مـتى تـخـيـط الـمـاء يـا عـبـد الـودود .....؟

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • البكري المصطفى
    المصطفى البكري
    • 30-10-2008
    • 859

    مـتى تـخـيـط الـمـاء يـا عـبـد الـودود .....؟

    مـتى تـخيط الـماء يـا عـبد الـودود..........؟

    أطل الصباح من جنح الليل بزيه الوهاج حاملا نسائم رحماته الدافئة إلى قلب السيد عبد الودود . لعله عربون وفاء وإخلاص له لانخراطه في معركة الحياة اليومية واستقبالها ببشاشة ورحابة صدر .
    فرك عينيه اللتين يغشاهما الكرى . وملأ الطست بالماء فتوضأ وصلى صلاة الصبح ؛ ودعا الله مخلصا له الدين .
    انتعل جوربيه وحذاءه الصلب الذي يتحمل الغوص في الوحل؛ و يحارب كل الضربات الطائشة في الحقل ، وارتدى معطفه الأزرق واضعا قبعته الشمسية فوق رأسه الذي اشتعل شيبا . فعقدها بحبل من تحت ذقنه بدراية محترف خبر مواسم الحر و القـر ومتطلباتها .
    ربط الحصان إلى عربته وأدغم اللجام في فمه ؛ ثم شد الأحزمة بكل إتقان وتفقد العجلات واحدة واحدة ...
    صعد إلى الكرسي و استوى عليه جالسا . ثم جذب حبلي اللجام وزجر الفرس بالسياط قائلا: " بسم الله ؛ توكلت على الله؛ سييييير على بركة الله .
    انطلق الحصان الأدهم المكتنز راكضا ،ودارت العجلات فضجت العربة بمختلف أصواتها المتلاطمة التي ترهق الأسماع لارتطامها بالحصى وتدحرجها بين الحفر .
    عندما توارت القرية عن الأنظار سمع لصوت العجلات إيقاعا رتيبا ؛ لا يوازيه إلا صوت الركض الذي لا يقاوم . تراخت حبال اللجام لتوها كأن الفرس هو مالك زمام الأمر ؛ يعرف كالعادة المنطلق والنهاية في غنى عن كل توجيه .
    بدا عبد الودود مستبشرا و تائها في بحر أحلامه الوردية . يعد بأصابع يديه أكياس القطن التي جمعها من محصول إنتاجه في بداية هذا الموسم ؛ في انتظار جني ما تبقى من القطن الذي أينعت أزهاره بوفرة ؛ وحان قطافها . مفترضا أنه سيملأ جيبه بالنقود عندما يبيع القطن طوال هذا الأسبوع . لم تراوده أفكار الخيبة التي طالما عصفت بأمانيه عند تردي المحاصيل ؛ وكساد السوق ...... من يزعم أن الآفة ستنشب مخالبها في الأرض إلى الأبد ........؟؟. لماذا لا يصفع هذا الزمان على خديه و ينشط خلايا ضميره لاستقبال بسمة الحياة المتفائلة..... ؟؟ ألم يهمس في أذنيه مدير مركز الاستثمار الفلاحي بأنه فلاح ماهر؛ ووعده بالمفاجآت السارة طوال هذا الموسم ........؟؟.. كما التقط من أفواه الآخرين عبارات توحي بارتفاع أسعار ه .لذلك لم يتردد في خنق أنفاس الحقل كله بالقطن وزرعه عن آخره......؟
