مـتى تـخيط الـماء يـا عـبد الـودود..........؟
أطل الصباح من جنح الليل بزيه الوهاج حاملا نسائم رحماته الدافئة إلى قلب السيد عبد الودود . لعله عربون وفاء وإخلاص له لانخراطه في معركة الحياة اليومية واستقبالها ببشاشة ورحابة صدر .
فرك عينيه اللتين يغشاهما الكرى . وملأ الطست بالماء فتوضأ وصلى صلاة الصبح ؛ ودعا الله مخلصا له الدين .
انتعل جوربيه وحذاءه الصلب الذي يتحمل الغوص في الوحل؛ و يحارب كل الضربات الطائشة في الحقل ، وارتدى معطفه الأزرق واضعا قبعته الشمسية فوق رأسه الذي اشتعل شيبا . فعقدها بحبل من تحت ذقنه بدراية محترف خبر مواسم الحر و القـر ومتطلباتها .
ربط الحصان إلى عربته وأدغم اللجام في فمه ؛ ثم شد الأحزمة بكل إتقان وتفقد العجلات واحدة واحدة ...
صعد إلى الكرسي و استوى عليه جالسا . ثم جذب حبلي اللجام وزجر الفرس بالسياط قائلا: " بسم الله ؛ توكلت على الله؛ سييييير على بركة الله .
انطلق الحصان الأدهم المكتنز راكضا ،ودارت العجلات فضجت العربة بمختلف أصواتها المتلاطمة التي ترهق الأسماع لارتطامها بالحصى وتدحرجها بين الحفر .
عندما توارت القرية عن الأنظار سمع لصوت العجلات إيقاعا رتيبا ؛ لا يوازيه إلا صوت الركض الذي لا يقاوم . تراخت حبال اللجام لتوها كأن الفرس هو مالك زمام الأمر ؛ يعرف كالعادة المنطلق والنهاية في غنى عن كل توجيه .
بدا عبد الودود مستبشرا و تائها في بحر أحلامه الوردية . يعد بأصابع يديه أكياس القطن التي جمعها من محصول إنتاجه في بداية هذا الموسم ؛ في انتظار جني ما تبقى من القطن الذي أينعت أزهاره بوفرة ؛ وحان قطافها . مفترضا أنه سيملأ جيبه بالنقود عندما يبيع القطن طوال هذا الأسبوع . لم تراوده أفكار الخيبة التي طالما عصفت بأمانيه عند تردي المحاصيل ؛ وكساد السوق ...... من يزعم أن الآفة ستنشب مخالبها في الأرض إلى الأبد ........؟؟. لماذا لا يصفع هذا الزمان على خديه و ينشط خلايا ضميره لاستقبال بسمة الحياة المتفائلة..... ؟؟ ألم يهمس في أذنيه مدير مركز الاستثمار الفلاحي بأنه فلاح ماهر؛ ووعده بالمفاجآت السارة طوال هذا الموسم ........؟؟.. كما التقط من أفواه الآخرين عبارات توحي بارتفاع أسعار ه .لذلك لم يتردد في خنق أنفاس الحقل كله بالقطن وزرعه عن آخره......؟
ظل الحصان يركض وطاحونة العجلات تقرع مسامعه دون مبالاة ... ظلت أحلامه تكبل تفكيره بأغلال التفاؤل في ضوء هذه الفرصة الذهبية كي لا تموت في المهد بسبب فراغ الجيب ... ظل يشذبها من أعشاب اليأس الضارة .. تصور أنه سيدخل السوق بكل اعتزاز وكبرياء . سيطلب من صاحب المقهى أن يعد له إبريق شاي ممتاز ؛ و يعجل له برغيفتين قبل أن يتيه بين الخيام المصفوفة للتبضع ؛ و اقتناء الأشياء الكثيرة التي عجز عنها من قبل. فتنحل العقد ؛ وتتبدد المشاق .... تذكر عندما اقترضه ابن عمه أحمد دراهم معدودة ؛ لم يكف عن المَنُِ حتى ضجر من تصرفه. و لم يتعظ من قول الفقيه الذي طالما نادى من أعلى المنبر قائلا " يا أيها الناس لا تمنوا تستكثرو ا"
بعد حين من التذكر غص حلقه ؛ فالتقط أنفاسه و ترك العربة تطوي المسافات . لم تغب عن ذهنه بشائر اليوم المرتقب ؛ فبعد جني القطن سيستعيد الجيب عافيته التي فقدها طوال الوقت ؛ و يتلقى نسمات الرحمة الإلهية فتعم البيت كله بظلها الوارف. ....سرح خياله محلقا في سماء اللحظات السعيدة التي تغدو و تروح ، تغيب و تظهر ... تتمنع بعد يسر ؛ و تيسر بعد تمنع . فجأة عاد إلى منطق صوابه عندما أبصر جاره س الطيب منتصبا وسط الطريق ؛ يلوح بيديه . أثار انتباهه هذا الرجل الذي لم يتخل عن جلبابه الصوفي وعمامته البيضاء ...الخبير في شؤون الأسواق لا تضيع الفرص من بين يديه إلا لماما . عندما اقترب منه جذب حبلي اللجام حتى تألمت أصابع يديه ، مستعينا بالوشوشة التي تهدئ من روع الحصان قائلا : " ششششششششش...وووووووووووو . يعرف أنه مشاكس ولا فرامل تغني عن شد الحبلين بقوة .
