السجالات الشعرية بقدر ما تكون تلقائية فإنها تكون صادقة لتفصح عن فكر صاحبها وقناعاته بدون مواربة ولا تزويق, لأن الكلمة الشعرية تصدر تحت ضغط الاستفزاز أو تحدي الآخر لتكون المفردات سيوفا يتقارع بها الشعراء وكلٌّ يحاول أن يكون الأقوى, فقوة دفعه هي مشاعره التي تعيش ثورة البركان ليصبح البيان شلالاً جارفا لألم أثارته الكلمة المحاربة في قصيدة هي ساحة وغى تقارع فيها الحجة بالحجة والكلمة بأخرى ليكون هناك هدنة ومحاولة للمصالحة ولرأب الصدع وإصلاح ما أفسده الزمن, وأقول هل حقا نستطيع أن نصلح ما أفسده فينا ألم غائر في أعماق الإنسانية منذ الخلق الأول ؟
من الصعب أن نصل إلى أعماق الإنسان ونداوي جرحا تركه الزمن في عهد ظلم الإنسان للإنسان هذا ما يحاول أن يقوم به الشاعر القدير محمد نجيب بالحاج عندما يقول :
:
تُب يا صلاحُ ، فبحر الشّعر يضطرب واستغفر الله حتّى تُرسل السّحبُ
المعصية كلمة والتوبة كلمة وعلينا أن نختار بينهما ليسترجع الإنسان توازنه الوجداني الشعوري ففي المعصية هلاك صاحبها وفي التوبة نجاته وبين المعصية والتوبة يتأرجح الإنسان لتكون له حركة كساعة الزمن التي تطوينا دون أن نستطيع أن نوقفها ولا ندري متى تتوقف لنأخذ مكانا محتوما من بين أشياء الحياة ..... بعد أن أرسل الشاعر حكما عاما عاد ليوضح سبب سجاله ليستوضح من الشاعر موقفا لم يستطع قبوله ليسأل
أتهين أمّي وأختي والتي سكبتْ
في عمق قلبي هوى يزهو له العجبُ
لا يقبل الشاعر محمد نجيب بالحاج أن تهان إمرأة هي أم وأخت ومصدر حب وعطاء في رحمها تنزل الروح وتحيا النطفة ويتكون الخلق الأول لتكون لها قدسية لا يمكن التعدي عليها ولا إهانتها لأنها الأرض الولادة والحاملة في أحشائها سنة الخالق في الخلق وهي القلب النابض في بحر من الحب و العطاء الزاخر بالحياة .....هي الأم أساس الحياة و أساس تربية الأجيال وأساس يخلق منه الوجود الإنساني وهي منشأ الحضارة وهي مقام جمع العائلة والمجتمع وهي المناضلة بالفكر والساعد وهي العاملة دون كلل لإسعاد الأسرة والمجتمع كيف تهان امرأة هي كل هذا ؟ سؤال شاعر لا يجد جوابا ليبقى معلقا ومهما تكون الأسباب تبقى الإهانة أمرا غير مقبول ولا قابل للإدراك بالعقل الواعي و يقول الشاعر
من سوف يضفي على الآمال زينتها؟
لولا التي تحنو ، وتُدنيني وتقتربُ
يتساءل الشاعر الذي لم يقبل الإهانة لأمه وأخته ليقول إن إهانة المرأة تجعلها غير قادرة على العطاء المثمر لأمل, الإنسانية في حاجة إليه لأنه زينتها وهو الجمال في حد ذاته فلولا هذا الحنو والحنان الفياض من قلب الأم التي تمسح دمع الحزن وتداوي جراح الوجع الذي تتركه الأيام فينا لكانت الحياة موتا آخر قبل الموت
في جنة الخلد حور ياصلاح فهل نستبعد الحور أم بالعطر نختضبُ
يحاول الشاعر أن يلفت الانتباه إلى حور جنة الخلد وهن مثال الطهارة والنقاء وكأنه سؤال مبطن كيف لنا أن نتجاهل الجمال ونعطي أهمية للقبح الإنساني ونكرمه بنضم الشعر ؟ أم الشعر الذي قيل و شبه الأنثى بالأفعى هو وليد لحظة ألم اعترت الشاعر فكانت هذه القصيدة ؟ و أقول أن كل لحظة ألم نعيشها لنا مساهمة في وجودها ولكننا غير قادرين على مواجهة النفس وأناها الطاغية فنهرب من جبروتها لنلقي باللوم على الآخر ونتتبع عيوبه ونقائصه لأقول من منا كامل ؟ هل لا يعرف الغدر غير المرأة ؟ أليس هناك من الرجال من هو أغدر منها وأقبح ؟ لماذا هذا التمييز الجنسي العنصري؟ و الذي في الحقيقة نربي عليه أولادنا منذ الصغر لتكون البنت بالنسبة للأخ الذكر في وضعية دونية ومن له بنات يشعرهن بالذنب لأنهن أخذن مكان الذكر و يذهب بعض الآباء إعطاء إحداهن اسم ولد وهذا نوع من تأليه الذكر .....هو المنطق الجاهلي الكامن فينا والذي يجعله استفزاز الحدث يطفوا على السطح لتعبر عنه كلماتنا فالأدب مرآة ينعكس عليها الوعي الجمعي والذي له جذور تمتد إلى ماضي الإنسانية السحيق ويقول الشاعر
