجهاتِ لأرى جسدي الذي تغيرت تفاصيلُهُ الرقيقة بفعل هذا القادم الصغير, وعبثاً أبحث في فوضى ثيابي عن ثوب يناسبني، وأنا أحمل طفلي الممتلئ فلا أجدُ ما أدثر به جسدي بتضاريسه الجديدة , وألمسُ الوسادة الصغيرة التي اعتادت موقعها اليومي تحت ثيابي ،وأهمس له :متى ستخرج ؟ متى سيزرع وجهك حياتي ورداً وعنبراً ؟



                          وعندما تمت زراعةُ ثلاث بويضاتٍ ملقحة في رحمي المتوقد تهتُ بين الوسادات الثلاث , وصار الشرشفُ الأبيضُ الوحيدَ القادرَ على تدثيري أنا وصغاري ..سيكونان ذكرين وبنتاً ..علي ،غدير،زينب,أو بنتين وذكر زينب ،ميس،غدير.
                          المهم السلامة ..كنتُ أحلمُ بطفل ..طفلٍ واحدٍ فقط وهاهي ذي عدالةُ السماء تهبُني ثلاثةَ َأطفالٍ دُفعةً ًواحدة .
                          خمسةَ َعشرَ يوماً وتظهر نتيجةُ زرع البيوض , لكن لا داعي للنتيجة , فأنا أشعر بهم في رحمي الذي يشع بعد ظلام دامس , ينمون ببطء وتمتد أصابعُهم البيضاءُ الصغيرةُ أو ربما السمراءُ إلى روحي , مكانُهم الآن جوارَ قلبي تماماً , يمدُهم بالحب والدفء ويظلُلهم بالحنان .
                          بعيداً عن خوف أمي والناس رحت أخطو بحرصٍ على حافةِ الحذر وأبني أحلامي, قلقتُ على أطفالي من مجتمع يشير إلهم بأنهم من الأنابيب .
                          فوضعت لاصقاً على فمي كي لا تجرفني مشاعري وأخبرَ أمي المسكينة التي لن تأتي يوم ولادتي لمساعدتي كما ساعدت أخواتي ,لأنها بتأكيد ستخاف على الأنابيبِ الصغيرةِ أن تنزلق من بين أصابِعها وتنكسرَ عند أول حمام لهم, وستخجل أمام الناس من هذا العمل المعيبِ الذي اقترفته ابنتها المثقفة.


