ذهبيات أدبية ( 4 ) / الشعر

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد ثلجي
    أديب وكاتب
    • 01-04-2008
    • 1607

    #31
    السلام عليكم
    النص الأول : " أحببت فيك صراحة الصبار " للشاعر خالد شوملي


    بما أننا أمام منافسة لنيل لقب علينا أن نتحلى بالمصداقية والأمانة عند تناول المواضيع بغية تفنيدها نقدياً ولكي نتحلى بهذه الميزة يجب أن نخضع المواضيع للنقد بعيداً عن المجاملات والمزايدات .. ومن هنا سأعمل على تفنيد النص وتوضيح مكامن الجمال والإخفاق فيه ما أمكن .

    هذا النص الموسوم بــ " أحببت فيك صراحة الصبار " سنلاحظ أن العنوان مقتطع من أحد أبيات النص وهو البيت الأول . وهذه حقيقة مشكلة تواجه الكثير من الكتاب إذ أنهم لا يبذلون جهداً عندما يتعلق الأمر بعنوان النص ويعتبرونه خارج نطاق الأهمية .. مع أن الحداثة في الشعر تركز تركيزاً مهماً على طبيعة العناوين . ويمكن أن نشبه العنوان بشاخصة مرورية ترشد المارّة إلى الأماكن الصحيحة حيث يريدون الذهاب . من هنا كان لا بد من الاهتمام بالعنوان من قبل الشاعر مصاحباً ذلك الاهتمام بإحداث تغيرات ما عليه كــَ أن يكون مشفراً أو غارقاً في تجليه ورمزيته .

    أحْبَبْتُ فيكِ صَراحَةَ الصّبّارِ
    وَبَراءَةَ الصَحْراءِ وَالنُّوّارِ

    نلاحظ أن الشاعر في هذه البيت اعتمد كلياً على الانزياح في الشعر وعلى وجه الخصوص ما يسمى بالاستعارة التنافرية . صورة بلاغية تقوم على الجمع بين متنافرين لا علاقة جامعة بينهما لتحقيق غرض شعري ذا دلالة. لكني أرى أن الشاعر لم يوفق أبداً في الجمع بين المتنافرين .. فما علاقة الصبار بالصراحة!! وأظن الصبار يُعنى أكثر بالوحدة بالتحمّل بالقوّة والجلد . أمّا الصراحة فليس ثمّة معنى صريح أو خبيء في نهاية الأمر يعمل على التدليل بشكل ما على الصورة المجترحة من الجملة المركبة تنافرياً . وقس على ذلك براءة الصحراء .. فالصحراء ليست بريئة لأنها على الأغلب مكاناً موحشاً نظراً لطبيعتها المناخية وصعوبة الحركة والعيش فيها. ومن هنا أجد أن الشاعر لم يوفق أبداً في التعبير المجازي المستخلص من البيت الأول خاصة مع أهمية القول أن الشاعر لم يبذل أيضاً جهداً بالاستعانة بالدلالة الصحيحة لإبراز عامل الدهشة والقوّة بدلاً من الاعتماد الكلي على الارتجال لحظة الكتابة.


    حَتّى السّكوتُ على شِفاهِكِ حِكْمَةٌ
    فَالشَّمْسُ تُكْسَفُ في ذَرا الأقْمارِ

    يعني لا أجد أبداً علاقة بين السكوت والذي شبهه الشاعر بالحكمة وهذا جيد وجميل وما بين كسوف الشمس . فليس من واقعية في التخيّل والتشبيه . وليته أبقى كل بيت منفصل عن الآخر ولم يربطه كدلالة أو تشبيه . فالنهاية ضعيفة والفكرة بعيدة عن الواقع . مع أهمية أن التخيّل في الشعر يجب أن يقوم على احترام الواقع من خلال طبيعة الجمل المركبة وعلائقيتها مع بعضها لكي لا ندخل بما يسمى الهذر والكلام لمجرد الكلام. وحتى لو فرضناً جدلاً أن المعنى المراد قوله هو أن : السكوت على شفاه المحبوبة هو أشبه بحكمة، بدلالة الخشوع والعظمة . مستدعياً لنا صورة واضحة وهي ظاهرة كسوف الشمس . فليس من معنى جميل يستخلص من هذا الربط والاستدلال .. وحتى لو أجزنا ذلك من باب الشعرية . فأنا أرى أن لون الصورة جدّ غامق وثمة ضبابية وإبهام يحوزان المساحة الأكبر من هذا الربط .

    وَكَرامَةُ الثُوّارِ فيكِ تَشُدُّني
    نُبْلُ الْفِداءِ وَرَمْزُ كُلِّ فَخارِ

    لا يوجد شعر حقيقي يشدّ القارئ في هذا البيت غير كرامة النّوار هذا التعبير المجازي الجميل ولكن باقي البيت وما يليه أضعفه كثيراً وقلل من أهميته .

    الليْلُ زَيّنَ شَعْرَهُ بِنُجومِهِ
    وَأنا أُكَلّلَهُ شَذا أشْعاري


    في قَهْوةِ الْخَدّيْنِ سُكَّرُ فَضَّةٍ
    وَفَمُ الْقَصيدَةِ جَمْرَةٌ مِنْ نارِ



    وَالشِّعْرُ مِثْلُ الْغَيْمِ يَحْمِلُهُ الْهَوى
    حُرّاً يُحَلّقُ فَوْقَ كُلِّ جِدارِ

    لا أدري كيف تم ربط تحليق الغيم بعد حمله من قبل الهواء فوق الجدران .. ولماذا الجدران؟ هنا يدخل ما يسمى في النقد التكلف والصنعة غير المتقنة . فهما عنصران يحضران في الشعر الحديث ولكن بشروط أهمها أن تكون الصنعة على مستوى عالي بعيد عن الخضوع للقافية أو الوزن .. وإذا ما حصل ذلك فهذا سيضعف من بنية البيت وبالتالي من الصورة الكليّة الحاضرة.

    يَعْلو وَيَرْقُصُ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِنا
    مُسْتَهْزِئا بِالْقَيْدِ وَالْأسْوارِ

    هذا البيت يكمّل الذي سبقه في المعنى .. والمعنى جميل في نهايته مع أن كلمة جدار في البيت الذي يسبقه وكلمة أسوار تحمل نفس المعنى على الأغلب .. والتكرار هنا تكرار في المعنى وليش في اللفظ وهذا غير محبب في الشعر الحديث خاصة إن لم يكن ثمة مساحة في اتجاهٍ عمودي لترك الانطباعات والإحالات تأخذ مجراها على الذائقة .

    ذِكْراكِ لَمْلَمَتِ الْفُؤادَ فََقَشُّهُ
    هَشٌّ إذا لَمْ يَحْتَرِقْ بِشَرارِ



    فَاسْتَيْقِظي حُلُماً يُبَشّرُ بالنّدى
    بِرَبيعِ حُبٍّ مُزْهِرٍ مِعْطارِ



    رُشّي رَذاذَكِ فَوْقَ صَدْرِ حُقولِنا
    فالشَّوْقُ مِثْلُ الشَّوْكِ والْمِسْمارِ

    بيت جميل رغم بساطة النظم وعفويّة اللغة والمعنى .. فالشاعر أراد أن يقول بشكل صريح أن الحب يتخلله ألم وأحزان نتيجة الصد والبعد والفراق وما إلى ذلك .. المعنى دارج ولكن الصياغة جاءت بثوب جديد وجميل.

    لا تَطْرُقي الأبْوابَ في وَجْهِ الْفَتى
    ما كُنْتِ قَدْ غادَرْتِ قَلْبَ الدّارِ



    هَيّأْتُ روحي لِلشّتاءِ فَما أتى
    مَطَرٌ يَفيضُ هَوىً عَلى أشْجاري


    كَمْ تُهْتُ مُتَّهَماً بِحُبِّ سَحابةٍ
    بَخِلَتْ عَلى الْبَيْداءِ بِالْأمْطارِ


    وَلَمَحْتُ نَحْلَتَها تُغادِرُ رَوضَتي
    يا لَيْتَها حَطّتْ عَلى أزْهاري


    وَعَزَفْتُ ذِكْرى الْحُبِّ مِنْ وَجَعِ الصّدى
    كَمْ آلَمَتْ ألْحانُها أوْتاري


    هذي الْقَصيدةُ طائرٌ وَسَفينةٌ
    أنْتِ الْمَدى وَجَناحُهُ وَبِحاري

    بيت جميل جداً .. من جهة الاستعارة حيث وصف القصيدة على أنها طائر يحلق في المدى الذي أحاله على المحبوبة. وسفينة تشق عباب بحاره .. مع أنني أجد أن المفرد لا يتواءم مع الجمع أو يتماهى على أبعد تقدير .. فالمدى واحد والجناح واحد .. والبحار مجموع .. ولكن الشاعر اضطر لهذه التراتيبية خضوعاً للقافية.


    أبْحَرْتُ في لُغَةِ الْعُيونِ فَلَمْ أصِلْ
    في سِحْرِها لا يَنْتَهي إبْحاري


    ما أوْسَعَ الدُّنْيا بِمُقْلَةِ حالِم ٍ!
    هَلْ تَلْتَقي بِبِحارِها أنْهاري ؟


    وَكَمِ اقْتَرَبْتُ مِنَ الْقَصيدَةِ حائراً !
    ثُمَّ ابْتَعَدْتُ مُبَعْثَرَ الأَفْكارِ


    وَأَعَدْتُ تَرْتيبَ الْحُروفِ مُجَدّداً
    فَقَرَأْتُ ما بَيْنَ الرَّمادِ دَماري


    فَأَدَرْتُ نَرْدَ الشِّعْرِ أرْجو حَظَّهُ
    فَرَأَيْتُ بَدْراً ساحِراً بِمَداري


    وَتَأَرْجَحَتْ مُدُني عَلى أمْواجِها
    وَالْمَوْجُ عالٍ ساخِرُ الْأَطْوارِ

    تكرار رتيب في أحرف العطف وأفعال المضارع تتابعاً . وهذا يدل على ضعف في قاموس الكاتب وانحسارية لغته وعدم قدرته على جذب مفردات تغنيه عن عطف الجمل الشعرية على بعضها البعض لتحسين السردية في الفكرة العامة. والربط بين جزيئات الفكرة الواحدة. أو وحدة المعنى .


    وَتَغَوْرَقَتْ مُقَلي بِبَحْرِ دُموعِها
    قَلْبُ الطُّفولَةِ جاهِلُ الأخْطارِ


    إنّي غَرِقْتُ على مَشارِفِ حُبِّها
    وَتَحَطّمَتْ سُفُني مِنَ الْإعْصارِ


    إنْ مُتُّ حُبّاً فَالْحَياةُ جَميلةٌ
    يا إخْوتي لا تأْخُذوا بِالثّارِ


    " إنّي أُحبّكِ " لَمْ أقُلْها سابِقا
    لا لَنْ أبوحَ لِغَيْرِها أسْراري


    خَبّأْتُ أشْعاري وَكُلَّ مَشاعِري
    وَمُذَكّراتِ الْحُبِّ في آباري

    الأبيات الثلاثة منذ إن متّ أظنها تصلح لتكون مقالة عن الحب أكثر من كونها شعر .. فليس هنالك أي أهمية للمعنى ولا يوجد انزياح ولا تشبيه ولا جزالة ولا عنصر مفاجئة أو خروج عن نطاق اللغة العادية المستعملة من العامة والعاديين من الناس .. فأي واحد بإمكانه لو أتقن العروض أن يأتي بمثلها . إني أحبك لن ابوح باسراري لغيرك , إن مت لا تأخذوا بثاري من محبوبتي لأن الحياة جميلة بعد موتي !! , لم أفهم ما المقصود هنا!! خبأت أشعاري ومذكراات الحب في آباري !! وأين تكون هذه الآبار على الأغلب!! وحتى المجاز منه لا يصلح أن يكون كدلالة. فالآبار تنسجم مع الفيض والتجدد والظهور .. وهذا يخالف معنى البيت الذي وضّحته مفردة " خبأت " أي أرادها آسنة وغارقة في السكون.


    بَعْضُ الْكَلام ِ يُصانُ حَتّى يَهْتَدي
    ثَمَراً يَذوبُ على فَم ِ الْمُحْتارِ


    فَهَمَسْتُ ثُمَّ صَرَخْتُ ثُمَّ أعَدْتُها
    وَكَأَنّها تَحْلو مَعَ التِّكْرارِ

    بيتان جميلان جداً .. فيهما حكمة طفيفة وعذوبة تكمن للعشق العذري المصان من قبل العاشق والمعشوق.


    " إنّي أُحِبُّكِ " لَنْ أُقِرَّ لِغَيْرِها
    فَهِيَ اسْتَقَرّتْ في صَميم ِ قَراري


    قَدْ قُدَّ قَلْبي قَبْلَ أنْ دَقَّ الصّدى
    إنّي أُحِبّكِ أنْتِ .. أنْتِ خَياري

    في النهاية يمكن القول أن هذا النص على ما فيه من وضوح وضعف في الصنعة والتكريب فضلاً عن النهايات الكثيرة على ضمير المتكلم كــ قراري ـ خياري – آباري – دماري – إبحاري – أزهاري وغيرها من الكلمات . قد أضعف من القصيدة ككل وأدخلها في حيّز الشعرية الضيق جداً .. فاللغة بسيطة لأبعد حد والنظم اعتمد كلياً على الوضوح والخطابية دون التغلغل في متاهات اللغة الشعرية الحقة . تلك المجترحة من الخيال والمرتبطة بالذهن المشبع بالقراءات والمتابعات والتثقف ونبش التاريخ والماضي لإضفاء جوّ من الرمزية والاستدعاءات العميقة والتي تحثّ القارئ على التفكّر أمام النص والبحث أكثر عن مافيه من درر مخبأة في أعماقه التي لا بدّ أن تكون مكتنزة ومعبأة .
    التعديل الأخير تم بواسطة دينا نبيل; الساعة 23-10-2011, 00:20.
    ***
    إنه الغيبُ يا ضيّق الصدرِِ
    يا أيها الراسخ اليومَ في الوهمِ والجهلِ
    كم يلزمُ الأمرَ حتى يعلّمك الطينُ أنك منهُ
    أتيت وحيدًا , هبطت غريبًا
    وأنت كذلك أثقلت كاهلك الغضّ بالأمنياتِ
    قتلت أخاك وأسلمته للغرابِ
    يساوى قتيلاً بقابرهِ

    تعليق

    • منتظر السوادي
      تلميذ
      • 23-12-2010
      • 732

      #32
      في البدء أتقدم بالشكر الجزيل للأستاذ جمال هنداوي لانه سمح لنا بالتعليق على نصوصه ، وبعده اشكر اللجنة القائمة على المسابقة وادارتها لإتاحة الفرصة لنا بالحديث عن بعض النصوص .
      اتقدم بالاعتذار ان اخطأت فهم النص أو أسئت القراءة لهذا النص ، واتمنى ان تتقبلوا كلماتي برحابة صدر وانا واثق بكم أحبتي ...
      لكم مودتي التلميذ