    ظل الحصان يركض وطاحونة العجلات تقرع مسامعه دون مبالاة ... ظلت أحلامه تكبل تفكيره بأغلال التفاؤل في ضوء هذه الفرصة الذهبية كي لا تموت في المهد بسبب فراغ الجيب ... ظل يشذبها من أعشاب اليأس الضارة .. تصور أنه سيدخل السوق بكل اعتزاز وكبرياء . سيطلب من صاحب المقهى أن يعد له إبريق شاي ممتاز ؛ و يعجل له برغيفتين قبل أن يتيه بين الخيام المصفوفة للتبضع ؛ و اقتناء الأشياء الكثيرة التي عجز عنها من قبل. فتنحل العقد ؛ وتتبدد المشاق .... تذكر عندما اقترضه ابن عمه أحمد دراهم معدودة ؛ لم يكف عن المَنُِ حتى ضجر من تصرفه. و لم يتعظ من قول الفقيه الذي طالما نادى من أعلى المنبر قائلا " يا أيها الناس لا تمنوا تستكثرو ا"
    بعد حين من التذكر غص حلقه ؛ فالتقط أنفاسه و ترك العربة تطوي المسافات . لم تغب عن ذهنه بشائر اليوم المرتقب ؛ فبعد جني القطن سيستعيد الجيب عافيته التي فقدها طوال الوقت ؛ و يتلقى نسمات الرحمة الإلهية فتعم البيت كله بظلها الوارف. ....سرح خياله محلقا في سماء اللحظات السعيدة التي تغدو و تروح ، تغيب و تظهر ... تتمنع بعد يسر ؛ و تيسر بعد تمنع . فجأة عاد إلى منطق صوابه عندما أبصر جاره س الطيب منتصبا وسط الطريق ؛ يلوح بيديه . أثار انتباهه هذا الرجل الذي لم يتخل عن جلبابه الصوفي وعمامته البيضاء ...الخبير في شؤون الأسواق لا تضيع الفرص من بين يديه إلا لماما . عندما اقترب منه جذب حبلي اللجام حتى تألمت أصابع يديه ، مستعينا بالوشوشة التي تهدئ من روع الحصان قائلا : " ششششششششش...وووووووووووو . يعرف أنه مشاكس ولا فرامل تغني عن شد الحبلين بقوة .
    اقترب منه س الطيب وصافحه ثم تبادلا نظرات تعلوها بشاشة في الوجه ؛ ورحابة في الصدر ، تنفض عنهما غبار الأيام الحالكة المقسومة بينهما بالتساوي .ومن حسن الطالع أنهما يغــرفان من معين الهموم المشتركة ؛ لذلك تجنبا الخوض في التفاصيل ونطقا بكلمة واحدة : " القطن ....."
    قهقه س الطيب حتى أسبلت عيناه الدمع ، ومسح عليهما بمنديل خشن بعدما استرجع أنفاسه، فتغيرت ملامح سريرته ، وحدق في الأفق البعيد الذي تغوص فيه الشمس ، و تغيب كما تغيب كل الأفراح والأتراح ... قائلا :" هذه هي الدنيا.......ا؟ "
    هزت المفاجآة كـيان عبد الودود ؛و قفز إلى الأرض. ثم شعر بدوار كأن الأرض قد زلزلت تحت قدميه؛ فقال بصوت مبحوح : " تقصد القطن.....؟ قال : " نعم... رحم الله من غنى للصبح موال " قولوا العام زين ............................."
    فهم عبد الودود كل التلميحات والإيحاءات التي صدرت عن جاره ؛ وحملها محمل الجد. .... تبخرت أحلامه التي سقته سعادة آنية في كؤوس من ذهب ... شعر كأن جرحا غائرا في جسده لا يندمل؛ ثم أدرك أن آفة الكساد عمت سوق القطن . عقد لسانه ولم ينبس بكلمة .
    تصافحا من جديد ثم امتطى عبد الودود عربته وأطلق العنان لحصانه الأدهم يركض ؛ و يدك الأرض بلا هوادة ، مخلفا وراءه الأفكار المشؤومة التي عصفت بأحلامه في انتظار أن يخيط الماء .
    التعديل الأخير تم بواسطة البكري المصطفى; الساعة 20-11-2011, 08:13.
  • صالح صلاح سلمي
    أديب وكاتب
    • 12-03-2011
    • 563