أنت ابن أنثى ، وها قد أنجبت أسدا في غابة الشعر تخشى صوته الدّببُ لولا حليبا سرى من ثديها عبقا ما صرت فحلا به يستفحل الأدب
للشعر غابة تجوبها أسود هم أبناء حواء أرضعتهم حليب الشهامة والإباء هم حماة الأرض والعرض يذودون عن مكتسبات أمة وفكرها المستنير والقادر على قيادة الأمم الأخرى هذا ما خلقنا من أجله و هذه رسالة أمة إقرأ..... للكلمة وقع المهند على رأس العدو في ساحة الوغى وهي الحاملة لراية الحرية والحاضنة لأخلاق تخلقت في فطرة سلمت من التحريف وفساد طغى على أقوالنا وأفعالنا
ليقول الشاعر محمد نجيب بالحاج أن للشعر فحولة وللكلمة موقفاً وأصالة تصدع بها في وجه الباطل و ترديه قتيلا هي سلاح المؤمن بقضية إنسانية عادلة تعيد بناء المجتمع والدولة والعالم من دونها يتدنى فيه مستوى الإنسان ليصطف إلى أجناس أخرى من المخلوقات ليصبح غيره ويقول الشاعر
بين الرّجال خنازير لها عفنٌ هل نجعل الكل خنزيرا ، وننسحب لا شك أنّه خان الودّ فامتنعت أنثاه عن وصله واختارها الهربُ
ليست المرأة وحدها من ضاعت منها أنوثتها وأمومتها الإنسانية أيضا هنالك من الرجل من تضيع منه إنسانيته ليصبح خنزيرا له عفن.....هل نستطيع تعميم هذا الحكم على الكل؟ بالطبع لا بيد الإنسان أن يرتقي بإنسانيته أو يتدنى بها يفقدها في زحام شهواته وأطماعه ليخفي لباس الإنسان طباع الحيوان المفترس والقاتل لأخيه الإنسان ولنفسه أولا وأخيرا ليكون جبانا خائنا للوفاء غادرا لأصالته الإنسانية و لأنثى أعطته أعز وأثمن ما تملك لتتخلى عنه بعد خلعه لقناع شكلته ملامح مزيفة وكلام فقد معناه ليكون أجوفا وخاوياً على عروشه ....
نختار الهرب عندما يمتلكنا اليأس ونعجز عن الإدراك وتتقطع بنا السبل فنحاول الخلاص من ألم الماضي وصدمة الحاضر في محاولة منا النسيان وهل ينسى الإنسان؟ تنتقش الأحداث بحلوها ومرها في الذاكرة لتكون الحاضر الغائب الذي يستيقظ فينا كلما زلزلنا الواقع ليهتز الجسد والفكر في محاولة منه للإدراك ليعي بعدها أنه يبقى قاصر العقل محدوده حتى يلقى نسخته الأولى الفطرية الكامنة فيه يتواصل معها ليدرك أن للإدراك إدراكاً آخر ينتظر أن تفعل مفرداته ويقول الشاعر:
سمّ الأفاعي سلاح فيه نجدتها
ممّن أتاها لعوبا ، دأبه الأرَبُ
أمّا الحبيب له في الصّدق ألوية
فالصّدر روضته ، والقلب يرتقبُ
تجربة الإنسان الحسية العملية تجعله يكتسب خبرة في تعامله مع أشياء الطبيعة ليعرف أن غريزة الحيوان تفرض علينا الدفاع عن الحياة وفرض الوجود والدفاع عن النفس بكل الأسلحة المتاحة ....و سلاح الأفعى هو سمها الذي ينجدها عندما تضيق عليها السبل فهي تبادر لإلغاء خصمها حتى تبقي على حياتها هو صراع وجود تجعل له الطبيعة حدودا لترسخ سنة الخالق في الخلق هي حكمته التي تسري على الخلق ليتشبه الفرد بالحيوان عندما يغيب المنطق الإنساني وتسود شريعة الغاب ....و أقول لماذا تلام المرأة في هذه الحالة ولا تلام شريعة الغاب التي أصبحت سنة تتحكم في مصير الإنسان ؟