      قراءة في نص الشاعر " جمال محمود هنداوي " هذيان "
      العنوان "الهذيان" ذي مدلول واحد تقريباً هو كل كلام فارغ لا معنى له ، ويصدر عن غير وعي ، اضف انه ربما يناقض نفسه ، وبالطبع هو كلام غير منطقي .
      أما أسبابه فهي كثيرة منها الحمى وعندها يعاني الشخص مشكلة الهذيان مع الوجع . والجنون وعندها لا يعاني من شيء لأنه مجنون لا عقل له لكنه ذو منظر مأساوي تشمئز منه النفوس ، والسكر وعندها يبذل الشخص أمواله على شيء فيه مذلته وأهانته لأَنه يفقد عقله وقدرته على تصرفاته ، والغضب يحمل دلالة سيئة ايضا .
      من هذه مجتمعة نعرف ان العنوان يشير الى فقدان الوعي والسيطرة على ابسط شيء وهو القول ، فالقول يصدر عن غير وعي ، او من غير قدرة وسيطرة عليه ، فما بال الفعل !
      بِضَغْطَةٍ واحدة أخْرَجْتُك
      من القبر من البرزخ من بطن صهريج
      سيد جلجامش
      يستدعي بطل النص مرويا له من بطون التاريخ ، جلجامش وهي شخصية معروفة والملحمة معروفة ، يبدو للقارئ انه استحضر هذه الشخصية لانها تلائم الغرض الرئيس في النص ، ثانيا انها من اعماق التاريخ العراقي ، وهي تحمل سمات معجزة من القوة والحكمة والمودة والتضحية من اجل الاخاء .
      ان البطل يهذي مع نفسه ، يرى انه عمل المستحيل فمن وراء حجب الموت والفناء وبكلمة واحدة احضر هذا المروي له ، ثم بدأ يسرد له الوقائع .
      كي أُقَدّم لك كوباً من الشَّاي الساخن
      الذي أُحْضِرَبعناءٍ شديدٍ من الهند
      ويقالُ لهُ خطئاً عربياً
      هذه مقدمة سردية ، للنظرة الاولى يرى القارئ انها خالية من الشعرية ، كلام عادي ، لكن بعد التأمل يلاحظ انه من السهل الممتنع ويحمل دلالات جميلة ، انه يصور حال العربي الذي يلبس ثياب غيره ، ويتشح باسماء ليست له ، وهو غير قادر على ابسط الاشياء ، بل حتى كوب الشاي لا يقدر على احضاره الا بعد عناء " شديد " كم هم فقراء ، رغم هذا يدعونه لانفسهم ، يلاحظ في المقطع حذف الذي اضفى على المقطع تكثيف بليغ ؛ يقال : كي تنجح عليك الجد . كي أقدم كوبا من الشاي ، ماذا علي ؟ لم يجب بطل النص وترك القارئ يستنبط ذلك ، يخبر جلجامش بان هذا الشيء البسيط علينا بذل كل الجهود والعناء من اجل ان نقدمه لك ، اذن المفارقة التي تحمل السخرية " هو الغرض الرئيس من النص " فالراوي بكلمة واحدة يخرج الميت من القبر من عالم غير عالمنا ويعجز عن فعل ابسط الاشياء الا بعناء شاق ، ومن ثمة تتضح الرؤية فهو في القول يفعل المستحيل ، وبالحقيقة حتى ما يشربه مستورد .
      العربي تجدهُ على الجدران فقطْ
      ماذا نجد على الجدران ؟ اللوحات التي تتسم بجمال اللون فارغة المحتوى ، أي لا حياة فيها ، تماثيل ، يبدو انه يريد الصلب ، فالعربي تجده مصلوبا على الجدران ربما هو لا يجيد سوى بناء جدران سلطانه من جماجم أُخوته وجلودهم ، فتجدهم على الجدران ، او تجده كالجدار ساكن لا حراك له ، فهو يترك الشيء الحقيقي ذا المسؤولية ويلجأ الى ظلال الجدران ليحتمي بها ويدندن هاذياً تحتها ، ياله من عجز ! ان يلوذ الانسان بالجدران .
      لقد كُنْتَ منشغلاً حينَ مُنِعَ النّحتُ
      والشّعرُ والغناءُ وحتى النّشْوة الجنسية
      كنت منشغلا في ماذا ؟ لم يخبرنا الراوي ، بل ترك ذلك ربما لجهله ايضا بما كان يشغل المروي له ، والانشغال لا يؤثر على السرد ومجراه ، فقط اشارة الى انه كان منشغلا وبعيدا عما يحصل للراوي ، وربما يعاتبه بعدم القدوم لنجدته ، وهذا المنع أوقف الحياة كلها من شعر الذي يدل على الرخاء ومن نحت الذي يدل على العمران والعمل ، من نشوة تدل على التكاثر .
      الأمرُ الوحيدُ الذي كانَ يُسْمَحُ به
      هو سَنّ الحواف
      كلما كانت حادة أكثر
      كلما زادت حصتنا من الماء والهواء
      اشارة بليغة الى القتل وصلب الاخرين ، التي انماز بها العرب عن سواهم من بني البشر ، ومع زيادة القتل وسفك ، لانه كلما ازداد السيف في الحدّ ازداد في القتل ، كانت فرصته للبقاء في السلطة والتسلط اكبر وكذا فرصة الاخرين على العيش فهناك جوائز على هذا العمل .
      " الماء والهواء " اشارة للسيطرة التامة من الجهات العليا جعلت لكلِّ شخص قدرا من الماء والهواء ونحن نعرف ان الماء والهواء لا سلطة لأحد عليهما ، او أشار لهما من اجل الحياة لأنهما رمز الحياة . فكلما قتلت اكثر كلما كانت فرصتك للحياة اكبر .
      أعرف بأنك قد سئمت الإنتظار هناك
      ولكن على الأقل لم تكن مثلنا
      بحاجة للدم ولا للكلمات كي تُطعمَ صغارَك
      الدم يرمز الى قتل الاخرين وسفك دمائهم ، والى التضحية بالدماء من اجل الحصول على لقمة العيش ، اما الكلمات فهي رمز الى الكدية والتسول وسؤال الناس او الى مدح الظالمين وكلاهما فيه امتهان وذلة ، ولا ألم اشد من الالم النفسي ، الراوي يعاني من الم نفسي في كلتا الحالتين .
      والآن تأمرني أن أجمع تسعة وتسعين حجراً
      كي أرجم النوافذ
      تتغير صيغة السرد من الاسترجاع الى الحاضر " الآن " والحاضر مختلف تماما عن الماضي المعتم السوداوي ، بدلالة النوافذ ، تشير النوافذ الى التغيير والى دخول الضوء والى الانفتاح على العالم الخارجي والتخلص من التقوقع ، السخرية واضحة الان ، من خلال المفارقة الكبيرة بين الراوي والمروي له .
      أنت لا تعلم بأني رضعت بعد رحيلك
      أثداء كل النساء
      يشير الى انه لم يبقَ يميز بين الخبيث والطيب بين الحلال والحرام بل كل شيء مباح من اجل البقاء على الحياة ، وهنا إشارة ايضا الى عدم الارتواء ، يعود الراوي الى الاسترجاع ليبرر عدم الانصياع الى امر المروي له .
      وشربت نسغ الأشجار
      ولم أترك صخرةً واحدةً ترقدُ ساكنة
      إلا بعد أن وهبتني صمتها
      " لم أترك حجرة " ترمز الى العمل في الارض او النظر الى الارض منكسر القامة ، ذليل النفس ، ربما اخذ الحجارة ورمى بها الطغاة ولم يتركها في صمتها ، ويبدو هناك معنى ربما يقصده الراوي انه كان مغيب تحت الارض في سجون معتمة وهو هناك يعمل من اجل التحرر والتخلص ، وايضا هناك اخوة له في الخارج يعملون في صمت كالحجر بعيدين الرقابة حتى يزيلوا الظلم والجلد ، " وهبتني صمتها " يبدو انه اراد التحول الى شيء صامت كالجدار أي حجرة ضمن الجدار .
      ألا ترى كم أنا شامخٌ الآن
      يتخلص الراوي من الاسترجاع ويتكلم عن الحاضر ، ومدى شموخه وعزته ، ثم يبين هذه العزة بالقدرة والسيطرة حتى على السموات ، السماء هنا تشير الى تغير حاله بعدما كان عاجز عن النظر الى الأعلى وكان صامتا كالحجر ويعمل في الأرض وتحتها الان تحول كليا عن الماضي وصار بمقدوره ان يتحكم في السماء .
      للحد الذي أستطيع به
      إحضار السموات جميعها إلى مخدعي
      ومضاجعتهن الواحدة تلوى الأخرى
      حتى تتهاوى كل النجوم في عيوني ولا تخرج منها أبداً...
      هاأنذا ألاحظ الآن توقف البخار عن التعالي من كفيك
      فعليك أن تتهيأ للدخول إلى ذاكرتي بإنتظار القرار الأخير
      سوف أصنع لك
      من كتب التاريخ ناراً عظيمة اللهب بِضَغْطةٍ وااااحدة
      سأرمي مجلدات التاريخ في النيران لتهب لنا لهبا عظيما وكله بضغطة واحدة فقط ، أي بشرارة واحدة بقرار واحد ، في النهاية لا اعرف انا سوى ان اصنع لهباً عظيمة النار تلهم كل شيء .
      في الختام يبدو ان النص أقرب الى القصة منه الى الشعر ، فهو قصة متكاملة من الراوي والمروي له والمروي ، واستخدم اسلوب الاسترجاع بإتقان ، في النص بعض الإطناب فهو بحاجة الى التكثيف والإيحاء أكثر لان الشعر لغة موحية ، أضف هناك عبارة جاءت توافق القص ولا توافق الشعر كما يبدو وهي التعليل ، ومنها استخدام " أنت لا تعلم بأني " وكذلك " استخدام لفظة الآن مرات عدة ، في رأيي المتواضع انها قصة بلغة شعرية .
      همسات لك أستاذي ؛ يا حبذا لو راجعت النص قبل نشره .
      التعديل الأخير تم بواسطة منتظر السوادي; الساعة 23-10-2011, 18:07.
      الدمع أصدق أنباء من الضحك

      تعليق

      • محمد ثلجي
        أديب وكاتب
        • 01-04-2008
        • 1607

        #33
        القراءة النقدية الثانية لقصيدة " عيون المها " للشاعر ثروت سليم .

        الشاعر كأي مخلوق آخر ، له مشاعره وحواسه وأفكاره . أما خصوصيته فتكمن بقدرته على البوح بما تسرّ به دواخله أو تعلنه ، هذا البوح يدخلنا في جوّ شاعريّ وحسب ، ريثما تتدخّل الجعبة الملأى بالثقافة والفكر والتأمل .. ناهيك عن التخيّل والإغراق .. ليولد أخيراً الشعر بلغته الخاصة وانسجامه الكليّ مع السحر والانفراد باللغة ، المعنى والأسلوب. القصيدة التي أمامنا للشاعر ثروت سليم .. شاعر جميل له باع طويل في الشعر . قادر ومنكفئ على استخلاص الصورة وتطويع الفكرة داخل حيّز البيت الشعري الواحد ، يعتمد على الطبيعة والمحسوس في ريّه للمفردة قبل أن يغرسها في رحاب اللغة الفصيحة ويجمّلها بصورٍ مبهرة ، مضامين ملفتة وعبارات مركبة على طبق من خيال.

        القصيدة معنونة بعيون المها .. عبارة مشتقّة من مطلع البيت الأول .. حيث أرادها إذ ذاك واضحة وموجّهة ، على الرغم من أهمية الالتفاف على طبيعة الأشياء والتمويه المبسط لمزيد من الإقناع ولفت الانتباه خاصة في الشعر .

        في العنوان ثمة تلميح اعتمد كليّا على الترميز أو الاستعارة المكنية في عبارة عيون المها .. والمعنى المستخلص أن عيون محبوبته تشبه عيون المها ، وهذا غزل حسي دارج في قصائد كثيرة خاصة العمودية منها.

        عيونُ المَهَا.. ألقتْ عليَّ سلامَهَا
        فهيَّجَتِ الأشواقَ والقلبُ رامَها


        دخول خفيف لجوّ النص دون إمعان في المعنى وتشريق و تغريب . واضحة تماماً الفكرة ويمكن للقارئ العادي فهمها كما هي لو استثنينا الاستعارة المكنية بعبارة عيون المها .. وهذا حقيقة يبتعد مضموناً عن الشعر الحداثيّ مع بعض الاستثناءات كشعر المقاومة والغزل الحسي .. فهما يحتاجان أكثر للتصريح من حاجتيهما للتلميح وبالتالي الإيغال واصطياد الصور والابتكارات البديعة المبهمة نسبيّاً.

        وأخبَرَني الفنجانُ.. طعمَ شِفَاهِها
        فهَاجَ عبيرُ الفُلِ يَروي ابتسامَها


        بيت جميل جداً .. ودخول ما يسمى في النقد بالانزياح الإضافي وهو حصول اللامنتظر من خلال المنتظر . دلّ على ذلك عبارة أخبرني الفنجان .. حيث زاوج الشاعر بين عملية الإخبار بمعنى اللغه وبين الجامد وهو الفنجان مه أهمية القول أن هذا الزواج رغم كونه غير شرعي بيد أنه يتفق مع الخيال . أو جملة تخيّلية تحترم الواقع وتخضعه كمعنى دارج جاهز ومتعارف عليه . لأن الفنجان أو ما يتبقى فيه من البن أداة لقراءة الأخبار ومعرفة المبهم والمغيّب على الرغم من أنه مرفوض عقائدياً وماديّا . لكنّ ثمّة من يؤمن به ويعتقده من باب الاستسلام والضياع . مكمن الجمال في هذه المركبة هو ما جاء لاحقاً ،، لأن الشاعر أتبع هذه التخيّل الواقعي بما يعتقد به لزاماً كمذاق حسّيّ للشفاه .. مع تأكيدي على ضعف العجز استكمالاً للمبنى وليس المعنى ، لأن المعنى اكتمل كلياً في الشطر الأول ، أما الآخر فقد ألزمته به القافية.

        تُنادي بلا صوتٍ وفي العَينِ عَبْرَةٌ
        وقد سَمِعَ القلبُ الحنونُ كلامَها


        سأتوقف عند البيت الرائع .. أغراق في المعنى على الرغم من أن اللغة جاءت سهلة طيّعة لكنها تنمّ عن إبداع وتخيّل لا يجترحه غير فنان متمكن جداً من نفسه وأدواته. كيف تنادي بلا صوت ، هذا الابتكار الشجيّ المبهم أغدق المعنى والمبنى بانسيابية ورقّة لا مثيل لهما . فضلاً عن عامل الدهشة الذي حققه الانزياح الدلالي أو انزياح النعوت في عبارة " تنادي بلا صوت " و " وقد سمع القلب ".

        أنا الظامِئُ المشتاقُ وَصلاً لقربها
        سأروي مِن الشَّوقِ البعيدِ صيامَها

        جميل جداً هذا البيت رغم بساطته وخلوّه من الانزياح . فالشاعر لم يترك مكاناً يخلو من البهجة الشعرية .. عندما أوثق البيت بوثاق مكين بمفارقة الظمأ والصيام ..

        وأعبرُ ما بين الخدودِ وقد بدا
        عبيرٌ مِن الجوريِ يمشي أمامَهَا


        بيت رائع بكل مافي الكلمة من معنى .. الحقيقة هذا البيت يمكن أن يكون مثالاً حيّا على الخطفة الشعرية التي تنبس عن نفسها بنفسها ، دون إلحاح وحاجة للتفكّر فيها عن كثب .. وهنا تكمن الروعة للمتلقي ليتلقاها بفرحة تغمر روحه وابتسامة تعلو شفتيه. فالشاعر جعل بشكل ما ما بين خدي محبوبته مسافة عظيمه أوحت له لاحقاً بأنه يعبر هذه المسافة كأي مسافة طبيعيّة تحتاج لعامل الوقت .. واستدعاء عامل الزمن في أيّ فكرة كانت ، ستخضعها للأهمية والتفكّر . أعتقد أن كلمة " أمامها " لم تكن على مستوى الشعريّة التي كان من الممكن التسليم بها مع أهمية القول أنها غير بعيدة عن اكتمال المعنى أبداً.

        أبوهَا مِن النَبْعِ الأصيلِ وقد نَوَى
        فَصلَّىَ استخَارَ اللهَ.. فاختارَ أُمَّهَا


        تكلف وصنعة بادية في البيت .. هذه الصنعة لم تكن من الأهمية في شيء .. وحبذا لو كانت على مستوى عال وأكثر دهشة.

        تَمَهْمَهتُ في العينين في كلِ غُدْوَةٍ
        وغنَّيتُ لحنَ الشَّوقِ أرجو اهتمامَها

        مفردة "تمهمهت" .. ثقيلة جداً ولم أجد فيها ما يميّزها أو يجعلها تتصدر البيت الشعري .. وحتى لو فرضناً جدلاً المحاولة الجميلة التي أرادها الشاعر بالتغلغل في المستوى الأفقي لدرجات السلم الصوتي الذي يحدثه حرف الهاء، للالتحام لاحقاً بالمبنى الكلي والذي أشبعته مفردات مثل " المها " وهي ثابتة في المطلع والعنوان وما بين الرويّ الذي اختاره الشاعر أخيراً للقصيدة.

        عُيونُ المَها سِحرٌ وشِّعرٌ و رِقَّةٌ
        وكلُ صفاتِ الحُسنِ كانتْ خِتامَها

        تَبارَكَ صُنعُ اللهِ في وَجهِ مَن لهَا
        عبيرٌ ..إذا حَفَّ النسيمُ قَوامَها

        فليتَ المَهَا كانَتْ..وكنتُ لها المَهَا
        وليتَ المَها تُهدي إليَّ وسَامَها

        أنا الشَاعرُ المفتونُ عِشقَاً وقِصَّتي
        عُيونُ المَهَا.. ألقتْ عليَّ سلامَهَا

        نلاحظ تكرار مفردة المها في الأبيات السابقة مع تنويع في المعنى بنسبة قليلة جداً في البيت الثاني والعودة لاحقاً بحجة الطابع الصوتي الذي يحدثه حرف الهاء على وجه التحديد زيادة في الإيقاع الخارجي فضلاً عن التموسق الحسي واللفظي في المفردات مجتمعة. النهاية لم تكون من النضارة والجديّة في شيء مع اتساع رقعة الغزل الحسّي والبعيد عن التركيب والانزياح الشعري.

        في النهاية .. القصيدة جميلة ومميزة في معظمها وأحدثت على فترات متتابعة هذه الجلبة المطلوبة لإنجاح أي عمل يخضع للشعر الحقيقي .. تنوّعت الأبيات بين التخيّل والإغراق والابتداع الشعري والانزياح بأشكاله وما بين الصنعة والتكلّف والبساطة والغزل الحسّي الجاهز في مدلولاته ومعانيه. مع تقديري واحترامي للشاعر القدير ثروت سليم.
        ***
        إنه الغيبُ يا ضيّق الصدرِِ
        يا أيها الراسخ اليومَ في الوهمِ والجهلِ
        كم يلزمُ الأمرَ حتى يعلّمك الطينُ أنك منهُ
        أتيت وحيدًا , هبطت غريبًا
        وأنت كذلك أثقلت كاهلك الغضّ بالأمنياتِ
        قتلت أخاك وأسلمته للغرابِ
        يساوى قتيلاً بقابرهِ

