السلام عليكم
النص الأول : " أحببت فيك صراحة الصبار " للشاعر خالد شوملي
النص الأول : " أحببت فيك صراحة الصبار " للشاعر خالد شوملي
بما أننا أمام منافسة لنيل لقب علينا أن نتحلى بالمصداقية والأمانة عند تناول المواضيع بغية تفنيدها نقدياً ولكي نتحلى بهذه الميزة يجب أن نخضع المواضيع للنقد بعيداً عن المجاملات والمزايدات .. ومن هنا سأعمل على تفنيد النص وتوضيح مكامن الجمال والإخفاق فيه ما أمكن .
هذا النص الموسوم بــ " أحببت فيك صراحة الصبار " سنلاحظ أن العنوان مقتطع من أحد أبيات النص وهو البيت الأول . وهذه حقيقة مشكلة تواجه الكثير من الكتاب إذ أنهم لا يبذلون جهداً عندما يتعلق الأمر بعنوان النص ويعتبرونه خارج نطاق الأهمية .. مع أن الحداثة في الشعر تركز تركيزاً مهماً على طبيعة العناوين . ويمكن أن نشبه العنوان بشاخصة مرورية ترشد المارّة إلى الأماكن الصحيحة حيث يريدون الذهاب . من هنا كان لا بد من الاهتمام بالعنوان من قبل الشاعر مصاحباً ذلك الاهتمام بإحداث تغيرات ما عليه كــَ أن يكون مشفراً أو غارقاً في تجليه ورمزيته .
أحْبَبْتُ فيكِ صَراحَةَ الصّبّارِ
وَبَراءَةَ الصَحْراءِ وَالنُّوّارِ
وَبَراءَةَ الصَحْراءِ وَالنُّوّارِ
نلاحظ أن الشاعر في هذه البيت اعتمد كلياً على الانزياح في الشعر وعلى وجه الخصوص ما يسمى بالاستعارة التنافرية . صورة بلاغية تقوم على الجمع بين متنافرين لا علاقة جامعة بينهما لتحقيق غرض شعري ذا دلالة. لكني أرى أن الشاعر لم يوفق أبداً في الجمع بين المتنافرين .. فما علاقة الصبار بالصراحة!! وأظن الصبار يُعنى أكثر بالوحدة بالتحمّل بالقوّة والجلد . أمّا الصراحة فليس ثمّة معنى صريح أو خبيء في نهاية الأمر يعمل على التدليل بشكل ما على الصورة المجترحة من الجملة المركبة تنافرياً . وقس على ذلك براءة الصحراء .. فالصحراء ليست بريئة لأنها على الأغلب مكاناً موحشاً نظراً لطبيعتها المناخية وصعوبة الحركة والعيش فيها. ومن هنا أجد أن الشاعر لم يوفق أبداً في التعبير المجازي المستخلص من البيت الأول خاصة مع أهمية القول أن الشاعر لم يبذل أيضاً جهداً بالاستعانة بالدلالة الصحيحة لإبراز عامل الدهشة والقوّة بدلاً من الاعتماد الكلي على الارتجال لحظة الكتابة.
حَتّى السّكوتُ على شِفاهِكِ حِكْمَةٌ
فَالشَّمْسُ تُكْسَفُ في ذَرا الأقْمارِ
فَالشَّمْسُ تُكْسَفُ في ذَرا الأقْمارِ
يعني لا أجد أبداً علاقة بين السكوت والذي شبهه الشاعر بالحكمة وهذا جيد وجميل وما بين كسوف الشمس . فليس من واقعية في التخيّل والتشبيه . وليته أبقى كل بيت منفصل عن الآخر ولم يربطه كدلالة أو تشبيه . فالنهاية ضعيفة والفكرة بعيدة عن الواقع . مع أهمية أن التخيّل في الشعر يجب أن يقوم على احترام الواقع من خلال طبيعة الجمل المركبة وعلائقيتها مع بعضها لكي لا ندخل بما يسمى الهذر والكلام لمجرد الكلام. وحتى لو فرضناً جدلاً أن المعنى المراد قوله هو أن : السكوت على شفاه المحبوبة هو أشبه بحكمة، بدلالة الخشوع والعظمة . مستدعياً لنا صورة واضحة وهي ظاهرة كسوف الشمس . فليس من معنى جميل يستخلص من هذا الربط والاستدلال .. وحتى لو أجزنا ذلك من باب الشعرية . فأنا أرى أن لون الصورة جدّ غامق وثمة ضبابية وإبهام يحوزان المساحة الأكبر من هذا الربط .
