أمومة مشروخة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • نادية البريني
    أديب وكاتب
    • 20-09-2009
    • 2644

    أمومة مشروخة

    الإهداء:
    إلى ابنتي الحبيبة آمنة،ابنتي التي لم تغذّها أحشائي لكن غذّتها مشاعر أمومتي التي قالت الكثيرومازالت تقول


    رأيتهم يهرولون.رافقتهم عيناي حتّى غابوا عن ناظريّ.شغلتني حركتهم الحثيثة لكنّني لذت بالصّمت وانكفأت على نفسي أسحب نفسا متقطّعا يغادرني بصعوبة بالغة.
    لم يطل صمتي فقد رأيتهم يعودون مجدّدا مرفوقين بطفل لمّا يتجاوز الرّابعة من عمره .عرفت من ملامح وجهه أنّه ابن إحدى متساكنات الحيّ.
    اخترق بكاؤه أعماقي دون أن أعرف علّته.نظر إليّ وكأنّه يستنجد بي.وجدتني أخيّب أمله لأنّني لم أحرّك ساكنا رغم أنّ بركانا من المشاعر يكاد ينفجر داخلي في أيّ لحظة فيزلزل كياني.
    كان بكاء الطّفل يصفع أمومتي ويحيي فيّ كلوما تنخر أحاسيسي دون رحمة.
    أعيش الماضي بكلّ تعاريجه فتنهمر دموعي لتغسل أدرانه عساها تطهّره.
    كان يتشبّث بقدميّ وعويله يصمّ أذنيّ،يمسح بيديه على ركبتيّ،يصلني صوته بعد كلّ هذه السّنين ليجلدني بعنف "لا تتركيني ماما ،لا تتركيني ،لا تغادرينا "
    كنت في عنفوان شبابي وقوّتي.لم أشأ أن أرضخ لأمومتي ثأرا لكرامتي.تمسّكت بموقفي ورأيت أنّ تراجعي عنه هو قتل لإنسانيّتي.رفضت الهزيمة وأعلنت الحرب.لن أنقطع عن عملي مهما كلّفني الأمر.اتّفقنا قبل الزّواج على حريّة الاختيار فلم يصرّ الآن على موقفه؟
    عاندت،تحدّيت،قهرت أمومتي بل وأدتها لمّا قبلت الطّلاق بشرط أن يبقى الصّغير معه.أ خنت أمومتي أم خانتي هي ؟كلانا مذنب.
    تجمّدت مشاعري يومها،اكتسحتها أنانيّتي حتّى أعمتها ،ضحّيت بصغيري الذي كان يلوذ بي لأحمي طفولته الغضّة.
    جمعت حقائبي وغادرت أمام ناظريه.لم أفكّر حينها في نفسيّته المرهفة.كنت مسكونة بهاجس التحدّي ومصرّة على المضيّ قدما في عنادي.تركت فلذة كبدي الذي ألقمته ثديي،تركته للمجهول مقابل الحفاظ على كبريائي وكأنّ هذه الكبرياء لن تستردّ عافيتها إلاّ بهذا التحدّي المريض.
    أقرأ صفحات أمسي وأغرق في الحسرة.تبلّلني دموع صغيري فتخصب حاضري الذي نضب ماؤه.
    كنت أعتقد أنّني ضمنت السّعادة بالتّحدّي لكنّ اليأس بات يهدّدني كوحش كلّما ذبلت ورقة من وريقات عمري.أعيش الوحدة القاتلة وأنا على عتبات شيخوختي،هذه الوحدة التي أسلمت إليها ابني دون شفقة وهو في أمسّ الحاجة إليّ.
    يتراكم الثّلج في دخيلتي.لن تذيبه حرقتي على أمومتي التي وأدتها بأنانيّتي ووهبتها لمن احتضن ابني. تلك المرأة التي لم تغذّه داخل أحشائها لكنّها غذّته بين أحضانها فارتوى من فيض عطائها.
    ذويت أمومتي وأينعت أمومتها،بخلتُ وأعطتْ،فارقتُ واتّصلتْ.أجدبت مشاعري كلّ هذا الزّمن وها هي اليوم تورق فهل يحقّ لها أن تصحو بعد سبات عميق وأن تتطهّر بعد أن غرقت الوحل؟
    بعد أسبوعين يزفّ ابني إلى عروسه.جرّدني الزّمن من حقوقي مثلما جرّدت نفسي من مسؤوليّتي تجاه صغيري.لا يحقّ لي الآن أن أتطفّل على شبابه بعد أن سرقت منه لذّة الأمومة.سأكون ضيفة عابرة في حفل زفافه كما كنت ضيفة عابرة في حياته...
    يصلني عويل متشابك يصدر بعضه عن نفسي التي تنتحب بشدّة ويبلغني بعضه الآخرمن خارج أسوار هذه النّفس.
    أفزعني العويل الخارجيّ لأنّني لا أعرف علّته.تقدّمت بخطى ثقيلة من الخوف لأبحث عن مصدره.وجدتني أمام عتبة منزل إحدى الجارات.كانوا يهمّون بتشييع جنازتها.أنهكها المرض زمنا حتّى فارقت الحياة.أشفقواعلى طفلها من لحظة الوداع الأبديّ فحملوه بعيدا عنها.كان يستنجد بي ساعة مرّوا به...
    يتضاعف نحيبي حتّى يغيم الفضاء أمامي فلا أكاد أميّز شيئا.
    التعديل الأخير تم بواسطة نادية البريني; الساعة 08-12-2011, 21:34.
  • عبد الرحمن محمد الخضر
    أديب وكاتب
    • 25-10-2011
    • 260