        تعليق

        • منتظر السوادي
          تلميذ
          • 23-12-2010
          • 732

          #34
          في البدء اتقدم بالشكر الكبير لأستاذي (عبد اللطيف غسري ) وأساتذتي في المغرب العربي
          كما اشكر أحبتي وأساتذتي القائمين على الذهبيات
          مسابقة الإخاء البريئة
          لاسيما أستاذيّ
          سلام كردي
          دينا نبيل
          أتمنى ان أكون وفقت في قراءتي وأرجو السماح من صاحب النص والنقاد على هفواتي فما أنا سوى تلميذ
          قراءة في نص
          الجرس الخفي
          العنوان يحمل تناقضاً ظاهراً ، وإِنَّ هذا التناقض يؤجج الفجوة لدى المتلقي ، فيعْمل فكره وخياله باحثاً عن كيفية التوافق بينهما ، لِأنَّ المتلقي يعلم أَنَّ الجرس يهزّ الجدران لا الآذان ، لكنّه في هذا النصّ خفيّ لا يسمعه الآخرون ، فهو جرس من غير صوت ، على الرغم من عمق رناته الاهتزازية لكنه يعمل بخفاء وصمت ، يبدو أنَّ العنوان موفق إلى حدٍّ بعيد حتى مع النغمة الموسيقية في القصيدة وسيطرة حرف السين الصفيري المهموس ، الذي يلاءم خفاء الجرس فكأن الجرس يهمس همساً ، أضف أنَّ العنوان يوافق المضمون بصورة تامة ، رغم هذا الا ان للقارئ وجهة نظر حول العنوان ، باعتبار العنوان هو العتبة الأولى التي منها نلجّ إلى عالم الشعر أو القصيدة فينبغي أن يحمل عنصرَ تشويقٍ يشدّ انتباه القارئ ويجعله مأسوراً حتَّى نهاية النص ، ومن ثمَّ لو كان العنوان " جرس خفي " لكان أكثر تشويقاً للقارئ لأنه نكرة فيبحث القارئ عن معنى هذا الجرس ومدلولاته في النص ، وعندها يكسب المؤلف أول جولة له من الحرب ، على اعتبار القراءة حرب ، ساحتها النص ، وطرفيها القارئ والمؤلف .
          مدلول النص أو الفكرة التي يريدها النص هي الحديث مع الذات وحديث النفس معه ، واتسمت النفس بالإيمان أو كان الطابع صوفي في اغلبه ، يلاحظ القارئ ألفاظا صوفية ؛ ( الخفي ، وميض ، السبيل ، الذات ، النفس ، المشوق ، الروح ، أسرجت ، التفكير ، التأمل ) هذه الألفاظ كست النص حلية أو لنقل نغمة عرفانية صوفية ، ومن ثم فالنص عميق الدلالة صعب المراس .
          بؤرة النص هي حديث الذات ، وظهر ذلك جلياً في قول الشاعر : ( كنايات الأنا ، الجرس المخبوء في موطن الروح ، يهزني كلما أغفيت ) فالجرس هو حديث من أعماق الروح يهزُّ الكيان هزّاً ، ويرن كلما غفل البطل عن هدفه ، يعلو منه عتاب وتأبين إن أغمض عينه ، أو وضع آماله في غير موضعها ، فقال :( أسرجت قافيتي إلى المنى ) ، ويبدو أنَّ هدفه العودة تائباً إلى الله ، بدلالة الدمع ، فالدمع يرافق التائب في توبته ، وكذا يُلاحظ أَنَّ البطل في البيت السابق قال : ( أنا المشوق إلى ما فات من زمن ) فالندم يصحب البطل ، والتوبة أولها ندم ثم تسرج القافلة في الرحلة إلى الله تعالى ، ويمسك التائب وهو على ناقة التوبة بزمام الدموع ؛ دموع الندم على التفريط .
          أيْنَ الوَمِيضُ وَهَذا الصَّدْرُ بَوْتَقَةٌ = حَمْرَاءُ مِنْ كُلِّ إحْسَاسٍ بهَا قَبَسُ
          أيْنَ السَّبيلُ... مَسِيرُ الذاتِ هَرْوَلَةٌ = فِي مَهْمَهِ الليْلِ لَمْ يَفْطِنْ لَهَا العَسَسُ
          نجد البطل يناجي نفسه ، يقارن حاله المتعب المهرول نحو الفناء المستعر بأحاسيس غريبة كثيرة من كل نوع ، والتي أرهقت القلب وجعلت منه بوتقة مستعرة حمراء تصهر الروح مرات تلو المرات ، وبما يرغبه من طمأنينة بيضاء مستقرة وتوقف تلك الهرولة في عتمات المجهول ، فهو يريد الوميض الذي يشق القلب ويغرس فيه النور وينزل فيه الغيث ويطفئ النار الهائجة بالأحاسيس المختلفة ، بعد هذا الوميض يريد الدرب الصحيح ليسلكه بصمت وتأمل ويترك الهرولة في العتمة ، ومن ثمَّ فيلاحظ القارئ أنّ النص موفق في تلازم الوميض مع السبيل فالنور هو الذي ينير الطرقات بل النور هو يغرس الاطمئنان في الفؤاد ومن ثم يسلك الدرب الصحيح ، يقول الأمام علي بن أبي طالب عليه السلام ( النوم على يقين خير من عبادة على شك ) فالنور يغمر النفس ثم تسلك طريق العبادة مع تأمل كما جاء في آخر النص :
          ( تمر بي كلمات النهر صامتة ***** صوت التأمل محفوف به الخرس )
          فعودة البطل مفكراً في عجائب خلق الله ، وصامتاً بأفضل أنواع الصمت إنّه التأمل ، والتفكير في الخلق خير من عبادة عمياء ، لذا فيُلاحظ أنّ البطل لما رأى العالم غائراً في الضبابية وعدم لوضوح ، بعد أن تغيرت الأَشياء رنَّ الجرس في أعماق الروح ليعود إلى نفسه باكياً ومفكراً على هذه الحال التي تعيشها الأمة .
          أُجَالِسُ النَّهْرَ مَفْتونًا بِجِدَّتِهِ = لا يَسْتَحِلُّ خُدُودَ الضِّفَّةِ الدَّنَسُ
          أُلْقِي بهِ زَوْرَقِي المَشْبُوبَ عَاطِفَةً = لعَلَّهُ عَنْ لِقائِي لَيْسَ يَرْتَكِسُ
          لعَلَّ أشْرِعةَ الآتِي تَجُوبُ بهِ = أعْمَاقَ رُوحِي فَيَبْلوهَا وَيَنْغَمِسُ
          الأبيات هذه تروي حال البطل ،لا بل هو يروي حاله ، ربما يرمز النهر إلى الحياة المتجددة والعلاقة بين الماء والحياة جلية ، وربما النهر رمز على الدنيا ، وتتجدد الحياة في الدنيا يوما بعد يوم ، ويبقى الإنسان مفتوناً فيها ، حتى حين . وقد رمز البطل إلى عيشه في هذه الحياة بـــ( زورقي ) انه سائر في الدنيا / الحياة ( النهر ) حتّى الموت ولقاء الله تعالى ، ويختم هذه الرحلة بترجٍ لتكون أعماق الروح مؤمنة ببلاء الله .
          وهناك معنى آخر للنهر يبدو اقرب للتأويل لدى المتلقي المسلم وهو أَنَّ النهر يراد به ( القرآن الكريم ) فالقرآن الكريم نهر تغرف منه البشرية العلوم النافعة والشفاء والأمن والطمأنينة ، أضف أن القرآن لا ينضب أشبه بالأنهار – إن جاز لنا التشبيه بل ان النهر ينضب وكلام الله لا ينضب - والبطل متعجب من تجدد القرآن عند كل قراءة ، ثم يلقي بنفسه بين آياته بعاطفة الحب والتلذذ ، عسى أن يكون اللقاء غير خاسر ، ثم يردف بـــ عَلَّ آيات القران تدخل أعماق الروح وتُغرس هناك ، وتنفعه يوم تبلى السرائر ، ويختم القول بأنَّ كلمات القران تمرّ على قلبي فيصمت متأملاً خاشعاً خرساً لله تبارك وتعالى ، لأَنَّه يطبق قوله تعالى (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) .
          في الختام أهمسُ لك أُستاذي الحبيب بأنَّ لديه عيوب في القافية

          منتظر السوادي 25/10/ 11


          التعديل الأخير تم بواسطة منتظر السوادي; الساعة 29-10-2011, 07:26.
          الدمع أصدق أنباء من الضحك

          تعليق

          • د مرتضى الشاوي
            عضو الملتقى
            • 08-07-2011
            • 85

            #35
            قراءة في قصيدة ( مطر أزرق ) - يحيى الحسن الطاهر .
            د مرتضى الشاوي
            من البديهي أنّ النص المفتوح قابل لكلّ قراءة تأويلية توصف بالموضوعية ، فليس هناك حكم قطعي مادام النص معزولاً عن منتج النص .
            فاللون عنصر من عناصر الجمال بل عنصر من عناصر الكون ومفردة من مفردات الوجود .
            تشتمل القصيدة على عدة عتبات
            تتضمن عتبة العنوان الرئيس ( مطر أرزق ) أبعاداً مجازية ودلالة تجاذبية في حركة الوجود بصفائه الواسع .
            لهذا السبب اختار الشاعر مفردة ( المطر ) في دلالتها الايحائية مع اللون الأزرق بالرغم من شفافيتها تمثل لوناً مناسباً أكثر دلالة في صفائه وعمقه الجذاب فجاء نعتاً لموصوف وقع خبراً لمحذوف وهو معلوم في نفس المتلقي .
            لكنّني لا أجد هناك رابطاً دلالياً بين موضوعة ( مطر أزرق ) وبين موضوعة ( الليل ) .
            تبدأ القصيدة بعبارة ( السوناتا الأولى ) : وعنوانها الليل ، فيشعر المتلقي بأنّ هذه الأولى وتلحقها الثانية والثالثة على التوالي .
            وهو عنوان ثانوي يمثل عتبة هامشية في توظيف أبعادها مع النص بوصفه ترنيمة من ترانيم الوجود .
            إنّ الليل في فكر الشعراء الغذاء الكامل والفيض المعطاء الذي لا ينقطع في رفد أشعارهم فهو موضوعة عامة ذات أبعاد نفسية في الخطاب الشعري بكلّ أنواعه ومفردة تشعيرية تمثل للشاعر عتبة فرعية مكملة للعتبة الثانوية .
            إنّ الشاعر قسم العنوان على ثلاثة عتبات :
            الأولى : مطر أزرق يمثل العنوان الرئيس العام
            الثانية : السوناتا الأولى : يمثل العنوان الثانوي
            الثالثة : الليل يمثل العنوان الفرعي .
            وكلا العتبتين الثانية والثالثة هامشيتان مكملتان للأولى ، إلا أنّ لا دلالة للعتبة الأولى على النص فهو عنوان خارج مساحة النص وبعيد عنه ، وكذلك العتبة الثانية .


            ربما هذا التقسيم الذي أوجده الشاعر لا ينسجم مع بناء القصيدة العربية الحديثة فليس كلّ شيء مترجم يصلح فنياً على الرغم من حداثته .
            بدأ الشاعر بعتبة النص بتوصيف معتم الجوانب بدلالته مخاطباً الفكر والعقل لا العاطفة والانفعال الوجداني .
            لقد اتخذ من عنصر المجاز جسراً في أنسنة الأشياء ، فالليل عنده رحم مغلق كالأعمى الذي لا يبصر شيئاً ، وهو حامل معه سرّه الغامض كانه وعاء وفي أحضانه ينطلق الوجود في أثناء نموه في ولادة حتى ينتفخ ويصبح كالبالونة ، وسرعان ما يتدفق الوجود كالوليد بعدما تبزغ أشعة النهار، فتثقب ذلك البالون الرقيق بطبيعة انسيابية للظهور ، فيخرج منها النهار وكأنّه جنيناً فصيحاً ناطقاً بألسنة واضحة بينة ، وهذا الظهور بلسانه الناطق تتجاذب معه الطبيعة بأسرها في انبعاثها واشتياقها .
            الليل رحم أعمى
            يلد النهار جنيناً فصيحاً
            في ( سلة ) الليل يتكور الوجود
            جاعلا من الليل ( بالونة ) يثقبها ( دبوس ) النهار
            فيتدفق [ في ] حينها الوجود
            فالليل بسواده يتراءى من بعيد كالغابات المزدحمة بالأشجار التي تفيق إفاقة طبيعية حركية مصاحبة للوجود كأنّها إنسان قد استيقظ من نومه يفيق وهي في بهجتها تمرح على مدى أصوات العصافير لتبدأ الحياة من جديد في باكورة الصباح في ترانيم وتداخل صوتي لكثرتها تشبه الضجة أو الفتنة في حالة الإزدحام ، وقد ثارت ثم هدأت لأنّها في حيرة خروجها من سبات لتخرج إلى ولادة حقيقية جديدة .
            غابات أفاقت من نومها [ التوة ]
            [ على ] شقشقات عصافير بهيجة
            وتتفاجأ الإذن المنصتة فيأخذه الانبهار من ضحك فاضح مستبشر لكنّ تغريدها قبل النوم وقبل حلول الظلم في ابتهاج أثناء النهار في حرية مطلقة يدعو إلى الاستفهام المجازي الذي يخرج الى التعجب من حالتين مختلفتين .
            حين تنصت إليها تضحك
            من كونها تحتار
            كيف تنسى ما كانت تغرّده قبل النوم
            من ( نوتات ) مرحها الحر الطليق ؟ !!
            يشعر المتلقي هناك أكثر من مقارنة فنية في الثنائيات الضدية التي قد وظفها الشاعر في إضفاء بعداً دلالياً في التوازي الفني :
            1- استعمال مفردتي الليل والنهار وكلتا المفردتين متضادتان في البعد الزماني .
            2- وصف الليل برجل كبير أعمى غامض في دلالته يقابله النهار بجنين فصيح واضح .
            3- انتفاخ الليل بهمومه وأحزانه كالبالون أما أشعة النهار فهي أشبه بآلة حادة مدببة قادرة على تثقيب النهار .
            4- أصوات العصافير منظمّة في تغريدها طيلة النهار في حرية مطلقة على عكس أصواتها بعد خروجها مشقشقة هادرة مزدحمة بسبب السكون والظلمة .
            استفاد الشاعر من آلة التصوير الفني بأبعادها الطبيعية في تجاذبها مع حركة الإنسان وهو تصوير من باب الوصف العرفاني في تأمل مسيرة الإنسان في الوجود .

            من المآخذ الفنية والأسلوبية :
            1- توجد ثلاث عتبات مختلفة دلالياً تثقل النص الأدبي ويصعب على المتلقي تذوقه وفك شفرات رموزه .
            2- يؤخذ على الشاعر استعماله مفردات دخيلة على العربية منها ( السوناتا ، بالونة ، دبوس ، نوتات ) يفترض أن يكون كل دخيل ومعرب بين قوسين ( ) إلا أنّ الشعر المعاصر يضفي جانباً من تشعير بعض الكلمات التي لها وقع في حياتنا العصرية مثل مفردة ( سلة ) لدلالتها على الوعاء الحاضن للزهور لكثرة استعمالها .
            3- وردت مفردة ( علي ) في عبارة ( علي شقشقات بهيجة ) وأظنّها ( على ) حرف جر .
            4- وردت مفردة ( يتكوّر ) في النص فهي لا تستقيم دلالياً كفعل مضارع مع الوجود ، لأنّ التكوّر يراد به التدوير مثل لفّ الأشياء كالعمامة وقيل ذهاب الضوء عن الشمس والقمر ، وقد وصفت الوجود لاحقاً بأنّه متدفق فقلت ( فيتدفق حينها الوجود ) وهو انبعاث مثل الماء ، أليس .
            5- لا ضير في استعمال حرف الجر ( في ) قبل مفردة ( حينها ) فتصبح ( فيتدفق في حينها الوجود ) .
            6- وردت مفردة ( للتو ) بالرغم من أنّ ( التو ) تعني الفرد مثل جاء للتو أو التو بمعنى جاء فرداً وحده أو جاء تواً بمعنى جاء قاصداً لا يُعرّجه شيء ، أما إذا أردت الزمن فاستعمال ( التوة ) تعني الساعة من النهار أو الليل هو الأصح .
            7- استعمال مفردة ( الوجود ) لها دلالات فلسفية متعددة مثل الكون أو الثبوت أو التحقق أو الحصول أو الشيئية ، ربما لم يفصح النص عنها بوضوح وكلّ ما أردته الوجود المقابل للعدم وهو بديهي أنّه مدلول للفظ دون آخر .

            تعليق

            • د مرتضى الشاوي
              عضو الملتقى
              • 08-07-2011
              • 85