                          هو ثوب التوترِ أحاط بزوجي ,بينما كنتُ أحاول زرع الأمل ,فأنا أم وأنا أشعرُ بِهم، ثلاثة ُأطفال أنبضُ ِبهم .
                          بمغلفٍ مطوي استلمنا نتيجةَ َالتحاليل من المخبر, وكفراشةٍ رفرفت إلى الطبيب , بينما تَبِعني زوجي متثاقلاًَ ورائي ،هو العد التنازلي ..يستقبلنا بحب ..أكادُ أقاطعُه بلا تكلَّف :هيا أفتح المغلف ...
                          يضع نتيجة التحليل على الطاولة, تتعانق عيناي مع عيني زوجي للحظة, ثم تتشبث عيوننا بالمغلف وكأننا هران مستعدان للانقضاض على فأر صغير.
                          يسأل الطبيب عن التعليماتِ والصحةِ والأخبارِ ومفاصلُ أصابعِ يدي تفرقعُ واحدة بعد الأخرى وقدماي تهتزان بشكل متواترٍ, بينما يطرق زوجي الطاولةَ َبأصابعه والعرقُ يتصبب من جبينه.
                          أبتلعُ لعابي الجاف, وأشيرُ بيدي إلى المغلف مقاطعةً حديثَ الطبيب وكأنني أنهَرُه :كفى.. هيا افتحهُ .
                          فََتح المغلف , فكاد قلبي يخلع عنه ثوب النبض، وتشبثت بكلمة تقف على لمى شفتيه ..ابتسم لي ..حبستُ ابتسامةً في داخلي , وبرقَ الأمل ..بينما غامت الدنيا في عيون زوجي أمام هذه الابتسامة .
                          أسند الطبيبُ ظهره إلى الوراء وشبك أصابعه ببعضهما البعض: لا أدري ماذا سأقول ..البويضا كانت من الدرجة الأولى ....وظروف الزرع كانت ممتازة ،ولقد بذلنا الكثيرَ من الجُهد والعملِ المتقن و..
                          قاطعته بحدة وماذا بعد : أريد نتيجةَ التحليل .
                          كنت أدرك ما وراء الكلماتِ لكني أردت سماعها من فمه كي لا أسيئ الفهم .
                          بنبرةِ صوتٍ ضعيفة : لا يوجد تعشيش للبيوض التي زرعناها...لم يحدث حمل. ..
                          ابتسمت له:هل أنت متأكد من النتيجة ؟هل أعيد التحاليل ؟ربما هناك خطأ ما ,أنا أشعر ِِبهم .
                          بهدوء همس : لا ينبض قلب الجنين إلا بعد الشهر الثالث .
                          قاطعته :لكني أشعر بهم هم ثلاثة ..يوجد خطأ ما .
                          كل كلمات المواساة التي سكبها فوق روحي لم أسمعها , تهتُ في عالم اللاوعي للحظات خرجت متثاقلة أجر جسدي مثل سُلَحْفاةٍ ورأسي فارغ مثل كرة ماء منفوخة ، فجرت قُنبلةَ حزني عندما وصلت إلى المنزل, وكأنني فقدت أطفالاً حملتهم تسعة وأرضعتهم عشرة وأحببتهم عُمراً.
                          يا لي من حمقاء لقد أقنعت نفسي بما لم أحمل ,ووصل الجنون بي لأشعر بأجنة لم تسكن رحمي للحظة .
                          الوساداتُ الثلاثُ ترامت أمامي كأجسادٍ صغيرةٍ فارقتها الروح, بعد أن ضجت شغباً وحباً في حياتي .
                          ارتميتُ فوقها وقد أصابني الجنون وأنا أصرخ بهم معاتبةً لماذا تركتموني ؟
                          سقطتْ روحي في بِئر الحُزن ووحدها كلمة ُماما كانت قادرة على الارتقاء بي .
                          الأطفال يتراكضون في ساحة العمر, وأرمُقهم بحسرة, أزقزق معهم وهم يتنقلون بين أغصان الحياة , أتمنى أن أتحول إلى غجرية تخطف ذلك الطفلَ الأشقرَ من أرجوحة فرحه لأهربَ به إلى عالم أخر ،حتى أنني بتُ أخافُ عليهم من لحظة جنونٍ تعصفُ بي وتحولني إلى سارقة أطفال.
                          سنون مرت وامتد الصقيع معها إلى فراشنا الزوجي, وأخذت أعاتُبه بعيني فيجيبني قلبُه :أنت السبب ..ما ذنبي حتى أُحرم من طفل يحمل اسمي ويسعد أمي .
                          ويعاتبني بنظراته فتبكي روحي :أنتَ السبب ..ما ذنبي أن أعيشَ مبتورةَ الأمومة ,أن أحرم من كلمة ماما ألا يضيءَ رحمي لطفلٍ ولا يتدفقَ الحنانُ من نهدي لثغرٍ و لا تورقَ صحراء صدري لجسد ابني وهو بين يدي , لطفلٍ يحفرُ وجهه بعينين مغمضتين بين هضابي باحثاً عن ينبوع حبي المتوثبِ للعطاء،طفلٌ يدندن ٌعلى أوتار أُذني ,ويقلب حياتي رأسا على عقب فُيثير الفوضى في ترتيب منزلي.
                          بعد سنين عاد ذلك الأملُ ليدغدغَ مشاعري ,أريد طفلاً لا بدَّ من نجاح عمليةِ الزرع هذه المرة...نعم طفل ..سأحاولُ مئاتِ المرات .
                          وأمام رفضِ زوجي جلستُ راكعة أمام قدميه أطلب منه الرحمةَ َبقلبي والمحاولةَ َمرةً أخرى.
                          وعدتُ إلى المركز وأنا أُعُد نفسي لطفل ولأملُ جديد , وعادت الوسادةُ لتستقرَ تحت ثيابِي وأنا ألتهمُ نفسي أمام المرآة بجسدي الجديد ،لعله حلمي الوحيد يمزق شرنقته ويرفرف إلى النور ،يستقر بحب بين ذراعي فأهديه من فيض أمومتي نهراً دائم التجدد في العطاء، يصب في بحره الصغير فيفيض عليه حتى الغرق.
                          يقال الأمل يصنع المستحيل ،سأتمسك بك حتى تصبح حقيقتي الوحيد ،أليس كذلك يا صغيري ؟
                          رنين الجرس يزف فرحتي بحمامك الأول ،تدخل أمي بخطواتها المترددة وهي ترشق وجهي بتلك النظرة الحزينة، أطلب منها نزع الثياب عن جسدك ريثما أجهز لك حمامك الصغير ،ومن بين تلك الردهة التي تصل الحمام عن غرفتك ،يأتيني صوتها المكتوم بنشيج حزين ،يخترق أذنيَّ كرصاصة ،أهرول إليها ،فأجدها أمام سريرك تحفر وجهها في الوسادة وقد تناثرت "ديارتك "على الأرض ثم تضمها بصرخة ألم إلى نار صدرها .
                          أبدعت سيدتي وأتقنت
                          مبارك عليك المركز الأول المستحق بالفعل..
                          أتمنى أن أقرأ لك المزيد والمزيد
                          تقديري أستاذة وسام

                          تعليق

                          • وسام دبليز
                            همس الياسمين
                            • 03-07-2010
                            • 687

                            #14
                            بداية اعتذاري من الجميع لتأخري في الرد بسبب إنقطاع النت

                            تعليق

                            • وسام دبليز
                              همس الياسمين
                              • 03-07-2010
                              • 687

                              #15
                              الأستاذة منيرة الفهري تزداد فرحتي بكل مرور وتكبر كلما رماني أحدكم بزهرة من عطر

                              تعليق

                              يعمل...
                              X