    #2
    هذا حال الكادحين
    نص جميل ابرز طيبة الشخصيه وعفويتها
    وارتباط احلامها البسيطه.. بتطورات السوق ومفاجئاته المربكه لكل الخطط والاحلام
    شكرا لك

    تعليق

    • عائده محمد نادر
      عضو الملتقى
      • 18-10-2008
      • 12843

      #3
      إلى متى تبقى أبسط تطلعات الفقراء مغتالة قبل أن تصل
      الزميل القدير
      البكري مصطفى
      تحزنني أوجاع البسطاء خاصة حين تتعلق حياتهم بحبل رفيع ربما أوهى من خيط العنكبوت
      ألا يحق لهم أن يحلموا بغد أفضل
      أليس على ( الدولة أي دولة ) أن تعين الفلاحين بالأدوية والمبيدات والأسمدة بل وحتى شراء المحاصيل الزراعية أيضا.
      لا أدري
      ولو النص طال في بعض الأماكن ليتك تعود إليه زميلي وتكثفه أكثر
      هل هي سلسلة لعبد الودود زميلي
      ودي ومحبتي لك
      الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

      تعليق

      • سمية البوغافرية
        أديب وكاتب
        • 26-12-2007
        • 652

        #4
        سعدت بالقراءة لك الأخ البكري المصطفى
        أعجبني التصوير واللغة المتناغمة مع طبيعة موضوع قصتك الجميلة
        تحياتي
        سمية البوغافرية/ المملكة المغربية

        تعليق

        • البكري المصطفى
          المصطفى البكري
          • 30-10-2008
          • 859

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة صالح صلاح سلمي مشاهدة المشاركة
          هذا حال الكادحين
          نص جميل ابرز طيبة الشخصيه وعفويتها
          وارتباط احلامها البسيطه.. بتطورات السوق ومفاجئاته المربكه لكل الخطط والاحلام
          شكرا لك
          الأخ صلاح تحيتي وتقديري:
          أشكرك على ملاحظتك وذوقك الأدبي ؛ وإدراكك معاناة الإنسان بين مخالب الزمن ؛ وجبروت الواقع المتصلب .

          تعليق

          • البكري المصطفى
            المصطفى البكري
            • 30-10-2008
            • 859

            #6
            المشاركة الأصلية بواسطة عائده محمد نادر مشاهدة المشاركة
            إلى متى تبقى أبسط تطلعات الفقراء مغتالة قبل أن تصل
            الزميل القدير
            البكري مصطفى
            تحزنني أوجاع البسطاء خاصة حين تتعلق حياتهم بحبل رفيع ربما أوهى من خيط العنكبوت
            ألا يحق لهم أن يحلموا بغد أفضل
            أليس على ( الدولة أي دولة ) أن تعين الفلاحين بالأدوية والمبيدات والأسمدة بل وحتى شراء المحاصيل الزراعية أيضا.
            لا أدري
            ولو النص طال في بعض الأماكن ليتك تعود إليه زميلي وتكثفه أكثر
            هل هي سلسلة لعبد الودود زميلي
            ودي ومحبتي لك
            الكاتبة المقتدرة ؛ والعزيزة عائده تحيتي وتقديري .
            في حياة البسطاء جراح تصرخ ؛ وأحلام تنتحر . عندما يرقبون الآمال على مرمى حجر يفجعون بالسراب الذي خدع أبصارهم ....جراح تصرخ لكنها مداد أقلام تولد الحكاية من صميم القهر ... الفلاحون الصغار لا يعولون إلا على سواعدهم وعلى الله أولا وأخيرا .
            كان أملي أن أكتب سلسلة عن عبد الودود . إن تيسر لي ولملمت كل خيوط الحكاية يتحقق ذلك بإذن الله .
            أجدد لك خالص تحيتي .
            التعديل الأخير تم بواسطة البكري المصطفى; الساعة 20-11-2011, 18:32.

            تعليق

            • البكري المصطفى
              المصطفى البكري
              • 30-10-2008
              • 859

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة سمية البوغافرية مشاهدة المشاركة
              سعدت بالقراءة لك الأخ البكري المصطفى
              أعجبني التصوير واللغة المتناغمة مع طبيعة موضوع قصتك الجميلة
              تحياتي
              سمية البوغافرية/ المملكة المغربية
              الأخت سمية ؛ باقة من تحياتي العطرة :
              سررت لملاحظتك التي برهنت عن إمكانية تحويل معاناة الأشخاص ..أحلامهم .. رؤاهم.. أفكارهم في الحياة إلى نصوص أدبية تمتع ؛ وتفتح لنا مجال الإحساس والشعور بانكساراتهم النفسية ؛ فيكون مضمون الحكاية قد أدى وظيفته كما الشكل أيضا .
              دامت لك المسرات .

              تعليق

              • ريما ريماوي
                عضو الملتقى
                • 07-05-2011
                • 8501

                #8
                ويبقى الأمل محرك ومنشّط كل انسان في هذه الحياة,
                شكرا لك على صياغة محنكة محكمة آسرة
                ولن يخيط الماء يا عبد الودود.
                تحياااتي.


                أنين ناي
                يبث الحنين لأصله
                غصن مورّق صغير.