              #36
              قراءة في قصيدة ( هكذا تكلم سردشت ... عند مقصلة الحب ) – نص مشترك
              الجزء الأول – قصيدة مهند التكريتي
              إنّ عتبة العنوان الرئيسة توحي للمتلقي البوح الذاتي بطريقة استنطاق المشهد في لحظة المفاجئة عند اقترابه من الموت في ساحة الغدر بسبب ما آل إليه مصيره نتيجة الحب .
              تعدّ القصيدة من قصائد الإهداء ، لأنّها مهداة إلى روح الشخص المغدور به وهو ( الصحفي الكردي سردشت عثمان ) وهي عتبة هامشية تبين نقطة الربط الموضوعي بين عتبة العنوان وعتبة النص بوصفه المكمل الرئيس يستفيد المتلقي منها في فك شفرات النص الغامضة .
              إنّ القصيدة بدورها ليست رثاء بقدر ما هي نقلة خفية عن استكناه لذاتية مرغمة على الانتهاء في حالة الصدمة المفاجئة بسبب الغربة النفسية التي عاشتها الشخصية المغدور بها في لحظة الوداع الأخير للحياة بسبب كونه عاشقاً لا غير قد عُدَّ جرماً في نظر الانتهازيين .
              بدأت القصيدة بديباجة سردية تشير إلى موقع الجريمة من حيث المكان باستعمال اسم الإشارة في دلالتها على البعيد ( هناك ) المكون من ( هنا ) + ( كاف الخطاب ) في خفاء وبعد عن الأنظار المشاهدة ، وهو مشهد قد حشد الشاعر طاقته بآلية الكاميرا الخفية لنقل الحقيقة التي غيبت عن عيون المشاهدة بطريقة الوصف المجازي .
              فضلا ًعن رمزية المكان بواقع الطبيعة ( الرمال ) لأنّها غطاء الرغبات بحلول الطاعون المتفرس المفاجيء كسلالة مخيمة للشر تعزف بصوت الموج المصطخب الذي يلفّ الصبر في مكمنه وينشر على شاطئ البحر تماثيل متناثرة وتتنفس برئات طلباً للنجاة في الحياة وكأنها غمامة تزدحم بإطلالة الأمل في الحياة الذي ذهب هباء مع أناس قد سحقوه كما تدعك الإبل الأرض المزروعة لتحيلها إلى فساد في رعشة النهاية بسبب لوثة التكسر في أشجار الحياة كأنها نجوم الصبح في أشعتها وهي مبسوطة بآنية من الليل بثوبه الأسود
              أصاب أوراقها أرجل الحيوانات المفترسة التي نهشت حرارة الحب في جمرة المغدور به وهربت في صمت حتى ساعة الغروب وهي ساعة اكتشاف الجريمة المغدور عند طريق مائل كأنّه عرجون تكثر فيه محطات الاستراحة متباعدة .
              " هناك
              حيث الرمال تكفن رغباتنا .. بنواح الطاعون
              كسلالة داهمتها
              قيارة الموج
              لففت احشاء جيوب الصبر
              ونثرت رئات تماثيل .. تنفست اخيرا
              على فخذ البحر
              لابتكر غيمة
              تتخبط بنوافذ قمري المدعوك
              برعشة الرحيل
              نشجت أوراقاً يكنسها العمر
              عند عرجون محطات لاذت
              بالصمت .. حتى المغيب "
              لقد نقلت الكاميرا المصورة الخفية مرايا أعماق الشخصية المغدور بها وهي تصور هواجسها في محنتها وأزمتها الوجودية .
              ونقل الشاعر ألينا مشاعر وانفعالات بل صرخات الإنسان في صدمة لقاء الموت الطريد بتصوير خفي بالغوص إلى العقل الباطن في استنطاقه في لحظة الوداع .
              استفاد الشاعر في نقل مشاعره وأحاسيسه على لسان حال الشخصية في لحظة الرحيل من ثلاثة عناصر لغوية رئيسة :
              1- توظيف آلية النفي في إنكار الذات لعدم علمها بما يؤول إليه مصيرها بسبب الغدر غير المتوقع .
              2- تكرار النفي إذ قام بناء القصيدة في الأغلب على تكرار عبارة النفي ( لم أكن أدري ) وهو تكرار يعرف بـ( التكرار اللاشعوري ) لأنّ آليتها تأكيد لحساسية الذات في عصيانها على الترويض بلغة واضحة وهي صرخة تقرر الذات الشاعرة في غيابها عن شاشة الإدراك والمعرفة ( لم أكن ادري ) وحجبها في العقل الباطن اللاوعي .
              3- استفاد من حضور قوة التوكيد الذي كرره بعد صرخات الإنكار مستعملاً أقوى أدوات التوكيد في الجمل الاسمية بفعل قوتها وهيمنها عليها .
              صوّر لنا الشاعر بكاميرته الخفية أربعة عشر مشهداً فوتغرافياً قد رسمها بأدواته اللغوية وبخياله الخطب المصور الفني إذ نقل فيها تنهدات عاشق كانت جريمته الحب في ساعة اقتراب أجله عند لحظة إعدامه في مقصلة الحب .
              تبدأ المشاهد بعبارة النفي المكررة تتلوها عبارة التأكيد هكذا :
              لم أكن + ادري + أنّ + ( فعل مضارع مستقبلي يبدأ بسين الاستقبال ) لأنّ بنية الفعل المضارع تعكس هنا حالة من التفاعل تجدداً وحدوثاً بالرغم من أنّ النص ولد بعد جريمة القتل .
              المشهد الأول : يتمثل في مفارقة المكان بين ظرفين ( هنا + هناك ) فالغربة النفسية في التيه قائمة بين المكانين ( مكان الموت = مكان الخطف ).
              لم أكن ادري
              أني سأتيه هنا ... مثلما تهت هناك
              المشهد الثاني : الشعور بالمصير إلى النهاية في خسران حياته بوحده كالرماد بعد الاحتراق في الحياة .
              لم أكن ادري
              أني سأنزلق مدحوراً .. على قفازة الوقت
              وحيداً .. متقاطراً ، كالرماد
              المشهد الثالث : خطاب نفسي مباشر مع المحبوب بوجود ( كاف الخطاب ) يتضمن الشعور بخيبة الأمل في والتفكير بأنّ أحلامه الكثيرة المطوية في حالة العطش في حياته بزخارف عند تنفيس حروف المحبوب قد تبددت لأنّه نومه سوف يطول .
              لم أكن ادري
              أني سأنام وفي ظمئي
              تسعون ناقوساً لحلم مطوي
              كسجادة عند رئة حروفك
              المشهد الرابع :
              خطاب نفسي مباشر للمحبوب بأنّ حياته قد انطفأت كما كان زيته فيها قد أوصده بذرفة النفس بسبب تشابك غبار المحبوبة ربما تكون إشارة إلى معاناته مع أهلها فقد وصفهم بالغبار المرصوف وكأنه الطلحب المجتمع على تفاحة المفقود فوق لباس الغربة .
              لم أكن ادري
              أني سأوصد زيتاً تذرفه نفسي
              ليقتحمني غبارك الموصوف كطحلب
              على تفاحة الوليد
              فوق قميص وحدتي
              المشهد الخامس : خطاب نفسي مباشر للمحبوب يشعر المتلقي بتنهيدة نفسية تذكره ما كان يفعله في ضم ضفائرها وما يحمل من صوت أشبه بالنقيق ليبوح من نوافذ كهفه بألفاظ من أصوات حنينة تنتظم من ألف قصيدة وقصيدة أثر نظرة خاطفة بأهداب رمش العيون بجمالها الطبيعي لم تغمض بإكمال دورتها لتأثير أشعة الشمس عليها وفي هذا إغراق في الوصف مما جعل الصورة مركبة من أكثر من جزء تؤدي بها إلى المبالغة الفنية .
              لم أكن أدري
              أني سأتأبط نقيق ضفائرك
              عند كهف البوح
              لألفظ عند نوافذه
              ألف قصيدة وقصيدة من قصاصات نظرة
              لم تجعل الشمس تهدأ .. باكمال دورتها
              حول رمش فصولك

              المشهد السادس :
              تذكير المحبوب بما آل اليه مصيره في وحدته عند قدوم الموت لانه في مغادرة لعباءة الحلم في وحدة مصيرية مثل خلقه وحيدا في رحم أمه وعاش حياته في ارتواء ورغم هذه الوحدة الأليمة .
              لم اكن أدري
              اني ساغادر عباءة الحلم
              وحيدا
              مثلما خلقت
              ومثلما ارتويت
              ومثلما (( ... ))
              لأحتفي
              بالقمر المنذور جنيناً .. عند أكفان أصابعك الذاوية

              المشهد السابع : الشعور بعالم سرمدي في غربة جسدية ونفسية بعيداً عن المحبوبة والانتقال إلى عالم البرزخ وهو في هذه الحالة كسقوط أوراق الشجر الذابلة في موسم الخريف تمثل شفة اللا معنى مطوية بعكاز مستدير عند بوابة الروح .
              لم أكن أدري
              أني سأحيا بلا ( أنت )
              لا ( لون )
              لا ( طعم )
              لا وجهة لي .. ولا بوصلة
              كخريف .. تسقط من شفة اللا معنى
              فتتعز ببقية باقية من نقطة مستديرة
              عند بوابة الروح

              المشهد الثامن : يشير إلى مفارقة وهمية في حالة اليأس تتمثل في ما يتركه الموت من رماد في عدم نطق الحقيقة بسبب المرآة العاكسة في توقد الهموم المتروكة عند أماكن الأحذية الغارقة بالرحيل .
              لم أكن أدري
              أنّ ثمة شيئاً في رماد الفقد
              يقص ألسنتنا .. بمرآة توقد الليل
              عند مساطب أحذيتنا المطعونة بالرحيل
              المشهد التاسع : التوسل بالمحبوب عن طريق ماهية الحب في تجديد تلفّظ عبارة الحب بكلّه عمقاً رغم برودته لأنّ في صمته ملأ كيانه بغربة الحنين .
              لم أكن ادري
              أني احبك كل هذا الحب
              يا صمتا أيقظ في أبراج فراغاتي
              دوامة البكاء

              المشهد العاشر : يمثل ( بيت القصيد) في القصيدة بالرغم من أنّ القصيدة سردية إلا أنّ الشاعر قد رسم حالة الحيرة والحسرة في لحظة انكسار ومفارقة بيانية وهو يطعن بيد المحبوب غيلة بامتصاص حريته عند انطفاء شمعته لأنّ رماد نهايته كانت بسبب وجوده معها لحظة خطفه .
              لم أكن ادري
              أنّ الكف التي انتشلتها يوما
              وكادت أن تقبلني
              هي ذاتها التي ستمتص
              ملح هويتي ... عند رماد شموعي

              المشهد الحادي عشر : خطاب مباشر إلى المحبوبة بأنّ وحده سوف يجمع جمل الحب الكذوبة ربما كانت تلفظها في حالة من النفاق فسوف تؤول إلى جرح نازف بأوردة العشق المطعون .
              لم أكن أدري
              أني سألملم الجمل النافقة
              لأبثها قصيدة نازفة
              بأوردة عشقك
              المشهد الثاني عشر : مبالغة فنية في عدم دراية ومعرفة ما تتركه الريح القادة بحماقتها وما تتركه من غبار متراكم أنوار حياته الشفافة .
              لم أكن ادري
              ما سأدّريه ، وما ستراكمه الريح
              فوق سروج نوافذي

              المشهد الثالث عشر : وهو توقع مصير محتوم في انهيار للقيود التي وضعتها أمامه بسبب القلاع المحصنة وحالوا بينه وبينها وانّ مصيرهم آت إلا أنّهم في النهاية سوف يزدحمون كازدحام الناس ساعة الحشر في الصلاة بخشوع كالسنابل المحنية على جنازتها تخفيفاً لما ارتكبوه بخطف معشوقها وقتله غيلة وهي صورة في غاية الإغراق في الوصف بلغت إلى الغلو الفني .
              لم أكن ادري
              أنّ قلاعاً قد تتهاوى
              وألف قيامة يمكن أن يصلى
              على جنازتها
              عند سنابل الجرح
              المشهد الرابع عشر وهو مشهد اختتامي :
              التأكيد على عمق الحياة بوجود الحب العميق وهو بحجمه بسعة البحر وان نهايته في الفقد هي نتيجة محتومة بقدر ما تلتف حول عنق الإنسانية فتطحنه بلا هوادة .
              لم أكن ادري
              أنّ الحب بسعة البحر
              وأنّ الفقد بقدر الحلزون المطحون !

              من الملامح الفنية التي يمكن أن تضاف إلى القراءة :
              1- إنّ قصيدة مهند التكريتي غارقة بالمفارقات الفنية في جوها المشحون بالعاطفة فضلاً عن أسلوبها العائم على بحر من المبالغات في توليد الكم الهائل من المعاني الجديدة وهذا الحضور يسجل له كمبدع في الإغراق في الوصف والجمع بيت شتات الصور المركبة .
              2- احتواءها على مفردات قاموسية لها صدى دلالي مشحون بالتطور الدلالي لها في لغتنا المعاصرة ( النحت المتلاشي ، قفازة الوقت ، متقاطر ، ناقوس ، بوصلة ، تتعكز )
              3- ازدحام القصيدة بعالم الرمزية رغم وضوح مفرداتها للمتلقي إلا أنّها قد أحكمت بصياغة فنية قد ازدحمت بالمجازات البلاغية من استعارة وتشبيه ضمني وكناية تحتاج إلى وقفة تأمل فيها ولمعانيها البيانية لا يسعني الوقت لإبرازها.
              كثرة الحسنات في القصيدة لا يدلّ على خلوها من الهنات الفنية والأسلوبية منها :
              1- ورد الفعل ( لففت ) بمعنى جمعت وهو استعمال نادر في لغتنا اليومية والأصح ( لفّت )
              2- وردت مفردة ( الوئيد ) في عبارة ( على تفاحة الوئيد ) هل تعني الوأد بمعنى دفن البنات أحياء أم تفاحة الوليد ( فرحة الأطفال ) مما سبب غموضاً في المشهد للمتلقي .
              3- وردت مفردة ( نقيق ) في عبارة ( أني سأتأبط نقيق ضفائرك ) كيف جمعت بين أشياء لا تجمع مثل النقيق وهو صوت كصوت الطيور وصوت الضفادع مع ضفائر شعر الرأس .
              4- وجود النقط بين قوسين( ... ) في عمق النص دلالة على شيء مخفي ربما لا تريد إظهاره لكن ليس هناك ضرورة لإخفائه فما الحاجة إلى إخفائه أنت طرقت سلم المجاز في نصك الرائع والعربية غنية بالمفردات المجازية .
              5- وردت عبارة ( تسقط من شفة اللا معنى ) وهو استعمال دخيل على العربية بفعل الترجمة فليس لها ضرورة هنا يمكن أن تستبدلها بمفردة تدل على شفة غامضة أو معقدة أو غير مفهومة .
              6- وردت مفردة ( باقية ) في عبارة ( فتتعكز ببقية من نقطة مستديرة ) وهي زائدة لا فائدة منها
              7- وردت لفظة ( مساطب ) في عبارة ( عند مساطب أحذيتنا المطعونة بالرحيل ) وهي جمع لمفرد ( مسطبة ) تكتب بالسين والصاد ( مصطبة = مصاطب ) أيضا وتعني سندان الحداد ومتكأ يقعد عليها وعندنا ما زال يستعمل أما دلالتها لاماكن الأحذية فلا أراه مناسباً .
              8- وردت مفردة ( نافقة ) في عبارة ( أني سألملم الجمل النافقة ) يتحير المتلقي هل المقصود بها الجمل الجاهزة أو المستهلكة او الجمل النافعة من باب المجاز لأنّالعربُ تقول : ناقَةٌ تاجِرَةٌ إذا كانت تَنْفُقُ إذا عُرِضَتْ على البَيْع لِنَجابَتِها ، ومن المَجاز : النّاقةُ النافِقَةُ في التِّجارةِ وفي السُّوقِ كالتّاجِرَةِ .

              تعليق

              • محمد فهمي يوسف
                مستشار أدبي
                • 27-08-2008
                • 8100

                #37
                المشاركة الأصلية بواسطة محمد بن عبدالله السلمان مشاهدة المشاركة
                زمن الإنتظار ..





                زمن الانتظار مل وسئم كل أشكال الاعتذارات



                تراوغنا السنين ويخدعنا الحنين



                ونصنع من الهروب أكذوبة



                تصيبنا بالوجع



                نبضها مؤلم وإحساسها بالقلوب
                يقض مضاجع أحلامنا



                ودوافعها أنستنا حدود العيوب.
                إلى متى لست أدري.. ؟
                إلى متى سنظل نساير ونصبر على تلك الآلام



                ورغم كل الآلام البعد وأنين الأشواق



                التي نخفيها في السطور



                ستبقى صورتك راسخة ثابتة في صدري



                وحده قلبي الذي يعلم طلاسمها
                أما قلمي فقد باح بحروف مبعثرة



                لا يعرف ترتيبها إلا من عاش زمن الانتظار وترعرع في ذاك المدار
                صراع مابين قلبي وقلمي



                وكلاهما يخفي حقيقة عشقي



                وكلاهما يحاول إخفاء ألآمي وقهري
                قلمي حبره دمي



                وكلماتي حروفها مسطره من نبض قلبي وإحساسي





                آهاتي .. هي أنفاس حياتي



                وأنا لا أعلم أيهما أقرب إليك



                لأعبر لك عن أمنياتي



                كي تبقي روحي بين كفيك



                وأنا لا أعرف كيف أخوض في بحر هواك الذي كان يوما....



                طوفانا على جزيرتي البائسة



                سيدتي ..



                آنستي ..



                دعيني أقول حبيبتي



                دعيني أقول ما لم أقله لأحد غيرك



                دعيني أردد حروف اسمك



                وأكتبها آلاف المرات



                دعيني أنشد كلماتي



                وأغني في كل لحظاتي



                ففي كل الأشياء أراك



                وفي كل الأشياء أجد عبق رائحتك الطاهرة



                تفوح من حولي في كل الأرجاء



                أنا تائه



                في بحر الظلمات



                أنا حائر



                في وصف الكلمات



                مجبور أن أمضي عمري



                بين دهاليز المتاهات



                ولا أعرف أن كان حبك



                كغيوم تملئ سماء الفضاءات



                فإن طال العمر بي ونجوت من سكرة العشق



                سأدعو الله ان يجعل الفرج لكل الكربات



                ففي عمري زوبعة مشاعر



                دوخها عشق الصعوبات



                يا سيدتي



                يا آنستي .. !



                مازال قلبي نابضا



                بحبك



                وقد صغتها بأجمل الأبيات



                ولازلت أهوى حبك



                وبقلبي أسكنت الآهات



                في عينيك كان غرامي



                وهيامي مترجم بلغات



                يا سيدتي ..



                أتعبت فيك كتاباتي



                ولازلت في أول سلم المقامات



                ألحاني ..



                أحزاني ..



                و أنغامي ..



                كلها من صنع يديك



                مخنوقة في كل العبارات



                *** *** ***



                بقلم محمد بن عبدالله السلمان



                بتاريخ 17-11-1432هـ



                الموافق 15-10-2011م
                =====================
                قراءة لغوية ورؤية نقدية للنص :
                **********************

                قراءة لغوية للنص:
                القراءة اللغوية :

                العنوان (زمن الإنتظار) المضاف إليه ( الانتظار ) مصدر الفعل انتظر الخماسي وأوله ألف وصل وليس همزة قطع
                تراوغنا السنين ويخدعنا الحنين
                الصواب : ( تراوغنا السنون بالرفع بعلامة الواو في ملحق جمع المذكر السالم هنا لأنها فاعل ، أما الحنينُ فرفعها بعلامة الضمة )

                إلى متى سنظل نساير ونصبر على تلك الآلام ( وضع علامة الترقيم ( ؟ ) في نهاية السؤال )
                يحاول إخفاء ألآمي وقهري ( آلامي ؛ ألف المد على الألف الأولى فقط )
                كلماتي حروفها مسطره من نبض قلبي ( مسطرة ؛ نقطتا التاء المربوطة )
                كغيوم تملئ سماء ( تملأ )
                سأدعو الله ان يجعل ( أن ) همزة القطع على أن الناصبة المصدرية )

                الدِّهْلِيز، بالكسر: ما بين الباب والدار، فارسي معرب، والجمع الدَّهالِيز
                زمن الانتظار مل وسئم كل أشكال الاعتذارات
                سَأْماً وسَأَماً وسَأْمَةً وسَآمَةً وسَآماً: مَلَّ، ومَلِلْت منه أَيضاً إِذا سَئِمْته ( العطف يقتضي المغايرة ) ومل وسئم بمعنى واحد
                تراوغنا السنين ويخدعنا الحنين وراوَغَه:خادعه ( مرادفات )

                ستبقى صورتك راسخة ثابتة في صدري كل ثابت: راسخ
                زمن الانتظار ، ذاك المدار
                الظلمات ــ الكلمات ــ المتاهات ــ الفضاءات ــ الكربات ــ الصعوبات ــ الأبيات ــ الآهات ــ المقامات ــ العبارات
                نلحظ في هذه الألفاظ المجتلبة للسجع التكلفَ الواضحَ في استخدام المحسنات البديعية الزائدة

                الرؤية البيانية للصور الجمالية في النص :
                استعان الأديب بالاستعارات المكنية في :
                الانتظار مل وسئم ، تجسيد المعنوي وتصويره بصورة إنسان أصابه السأم والملل
                تراوغنا السنين ويخدعنا الحنين ، السنون تراوغ ، والحنين يخادع تشخيص للمعنوي في صورٍ مادية
                (أكذوبة ) إحساسها بالقلوب : المعنوي أكذوبة أثرها يهدم مضاجع الأحلام فالأحلام مشخصة بإنسان
                يقض مضاجع أحلامنا ،

                كل الآلام نخفيها في السطور، تجسيد المعنوي الآلام وجعل السطور مخابئ لها
                قلمي فقد باح بحروف مبعثرة،تشخيص القلم بأنه يبوح ويكشف بالحروف كلاما مبعثرا
                صراع مابين قلبي وقلمي : تجسيد الشجار والعراك بين القلب والقلم في استعارة صفة الإنسان لذلك ( صراع)
                ألحاني وأنغامي وأحزاني مخنوقة : التقارب بين اللحن والنغم ، والأحزان معهما مخنوقة ففيهم تدب الحياة البشرية
                والتشبيهات في مثل :
                نصنع من الهروب أكذوبة ( جعل الهروب مشبه وأكذوبة مشبه به )، حدود العيوب
                كلماتي حروفها نبض قلبي ، حبك كغيوم تملأ سماء الفضاءات ، في عمري زوبعة مشاعر
                قلمي حبره دمي، بحر الظلمات ( الدم حبر للقلم ، الظلمات بحر للتيه )
                الصياغة الأسلوبية للنص: ليس فيها رنين القصيدة ولا تفعيلاتها العروضية المعروفة في سطورها فهي أقرب إلى الرسالة النثرية المشبوبة بعاطفة الأديب نحو محبوبته الملتهبة مشاعره نحوها ، ويقتله زمن انتظار لقائها مرجعا أسباب ذلك إلى بعادها عنه ، مما تسبب في ألحانه الشجية وأنغامه وأحزانه المخنوقة في عباراته كما وصفها هو في نهاية النص .
                التوصية : تصنيف هذا النص يمكن أن يدخل ضمن الرسائل الأدبية الوجدانية أو الخواطر الذاتية
                والمزيد من الاطلاع على فن القصيدة النثرية أو قصيدة النثر للأدباء والمبدعين يعطي الكاتب نماذج تحمل سمات هذا الفن الراقي مما يدفعه إلى مجاراتها أو منافستها .
                مع خالص تمنياتي له بالتوفيق .