    #2
    الأمومة الغائبة . الأمومة القادمة
    لم تغب تلك . ولم تأت هذه .... ليست تلك بعد ولاهذه لها
    تلك لأنها لفظتها . وهذه لأنها لاتستطيع أن تلفظ أمومتها مرتين . أولى في أول الأم وأخرى في آخر الأم ... تلك والأم تحيا . وهذه والأم ماتت
    .. هكذا أمومتها حية وميتة في أن ...
    الإبن أم الكبرياء ؟ ياإلهي : خياران كلاهما يقتل الآخر. إن رضيت بأحدهما .
    فلا كبرياء ولاإبن ..
    ولايجتمعان .
    أتستطيع المرأة أن تقسوا على نفسها حد تنازلها عن أمومتها كي ترضي كبرياءها .. هل الكبرياء حق لها حتى أن تجتزأمومتها ؟
    هي تراجيديا تعيشها المرأة العربية في مسرح حياتنا . تضحي أبد أيا كان خيارها : أمومتها أم كبرياءها ... مع أن ثقافة المرأة في بيئتنا لا تتصل بمثل هذه الافتراضات
    من وجهة نظري أبلغ مافي القصة هوموت الام عن طفلها والذي أتم التشكيل المركب : صارت الأم أمين ولكن مع تأكيد غياب أمومتها حد الغيبوبة فلا هذا أتى ولاذاك حصل ...
    تحياتي

    تعليق

    • محمد سلطان
      أديب وكاتب
      • 18-01-2009
      • 4442

      #3
      حينما تتصارع مشاعر الإنسان سواء كان رجل أو امرأة بين (النفس) وبين(الأبوة أو الأمومة) .. فيكون الإختيار صعب للغاية ...
      لكن ما أعرفه ان الاحساس بالظلم أو الشعور بالقهر ناحية أي شئ وقع عليك يجعلك للحظة تقول نفسي نفسي .
      وهذا ليس بغريب على بطلة القصة التي عذرتها وأشفقت عليها
      تحياتي لك استاذتي الغالية نادية البريني
      صفحتي على فيس بوك
      https://www.facebook.com/profile.php?id=100080678197757

      تعليق

      • آسيا رحاحليه
        أديب وكاتب
        • 08-09-2009
        • 7182

        #4
        نعم ..ما أقساه من خيار ..حقا ..
        تحصل مثل هذه الأمور حتى في بيئتنا العربية
        أعرف امرأة تخلّت عن ابنها بمحض إرادتها بعد طلاقها ..و انقطعت اخبار ابنها عنها ..
        و تزوّجت من آخر و أنجبت و كلما رأيتها احترت في قرارها..
        و كيف استطاعت فعل ذلك .
        لا أدري ..الكبرياء أم الولد ؟
        لا أستطيع أن أجزم ..
        ذلك وقف على شخصية المراة نفسها أو الظرف الذي تكون فيه .
        قصة مترعة بالمشاعر .
        أعجبتني .
        مودّتي أختي نادية .
        يظن الناس بي خيرا و إنّي
        لشرّ الناس إن لم تعف عنّي

        تعليق

        • ريما ريماوي
          عضو الملتقى
          • 07-05-2011
          • 8501

          #5
          نعم وأنا أعجبتني أيضا, والأم حسب تركيب شخصيتها يصير,
          فهما خياران أحلاهما مر, ويمكن لو اختارت طفلها لكبر حزينا,
          مع أم غير مرتاحة وبيت كئيب.. فلو استطاعت إراحة ضميرها,
          لأنّ ابنها كبر وسيتزوج فهو الآن سعيد,
          لقدرت فتح ذراعيها لذلك القادم الجديد الطفل اليتيم الذي فقد أمّه,
          ولاستطاعت تعويض أمومتها الجريحة المشروخة.