                تعليق

                • البكري المصطفى
                  المصطفى البكري
                  • 30-10-2008
                  • 859

                  #9
                  المشاركة الأصلية بواسطة ريما ريماوي مشاهدة المشاركة
                  ويبقى الأمل محرك ومنشّط كل انسان في هذه الحياة,
                  شكرا لك على صياغة محنكة محكمة آسرة
                  ولن يخيط الماء يا عبد الودود.
                  تحياااتي.
                  الغالية ريما ريماوي تحيتي العطرة .
                  في الهوامش يعيش الإنسان الفقير ؛ يحتضن أمانيه كما تحتضن الأم ابنها ؛ يعانقها بحميمية كما يعانق الفرسان دروعهم في ساحة الوغى . لكن تصلب الواقع يجعله على أهبة الاستعداد الدائم لتلقي الضربات في كل لحظة وحين . عندما يتلقى ضربات الزمن القاسية ؛ يشعر أنه ودع أمانيه ، فيستجمع كل قواه من جديد ؛ ويلوح بآمال جديدة . يرقبها عن كثب في انتظار بزوغها كما يبزغ الفجر في الظلمة . وهكذا تستمر حياته ؛ آمال وآلام .... والله وليه .
                  أجدد لك تحيتي وتقديري.

                  تعليق

                  • ربيع عقب الباب
                    مستشار أدبي
                    طائر النورس
                    • 29-07-2008
                    • 25792

                    #10
                    أستاذي الغالي
                    لغتك جميلة ، و أسلوبك فى الكتابة يروقني كثيرا ،
                    و ما تحاوله فى القص واضحا و ربما له سمات خاصة
                    و لكن .. يبقى فن القصة شيئا آخر تماما ، خاصة مع غياب أهم سماته و هو التكثيف
                    و الدخول فى الحدث ، و تفجيره ، و البناء عليه !
                    اقرأ معي تلك الفترة ، و عرفني ما قدمت جديدا للقارئ :أطل الصباح من جنح الليل بزيه الوهاج حاملا نسائم رحماته الدافئة إلى قلب السيد عبد الودود . لعله عربون وفاء وإخلاص له لانخراطه في معركة الحياة اليومية واستقبالها ببشاشة ورحابة صدر .
                    فرك عينيه اللتين يغشاهما الكرى . وملأ الطست بالماء فتوضأ وصلى صلاة الصبح ؛ ودعا الله مخلصا له الدين .
                    انتعل جوربيه وحذاءه الصلب الذي يتحمل الغوص في الوحل؛ و يحارب كل الضربات الطائشة في الحقل ، وارتدى معطفه الأزرق واضعا قبعته الشمسية فوق رأسه الذي اشتعل شيبا . فعقدها بحبل من تحت ذقنه بدراية محترف خبر مواسم الحر و القـر ومتطلباتها .
                    ربط الحصان إلى عربته وأدغم اللجام في فمه ؛ ثم شد الأحزمة بكل إتقان وتفقد العجلات واحدة واحدة ...
                    صعد إلى الكرسي و استوى عليه جالسا . ثم جذب حبلي اللجام وزجر الفرس بالسياط قائلا: " بسم الله ؛ توكلت على الله؛ سييييير على بركة الله .
                    انطلق الحصان الأدهم المكتنز راكضا ،ودارت العجلات فضجت العربة بمختلف أصواتها المتلاطمة التي ترهق الأسماع لارتطامها بالحصى وتدحرجها بين الحفر .
                    عندما توارت القرية عن الأنظار سمع لصوت العجلات إيقاعا رتيبا ؛ لا يوازيه إلا صوت الركض الذي لا يقاوم . تراخت حبال اللجام لتوها كأن الفرس هو مالك زمام الأمر ؛ يعرف كالعادة المنطلق والنهاية في غنى عن كل توجيه .

                    هذا سرد يصلح لعمل روائي لا قصة قصيرة من أهم سماتها التكثيف ، و ليس التكثيف وحسب ، فربما أخل التكثيف بالبناء ، و لكنه التكثيف الواعي القائم على أفق أوسع ، لخدمة الفن و لا شىء غير الفن !

