صرخة الفجر
مذ أطلقت صرختها الأولى، وأنا أذرع الممر جيئة وذهابا.. أخشى إن توقفت في مكاني، كما نصحتني زوجتي، أن يتوقف قلبي الوهن قبل أن أسمع صرخة ميلاد حفيدي..
فجأة، احتوتني صرخات مزلزلة.. سمرتني في مكاني أحدق بذهول إلى الوجوه حولي. كان القلق يغشى الوجوه والعيون مشدودة إلى غرفة الولادة ينتظرون الفرج.. فتيقنت أن لا أحد سواي في المستشفى يسمع هذه الصرخات المرعبة التي تأتيني من بعيد..
أجل، إنها تأتيني من بعيد..
حولت بصري إلى الخارج، عبر الواجهة الزجاجية التي أسند إليها ظهري، علي أرى من يحمل معي هول هذه الصرخات المرعبة.. في الأسفل، بساط طبيعي أخضر، وشجيرات قصيرة مصطفة على جانبي الممر الإسمنتي المؤدي إلى داخل المستشفى. وعلى مدى بصري، عمارات وأبنية وصوامع لا تزال تضيئها أعمدة الكهرباء المنتصبة هنا وهناك..
سكون رهيب يخنق أنفاس كل شيء ..
فمن أين تأتي هذه الصرخات الكبرى المرعبة التي تزلزل روحي؟؟
ولماذا تأخر طلوع الفجر؟..
قلبت وجهي نحو الأفق.. ظلام شديد السواد يغلف وجه السماء،ونجمات قليلة تبدو كعيون وجلة تترقب مثلي بتوجس ما سيحدث قبل أن تختفي أو تعلن تمردها.. وحمرة داكنة تظهر وتختفي كأن يدا من ظلام وأخرى من نور تتناوب عليها.. بل حركة غريبة وعراك شديد أراه يحدث خلف ستار الظلام، كأن قوة جبارة تقبض أحشاء السماء وتكورها فتفرز هذه الحمرة الداكنة وتتفجر معها هذه الصرخات المزمجرة البعيدة..
تمتمت بأدعية الحفظ والسلامة.. ما أفتأ أبدأها حتى تسقط من على لساني لأبدأ دعاء آخر ليسقط بدوره، وعيناي أبدا مشدودتان إلى هذا العراك الرهيب والمرعب في السماء.. بدت لي أخيرا، جمرة كبيرة بحجم الكرة في حالة مد وجزر رهيب.. تتقدم وتتراجع مخلفة وراءها حمرة داكنة أغمق من السابق.. فجأة، احتوتني صرخات مزلزلة.. سمرتني في مكاني أحدق بذهول إلى الوجوه حولي. كان القلق يغشى الوجوه والعيون مشدودة إلى غرفة الولادة ينتظرون الفرج.. فتيقنت أن لا أحد سواي في المستشفى يسمع هذه الصرخات المرعبة التي تأتيني من بعيد..
أجل، إنها تأتيني من بعيد..
حولت بصري إلى الخارج، عبر الواجهة الزجاجية التي أسند إليها ظهري، علي أرى من يحمل معي هول هذه الصرخات المرعبة.. في الأسفل، بساط طبيعي أخضر، وشجيرات قصيرة مصطفة على جانبي الممر الإسمنتي المؤدي إلى داخل المستشفى. وعلى مدى بصري، عمارات وأبنية وصوامع لا تزال تضيئها أعمدة الكهرباء المنتصبة هنا وهناك..
سكون رهيب يخنق أنفاس كل شيء ..
فمن أين تأتي هذه الصرخات الكبرى المرعبة التي تزلزل روحي؟؟
ولماذا تأخر طلوع الفجر؟..
قلبت وجهي نحو الأفق.. ظلام شديد السواد يغلف وجه السماء،ونجمات قليلة تبدو كعيون وجلة تترقب مثلي بتوجس ما سيحدث قبل أن تختفي أو تعلن تمردها.. وحمرة داكنة تظهر وتختفي كأن يدا من ظلام وأخرى من نور تتناوب عليها.. بل حركة غريبة وعراك شديد أراه يحدث خلف ستار الظلام، كأن قوة جبارة تقبض أحشاء السماء وتكورها فتفرز هذه الحمرة الداكنة وتتفجر معها هذه الصرخات المزمجرة البعيدة..