          قصّة جميلة عميقة تستدر المشاعر.

          شكرا لك أختي.

          تحياااتي.


          أنين ناي
          يبث الحنين لأصله
          غصن مورّق صغير.

          تعليق

          • ربيع عقب الباب
            مستشار أدبي
            طائر النورس
            • 29-07-2008
            • 25791

            #6
            عودة رائعة لقص حمل الكثير من ضمائرنا
            ووضع يده على أمكنة الجراحات
            فأعطاها
            و سدد لها مزيدا من الرؤية
            لحال امرأة كانت بين حدين
            فاختارت الأصعب و الذي لا يكون إلا لأنثى هاجرت أمومتها
            و ألقت بها خلف عمرها
            و لكنها .. هنا كانت تعيش الأمرين
            تعاني الاختيار .. و لو كانت على حق و صدق مع النفس وقتها

            أعجبتني القفلة .. و أغضبتني كثيرا
            لأنها نفت ما ذهبت إليه حين تفجر حنينها لابنها
            ليقول أنه الكذب .. و لا شىء .. و أنها فاقده لتلك الميزة أو تلك النطفة التي تولد
            مع الإنثى !

            جميل جميل
            ليتني بالفعل أكون في قلب الأحداث و لم أكن مجدفا !!

            احترامي و محبتي للون الحزن في أنثاكي !
            sigpic

            تعليق

            • عائده محمد نادر
              عضو الملتقى
              • 18-10-2008
              • 12843

              #7
              نادية البريني الغالية
              حقا أنا بشوق لك
              غبت وغاب معك بعضا مني أيتها القريبة من النفس والروح معا
              كم أوجعني هذا النص نادية
              غرف من أنهر حناني على أولادي كي ينهمر على ذاك الصغير
              أي مفارقة صعبة تلك
              وهل يساوي العمل هؤلاء الفلذات وكم تساوي دمعة طفل يحترق قلبه الصغير شوقا لحضن امه
              أتعبني نصك نادية وهذا دليل على أنه نص ناجح جدا
              للذهبية غاليتي
              ولا تغيبي هكذا مرة أخرى أرجوك
              أو
              طلي علينا بين الفينة والأخرى غاليتي
              محبتي التي تعرفينها لك

              اليوم السابع
              اليوم السابع! تذكرني أمي دائما أني ابنة السابع من كل شيء! متعجلة، حتى في لحظة ولادتي! وأني أخرجت رأسي للحياة معاندة كل القوانين الفيسيولوجية، أتحداها في شهري السابع من جوف رحم أمي. في اليوم السابع من الأسبوع الساعة السابعة.. صباحا في الشهر السابع، من السنة! عقدة لا زمتني أخذت مني الكثير من بهجة حياتي، خاصة أن هناك سبع
              الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

              تعليق

              • أحمد عيسى
                أديب وكاتب
                • 30-05-2008
                • 1359

                #8
                نادية البريني
                الأديبة الرائعة
                والقاصة المبدعة
                اشتاقت لحروفكم صفحات الملتقى
                فلا تطيلي الغياب زميلتي
                كم هو موجع هذا النص بعد الغياب
                كم هو أليم أن تصبح رهين خياران أحلاهما مر
                أن تتملكك الحيرة
                وأن تكون مجروحاً في الحالات كلها \

                كوني بخير نادية
                واكتبي لنا فنحن نحب ما نقرأ في متصفحك

                مودتي
                ” ينبغي للإنسان ألاّ يكتب إلاّ إذا تـرك بضعة من لحمه في الدّواة كلّما غمس فيها القلم” تولستوي
                [align=center]أمــــوتُ .. أقـــــاومْ [/align]

                تعليق

                • إيمان الدرع
                  نائب ملتقى القصة
                  • 09-02-2010
                  • 3576

                  #9
                  ناديا الحبيبة :
                  معادلة لا شكّ صعبة تلك التي أوردتها في نصّك العميق ..
                  وبنظري أنها محسومة في الغالب لصالح الأمومة في مجتمعنا الشرقيّ ..العربيّ
                  حدّ هلاك المرأة ..ومعاناتها ..
                  وكم دفعت ثمناً باهظاً من عمرها ..حين ينسلّ من بين يديها دون أن تستشعر حلاوته ..
                  حين تنفلت من أصابعها الأحلام التي كانت كعرض الفضاء ...فتتبخّر إلى أملٍ شحيحٍ ..يراودها على استحياء..
                  ومع هذا ..ترجّح الأمومة ...دون أن تنتظر جزاء ، أو مكافأة ..أو تعويضاً ..
                  هذا في الغالب ..قلّة من يشغلها المنصب عن هذه الرسالة ..وإن حصل ..فستجني عند القطاف رياح الندم ..
                  ناديا ..أيتها الأديبة الكبيرة الرائعة ..
                  طالت غيبتك ..وعدت بنصّ رفيع الإنسانيّة ، قويّ المشاعر ..
                  وبلغةٍ تنبض إحساساً ..
                  كم أسعدتني عودتك الجميلة بيننا ..؟؟!!
                  نتمنى عليك ألا تحجبي عنّا روعة نصوصك ..
                  ما أروعك ناديا ؟؟!!
                  حيّااااااااااكِ