                تعليق

                • سلام الكردي
                  رئيس ملتقى نادي الأصالة
                  • 30-09-2010
                  • 1471

                  #38

                  الربيع العربي

                  تُنْضِجُ الآلامُ نَفْسِي..
                  تَصْقُلُهَا ....
                  نِيرَانُ ألَمِي قرَّبَتْ أَمَلِي .
                  غَرَّدَتْ رُوحِي
                  زَكَّى اللحن نضجي
                  إنه النار التي تُحَوِّلُ العَظْمَ فينا .
                  مَاسًا لامِعًا براقًا...
                  كشعاعٍ منْ حياه !!
                  *****
                  باضَت الأحداثُ نَبْضًا...
                  يَتَعَذَّبْ..
                  يتألمْ ...
                  كَمْ يُقَاسِي في انتظار
                  كلما هزَّ نفسي بالأسى ..
                  خَفَتَ العُواء
                  التأم جرح الآمال عندي ,
                  حين جفَّ دَمْعُ العينِ في أحداقي
                  تجلمدَ صخرةً ملساء..
                  في انتظار الفجر يوما يتمدد
                  عطفا بأيدٍ حانيه
                  لثكالى ضحت بدماء الشهداء
                  في ميادينَ مَليئة بالهُتَاف
                  ومنصاتٍ أضاءت بالقضاء
                  سقط جدارُ الخوفِ عَنْهَا
                  كَسَّرَتْ كلَّ القُيُود
                  ****
                  وَعَلا الأملُ بَاسِقا كما النخيل
                  من قلب وطنٍ عاش في حَلَكٍ سنين.
                  تذوَّقَ الكلُّ رحيقي .
                  وأنا أشتَّمُ العَبِير
                  في طريقي .
                  أنضجَ الأملُ أحلامَ الجميع
                  اختفتْ بشروقِ الشمسِ آلامُ المَسَاء
                  رَفْرَفَتْ أعلامُ فَجْرِ الثَّوَرَات

                  ــــــــــ

                  الأستاذ محمد فهمي يوسف
                  السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

                  بداية لابد من التطرق إلى العنوان الذي استُلهم من واقع حالٍ معاش وقد اختزل فكرة شاعرية بمطلقها في الأصل
                  لكن كثرة استخدامها في جميع المحافل الأدبية منها والسياسية والإعلامية جعلت من هذا العنوان مستهلكاً إلى حد الحطابية والمباشرة على الرغم من شاعريته فيما لو كان مبتكراً لم يتم استخامه على هذا النحو




                  تُنْضِجُ الآلامُ نَفْسِي..
                  تَصْقُلُهَا ....
                  نِيرَانُ ألَمِي قرَّبَتْ أَمَلِي .
                  غَرَّدَتْ رُوحِي
                  زَكَّى اللحن نضجي


                  أن تنضج الاّلام نفس الشاعر هذا تعبير جميل وصورة يعتد بها في مجال الشعر والقدرة على التوغل في داخله والعلم التام بما يريد قوله من ثم كتابته على نحو مختزل وخيال أدبي جميل.
                  لكن قول الشاعر :نيران ألمي قربت أملي,خلى من الدهشة التي أريدت منه وقد كان قريباً من السجع القديم لتشابه النهايات في كلتا الجملتين,هذا على الرغم من كون المعنى جميل ويستحق التعبير عنه بشكل أكثر أدبية وقدرة على إدهاش القارئ بصورة تكون جديدة ومبتكرة أكثر مما كان فيما كُتِب.
                  غردت روحي,صورة لطيفة وتعبير جميل يحترم الواقع في رحلة نحو الخيال القريب يمكن القول بأنها جاءت في مكانها الصحيح وقد كانت شاعرية إلى حد ما مقبول.
                  أستغرب استخدام الشاعر لممفردة اللحن في قوله :زكى اللحن نضجي,بحيث لم يكن في سياق القصيدة من حيث الفكرة ما يشير إلى وجود ما يسمى لحناً أو ما يحتمل التعبير عنه أو تشبيهه باللحن ,ومن هنا أقول :أنه سطر في غير موضعه وهو يشبه فيما يشبه حشو الكلام لا مكان له من القصيدة إن صح التعبير.
                  وإفراط الشاعر في استخدام ضمير المتكلم في هذا المقطع كان مسيئاً للموسيقى الشعرية التي عادة ما تكون أجمل ما في نصوص القصيد سواء كانت نثرية أو عامودية أو شعر تفعيلة ذلك في قوله:

                  نفسي,ألمي ,أملي,روحي,نضجي.



                  إنه النار التي تُحَوِّلُ العَظْمَ فينا .
                  مَاسًا لامِعًا براقًا...
                  كشعاعٍ منْ حياه !!


                  تجميل النار وابتكار مزايا جديدة لها بحيث تتحول من مؤلم لايرحم إلى جميل كالماس بلمعانه وإبراقه ,’فكرة شاعرية جداً لكن الشعرية في هذا الجزء لم تكن تخدمها على نحو جيد,إذ إن الخطابية في هذا المقطع تتجلى في استخدام ضمير الجماعة"أنا" بحيث تحول المقطع من بيت شعري إلى جملة مكتوبة في خطبة تلقى على مسامع الحضور.
                  من المسموح أن يخاطب الشاعر قارئه في حال ما,لكن من غير المقبول أن يقوم الشاعر بمخاطبة جمع فهذا يحول قصائده إلى خطب,وتنتزع عنها الشعرية المراد تأكيدها في كل بيت أو جملة .
                  من ثم كيف يكون للحياة شعاعاً؟
                  ربما نعلم أنه الأمل هو المقصود من هذه الجملة ,وهو ما أراد له الشاعر أن يصل إلى قارئه لكن الحياة لا تكوِّنُ شعاعاً في حال أو في اّخر.



                  باضَت الأحداثُ نَبْضًا...
                  يَتَعَذَّبْ..
                  يتألمْ ...
                  كَمْ يُقَاسِي في انتظار
                  كلما هزَّ نفسي بالأسى ..
                  خَفَتَ العُواء


                  في هذا الجزء من القصيدة ,شاعرية واضحة,تبرز رقة الشاعر وخياله الذي لا يتوقف عند حد,كتبه في شعرية متقنة ومفردات جاءت في مكانها الصحيح .
                  يريد أن يؤكد هول ما يحدث وكثرة التضحيات وإنسانية الثائر التي استبيحت في فترة الربيع العربي,استفاد الشاعر من كل تلك المشاعر التي فاضت عن جياه الثوار ومن داخل قلوبهم كان نبضاً يلهم الشعراء على الكتابة فيما لو كان في صدورهم قلباً ينبض.



                  التأم جرح الآمال عندي ,
                  حين جفَّ دَمْعُ العينِ في أحداقي
                  تجلمدَ صخرةً ملساء..
                  في انتظار الفجر يوما يتمدد
                  عطفا بأيدٍ حانيه
                  لثكالى ضحت بدماء الشهداء
                  في ميادينَ مَليئة بالهُتَاف
                  ومنصاتٍ أضاءت بالقضاء
                  سقط جدارُ الخوفِ عَنْهَا
                  كَسَّرَتْ كلَّ القُيُود


                  وما أن استفاق من بكائه في المقطع السابق,وجف دمع العين في الأحداق,وتجلمد كصخرة ملساء,حتى تكشفت الحقائق,أن فجراً قادماً سيكون نتيجة ما جرى,وأن للألم ثمرةً دفع ثمنها شعب رزح تخت نير الظلم والاستبداد ,والثكالى سوف تجني ثمرة تضحياتها بالشهداء,والميادين التي اضاءت,"وقد كان استخدام مفردة"اضاءت" في مكانه الصحيح بما لا يقبل الشك" بالهتافات والشعارات الوطنية بحسب ما فهمت من قول الشاعر.,سوف تهنأ بقضاء عادل بعد ظلم طال اختماله.
                  فكرة جميلة وشاعرية, كانت في هذا الجزء من القصيدة غير أن الشعرية قد غابت عنه بعض الشيء فلم تكن فيه صور أدبية نستطيع القول بأنها جديدة ومبتكرة أو أنها مدهشة كما يكون الحال في نصوص القصيد.




                  وَعَلا الأملُ بَاسِقا كما النخيل
                  من قلب وطنٍ عاش في حَلَكٍ سنين.
                  تذوَّقَ الكلُّ رحيقي .
                  وأنا أشتَّمُ العَبِير
                  في طريقي .
                  أنضجَ الأملُ أحلامَ الجميع
                  اختفتْ بشروقِ الشمسِ آلامُ المَسَاء
                  رَفْرَفَتْ أعلامُ فَجْرِ الثَّوَرَات


                  هنا يزهر الربيع"الربيع العربي" الذي كان واضحاً في عنوان القصيدة.
                  هذا إن دل فهو يدل على ترابط النص وقدرة الشاعر على الإمساك بفكرته من أوله حتى نهايته,وهو ما يحسب للشاعر على وجه الخصوص وللأديب على وجه العموم.
                  فالأمل الذي علا كالنخيل الذي نمى من قلب الوطن,يجعل من الشاعر زهرة تؤكد أـن لها رحيق كجميل الزهر لكنه يشتم العبير ,كان من الاولى بعد كل هذا الجمال والشاعرية والشعرية في الوصف والتعبير أن يكون للزهر عبيراً يشتمه الاّخر ولا يكون هو من يشتم العبير,ذلك لتكون الصورة منطقية مهما حلقت في سماء الخيال.
                  وقد أدهشتني الصورة في قول الشاعر:
                  اختفت بشروق الشمس اّلام السماء,صورة أدبية جميلة,رقيقة جداً فيها الكثير من الشاعرية
                  بينما كانت الخاتمة خطابية إلى حد كبير .

                  في النهاية نستطيع القول بأن هذه القصيدة بعد كل ما ذكر أعلاه,كانت متوسطة الحال, جميلة من حيث الفكرة وتماسكها من البداية إلى النهاية.



                  كل التقدير لحضرتك أستاذ محمد فهمي يوسف.
                  التعديل الأخير تم بواسطة سلام الكردي; الساعة 27-10-2011, 21:05.
                  [COLOR=#0000ff][SIZE=6][FONT=Andalus][COLOR=black]انا الدمشقي .. لو شرحتم جسدي... لسال منه ,عناقيد وتفاح[/COLOR]
                  [COLOR=darkorange]ولو فتحتم شراييني بمديتكم...سمعتم في دمي اصوات من راحوا[/COLOR][/FONT][/SIZE][/COLOR]
                  [FONT=Andalus][SIZE=6][COLOR=#0000ff][/COLOR][/SIZE][/FONT]
                  [FONT=Andalus][SIZE=6][COLOR=#0000ff][/COLOR][/SIZE][/FONT]
                  [FONT=Andalus][SIZE=6][COLOR=seagreen]مآذن الشام تبكي اذ تعانقني...[/COLOR][/SIZE][/FONT][FONT=Andalus][SIZE=6][COLOR=#0000ff][COLOR=seagreen]وللمآذن, كالاشجارارواح[/COLOR]
                  [COLOR=purple]للياسمين, حقوق في منازلنا...وقطة البيت تغفو .. حيث ترتاح[/COLOR][/COLOR][/SIZE][/FONT]
                  [COLOR=#0000ff][/COLOR]

                  تعليق

                  • محمد فهمي يوسف
                    مستشار أدبي
                    • 27-08-2008
                    • 8100

                    #39
                    النص الثاني :
                    =======

                    الرؤية النقدية ل: محمد فهمي يوسف
                    لموضوع :
                    من داخل كشك التموين ----
                    لكاتبه الفاضل أ / محمد قديح

                    ================
                    من داخل كشك التموين
                    [frame="6 98"]اكتشفت الآن نفقا مظلما
                    في كياني
                    كأنني في منفاي
                    قريبا من مقابر الخان*
                    اكتشفت الآن ، لماذا كانت
                    اصوات الناس تتعالى (؟)
                    من داخل " كشك " التموين
                    ولماذا كنت أخاف(؟)
                    من وجوه "معفرة" بالطحين
                    وثياب رسم الزيت المسكوب
                    عليها خارطة "التيه"
                    وامرأة تجر طرفي "قناعها"
                    وصرة الملابس القديمة
                    وأبو علي يفغر باب دكانه المفترس
                    يلقف بعض كيلوات الطحين
                    ويدفع للمساكين بعض القروش
                    كل هذا والعربات المشلولة تنتظر
                    على ظهور الحمير اليائسة تبحث
                    في التراب عن شيء أخضر ..عبثا
                    وذلك الحمّال المنهك من الأكياس
                    وبائع الجميز ينادي "بلمي"* ياجميز
                    أيقنت ساعتها أن البؤس يلازمني
                    فليس صحيحا ما قاله المذيع في النشرة
                    ولن أصدق بعد اليوم " أحمد سعيد"
                    وهو ينادي بأعلى الصوت " انتصرنا"
                    ونشيد "الست" أصبح عندي الآن ..
                    كسّرت البندقية... وشطبت عائدون(عائدين)
                    ورسمت بدلاً منها .." خارطة الطريق"!
                    * خانيونس
                    * أجود أنواعه[/frame]

                    القراءة اللغوية للنص
                    ، لماذا كانت اصوات الناس تتعالى من داخل " كشك " التموين ( همزة قطع فوق : أصوات ووضع علامة الاستفهام (؟) في نهاية السؤال)
                    (ولماذا كنت أخاف) (؟)علامة الاستفهام في نهاية السؤال
                    وأبو علي يفغر باب دكانه ( وأبي علي ؛ لأنها معطوف على مجرور والعطف هنا بعلامة الياء لأن الكلمة من الأسماء الخمسة
                    أخطاء نحوية :
                    شطبت (عائدون : الصواب ؛ عائدين لأنها مفعول به منصوب بعلامة الياء لأنه جمع مذكر سالم )
                    الرؤية البلاغية :
                    بدأ الأديب بصورة استعارية يوضح فيها تشاؤمه من جوف كيانه أنه نفقٌ مظلم ، ثم يبني على تلك الصورة التي أوضحت المعنوي في صورة حسية ملموسة بصورة تشبيهية لذلك النفق المظلم بأنه يشبه المنفى بما توحيه اللفظة من الغربة والألم والحزن وأكد الصورة المتشائمة الحزينة بقرب المنفى من مقابر الخان.
                    جعل هذه المقدمة تعليلا لارتفاع أصوات الناس من داخل كشك التموين مما بعث الخوف في نفسه
                    وراح الأديب يعدد مظاهر الخوف وأشكاله في :

                    1- وجوه الناس المعفرة بالطحين ،في استعارة تصريحية صرح فيها المشبه به وحذف المشبه وهو التراب ،
                    2- والثياب المرسوم عليها بالزيت خارطة التيه ، فصور الضياع( التيه : بخارطة في تشبيه بليغ مقلوب ) ،
                    3- وصورة المرأة التي تحمل صرة قديمة وتجر قناعها،
                    4- وصاحب الدكان (أبو علي) فجعل من دكانه وحشا يفترس وصاحبه يخطف كيلوات الدقيق مؤديا في مقابلها بعض القروش ،في استعارة مكنية تصور الحسي بالحسي لتوضيح اختفاء الدقيق ( الدكان بالوحش ) الذي استعاض عن ذكره بصفته وهي الافتراس
                    5- تلك العربات المشلولة ( تصوير الحسي بالمعنوي ) في استعارة مكنية فالشلل يصيب الإنسان وهو يرمز إلى توقف تلك العربات عن الحركة ، وقد فشلت الحمير التي تجرها عن وجود الطعام الأخضر من تراب الأرض
                    6- وتتوالى صور الشقاء المخيفة في رسم الأكياس عبئا يئن تحته الحمال المنهك من العمل
                    7- وحتى فاكهة الناس مما يحصلون عليه من القروش القليلة ( الجميز ) الذي ينادي عليه صاحبه فيستلب من الناس قروشهم التي ابتاعوا بها الدقيق
                    هذه الصور البائسة صادقت بين الأديب والبؤس في استعارة مكنية تجعل البؤس المعنوي ملازما له
                    ولم يصدق ما يسمعه عن الانتصار الذي يردده المذيع أحمد سعيد في حرب النكسة ، ولا حتى أغنيات النصر التي تغنيها ( أم كلثوم ؛ الست )
                    ثم يختتم الأديب نصه بنتيجة تؤكد عزم الشاعر على التخلص من هذا الخوف بتخليه عن السلاح ، ويقينه باستمرار الغربة بشطب كلمة ( عائدون ) ، وانتظار الأمل في خارطة الطريق !! ثم يوقع بمكان الحدث ( خان يونس )الذي أشار إليه بمقابر الخان البائس في أول النص
                    النص : قصيدة منثورة بتجربة صادقة عبر عنها الشاعر في إحساس نقل معه ألم المعاناة الفلسطينية في شجن وحزن
                    وتشاؤم ، مع بصيص الأمل في آخر كلمات النص ( خارطة الطريق )