هذا هو الإنسان الذي خلق بحب ليكون الصدق دأبه والوفاء ديدنه فهو الحبيب الذي يحتضن المرأة و البشرية جمعاء في قلب ينبض حياة وعطاء لا يعرف الغدر ولا الإلغاء ليكون الصدر رحما تنشأ فيه العلاقات الإنسانية لتكبر بحب وتكون منبع الصدق والعدل الذي ينضم حياة الأفراد والجماعات ليكون التسامح هو أساس التواصل والمنطق هو البناء الذي يقيم قاعدة العلاقات الإنسانية القادرة على صياغة شبكة تواصل تعطي متانة وقوة للنسيج الاجتماعي بمختلف فئاته لتجعله يتكامل بمختلف أجناسه وتياراته الفكرية ومستوياتها العلمية
سبب انهيار الحضارات والمجتمعات والبناء العائلي هو الجور وظلم الإنسان لأخيه الإنسان وإذا أردنا تعجيل نسف حضارة أو دولة نسفنا منطق الزوجية حتى تموت العلاقة الإنسانية في المهد ليقوم مقامها منطق الإلغاء جسديا بالحروب الميدانية على الأرض ومعنويا بالحروب الفكرية على مستوى الأدب الذي يهدم ولا يبني والذي يسميه البعض إبداعا ليكون حقا مبدعا ومبتكرا لأشد الصور البلاغية تدميرا للمنطق السليم والتي ترسخ في الذاكرة لتكون نموذجا شاذا يحفظ ويقاس عليه وهذه مصيبة كبرى تصيب الفكر الإنساني في المقتل
لا ندرك أن للكلمة حياة وفعلا وحركة لأننا نتعامل معها كجثة هامدة نحن من يحركها كدمية صنعت لنلعب بها لنكتشف أن غيرنا هو من يستعملنا بها كدمى بلاستيكية كل ما فينا مصنع الأكل والشرب و الحركة والفعل والفكر والذي أصبح هو القلب الذي يتلقى الأمر لينفذ إلغاء وجود العقل المفكر والقادر على التنسيق بين الأحداث والاستنتاج السليم ليجعل الإنسان يتصرف بغريزة الحيوان غير العاقل و تكون له تلقائية الفعل وردة الفعل
للإنسان قلب نابض بالحب العاقل المتبصر الواعي بوجوده كإنسان حي له القدرة على التغير والذي يبدأ بالتخلص من موروث اجتماعي ثقافي ميت الملامح جامدها ليزرع مكانه نخلة تتساقط منها رطب مريم العذراء وهي تعيش مخاض عيسى الكلمة الروح..... متى يصبح لنا وعي قادر على إدراك ما بين دفتي كتاب يحتوي على علم الأولين و الآخرين ؟
التعديل الأخير تم بواسطة منجية بن صالح; الساعة 18-10-2011, 16:29.
سعيدة بقراءتك للموضوع كما أني أقول أن ما نكتبه بقدر
ما يحمل في ظاهره روح الدعابة بقدر ما يفصح عن فكر
نحب أو نكره هوموقف من قضية من مشكلة يعيشها الكاتب و هذا ما أردت أن أبينه في مداخلاتي بمعنى أن أقدم قراءة لأبعاد الموضوع و المواقف التي ظاهرها دعابة و باطنها حقيقة
كل التحية و التقدير لحضورك المميز
........
والتقدير لك أيضا أستاذة منجية .فكل ينظر إلى ما تجود به أكفَ الزمن من أشياء وفقا لزاوية ينظر بها إلى ساحة الدنيا .قد تكون ملونة ،ضيَقة أو واسعة ....والإختلاف مابين العقليات ،آية الله في خلقه .وأرجو أن خاطرك لم يضق مما ألقيت به من أبيات متواضعة على صفحة الأفاعي ،وليس غرضي إلا تطوير ملكتي الشعرية والله ....فلايهمني إن كانت المرأة أفعى أوغزالا .فأولا وأخيرا ما أنا إلا طالبة علم .وكم تمنيت لوأنني وجدت في عصر الفرزدق وجرير ،لأشهد مساجلاتهما الطويلة ،العريضة ،وأحظى ببعض التوجيه والنقد منهما ...لكن تجري الرياح بما لاتشتهي السفن .عيدك مبارك سعيد عزيزتي منجية ،وكل عام وأنت بخير وهناء.
التعديل الأخير تم بواسطة مباركة بشير أحمد; الساعة 04-11-2011, 13:09.
شكرا جزيلا على وجودك بهذا المتصفح و الإختلاف لا يفسد للود قضية
فكل منا له رأيه و له أيضا كل الإحترام و التقدير و بما أننا في ملتقى أدباء فهذا شيء طبيعي
أن تكون وجهات نظرنا متباينة و كلنا يتعلم من بعضنا البعض
عيد سعيد و مبروك عليك و على العائلة الكريمة و على الأمة الإسلامية
مع كل التحية و التقدير
تعليق