أحسست في كل مرة، أن الشمس أو هذه الكرة الجمرة من شدة اندفاعها ستخترق جدار الظلام الأسود وتسقط قنبلة ذرية على الأرض.. لكني أفاجأ في كل مرة، بأنها تصطدم بستار الظلام المطاطي الذي يبدو عسير الاختراق فتغيب ثانية لتستجمع قوتها لتندفع من جديد.. أو ربما ستغيب نهائيا فيدنو هذا السواد القاتم ويدثر الكون، الذي أراه غارقا في سباته كأنه نومته الأخيرة..
رحت أرفع صوتي إلى أقصاه لأنذر الجميع بأن يستيقظوا ويبادروا إلى التطهر.. هي نجاستنا وخطايانا ما يعرقل ميلاد الفجر.. إن جرائمي وجرائمكم تخنق الشمس في رحم السماء؟.. لكن لا صوت يسعفني لأخطب في الناس النائمين ولا حتى القريبين مني؟.. وبجهد جهيد قدرت أن أدفع جسدي جهة اليمين وأدخل الحمام..
ورغم الارتعاش الكبير في جسدي والذي يحول دون اغتراف الماء إلا أنني دهنت أطرافي.. أجزم أني توضأت كما ينبغي.. ثم خرجت أجر جسدي المرتعش الثقيل المشدود إلى الخلف كأن أوزار الوجود كلها تعلقت به وتشده إلى الوراء. لكن نجحت في سحبه ورائي إلى خارج المبنى مستعينا بعمود السلم الحديدي الذي تزلجت عليه حتى نهايته.. بلغت الباحة الخضراء أمام بوابة المستشفى الخارجية وارتخيت فوق عكازي ريثما ألتقط أنفاسي المبتورة فأندفع إلى المسجد القريب قبل أن يرتفع الأذان...
لكن قدمي قرتا في موضعهما..
جذور عميقة ضربتاها فجأة في المكان..
وكل محاولة أبذلها لاقتلاعهما تبوء بالفشل..
لا جدوى من المحاولة مع هذا الضعف العارم الذي لبسني من رأسي حتى قدمي..
قطعة من قماش صرت..
يرتعش جسدي.. ويسقط فوق عكازي. وعيناي الفجر الصارخ خلف الستار الأسود جاحظتان وتحدقان.. تفيض أنهار عجزي وضعفي.. تنحدر باردة على وجنتي وتبلل لحيتي البيضاء المفروشة على العشب الأخضر ثم ثقل كبير يهبط على جفوني..
"لا أريد أن أغلق عيني على هذا السواد.. ": يهتف قلبي مع كل نبضة ثقيلة يزفرها والدمع يسبل من عيني اللتين أجهد نفسي بكل ما بقي لي من عزم وإصرار على ألا أغلقهما إلا على وجه الفجر ووجه حفيدي يبتسمان لي..
يرفعني النداء:" الله أكبر الله أكبر.. حي على الصلاة .. حي على الفلاح..." قليلا قليلا ويحلق بي خارج بوابة المستشفى. يطوف بي في رحاب المسجد القريب.. يرخيني في مكاني حيث أقف كل فجر في الصف الأمامي.. أصلي وأرفع يدي بالدعاء بأن يزيح الله ستار الظلام عن وجه الفجر.. ثم أرفع إلى السماء البعيدة أجدف بذراعي، بسرعة الرياح، لأمزق طبقات الظلام بأظافري وأسناني حتى أحرر الفجر من جبروت السواد..
كان الفجر يسبح إلي ويغزو لفائف الظلام بثبات وقوة ويكاد يلقي خلفه اللحاف الأسود الذي يدثره، ويقف أمامي عاريا إلا من نوره ومن ضحكته الصباحية المشرقة.. وأنا أحدق إليه أصفق له بأجنحة قلبي وبكل جوارحي. أتتني صرخات ميلاد حفيدي فجر من بئر سحيق.. أرهفت السمع وقلبي يخفق بشدة والنور يملأ الفضاء حولي..
صرخة أولى.. رأيت الفجر يتعرى تماما من ذيول السواد وعلى وجهه بسمة رفيعة..
صرخة ثانية.. رأيت قطرات الندى على البساط الأخضر أمامي تلمع بضوء الفجر وتبتسم لعيني الشبه مغلقتين..
صرخة ثالثة.. ابتسمت للفجرين وأغلقت عليهما جفوني وأجنحة قلبي وحلقت بعيدا نحو أفضيتي الجديدة المنيرة..
***
سمية البوغافرية
أكتوبر، 2011
تعليق