                    ولقد بذل الأديب جهدا مشكورا يستحق الثناء في اختيار ألفاظه العربية وصوره الشعرية في تجربة أتمنى لها النجاح والفوز إن شاء الله

                    تعليق

                    • د مرتضى الشاوي
                      عضو الملتقى
                      • 08-07-2011
                      • 85

                      #40
                      قراءة في قصيدة ( عتاب واعتذار ) - منتظر السوادي
                      د مرتضى الشاوي
                      إنّ جمال النص الإبداعي في براعة مبدعه في توليد المعاني الجديدة وابتكار الأفضل مع خصب خياله الواسع ونضج أسلوبه المتنوع .
                      تتكون هذه القصيدة السردية من مقطعين منفصلين يصلح أنّ يكون كلّ مقطع قصيدة فكلّ مقطع يحمل عنواناً يمثل عتبة رئيسة :
                      الأولى : تشتمل على عنوان ( عتاب ) يمثل في مضمونه الدلالي السلبي الذي يرتكز على الملامة في مقابلة الآخر نتيجة تجريحه بالقول أو بالفعل أو بالموقف فلا يستطاب نفسياً واجتماعياً .
                      إنّ العتاب بدلالته هو اللوم والملامة ومخاطبة الآخر في الإدلال طالباً حسن مراجعته ومذكراً إياه مما كرهه منه والعتاب لا يكون إلا عند رجاء رجوع الآخر عن الذنب والإساءة وهذه دلالة عنوان المقطع الأول من القصيدة .
                      المقطع الأول :
                      لكن عتبة النص بدأت بسردية تنطلق من بؤرة التلاقي في معرفة وجودية بين جنسين متجاذبين في مرحلة خاصة من حياتهما تبدو للمتلقي أنّها قصة حب واقعية قد حدثت بين اثنين قد تعارفا وتحابا ثم انفصلا بسبب اختباء المعشوقة لسبب مخفي لم يفصح عنه النص بوضوح قد تركه للمتلقي .
                      أنبنى النص دلالياً على عدة مضامين وجدانية وانفعالية منها :
                      1- علاقة الحب الذي وصلت إلى درجة العشق عند الطرف الأول ( العاشق ) عندما بلغ درجة اليأس في البحث عن ( الآخر ) المعشوقة ، وهو في حالة من التقدم في العمر قد وصفها الشاعر بأنّ الحالة المأساوية قد كسرت عظامه وهدّت من حيله فأصبح لها صدى كالصلصال في صوته فكانت النتيجة غائية في حصول العشق في النهاية بعد عمر طويل :
                      عشقها
                      لما صلصل في عظامه اليأس
                      لكن سبب ذلك العشق في حصوله هو في سرّ أناقتها البارزة وجمالها الطبيعي ، وقد رمز إليه بطريقة جذب الانتباه إلى تسريحة شعرها ولونه الذي يشبه لون النبيذ وفي هذا إضفاء جانب حسي استفاد منه في تراسل الحواس بين :
                      الشعر = اللون + الرقة + الانبهار
                      النبيذ = اللون + الطعم + الثمالة
                      وهي في عملها الجمالي قد بثّت من محاسنها جزأ لتصيد قلب مرهف قد عانى مرارتين : مرارة الحزن في عمقه كعمق الجبّ ومرارة الغربة النفسية والجسدية في متاهات في مقاهي الابتعاد .
                      أرسلت شعرها النبيذي
                      من مقاهي الغربة عتقته
                      وكأنّها في هذا العمل قد حررته من وضعه البائس وزرعت روح الأمل من جديد بعدما كان بعيش مقاهي الغربة النفسية وعمق ذلك الجب المملوء بالحزن طيلة حياته ، فصيرته عاشقاً وهو في عشقه هذا مقيد كالأسير تحت رحمة الآخذ به إلى موطن الأسر وهو في حالة ثمل قد وصل إلى حد السكر الذي بلغ هذا القدر بفعل نظرة رقيقة تشبه براءة طفلة قد استوطنت قلبه المتيم :
                      من مقاهي الغربة عتقته
                      ثملاً اسيراً
                      شرته بنظرة بريئة
                      طفلة تستوطن قلبه
                      لكن سرعان ما تحولت روحه الشفافة الهائمة إلى دمية بيد المعشوقة لما قاساه في زمن الانتظار وهو في ذلك يمثل حالة من حالات الافتداء أراد منها الإهداء أن يسقي فرحته في اللقاء الذي شبّه حبهما بوردة الياسمين الباسمة كالثغر المبتهج :
                      أهدى لها الروح دمية
                      أفديك ...
                      لأسقي بسمة الياسمين
                      وبالرغم ما قدم لها من تضحية وفداء في سقي شجرة حبه الصادق الذي رمز إليها بالياسمين لما امتاز بلونه الأبيض وبدلالته على الصفاء والنقاء .
                      لقد اختبأت فجأة عن حياته دون سبب لم يصرح منتج النص عن ذلك لكنّ ملامح النص تؤدي إلى نتيجة أنّها لا تكترث من وجوده فهو كالألعوبة في يدها متى ما انتهت رغبتها رمتها كما ترمي اللعبة !!!.
                      وفي ذلك الاختفاء غير المرئي الذي ألبسهما ثوب الهجر بالافتراق بلا عودة معلومة تصاعدت حدة التوتر في انهيار شخصية العاشق فازداد ألمه وضعف معه القلب فاشتد مرضه فأصابه شيء من الشلل في أطراف جسده نتيجة الصدمة فتصدع كلّ كيانه كما تصدع الزلازل الأرض :
                      اختبأت ...
                      اتسع ألمه حين مسّت ثوب الهجر
                      ضعف القلب
                      والرعشة تزلزل أطراف الجسد
                      ورغم الصدمة المفاجئة بابتعاد المعشوقة لم يفقد الأمل بل راحت أنامله تخط رسالة عتاب قد ضمنها من جمر الروح بعدما كانت دمية تداعبها ليشعرها بأنّ البعد والهجر قد حول الروح إلى جمر من أجل العودة إلى أحضان المحبوب :
                      أنامله تخطّ جمر الروح
                      رسالة عتاب
                      أما المقطع الثاني فقد جاء استكمال للمقطع الأول بثوب جديد لا تشعر بطرفي المعادلة ( العاشق والمعشوق ) بوضوح بسبب انحسار الضمائر العائدة على الأخر إلا ما ندر من ضمير المخاطب ( آنت ) وكاف الخطاب في الجمل الدالة على الطلب .
                      لقد بني المقطع الثاني على عناصر رئيسة تلتمس منه المضامين الوجدانية :
                      الأول : ديباجة سردية عن حالة الندم بشكل عام تأخذ أبعادها النفسية في الكشف عن صورة الانهيار السلبي عند وصول رسالة العتاب إلى المعشوقة .
                      إذ وصف حالة الندم لشدته بآهاته فتحول إلى صوت أنين مستعيناً بأسلوب التنكير لا سيما في تنكير بعض المفردات الواقعة مسنداً مثلاً ( ندم ) قد امتد في الأفق وكأنّه وجه في ليل غليظ يحيل الليل بظلمته إلى زيت ويشعل قناديل الأمل للرجوع فيتحول رماد الأمل إلى كحل يساعد على الرؤية والتطلع في طرقات الانتظار رغم غشاوة الياسمين الذي سببته بالاختباء لكنّ فجر هذا الأمل بعيد كما يراه منتج النص .
                      ندمٌ يعصر وجه الأفق ليلاً غليظاً
                      يعتق الليل زيتاً
                      في قناديل الأمل
                      رماد الأمل كحل
                      على طرقات الانتظار
                      يغشى الياسمينا
                      قد تحول الندم إلى اعتذار بطريقة الأساليب الطلبية من نداء واستفهام إستنكاري وأسلوب عرض برفق ولين رقيق للمسامحة والخضوع فيه تدلل وأسلوب أمر فيه توسل والتماس للعودة ولكنّ لا عودة ؛ لأنّ الفجر بعيد . وهذه الأساليب :
                      الأسلوب الأول : أسلوب الاستفهام وقد تحقق بأداة واحدة وهي الهمزة واستعان بها الشاعر لرقتها ولخفتها وتحول معناها مجازياً إلى تأنيب الضمير كما في قوله :
                      الآهات تئن والفجر بعيد
                      آلهجر سربال الحبيب ؟
                      والى معنى مجازي وهو تمنٍ للرجوع في قوله :
                      أ تعود مع الندى الروح ؟
                      لتورق ياسمينة القلب
                      الأسلوب الثاني : أسلوب النداء الذي تحقق بأداة النداء ( يا ) بدلالتها على البعد يتناسب مع الهجران إلا أنّ حالة الندم قد أدت إلى الانكسار داخل النفس فنادته بصفات الألم واكتمال الحب :
                      يا شطر نفسي
                      نبض الحياة ... توأم الروح
                      الأسلوب الثالث : أسلوب العرض وهو الطلب برفق ولين من أجل أن يتحقق الاعتذار النفسي في الخطاب النصي :
                      ألا تسمح عصفوراً يأكله الندم
                      ألا ارحم من في صوتك يولد
                      الأسلوب الرابع : أسلوب الأمر
                      وفيه يتحقق الأمر المجازي في التوسل للاعتذار وطلب المسامحة في ضوء وظيفة طلب الالتماس من الآخر :
                      أنقذه بقبس أو بنظرة
                      اسمك خاتم في حنايا الروح
                      يدندن في الغسق
                      تلك النظرة التي كانت من جانبها إشعاعاً لتغييره من حالة يائسة إلى حالة فرح وسرور هي الآن ترجوها لتكون قبساً من لدن العاشق لتعود من جديد ولا جديد قائم ؛ لأنّ الفجر بعيد كما أفصح عنه النص ، ولم يبق منه شيء للذكرى سوى الاسم كأنّه الخاتم في باطن الروح يتناغم خفية سلواً في زمن الظلام .
                      يضاف إلى محاسن القصيدة فنياً اشتمالها على المجازات الحسية وحركتها التفاعلية لجذب المتلقي نحوها ، فضلاً عن تنقلاتها السريعة في رسم المشاهد البيانية القائمة على التكثيف في الوصف وانتقاء المفردات .
                      من المآخذ الأسلوبية :
                      1- انّ منتج النص له حضور في النص بالرغم من أن ّالنص يتحدث عن شخصيتين حسب توافر الضمائر كان عليه أن لا يظهر بشخصية الراوي على الرغم من الاستفادة من تنقلات الضمائر حسب ظاهرة الالتفات في العربية وقد برز في ( أهدى لها الروح دمية
                      أفديك ...
                      لأسقي بسمة الياسمين )
                      وقد تحول فجأة من ضمير الغيبة المذكر( هو ) إلى المتكلم ( أنا ) مباشرة بالرغم من أنّ القصيدة قد بنيت على الغيبة بين المذكر والمؤنث لتكوين أبعاد الشخوص في تفاعلها القصصي .
                      2- التحول المقطعي المفاجيء يسبب صدمة في عدم فهم النص بالرغم من وضوح مفرداته .
                      3- وردت مفردة ( الياسمينا ) مطلقة بالإلف القائمة ليس هناك ضرورة لإطلاقها فتكتب ( الياسمين ) بلا إلف هو الأفضل .
                      4- خفاء الأسباب الطبيعية في الاختباء الذي أدى إلى الهجران بسبب عدم التوازن العاطفي بين الطرفين .
                      5- لم يتحقق الاعتذار كلياً بالعودة الجسمانية لأنّ الفجر بعيد في الوصول وإنما جاء بحالة التأنيب النفسي في استنكار البعد وترك الآخر .
                      د مرتضى الشاوي
                      2011م = 1432هـ




                      تعليق

                      • د مرتضى الشاوي
                        عضو الملتقى
                        • 08-07-2011
                        • 85

                        #41
                        قراءة في قصيدة ( هكذا تكلم سردشت ... عند مقصلة الحب ) – نص مشترك
                        الجزء الثاني - قصيدة عائشة الحطاب
                        إنّ القصيدة في ملامحها اللغوية تعكس شخصية الشاعرة على لسان حال المحبوبة بوصفها السردي في حالة البوح عن الذات في عاطفتها ومشاعرها لعاشق تمسك بها حتى النهاية المحتومة .
                        وتتكون القصيدة من عدة أصوات لا يمكن معرفتها إلا بتفكيكها سياقياًبوسائل التحليل البنائي :
                        الصوت الأول : التوسل بالمحب وابعاده عن الوجود بوساطة البدء بفعل الأمر الذي يوحي للمتلقي أنّ هناك خطاباً مباشراً مع الأخر ، بمعنى أنّ القصيدة تمتلك بؤرتين رئيسيتين يدور حولهما النص بؤرة أولى تمثل الحضور الفردي المتكلم وقد برزت في ياء المتكلم وتاء الفاعل والضمير( أنا ) ظاهراً أو مستتراً .
                        وبؤرة ثانية تمثل الصوت الآخر المتمثل بالضمير المسستر ( أنت ) إذ خفي عن المشهد بفعل القتل والبعد وقد أشارت إليه الشاعرة بكاف الخطاب المتكرر بوصفه أصبح بعيداً عنها .
                        بدأت القصيدة بمطالبة مجازية في استعمالها فعل الأمر الداعي إلى التوسل بالمحبوب في تخفيف الثقل الذي ترك حلمه الدائم في الوصال لتكتشف على لسانها ومن أعماق أسرارها أنّ موت الآخر هو بداية رحيلها النازف وربما رحيله هو بالذات بالرغم من استقرار الروح تحت الضلوع ، إنّها تعيش في غربة نفسية رغم بقاء الجسد على قيد الحياة فعيناها لا تبصر خارج حدود مفارقته فهي كالأعمى الذي فقد بصره في لحظة الافتراق ، وإنّها جسد بلا رأس إذ لا عقل لها بسبب الحيرة والحسرة والندامة لأنّ موته قد فصل رأسها عن جسدها ولسانها قد شلّ عن الكلام فهو السائل في مياه رقراقة لا يفصح وقد لبست ثوب الوهم بسبب الحوادث المغربلة في قدومها منذ أول دمعة افتراق وبعد في زمن البرد .
                        إنّ القصيدة مكتنزة بالغربة النفسية من الناحية الدلالية فهي تعيش في حالة من عالم الندم والألم والاحتراق ولا تستطيع فعل أي شيء للخلاص ولا تملك الكيفية لأنها أيها المحب في أعماقها شعلة الاحتراق في غبطتها .
                        ورغم ما توصف بها القصيدة من صفات تشخيصية تعود على شخصية المتكلم أنّها مكسورة الجناح لأنّها تعيش في ارتجاف غير طبيعي لنوبة الصدمة رغم هناء العيش الأبدي فيقاوم صدرها الجوع لكنها في عناق مع ملل في هدر الوقت وهي أشبه بتمثال صامت مصنوع من طين لا حراك له بعدما أشعل ذلك المحب قنديل الحب في مسرتها .
                        الصوت الثاني : تعتمد الشاعرة على آلية الاستفهام الإنكاري بزخمه الشعري الواضح بالأفعال الاستقبالية المرتهنة بطوق الاستفهام وحدها مع الأفعال المنفية الساخرة ، فتارة تستعمل ( كيف ) بدلالتها الحالية وتارة بـ( من ) العاقلة كما ورد في :
                        كيف أداري وهمك الراخم في ذهني ؟
                        وأنا لا أملك قدراً على مقاسي
                        أو وحدها فقط بتكرار أداة الاستفهام لا عن شيء مجهول بل لإبراز شيء من معاني التعجيز في إغراق في الوصف تؤدي إلى المبالغة الفنية كما في قولها :
                        فكيف أمسك صوت قلبي الصاعد بلا رحمة ؟
                        وأعود رغبة مالحة في ذكرى رأس مبتور
                        كيف احصد عتمتي المنهكة ؟
                        وأسير في ضوء معكوس
                        ..........................
                        فكيف امتطي روحي الممسوسة بك ؟
                        وانهض في هدوء يبكي
                        وإنما تبث الشاعرة على لسان المعشوقة كمّاً من الشكوى والحيرة والقلق وهي في حالة اليأس لأنّها لا تستطيع أن تنسى الحب الذي أطبق عليها فيكون أشبه بالوهم الراخم على عقلها كونها لا تملك قدراً من التصبر في مساحته لكي تتقمصه فهي باستمرار أن تبحث عن كساء لروحها بعدما ادخل النار فيها وأشعل الذاكرة في ظلال نائم .
                        ونلمس ذلك أيضاً في استعمالها أداة استفهام ( من ) العاقة إلا أنّها لا تستفهم عن شي مجهول بل تريد الاستفهام الإنكاري المقرون بالزمن الاستقبالي مع النفي لحالة الحزن الذي وصل إلى ترقيق العظام لكونه معلوماً لديها لكنّه غاب عنها بفعل الرحيل المفاجيء كما في قولها :
                        من يرفع يد العشق في زمن الانتظار؟
                        لا تكتب حزن العظم في الهشاشة
                        الصوت الثالث : حالة الاستذكار في البحث عنه بالمشيئة التي جمعتهم وما ترتب عليها من توهج في حياة كلها ألم كما في قولها :
                        شئت قليلاً أن ادخل عمقك الناري
                        فتوهجت فقيرة
                        أبحث عن كساء لروحي
                        أشعلت ذاكرتي من ظلال نائمة
                        الصوت الرابع : تفصح عن حالة انهزامية قد أردتها الصدمة إلى حالة معاكسة بالرجوع إلى الوراء والتقهقر حتى وصفت الشاعرة حالتها أشبه بحالة نفسية شاذة تحتضن من البلاهة والشرود الذهني :
                        بلعت الريح من أنفاس دهشتي
                        أهمس بحياء الأعجوبة
                        لستُ أعرف
                        غير حذائي الرطب المرتجف بنصل قدمي شرايين الأرض تهزني
                        ذهني ساكن في أسى عطش مريض
                        والرؤية مني مهاجرة
                        كالفضاء الذي ينمو في زمن البلاهة
                        الصوت الخامس : الحنين والشوق إلى الصوت الآخر بعدما فقدته لأنّ وجوده معها كان يشعرها بالحماية فهو كالدروع القوية ومشتاقة إلى دمه المتخثر لتغرق في جسده بإغفاءة مشتاق هائم كما في قولها :
                        أحن إليك كالدروع القوية
                        أحن إلى دمك المتخثر
                        وأن اغرق في جسد إغفاءة شوق
                        الصوت السادس : مخاطبة الصوت الآخر في إنكار الضعف والانكسار غير الطبيعي الذي تركه وهي في حالة من الخطاب النفسي لكي تبرر وجودها الإنساني بعاطفة انفعالية غير بصيرة تبرهن عن ذات انهزامية في لحظة ما وقد أعلنت عن صفاتها في نرجسية :
                        أنا شرخ من لغة مبتورة
                        شريعة ساكنة في مطر ضرير
                        قد تشبثت بوسائل فنية طلبية كأسلوب النهي والأمر بالصيغ المعروفة للرحيل معه ولجذبها من قبل العاشق الراحل لهذا السبب كشفت عن صفاتها في حالة من التأنيب للضمير والتوسل بالآخر لكي ينتشلها من ذلك الحريق الذي وصف من الشاعرة بأنّه نار لا تهدأ ولا تنطفيء وقد ترك أثره في الظاهر في اصفرار وجهها وفي ترقيق عظامها وسقوطها من مكان عال بالصورة المجازية ، وفي الباطن قد تحولت إلى رغبة متكسرة قبل أوانها في استكمال شخصية لممارسة حياتية طبيعية .
                        لا تكتب حزن العظم في الهشاشة
                        ولا تعزفني من ناي حزين
                        أقرأني من وجهي الأصفر
                        أشرب حريقي بعد الكأس الأول
                        وأعلن في الليل سقوطي
                        أنا شرخ من لغة مبتورة
                        شريعة ساكنة في مطر ضرير
                        أتيت قبل موعد الليل
                        اغسل رغبة تتكسر
                        في نار لا تنطفئ
                        ويبدو لي أنّ الشاعرة قد بحثت عن صفات المعشوقة من الناحية السلبية في تجربة عاطفية غير صادقة من جانبها لهذا السبب قد أكثرت من المفردات السالبة في انتقائية مائزة .
                        وقد نجحت الشاعرة في وصفها المكثف وفي جمعها عدة صور متداخلة مما أججت أبعاد الصور المجازية فنياً لدى المتلقي وهذا يرجع إلى تأثرها بالفن القصصي السردي في تبئير جوانب السرد ومعالجة الأحداث القائمة على السبب والنتيجة .
                        بعض الملاحظات ربما تعدً نقصا فنياً :
                        1- ورت مفردة ( رحيلي ) في عبارة ( منذ رحيلي النازف ) والأفضل تعديل الضمير من الياء إلى الكاف فيصبح ( رحيلك ) لأنّ المعشوقة لم ترحل وإنما الرحيل كان للعاشق إلا إذا أرادت الرحيل النفسي وليس الجسدي.
                        2- وردت مفردة ( إليّ ) خالية من الكاف في عبارة ( أحن إليّ كالدروع القوية ) والأفضل ( إليك ) بإضافة كاف الخطاب ليعود على العاشق ليستقيم المعنى .
                        3- وردت مفردة ( دمي ) خالية من الكاف في عبارة ( أحن إلى دمي المتخثر ) والأصح ( دمك ) ليستقيم المعنى إلى خطاب العاشق إلا إذا أرادت الشاعرة بذلك التلاحم الإنساني .
                        بعض المؤآخذات على النص المشترك بشكل عام :
                        أنا شخصياً لا أويد النصوص المشتركة ، لأنّها تفقد قيمتها الاعتبارية والفنية إلا في حالة الحوار التفاعلي عبر قنوات لغوية خاصة في غرض الوصف وليس لقضية خاصة في بيان مظلومية شخص كما ظهر في الحواريات الشعرية بين الشعراء المعاصرين في أغراض خاصة كموضوعة الحب والوصف وبث هموم الذات وتبادلها مع الآخر .
                        إنّ النصوص المشتركة تؤدي إلى التنافر الموضوعي ولا يوجد هناك رابط أسلوبي مشترك ، فربما يكون النص الأول أجمل في صوره من الثاني أو الثاني أكثر صدقاً وتوليداً في المعاني من الأول .
                        إن من صعوبة النص المشترك في القصائد النثرية أن يدخل في ظاهرة كالمعارضات أو في النقائض أو في المساجلات فهي لا تشبه القصائد العمودية من أجل الموازنة لكي يقوم عليهما الحد والحكم والنقد والتقييم .
                        ويبقى النص النثري في الأخير مرتهن بمبدعه ولا يقاس بغيره ولا يفاضل على مستواه إلا في حدود المنهج السياقي .