اقترب منه س الطيب وصافحه ثم تبادلا نظرات تعلوها بشاشة في الوجه ؛ ورحابة في الصدر ، تنفض عنهما غبار الأيام الحالكة المقسومة بينهما بالتساوي .ومن حسن الطالع أنهما يغــرفان من معين الهموم المشتركة ؛ لذلك تجنبا الخوض في التفاصيل ونطقا بكلمة واحدة : " القطن ....."
قهقه س الطيب حتى أسبلت عيناه الدمع ، ومسح عليهما بمنديل خشن بعدما استرجع أنفاسه، فتغيرت ملامح سريرته ، وحدق في الأفق البعيد الذي تغوص فيه الشمس ، و تغيب كما تغيب كل الأفراح والأتراح ... قائلا :" هذه هي الدنيا.......ا؟ "
هزت المفاجآة كـيان عبد الودود ؛و قفز إلى الأرض. ثم شعر بدوار كأن الأرض قد زلزلت تحت قدميه؛ فقال بصوت مبحوح : " تقصد القطن.....؟ قال : " نعم... رحم الله من غنى للصبح موال " قولوا العام زين ............................."
فهم عبد الودود كل التلميحات والإيحاءات التي صدرت عن جاره ؛ وحملها محمل الجد. .... تبخرت أحلامه التي سقته سعادة آنية في كؤوس من ذهب ... شعر كأن جرحا غائرا في جسده لا يندمل؛ ثم أدرك أن آفة الكساد عمت سوق القطن . عقد لسانه ولم ينبس بكلمة .
تصافحا من جديد ثم امتطى عبد الودود عربته وأطلق العنان لحصانه الأدهم يركض ؛ و يدك الأرض بلا هوادة ، مخلفا وراءه الأفكار المشؤومة التي عصفت بأحلامه في انتظار أن يخيط الماء .
أطل الصباح من جنح الليل بزيه الوهاج حاملا نسائم رحماته الدافئة إلى قلب السيد عبد الودود . لعله عربون وفاء وإخلاص له لانخراطه في معركة الحياة اليومية واستقبالها ببشاشة ورحابة صدر .
فرك عينيه اللتين يغشاهما الكرى . وملأ الطست بالماء فتوضأ وصلى صلاة الصبح ؛ ودعا الله مخلصا له الدين .
انتعل جوربيه وحذاءه الصلب الذي يتحمل الغوص في الوحل؛ و يحارب كل الضربات الطائشة في الحقل ، وارتدى معطفه الأزرق واضعا قبعته الشمسية فوق رأسه الذي اشتعل شيبا . فعقدها بحبل من تحت ذقنه بدراية محترف خبر مواسم الحر و القـر ومتطلباتها .
ربط الحصان إلى عربته وأدغم اللجام في فمه ؛ ثم شد الأحزمة بكل إتقان وتفقد العجلات واحدة واحدة ...
صعد إلى الكرسي و استوى عليه جالسا . ثم جذب حبلي اللجام وزجر الفرس بالسياط قائلا: " بسم الله ؛ توكلت على الله؛ سييييير على بركة الله .
انطلق الحصان الأدهم المكتنز راكضا ،ودارت العجلات فضجت العربة بمختلف أصواتها المتلاطمة التي ترهق الأسماع لارتطامها بالحصى وتدحرجها بين الحفر .
عندما توارت القرية عن الأنظار سمع لصوت العجلات إيقاعا رتيبا ؛ لا يوازيه إلا صوت الركض الذي لا يقاوم . تراخت حبال اللجام لتوها كأن الفرس هو مالك زمام الأمر ؛ يعرف كالعادة المنطلق والنهاية في غنى عن كل توجيه .