                    لي عودة معك هنا ومع عبد الودود

                    التعديل الأخير تم بواسطة ربيع عقب الباب; الساعة 21-11-2011, 21:46.
                    sigpic

                    تعليق

                    • البكري المصطفى
                      المصطفى البكري
                      • 30-10-2008
                      • 859

                      #11
                      المشاركة الأصلية بواسطة ربيع عقب الباب مشاهدة المشاركة
                      أستاذي الغالي
                      لغتك جميلة ، و أسلوبك فى الكتابة يروقني كثيرا ،
                      و ما تحاوله فى القص واضحا و ربما له سمات خاصة
                      و لكن .. يبقى فن القصة شيئا آخر تماما ، خاصة مع غياب أهم سماته و هو التكثيف
                      و الدخول فى الحدث ، و تفجيره ، و البناء عليه !
                      اقرأ معي تلك الفترة ، و عرفني ما قدمت جديدا للقارئ :أطل الصباح من جنح الليل بزيه الوهاج حاملا نسائم رحماته الدافئة إلى قلب السيد عبد الودود . لعله عربون وفاء وإخلاص له لانخراطه في معركة الحياة اليومية واستقبالها ببشاشة ورحابة صدر .
                      فرك عينيه اللتين يغشاهما الكرى . وملأ الطست بالماء فتوضأ وصلى صلاة الصبح ؛ ودعا الله مخلصا له الدين .
                      انتعل جوربيه وحذاءه الصلب الذي يتحمل الغوص في الوحل؛ و يحارب كل الضربات الطائشة في الحقل ، وارتدى معطفه الأزرق واضعا قبعته الشمسية فوق رأسه الذي اشتعل شيبا . فعقدها بحبل من تحت ذقنه بدراية محترف خبر مواسم الحر و القـر ومتطلباتها .
                      ربط الحصان إلى عربته وأدغم اللجام في فمه ؛ ثم شد الأحزمة بكل إتقان وتفقد العجلات واحدة واحدة ...
                      صعد إلى الكرسي و استوى عليه جالسا . ثم جذب حبلي اللجام وزجر الفرس بالسياط قائلا: " بسم الله ؛ توكلت على الله؛ سييييير على بركة الله .
                      انطلق الحصان الأدهم المكتنز راكضا ،ودارت العجلات فضجت العربة بمختلف أصواتها المتلاطمة التي ترهق الأسماع لارتطامها بالحصى وتدحرجها بين الحفر .
                      عندما توارت القرية عن الأنظار سمع لصوت العجلات إيقاعا رتيبا ؛ لا يوازيه إلا صوت الركض الذي لا يقاوم . تراخت حبال اللجام لتوها كأن الفرس هو مالك زمام الأمر ؛ يعرف كالعادة المنطلق والنهاية في غنى عن كل توجيه .

                      هذا سرد يصلح لعمل روائي لا قصة قصيرة من أهم سماتها التكثيف ، و ليس التكثيف وحسب ، فربما أخل التكثيف بالبناء ، و لكنه التكثيف الواعي القائم على أفق أوسع ، لخدمة الفن و لا شىء غير الفن !

                      لي عودة معك هنا ومع عبد الودود

                      أخي الفاضل والعزيز ربيع عقب الباب تحيتي وتقديري :
                      أشكرك بداية على ملاحظتك ؛ وتتبعك لما أنجزت من القصص ؛ وأنا سعيد بحضورك معي هنا في هذا المجال ؛ لنتحاور ونستفيد. أتمنى أن تتلاقح الأفكار لتنتج ثمارها المرتقبة ؛ وتدلل الصعوبات الحافة بهذا الجنس الأدبي .
                      القصة القصيرة ؛ وأخص الأقصوصة بالذات ؛هي شعاع خاطف يرسم ملامح لحظة في الزمان والمكان . وقد صعب على النقد تجديد آلياته بالسرعة المطلوب التي تتحرك بها القصة، لذلك تظل وسائلها التقنية عصية على الناقد ..وموضوع التكثيف موضوع شائك جدا ؛لازال النقد يخوض غماره برؤى متباينة ؛ونقاش مستفيض ...لا أدري كيف يتم تحقيق هذا المعيار في ضوء الحفاظ على البناء ؟ وقد وردت إشارة مهمة في طرحك أخي العزيز هي قولك : ( ربما أخل التكثيف بالبناء )...حقيقة الكتابة مخاض مضاعف ملزم بتوليد النص من جهة وبالاستجابة لتوقعات المتلقي من جهة ثانية ؛ وهنا تكمن الصعوبة ... إنني أشعر بحاجة ماسة إلى مزيد من آرائك البناءة حول الموضوع وأشد على يديك بحرارة ...فلنتعاون والله الموفق .
                      التعديل الأخير تم بواسطة البكري المصطفى; الساعة 22-11-2011, 10:48.

                      تعليق

                      يعمل...
                      X