                        تعليق

                        • د مرتضى الشاوي
                          عضو الملتقى
                          • 08-07-2011
                          • 85

                          #42
                          قراءة في قصيدة ( الجرس الخفي ) - عبد اللطيف غسري
                          د مرتضى الشاوي
                          تبدو للقاريء عتبة العنوان أنّها مكونة من موصوف وصفة يقع الموصوف خبراً لمبتدأ محذوف قد يفهم من السياق لعلم المتلقي به .
                          إلا أنّ في دلالتها المجازية رمزاً يعود لذلك الشيء المستور بالرغم من مفردة ( الجرس ) توحي بتنغيم خاص ربما تطرب له الإذن ، وقد يكون ثقيلاً لا تحبذه حتى خوالج النفس المطمئنة ، فليس كلّ جرس مسموع محبوب وليس كلّ جرس مسموع مطروب إلا أنّ وصف الجرس بالخفاء لكونه مستوراً دليل على أنّه مقيد مكبوت لا يسمع إلا في حالة نادرة استثنائية .
                          هل يمثل الجرس الخفي المرموز له صوت الضمير الحي ؟ أو إنّ نوازع النفس في تداخلها
                          إنّ قصيدة الجرس الخفي بمضامينها الذاتية تعدّ تنفيساً عن الذات وهي من الشعر التأملي الفلسفي لأنّها بوح خاص فريد عن النفس بهواجسها الشفافة .
                          والقصيدة في مبناها العمودي تمثل شكلاً غرة القصيدة العمودية إذ ابتنت على بحر البسيط بتقفية موحدة في الشطر الأول مع قافية واحدة سينية الروي وهو التزام فني في مراعاة الصياغة الشعرية .
                          اشتملت القصيدة على معان ومضامين متنوعة تآزرها وحدة موضوعية ليس هناك شطط ولا تكلف ولا اجترار في الوصف .
                          والقصيدة كلّها أنغام وترانيم هواجس النفس في خلجاتها وشفافيتها وهذا دليل على هدوء الشاعر وقدرته على ضبط النفس وعدم انفعاله داخل القصيدة مما لا يؤدي به إلى الزلل الفني .
                          من المضامين والمعاني الإنسانية في أبيات القصيدة :
                          1- تنطوي على معالم الاعتزاز بالنفس بمكامنها ومشاربها كما في قوله :
                          بِدَاخِلِي مِنْ كِنايَاتِ الأنَا جَرَسُ = مَعْنَى السُّكونِ بِهِ نَاءٍ وَمُلْتَبِسُ
                          يُدَقُّ حِينَ يَصُبُّ الغَيْمُ أحْرُفَهُ = رَذاذَ حَشْرَجَةٍ يَهْمِي بهِ الهَوَسُ
                          2- البحث عن غاية مهمة للوصول إليها عبر وسائل نافعة كما ورد في قوله :
                          أيْنَ الوَمِيضُ وَهَذا الصَّدْرُ بَوْثَقَةٌ = حَمْرَاءُ مِنْ كُلِّ إحْسَاسٍ بهَا قَبَسُ
                          أيْنَ السَّبيلُ... مَسِيرُ الذاتِ هَرْوَلَةٌ = فِي مَهْمَهِ الليْلِ لَمْ يَفْطِنْ لَهَا العَسَسُ

                          3- التحلي بالثبات والتصبر دليل على الاستقرار على حالة واحدة لا تتغير والحنين إلى الماضي والتذكير به بسبب تأنيب الضمير كما في قوله :
                          وَما بَرِحْتُ مَكانِي قَيْدَ أُنْمُلَةٍ = وَما شَهِدْتُ زَمَانِي وَهْوَ يَنْتَكِسُ
                          أنا المَشُوقُ إلى ما فاتَ مِنْ زَمَنٍ = أطْلالُ قَلْعَتِهِ تَهْوِي فَتَنْدَرِسُ
                          هَذِي نسَائِمُهُ حَمَّلْتُهَا كُتُبِي = وكُلُّ حَرْفٍ بِها فِيهِنَّ مُنْطَمِسُ
                          4- الاستئناس بهذا النداء الخفي القادم من موطن الروح لما يملك من علة الاستيقاظ كلما ابتعدت النفس عن خطها للوصول إلى الهدف لأنّ الإنسان في تحركه الطبيعي يمثل مرايا عاكسة للكون .
                          لَكِنَّمَا الجَرَسُ المَخْبُوءُ فِي جِهَةٍ = مِنْ مَوْطِنِ الرُّوحِ يُغْرينِي بهِ الأنَسُ
                          يَهُزُّنِي كُلَّما أغْفَيْتُ عَنْ هَدَفِي = وَالكَوْنُ فَوْقَ مَرَايَا النَّفسِ يَنْعَكِسُ

                          5- اعتزاز الشاعر بنفسه في ضوء الفخر بشعره .كماورد في قوله:
                          وَلَسْتُ آنَفُ إنْ أسْرَجْتُ قافِيَتِي = إلى المُنَى، حَوْلَهَا مِنْ أدْمُعِي حَرَسُ
                          مِنْ أنْ أنامَ على أسْمالِ خاطِرَةٍ = أوْ أنْ يَكونَ طعَامِي التَّمْرُ والعَدَسُ

                          6- الإشارة إلى التواضع في العيش في الملبس والمأكل وهذا ناتج عن ترويض للنفس في الحياة كما في قوله :
                          مِنْ أنْ أنامَ على أسْمالِ خاطِرَةٍ = أوْ أنْ يَكونَ طعَامِي التَّمْرُ والعَدَسُ
                          7- الإطالة في التفكير الصافي للوصول إلى نهاية المطاف برجاء اللقاء وبوساطة اكتشاف مكامن هذا الصوت التأملي المخفي في أعماق الروح ولا يتم ذلك إلا بأشياء :
                          1- مجالسة الطبيعة وتحقيق الهدوء والطمانينة والنهر يمثل رمزاً للطبيعة بوصفه المادي ويتضمن معالم العطاء وسر الحياة في الوجود .
                          2- طلب الرحلة في رجاء الوصول ناتج عن إلقاء زورق النجاة بعاطفة الهجر للتغريب النفسي في أعماق الروح رغم التحدي القائم على إنكار استحلال الدنس من الخبائث وعدم الإرتكاس إلا أنّ أشرعة الرجاء والأمل في أعماق الروح تجوب حاملة البلاء بسبب الانغماس في التفكير ورغم كلّ ذلك إنّ دلالات النهر المتنوعة تمرّ في خشوع لإستئناسه إياها لأنّ صوت الفكر قد أطبق عليه بعدم الكلام وهي نتيجة حتمية قد أملاها الشاعر في طمأنينة النفس البشرية التي جبلت على صفاء التفكير وترويضها وابتعادها عن كمائن النفس في رغباتها غير العقلية .
                          إذا يَضُخُّ المَدى فَوقِي غَمَائِمَهُ = مَاءُ التَّفَكُّرِ مِنْ عَيْنَيَّ يَنْبَجِسُ
                          أُجَالِسُ النَّهْرَ مَفْتونًا بِجِدَّتِهِ = لا يَسْتَحِلُّ خُدُودَ الضِّفَّةِ الدَّنَسُ
                          أُلْقِي بهِ زَوْرَقِي المَشْبُوبَ عَاطِفَةً = لعَلَّهُ عَنْ لِقائِي لَيْسَ يَرْتَكِسُ
                          لعَلَّ أشْرِعةَ الآتِي تَجُوبُ بهِ = أعْمَاقَ رُوحِي فَيَبْلوهَا وَيَنْغَمِسُ
                          تَمُرُّبِي كَلِماتُ النَّهْرِ صَامِتَةً = صَوْتُ التأمُّلِ مَحْفُوفٌ بِهِ الخَرَسُ
                          من الملامح الفنية والأسلوبية الطارئة على القصيدة :
                          1- فقد وظف الشاعر أدواته الفنية في إنتاج معاني أدبية رائعة تتساوق مع البعد الدلالي لهواجس النفس .
                          ويبدو ذلك من العنوان الذي أطل بترميز وإشارة إلى ذلك الضمير الحي الذي يختفي تحت جوانح الصدور ومكامن النفس .
                          وكل ذلك جاء عن وصف مكثف قائم على توليد المعاني بوسائل المجاز الإستعاري من أنسنة وتجسيم وإغراق قي الوصف .
                          وقد ورد ت الصور المجازية بكثرة نتيجة لتوليد قدراً من المعاني الجديدة مؤطرة بحيوية وموسيقى هادئة
                          مثل ( هرولة الذات ، تجنيح المسافات ، تلابيب المدى ، جعل النفس مرآة عاكسة ، إسراج القافية ، أسمال الخواطر ، انبجاس ماء العين ، أنسنة النهر بمجالسته للصحبة وتجسيمه برسم ملامح له مثل خدود الضفة ونهر هاديء مثل إنسان صامت إلا أنّ صوت التفكير لا يبان له بصوت فهو يشبه إنساناً اخرس ، أنسنة الزورق وجعله المعشوق في مرتبة الحب ، جعل للأمل أشرعة بوصفه السفينة الناجية في أعماق الروح )
                          وكذلك ورود الصور الكنائية مثل ( طعامي التمر والعدس = للدلالة على التواضع ) و( ماء التفكر = للدلالة على انسيابية الفكر وصفائه ) و( جيب الوقت = للدلالة على الثبات والاستقرار والاحتواء )
                          وأيضاً توافر الرموز الهادفة مثل ( الجرس الخفي ، ، الوميض ، البرذون والفرس ، البوصلة ، الجرس المخبوء ، صوت التأمل ) في دلالتها على التفاعل الحيوي الكامن في خبايا النفس البشرية .
                          2- من الملامح الأسلوبية الصوتية :
                          حقق الشاعر ملمحاً أسلوبياً في الانتقاء على مستوى ( المفردات ) من أجل إضفاء الحس الإيقاعي الذي ينسجم مع النفس البشرية بصفائها وهدوئها .
                          لهذا السبب قد اختار المفردات الإيحائية ربما جاءت عن قصد أو عفوية بسبب الخبرة والممارسة وقوة الحافظة في جلب المعاني باستعمال مفردات تتناغم دلالياً وحسياً على مستوى الصوت مع الإيقاع الخارجي ولهذا نجد شيوع المفردات المتضمنة على حرف ( السين ) بكثرة على مستوى القصيدة وعلى مستوى البيت الواحد لتشكل منعطفاً بارزاً في الانزياح الأسلوبي على مستوى الصوت مثل مفردات القافية كلّها وغير ذلك .
                          كما نجد ذلك بارزاً على تواجد صوت داخل القصيدة يتجاذب في الإيقاع الداخلي في قوله :
                          بداخلي من كنيات الأنا جرس = معنى السكون به ناء وملتبس
                          أين السبيل ، مسير الذات هرولة = في مهمه الليل لم يفطن لها العسس
                          ولست آنف أن أسرجت قافيتي = إلى المنى ، حولها من ادمعي حرس
                          أجالس النهر مفتوناً بجدته = لا يستحل خدود الضفة الدنس
                          فوجود صوت السين وتكراره في القصيدة على مستوى القافية ومستوى المفردات في داخل القصيدة قد شحن القصيدة بجو من التنغيم الهاديء كأنّه همس في الإذن وتطريب للمشاعر والأحاسيس فضلاً عن ذلك أنّ صوت السين من الأصوات الذي يتناغم مع مثيله أو ما يناضره كصوت الصاد فوجود الصاد بالأقرب من السين يفاجأ المتلقي بهمس خفي دون أن يشعر به مثل ( يصب ، الصدر ، بوصلتي، صامتة ، صوت ) كما في قوله :
                          يُدَقُّ حِينَ يَصُبُّ الغَيْمُ أحْرُفَهُ = رَذاذَ حَشْرَجَةٍ يَهْمِي بهِ الهَوَسُ
                          أين الوميض وهذا الصدر بودقة = حمراء من كلّ إحساس بها قبس
                          فَهَلْ أضَعْتُ بِجَيْبِ الوَقْتِ بَوْصَلَتِي = إنِّي لَأطلُبُ آثَارِي وألْتَمِسُ
                          تمر بي كلمات النهر صامتة = صوت التأمل محفوف به الخرس
                          وكلّ ذلك جاء عن طريق التراكم الصوتي الذي يسجل للشاعر ميزة في تداعي الأصوات داخل القصيدة وأبعادها النفسية ؛ لأنّ صوتي السين الليّن والصاد المفخم من الأصوات المهموسة والرخوة جاءا في تناسق خاص قائم على الانسجام والملاءمة.
                          ربما يؤخذ عليه بعض الهنات اللغوية :
                          1- وردت مفردة ( بوثقة ) بالثاء بالرغم من أنّها شهرتها بالتاء والدال ( بوتقة أو بودقة ) وهي مفردة معربة دخيلة على القاموس العربي المعاصر .
                          2- استعمال مفردات حملت معها التطور الدلالي المعاصر مثل ( بودقة ، بوصلة )
                          3- استعمال مفردة ( منطمس ) الواردة في الاستعمال المحكي اليومي بالرغم وجودها في القاموس العربي لأنه في الأصل طمس وقلما يستعمل الفعل انطمس وهو قليل وجاء هنا منطمس وهو اسم فاعل من باب الأغلبية في الاستعمال .
                          4- ورد الفعل ( يكبو ) في عبارة ( يَكْبو على إِثْرِهَا البِرْذوْنُ والفَرَسُ ) لا يستقيم معناه ربما أردت ( يقفو) .
                          5- استعمال ( جيب الوقت ) لا أراه مناسباً فالوقت لا يحصر ولا يقيّد في مكان معين مثل الجيب الضيق في دلالته .