وَكَرامَةُ الثُوّارِ فيكِ تَشُدُّني
نُبْلُ الْفِداءِ وَرَمْزُ كُلِّ فَخارِ
نُبْلُ الْفِداءِ وَرَمْزُ كُلِّ فَخارِ
لا يوجد شعر حقيقي يشدّ القارئ في هذا البيت غير كرامة النّوار هذا التعبير المجازي الجميل ولكن باقي البيت وما يليه أضعفه كثيراً وقلل من أهميته .
الليْلُ زَيّنَ شَعْرَهُ بِنُجومِهِ
وَأنا أُكَلّلَهُ شَذا أشْعاري
وَأنا أُكَلّلَهُ شَذا أشْعاري
في قَهْوةِ الْخَدّيْنِ سُكَّرُ فَضَّةٍ
وَفَمُ الْقَصيدَةِ جَمْرَةٌ مِنْ نارِ
وَفَمُ الْقَصيدَةِ جَمْرَةٌ مِنْ نارِ
وَالشِّعْرُ مِثْلُ الْغَيْمِ يَحْمِلُهُ الْهَوى
حُرّاً يُحَلّقُ فَوْقَ كُلِّ جِدارِ
حُرّاً يُحَلّقُ فَوْقَ كُلِّ جِدارِ
لا أدري كيف تم ربط تحليق الغيم بعد حمله من قبل الهواء فوق الجدران .. ولماذا الجدران؟ هنا يدخل ما يسمى في النقد التكلف والصنعة غير المتقنة . فهما عنصران يحضران في الشعر الحديث ولكن بشروط أهمها أن تكون الصنعة على مستوى عالي بعيد عن الخضوع للقافية أو الوزن .. وإذا ما حصل ذلك فهذا سيضعف من بنية البيت وبالتالي من الصورة الكليّة الحاضرة.
يَعْلو وَيَرْقُصُ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِنا
مُسْتَهْزِئا بِالْقَيْدِ وَالْأسْوارِ
مُسْتَهْزِئا بِالْقَيْدِ وَالْأسْوارِ
هذا البيت يكمّل الذي سبقه في المعنى .. والمعنى جميل في نهايته مع أن كلمة جدار في البيت الذي يسبقه وكلمة أسوار تحمل نفس المعنى على الأغلب .. والتكرار هنا تكرار في المعنى وليش في اللفظ وهذا غير محبب في الشعر الحديث خاصة إن لم يكن ثمة مساحة في اتجاهٍ عمودي لترك الانطباعات والإحالات تأخذ مجراها على الذائقة .
ذِكْراكِ لَمْلَمَتِ الْفُؤادَ فََقَشُّهُ
هَشٌّ إذا لَمْ يَحْتَرِقْ بِشَرارِ
هَشٌّ إذا لَمْ يَحْتَرِقْ بِشَرارِ
فَاسْتَيْقِظي حُلُماً يُبَشّرُ بالنّدى
بِرَبيعِ حُبٍّ مُزْهِرٍ مِعْطارِ
بِرَبيعِ حُبٍّ مُزْهِرٍ مِعْطارِ
رُشّي رَذاذَكِ فَوْقَ صَدْرِ حُقولِنا
فالشَّوْقُ مِثْلُ الشَّوْكِ والْمِسْمارِ
فالشَّوْقُ مِثْلُ الشَّوْكِ والْمِسْمارِ
بيت جميل رغم بساطة النظم وعفويّة اللغة والمعنى .. فالشاعر أراد أن يقول بشكل صريح أن الحب يتخلله ألم وأحزان نتيجة الصد والبعد والفراق وما إلى ذلك .. المعنى دارج ولكن الصياغة جاءت بثوب جديد وجميل.