بدا عبد الودود مستبشرا و تائها في بحر أحلامه الوردية . يعد بأصابع يديه أكياس القطن التي جمعها من محصول إنتاجه في بداية هذا الموسم ؛ في انتظار جني ما تبقى من القطن الذي أينعت أزهاره بوفرة ؛ وحان قطافها . مفترضا أنه سيملأ جيبه بالنقود عندما يبيع القطن طوال هذا الأسبوع . لم تراوده أفكار الخيبة التي طالما عصفت بأمانيه عند تردي المحاصيل ؛ وكساد السوق ...... من يزعم أن الآفة ستنشب مخالبها في الأرض إلى الأبد ........؟؟. لماذا لا يصفع هذا الزمان على خديه و ينشط خلايا ضميره لاستقبال بسمة الحياة المتفائلة..... ؟؟ ألم يهمس في أذنيه مدير مركز الاستثمار الفلاحي بأنه فلاح ماهر؛ ووعده بالمفاجآت السارة طوال هذا الموسم ........؟؟.. كما التقط من أفواه الآخرين عبارات توحي بارتفاع أسعار ه .لذلك لم يتردد في خنق أنفاس الحقل كله بالقطن وزرعه عن آخره......؟
ظل الحصان يركض وطاحونة العجلات تقرع مسامعه دون مبالاة ... ظلت أحلامه تكبل تفكيره بأغلال التفاؤل في ضوء هذه الفرصة الذهبية كي لا تموت في المهد بسبب فراغ الجيب ... ظل يشذبها من أعشاب اليأس الضارة .. تصور أنه سيدخل السوق بكل اعتزاز وكبرياء . سيطلب من صاحب المقهى أن يعد له إبريق شاي ممتاز ؛ و يعجل له برغيفتين قبل أن يتيه بين الخيام المصفوفة للتبضع ؛ و اقتناء الأشياء الكثيرة التي عجز عنها من قبل. فتنحل العقد ؛ وتتبدد المشاق .... تذكر عندما اقترضه ابن عمه أحمد دراهم معدودة ؛ لم يكف عن المَنُِ حتى ضجر من تصرفه. و لم يتعظ من قول الفقيه الذي طالما نادى من أعلى المنبر قائلا " يا أيها الناس لا تمنوا تستكثرو ا"
بعد حين من التذكر غص حلقه ؛ فالتقط أنفاسه و ترك العربة تطوي المسافات . لم تغب عن ذهنه بشائر اليوم المرتقب ؛ فبعد جني القطن سيستعيد الجيب عافيته التي فقدها طوال الوقت ؛ و يتلقى نسمات الرحمة الإلهية فتعم البيت كله بظلها الوارف. ....سرح خياله محلقا في سماء اللحظات السعيدة التي تغدو و تروح ، تغيب و تظهر ... تتمنع بعد يسر ؛ و تيسر بعد تمنع . فجأة عاد إلى منطق صوابه عندما أبصر جاره س الطيب منتصبا وسط الطريق ؛ يلوح بيديه . أثار انتباهه هذا الرجل الذي لم يتخل عن جلبابه الصوفي وعمامته البيضاء ...الخبير في شؤون الأسواق لا تضيع الفرص من بين يديه إلا لماما . عندما اقترب منه جذب حبلي اللجام حتى تألمت أصابع يديه ، مستعينا بالوشوشة التي تهدئ من روع الحصان قائلا : " ششششششششش...وووووووووووو . يعرف أنه مشاكس ولا فرامل تغني عن شد الحبلين بقوة .
اقترب منه س الطيب وصافحه ثم تبادلا نظرات تعلوها بشاشة في الوجه ؛ ورحابة في الصدر ، تنفض عنهما غبار الأيام الحالكة المقسومة بينهما بالتساوي .ومن حسن الطالع أنهما يغــرفان من معين الهموم المشتركة ؛ لذلك تجنبا الخوض في التفاصيل ونطقا بكلمة واحدة : " القطن ....."
قهقه س الطيب حتى أسبلت عيناه الدمع ، ومسح عليهما بمنديل خشن بعدما استرجع أنفاسه، فتغيرت ملامح سريرته ، وحدق في الأفق البعيد الذي تغوص فيه الشمس ، و تغيب كما تغيب كل الأفراح والأتراح ... قائلا :" هذه هي الدنيا.......ا؟ "
هزت المفاجآة كـيان عبد الودود ؛و قفز إلى الأرض. ثم شعر بدوار كأن الأرض قد زلزلت تحت قدميه؛ فقال بصوت مبحوح : " تقصد القطن.....؟ قال : " نعم... رحم الله من غنى للصبح موال " قولوا العام زين ............................."
فهم عبد الودود كل التلميحات والإيحاءات التي صدرت عن جاره ؛ وحملها محمل الجد. .... تبخرت أحلامه التي سقته سعادة آنية في كؤوس من ذهب ... شعر كأن جرحا غائرا في جسده لا يندمل؛ ثم أدرك أن آفة الكساد عمت سوق القطن . عقد لسانه ولم ينبس بكلمة .
تصافحا من جديد ثم امتطى عبد الودود عربته وأطلق العنان لحصانه الأدهم يركض ؛ و يدك الأرض بلا هوادة ، مخلفا وراءه الأفكار المشؤومة التي عصفت بأحلامه في انتظار أن يخيط الماء .
تعليق