                          تعليق

                          • د مرتضى الشاوي
                            عضو الملتقى
                            • 08-07-2011
                            • 85

                            #43
                            قراءة في قصيدة ( ستعرف حين يفضحك الجواب ) – محمد حسن نجيب صهيوني
                            د مرتضى الشاوي
                            إنّ النص المفتوح يبقى رصيداً لكل قراءة فنية ، أما النص المغلق فينتهي عند عتبة العنوان مهما كثرت أبياته وكان بناءه محكماً في الصياغة الفنية في تجنيسه .
                            تستند عتبة العنوان الرئيسة إلى صدر البيت الأول من القصيدة ( ستعرف حين يفضحك الجواب ) ، وهي جزء لا يتجزأ بدلالتها على نص القصيدة بقدر ما هي تمثل بؤرة الارتكاز على عتبة النص بشكل عام ، فإذا كانت الفكرة واضحة بان النص عن حقيقته وتعرّف القارئ عليه بسهولة دون تعب أو جهد ثم يفقد حيوته لاستلاب مفرداته وتكرار معانيه وقلة صوره وخلوه من المبالغة الفنية والإغراق والمفارقات الأسلوبية .
                            إنّ موضوعة القصيدة تشتمل على وظيفة أبلاغية إلى ما يؤول الإنسان المنافق إليه في حالة الانكشاف عن حقيقته في قابل الأيام أثناء كلامه نتيجة الكذب والتملق والخيانة وسؤ الظن بالآخرين .
                            والشاعر يطرق موضوعة النفاق والجهل والحمقى الذين يتطاولون على الناس الأبرياء وعلى العلماء ذوي العقول النيرة بالكذب والافتراء والرياء ، وقد قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : ( شرّ الرواية رواية الكذب ) .
                            بالرغم من أنّ القصيدة قد بناها الشاعر على غرار الشعر العربي على بحر الوافر ، فضلاً عن التزامه التقفية( التصريع ) والقافية بروي واحد ( الباء المرفوعة ) مع لزومه ( حرف الألف ) قبل الروي هذا دليل على قدرة الشاعر على النظم في هذا النوع الأصيل التراثي وهذه القدرة تحسب له كمنتج للنص التراثي .
                            تحتوي القصيدة على مضامين كثيرة وأفكار متنوعة تصبّ في نهر واحد في الشعر الحكمي وموضوعه كشف هوية النفاق وشخصية المنافق وتحقير تلك الشخصية في نظر العامة والخاصة :
                            1- إنّ الشاعر ركّز في أسلوبه الخطابي المباشر على توصيف النفاق بوصفها ظاهرة سيئة لها انعكاساتها على المجتمع وكشف شخصية المنافق وإكثار اللوم عليه ، وربما التشنيع بحالته ، وقد وصلت إلى حالة الهجاءالساخر له وان نهايته سوف تظهر حقيقته مثل ذوبان الثلج وستزول عنه أثواب الخداع لأنّ في النهاية سيبتعدون أسياده الذين علموه على الكذب وسوف تبدو مساوئه للآخرين مثل القدر المتروك الذي يكثر عليها طنين الذباب لعفونته وتراكم الفضلات .
                            ستعرفُ حِينَ يفضحُكَ الجوابُ = وإنّ الثلجَ يمحقه الذواب
                            وتسقط عنك أثوابُ التجنّي = وينأى عنك ساستُكَ الكِذاب
                            لسانَك، واللسانُ وعاءُ لفظٍ = بما يحويه منطقُك المُعاب
                            كذاك القِدرِ أدْرَنه فسادٌ = فَحامَ على عفونته الذباب
                            2- بيان صفات شخصية المنافق بالرغم من إسداء النصيحة له وهذه صفات جبل عليها منها ؛ لأنّ أكفه تلوثت بالشرّ وأنّ شخصيته غير سعيدة فاعتادت على الانتقاص من الآخرين والهجوم والتراجع والحقد والغرور والانفصام والاضطراب والسباب الفاحش .
                            نصحتك أن تكفَّ يداك شراَ = وعبتُ عليك ما عاب الخطاب
                            ومثلك لا يقام به اعتداد = ولكنَّ الشقيَّ له خراب
                            ألا من كان مدرجُه انتقاصا = وصبغته هجومٌ وانسحاب
                            وفيه الحقدُ منبتُه ثلاثٌ = غرورٌ، وانفصامٌ، واضطراب
                            ومَخْبؤُه الحروف بها يلوذ = ليقذف ما يشاءُ له السُباب
                            3- وقد أزال عنه كلّ الأقنعة في ضوء تحقيره وبيان شرّه وكشف أفعاله ومعرفة ما يؤول له لسانه ، فضلاً عن إبرازه بصفاته الحيوانية وتشبيه أفعاله بها مثل الثعالب في مكرها وكالكلب في ولغه والغراب في نعيقه والذئاب في مجاراته في نقل الأخبار الكاذبة .
                            أَتُحسِنُ كالثعالبِ غير مكرٍ؟! = جِبِلّتها الخديعة والنَهاب
                            وتجهلُ منك ما أتْرَهْتَ سوءاً = تُقَبِّحُه الحقيقة والصواب؟!
                            على العلماء تنقضُّ اجتراحاً = وتولغُ ما به الأمرُ العُجاب
                            وتقحمُ، من دعاك؟، رَغِمتَ أنفاً = نعيقاً فيك يَنْعَقُه الغراب
                            وتجهرُ بالضلالة فيك قولاً = ليرويَ عنك إخوتك الذئاب
                            4- كشف أعمال المنافقين وانكارها : من تلفيق وتدليس وكذب وريب واجتراح الفتن

                            عن الصلفيق مُدَّلِساَ كذوباً = بما كذبوه من قِيلٍ ورابو
                            وما اجترحوه من فتنِ، فهذا= لَعَمري فيه ما سقط النقاب
                            5- تنبيه المنافق وتبصيره وتحذيره من سوء العاقبة في إراقة دم العلماء ومن غضب الله عليه وان حياته سوف تتحول إلى سماء محلة أشبه بالأرض المجدبة بلا غيوم .
                            وأنتَ اليوم خادمُهم سبيلاً = بتلفيقٍ يكاشِفُه السراب
                            ومَلسَنُهم بِدَحْضِكَ كلَ صدقٍ= يقول به أئمتُنا الصَحاب
                            دمُ العلماء مَقرَبُه حرام = تغاديه المهانةُ والعقاب
                            ومن سَخَطِ الإلهِ عليك شأناً = حياءٌ فيك أمْحقَه الغياب
                            وهل كانت سماؤك غيرَ مَحْلٍ = إذا انقشعتْ، فلا قَطَرَ السحاب؟!
                            6- ولم يكتف بذلك بل راح يعرف الناس بما يقوم به من أفعال شنيعة وبالخصوص التلفيق على العلماء ويحذره بالابتعاد عن الغيبة وإنكار فضائلهم ؛ لأنّهم من ذوي العقول البصيرة ويكفي أنّ منابرهم شاهدة بذكر الله .
                            فلا تغتبْ أئمتَنا دهاقاً = بهذا الأمرِ قد نَزَلَ الكتاب
                            ولا تنكرْ فضائلَهم نَقاماً = ولا تجنحْ فيُسقطَك النصاب
                            ويهلكَ فيك منزلةً لسانٌ = ويشقى فيك منحدراً مآب
                            أئمتُنا حماةُ الدين صوناً = أولو الألباب والصحبُ النُجاب
                            ومنبرُهم بذكر الله صَدْحاً = ومجلسُهم يُؤانسه المُطاب
                            7- ويتوعده بنوع من التحدي الخاص ويحذره إذا تفوه ويسمعه جواباَ لهذه الأسئلة ، لأنّ الجواب سوف يفضحه وسيجفّ في فمه اللعاب وستكون نهايته الخيبة بمحق كلماتهم الفانية .
                            أيا من يحتمي بالحرف دِرعاً = حَذارِ الآن إنْ طفَحَ الخطاب
                            فحَسبي منك أسْمِعني جواباً = لماذا جفَّ في فَمِك اللعاب؟!
                            لماذا الآن أبْصُركم فألقى = قتيلاً راح يُسْعِفه المُصاب؟!
                            وكيف تغور أحرُفكم مَحاقاً = لِتفنى حين تَنْهرُكَ الرقاب؟!
                            أجبني اليوم إنْ قُرِّعْتَ سؤلي = ألَيْسَ، ألَيْسَ يفضحك الجواب؟
                            ملامح فنية تسجل للشاعر :
                            1- اقتفى الشاعر أثر القدماء في قصيدته وتقليد الشعراء في تناولهم مثل هذه الموضوعات الفكرية إلا أنّ الشيء الجديد الذي يثاب عليه ويحسب له في تطويره وبعثه من جديد إنّ الشاعر ولّد معاني كثيرة في صفات المنفاق ومعرفة حقيقة النفاق ولوم المنافق وتحقيره والتحذير منه وتعريفه بجهله للعلماء في وقتنا المعاصر وقد اختصره الشاعر العربي ذلك ببيت واحد :
                            يعطيك من طرف اللسان حلاوة ويروغ عنك كما يروغ الثعلب
                            2- ويحسب له اكتناز القصيدة بالصور الفنية من تشبيه واستعارة ورمز مثل وصف جواب المنافق بالثلج في ذوبانه السريع واستعارته الثوب للظلم ووصف اللسان بالوعاء ووصفه بالقدر وما يؤول إليه من فساد وإكثار الذباب عليه للعفونة وحالته حال الذين يجولون حوله ،
                            3- فضلاً عن ذلك استعماله الرمز الحيواني على طريقة الهجاء الساخر لانتزاع صفة الإنسانية عنه في تشخيص صفاته بإضفاء جانب من الوحشية في السلوك الإنساني الشاذ ووصفه نفسيته كأنّها سماء مجدبة خالية من السحاب لا تحتوي على مطر، ربما تكون هذه ابرز معالم الصورة المجازية بشكل مختصر ، لأنّها مفهومة واضحة الملامح لا تجهد المتلقي في معرفتها .
                            4- أسلوبه الخطابي المباشر يتضمن أساليب الطلب من الجمل الاستفهامية التي لم تخرج معاني مجازية كثيرة سوى التعجب وأسلوب النهي في ترك الأفعال والجمل المنفية في إنكار أعماله وجمل التوكيد التي حرص الشاعر عليها وأسلوب القسم والشرط .
                            ولا بد من الإشارة إلى بعض الهنات في القصيدة ربما لم تكن مقصودة إلا أنّها لا تستقيم في دلالتها اللغوية والنحوية والفنية :
                            1- استعمال مفردة ( ذواب ) بوصفه مصدراً في البيت الأول للفعل ذاب ، لأنّ مصدر الفعل ( ذاب ذوباً وذوباناً ) ، أما ( ذواب ) فلا وجود له في القاموس العربي ولا يستعمل ( ذواب ) على وزن فعال بفتح الفاء للدلالة عن الذوبان كمصدر ؛ لأنّ الفعل فعل لازم يدل على الحركة والاضطراب .
                            2- وجود مفردة ( صلفيق ) التي ليس لها جذر لغوي عربي في القاموس العربي ولا أعرف لهذه المفردة هل هي من المفردات الدخيلة في العربية . أظن انّه أراد التلفيق فأصاب الكلمة تصحيفاً فغيرت من التلفيق إلى الصلفيق
                            3- وقع في خطأ نحوي مما غير حركة القافية وبرزت ظاهرة الإقواء وهي مخالفة لحركة القافية للأبيات السابقة والتالية في البيت :
                            ألا من كان مدرجه انتقاصاً وصبغته هجوم وانسحاب
                            لأنّ الواو هنا عاطفة وليست استئنافية ( وصبغته هجوم وانسحاب ) وهي جملة اسمية معطوفة على سابقتها ( كان مدرجه انتقاصاً ) فوجب عدم تكرار الفعل الناقص مرة أخرى فمحل هجوم خبر كان منصوب واسمه ( صبغته ) وتأتي مفردة ( انسحاب ) معطوفة عليه ، لأنّه اسم معطوف منصوب على ( هجوم ) فيجب أن يكون الشطر الثاني ( وصبغته هجوماً وانسحاباً ) والتقدير: كانت صبغته هجوما وانسحاباً، هذا من وجهة نظري لأصول النحو في عطف الجملة على الجملة ولا عندي مسوغ نحوي لرفع مفردة( انسحاب ) إلا في حالة واحدة إذا كانت الواو حالية فتكون جملة اسمية في محل نصب حال فتكون انسحاب مرفوعة أو تكون الواو استئنافية فتمضي الجملة كما أراد الشاعر . وبدوري أحيل هذا البيت إلى المختصين في الملتقى بعلم النحو لحل هذه الشبهة .
                            4- وردت مفردة (النهاب ) بفتح النون وهي بكسر النون لأنها جمع وليست مصدراً .
                            5- وردت مفردة ( السّباب ) بضم السين وهي بالكسر لانها مصدر للفعل
                            6- وردت مفردة ( رابو ) بدون ألف وهي ( رابوا ) لأنّه فعل اسندا إلى واو الجماعة
                            7- وردت مفردة ( نقاما ) بفتح النون مصدر للفعل نقم وهذا لا يوجد في القاموس العربي لأنّ مصدر الفعل نقم نقماً ونقوماً .
                            8- وردت مفردة ( النجاب ) بضم النون وهي جمع وقعت صفة للصحب ولا يوجد في العربية جمع للمفرد ( نجيب ) وإنما أنجاب ونجباء ونجب .
                            9- وردت مفردة ( المطاب ) بضم الميم للدلالة على الشيء الطيب والأصح بالفتح ؛ لأنّه مفرد مذكر ومؤنثها مطابة وجمعها مطايب .
                            تنويه عام
                            هذا ما وسعني من الوقت في بيانه وأسأل الله العفو واستغفره من الزلل أنّه سميع مجيب فلا أحبّ في كشف هفوات الغير بقدر ما أريد الفائدة له من أجل الصقل والدربة وتطوير مفرداته والاستعانة بالمعجم وقراءة الآخرين ذوي الاختصاص .
                            فضلاً عن ذلك أنّ ابن آدم خطّاء ولا يملك العصمة في القول والفعل ؛ لأنّها درجة عالية للأنبياء والأولياء الصالحين .
                            وأخيراً أتقدم بالشكر إلى ملتقى الأدباء والمبدعين لسماحهم لي بالاشتراك في لجنة التحكيم بالرغم من ضيق وقتي بسبب انشغالي بأمور التدريس والبحث .
                            إلا أنّي قد حصرت وقتاً لانجاز ما كلفت به وأرجو المعذرة إن كانت هناك أخطاء طباعية لم تكن بالحسبان وإنما كانت السرعة والاستعجال في تنزيل المعلومات .
                            أرجو من الله أن يوفق المؤسسين للملتقى والعاملين عليه والرافدين المبدعين من الشعراء والأدباء بنتاجهم الإبداعي ،
                            وآمل من الله أن يوفق المشتركين بهذه المسابقة ، وليست الدرجة العالية هو سر النجاح وإنما المشاركة الفعلية والاستفادة من الآخرين لمعرفة الأخطاء الأسلوبية واللغوية هو النجاح الحقيقي .
                            والله ولي التوفيق
                            د مرتضى الشاوي
                            1 / 11 / 2011م = 1432هـ

                            تعليق

                            • دينا نبيل
                              أديبة وناقدة
                              • 03-07-2011
                              • 732

                              #44
                              المشاركة الأصلية بواسطة د مرتضى الشاوي مشاهدة المشاركة
                              [تنويه عام [B][COLOR=#C00000][/CO
                              هذا ما وسعني من الوقت في بيانه وأسأل الله العفو واستغفره من الزلل أنّه سميع مجيب فلا أحبّ في كشف هفوات الغير بقدر ما أريد الفائدة له من أجل الصقل والدربة وتطوير مفرداته والاستعانة بالمعجم وقراءة الآخرين ذوي الاختصاص .
                              فضلاً عن ذلك أنّ ابن آدم خطّاء ولا يملك العصمة في القول والفعل ؛ لأنّها درجة عالية للأنبياء والأولياء الصالحين .
                              وأخيراً أتقدم بالشكر إلى ملتقى الأدباء والمبدعين لسماحهم لي بالاشتراك في لجنة التحكيم بالرغم من ضيق وقتي بسبب انشغالي بأمور التدريس والبحث .
                              إلا أنّي قد حصرت وقتاً لانجاز ما كلفت به وأرجو المعذرة إن كانت هناك أخطاء طباعية لم تكن بالحسبان وإنما كانت السرعة والاستعجال في تنزيل المعلومات .
                              أرجو من الله أن يوفق المؤسسين للملتقى والعاملين عليه والرافدين المبدعين من الشعراء والأدباء بنتاجهم الإبداعي ،
                              وآمل من الله أن يوفق المشتركين بهذه المسابقة ، وليست الدرجة العالية هو سر النجاح وإنما المشاركة الفعلية والاستفادة من الآخرين لمعرفة الأخطاء الأسلوبية واللغوية هو النجاح الحقيقي .
                              والله ولي التوفيق
                              د مرتضى الشاوي
                              1 / 11 / 2011م = 1432هـ

                              د/ مرتضى الشاوي .. أستاذي الكريم

                              حقيقة لا أعرف ما أقول .. لكن .. أحسنت سيدي الفاضل ..

                              لقد أبدعت في هذا المتصفح بقراءاتك النقدية الجادة جدا .. والتي استفاد منها أصحابها وغيرهم من زوار المتصفح

                              كما أشكر لك مجهودك الرائع وتمكنك أستاذنا من الانتهاء من تقديم القراءات قبل الموعد النهائي رغم انشغالاتك الكثيرة ..

                              كل التقدير لعملك الرائع .. ولقد تشرفنا بحضرتك كناقد جليل بيننا

                              وزادك الله علما وعملا

                              تقبل فائق التحايا والامتنان


                              نادي الأصالة للإبداع الأدبي

                              تعليق

                              • منتظر السوادي
                                تلميذ
                                • 23-12-2010
                                • 732

                                #45
                                أيّها الحبيب شطر روحي أستاذي الغالي مرتضى
                                أبكيتني وربّ الكعبة
                                الف شكر لك ، على المجهود الذي بذلته رغم ضيق الوقت وشدته ، عجزت عن شكرك ايها الحبيب ، و أسأل الله أن يهب لك من لدنه وليّا .
                                لك مودتي التي لا تنقطع ، أستاذي كم أتعلم منك التواضع لكنك متربع على سنامه ، أتمنى أن أصل ولو الى درجة من تواضعك البريء .
                                لك محبتي البيضاء خالصة
                                حبيبي
                                سامحنا لأَننا أرهقناك زمنا

                                لك الودّ المعجون بما يرضي الله
                                تلميذك
                                الدمع أصدق أنباء من الضحك

                                تعليق

                                يعمل...
                                X