لا تَطْرُقي الأبْوابَ في وَجْهِ الْفَتى
ما كُنْتِ قَدْ غادَرْتِ قَلْبَ الدّارِ
ما كُنْتِ قَدْ غادَرْتِ قَلْبَ الدّارِ
هَيّأْتُ روحي لِلشّتاءِ فَما أتى
مَطَرٌ يَفيضُ هَوىً عَلى أشْجاري
مَطَرٌ يَفيضُ هَوىً عَلى أشْجاري
كَمْ تُهْتُ مُتَّهَماً بِحُبِّ سَحابةٍ
بَخِلَتْ عَلى الْبَيْداءِ بِالْأمْطارِ
بَخِلَتْ عَلى الْبَيْداءِ بِالْأمْطارِ
وَلَمَحْتُ نَحْلَتَها تُغادِرُ رَوضَتي
يا لَيْتَها حَطّتْ عَلى أزْهاري
يا لَيْتَها حَطّتْ عَلى أزْهاري
وَعَزَفْتُ ذِكْرى الْحُبِّ مِنْ وَجَعِ الصّدى
كَمْ آلَمَتْ ألْحانُها أوْتاري
كَمْ آلَمَتْ ألْحانُها أوْتاري
هذي الْقَصيدةُ طائرٌ وَسَفينةٌ
أنْتِ الْمَدى وَجَناحُهُ وَبِحاري
أنْتِ الْمَدى وَجَناحُهُ وَبِحاري
بيت جميل جداً .. من جهة الاستعارة حيث وصف القصيدة على أنها طائر يحلق في المدى الذي أحاله على المحبوبة. وسفينة تشق عباب بحاره .. مع أنني أجد أن المفرد لا يتواءم مع الجمع أو يتماهى على أبعد تقدير .. فالمدى واحد والجناح واحد .. والبحار مجموع .. ولكن الشاعر اضطر لهذه التراتيبية خضوعاً للقافية.
أبْحَرْتُ في لُغَةِ الْعُيونِ فَلَمْ أصِلْ
في سِحْرِها لا يَنْتَهي إبْحاري
في سِحْرِها لا يَنْتَهي إبْحاري
ما أوْسَعَ الدُّنْيا بِمُقْلَةِ حالِم ٍ!
هَلْ تَلْتَقي بِبِحارِها أنْهاري ؟
هَلْ تَلْتَقي بِبِحارِها أنْهاري ؟
وَكَمِ اقْتَرَبْتُ مِنَ الْقَصيدَةِ حائراً !
ثُمَّ ابْتَعَدْتُ مُبَعْثَرَ الأَفْكارِ
ثُمَّ ابْتَعَدْتُ مُبَعْثَرَ الأَفْكارِ
وَأَعَدْتُ تَرْتيبَ الْحُروفِ مُجَدّداً
فَقَرَأْتُ ما بَيْنَ الرَّمادِ دَماري
فَقَرَأْتُ ما بَيْنَ الرَّمادِ دَماري
فَأَدَرْتُ نَرْدَ الشِّعْرِ أرْجو حَظَّهُ
فَرَأَيْتُ بَدْراً ساحِراً بِمَداري
فَرَأَيْتُ بَدْراً ساحِراً بِمَداري
وَتَأَرْجَحَتْ مُدُني عَلى أمْواجِها
وَالْمَوْجُ عالٍ ساخِرُ الْأَطْوارِ
وَالْمَوْجُ عالٍ ساخِرُ الْأَطْوارِ
تكرار رتيب في أحرف العطف وأفعال المضارع تتابعاً . وهذا يدل على ضعف في قاموس الكاتب وانحسارية لغته وعدم قدرته على جذب مفردات تغنيه عن عطف الجمل الشعرية على بعضها البعض لتحسين السردية في الفكرة العامة. والربط بين جزيئات الفكرة الواحدة. أو وحدة المعنى .
وَتَغَوْرَقَتْ مُقَلي بِبَحْرِ دُموعِها
قَلْبُ الطُّفولَةِ جاهِلُ الأخْطارِ
قَلْبُ الطُّفولَةِ جاهِلُ الأخْطارِ
إنّي غَرِقْتُ على مَشارِفِ حُبِّها
وَتَحَطّمَتْ سُفُني مِنَ الْإعْصارِ
وَتَحَطّمَتْ سُفُني مِنَ الْإعْصارِ
إنْ مُتُّ حُبّاً فَالْحَياةُ جَميلةٌ
يا إخْوتي لا تأْخُذوا بِالثّارِ
يا إخْوتي لا تأْخُذوا بِالثّارِ
" إنّي أُحبّكِ " لَمْ أقُلْها سابِقا
لا لَنْ أبوحَ لِغَيْرِها أسْراري
لا لَنْ أبوحَ لِغَيْرِها أسْراري
خَبّأْتُ أشْعاري وَكُلَّ مَشاعِري
وَمُذَكّراتِ الْحُبِّ في آباري
وَمُذَكّراتِ الْحُبِّ في آباري
الأبيات الثلاثة منذ إن متّ أظنها تصلح لتكون مقالة عن الحب أكثر من كونها شعر .. فليس هنالك أي أهمية للمعنى ولا يوجد انزياح ولا تشبيه ولا جزالة ولا عنصر مفاجئة أو خروج عن نطاق اللغة العادية المستعملة من العامة والعاديين من الناس .. فأي واحد بإمكانه لو أتقن العروض أن يأتي بمثلها . إني أحبك لن ابوح باسراري لغيرك , إن مت لا تأخذوا بثاري من محبوبتي لأن الحياة جميلة بعد موتي !! , لم أفهم ما المقصود هنا!! خبأت أشعاري ومذكراات الحب في آباري !! وأين تكون هذه الآبار على الأغلب!! وحتى المجاز منه لا يصلح أن يكون كدلالة. فالآبار تنسجم مع الفيض والتجدد والظهور .. وهذا يخالف معنى البيت الذي وضّحته مفردة " خبأت " أي أرادها آسنة وغارقة في السكون.
بَعْضُ الْكَلام ِ يُصانُ حَتّى يَهْتَدي
ثَمَراً يَذوبُ على فَم ِ الْمُحْتارِ
ثَمَراً يَذوبُ على فَم ِ الْمُحْتارِ
فَهَمَسْتُ ثُمَّ صَرَخْتُ ثُمَّ أعَدْتُها
وَكَأَنّها تَحْلو مَعَ التِّكْرارِ
وَكَأَنّها تَحْلو مَعَ التِّكْرارِ
بيتان جميلان جداً .. فيهما حكمة طفيفة وعذوبة تكمن للعشق العذري المصان من قبل العاشق والمعشوق.
" إنّي أُحِبُّكِ " لَنْ أُقِرَّ لِغَيْرِها
فَهِيَ اسْتَقَرّتْ في صَميم ِ قَراري
فَهِيَ اسْتَقَرّتْ في صَميم ِ قَراري
قَدْ قُدَّ قَلْبي قَبْلَ أنْ دَقَّ الصّدى
إنّي أُحِبّكِ أنْتِ .. أنْتِ خَياري
إنّي أُحِبّكِ أنْتِ .. أنْتِ خَياري
في النهاية يمكن القول أن هذا النص على ما فيه من وضوح وضعف في الصنعة والتكريب فضلاً عن النهايات الكثيرة على ضمير المتكلم كــ قراري ـ خياري – آباري – دماري – إبحاري – أزهاري وغيرها من الكلمات . قد أضعف من القصيدة ككل وأدخلها في حيّز الشعرية الضيق جداً .. فاللغة بسيطة لأبعد حد والنظم اعتمد كلياً على الوضوح والخطابية دون التغلغل في متاهات اللغة الشعرية الحقة . تلك المجترحة من الخيال والمرتبطة بالذهن المشبع بالقراءات والمتابعات والتثقف ونبش التاريخ والماضي لإضفاء جوّ من الرمزية والاستدعاءات العميقة والتي تحثّ القارئ على التفكّر أمام النص والبحث أكثر عن مافيه من درر مخبأة في أعماقه التي لا بدّ أن تكون مكتنزة ومعبأة .
تعليق