                  تعيش وتسلم يا ااااااوطني ...يا حبّ فاق كلّ الحدود

                  تعليق

                  • سمية البوغافرية
                    أديب وكاتب
                    • 26-12-2007
                    • 652

                    #10
                    قصة جميلة
                    وجدتها مختلفة، وجديدة على مستوى موضوعها، ومقنعة ومؤثرة
                    وقفلة موفقة
                    احييك عليها عزيزتي نادية البريني
                    وارجو منك كثيرا من الحضور والتفاعل
                    دمت قاصة متمكنة
                    تقديري ومحبتي

                    تعليق

                    • نادية البريني
                      أديب وكاتب
                      • 20-09-2009
                      • 2644

                      #11
                      الأمومة الغائبة . الأمومة القادمة
                      لم تغب تلك . ولم تأت هذه .... ليست تلك بعد ولاهذه لها
                      تلك لأنها لفظتها . وهذه لأنها لاتستطيع أن تلفظ أمومتها مرتين . أولى في أول الأم وأخرى في آخر الأم ... تلك والأم تحيا . وهذه والأم ماتت
                      .. هكذا أمومتها حية وميتة في أن ...
                      الإبن أم الكبرياء ؟ ياإلهي : خياران كلاهما يقتل الآخر. إن رضيت بأحدهما .
                      فلا كبرياء ولاإبن ..
                      ولايجتمعان .
                      أتستطيع المرأة أن تقسوا على نفسها حد تنازلها عن أمومتها كي ترضي كبرياءها .. هل الكبرياء حق لها حتى أن تجتزأمومتها ؟
                      هي تراجيديا تعيشها المرأة العربية في مسرح حياتنا . تضحي أبد أيا كان خيارها : أمومتها أم كبرياءها ... مع أن ثقافة المرأة في بيئتنا لا تتصل بمثل هذه الافتراضات
                      من وجهة نظري أبلغ مافي القصة هوموت الام عن طفلها والذي أتم التشكيل المركب : صارت الأم أمين ولكن مع تأكيد غياب أمومتها حد الغيبوبة فلا هذا أتى ولاذاك حصل ...
                      تحياتي


                      كتبت أخي الكريم واستمتعت أنا بتفاعلك مع النّص الذي أعطيته من فكرك ما عمّق وجوده
                      الأنثى بين الكبرياء والأمومة ماذا تراها تفعل؟ تتقيّد بالحكمة والحلم والوعي بخطورة كلّ فعل تقدم عليه.
                      أثريت عملي فشكرا لوجودك في صفحتي
                      دمت بخير

                      تعليق

                      • نادية البريني
                        أديب وكاتب
                        • 20-09-2009
                        • 2644

                        #12
                        أشعر أنني فعلا في بيتي بين أخوتي وأخواتي لذلك ألتمس منهم العذر عن تأخّري في الّرد. تحتاج كلماتهم الصّاااادقة إلى حروف لا تقلّ عنها صدقا وحبّا.
                        المعذرة مجدّدا سأعود بإذن اللّه عندما تخفّ وطأة إصلاح واجبات طلبتي.
                        أحبّكم جميعا
                        دمتم بخير

                        تعليق

                        • وسام دبليز
                          همس الياسمين
                          • 03-07-2010
                          • 687

                          #13
                          المشاركة الأصلية بواسطة نادية البريني مشاهدة المشاركة
                          الإهداء:
                          إلى ابنتي الحبيبة آمنة،ابنتي التي لم تغذّها أحشائي لكن غذّتها مشاعر أمومتي التي قالت الكثيرومازالت تقول


                          رأيتهم يهرولون.رافقتهم عيناي حتّى غابوا عن ناظريّ.شغلتني حركتهم الحثيثة لكنّني لذت بالصّمت وانكفأت على نفسي أسحب نفسا متقطّعا يغادرني بصعوبة بالغة.
                          لم يطل صمتي فقد رأيتهم يعودون مجدّدا مرفوقين بطفل لمّا يتجاوز الرّابعة من عمره .عرفت من ملامح وجهه أنّه ابن إحدى متساكنات الحيّ.
                          اخترق بكاؤه أعماقي دون أن أعرف علّته.نظر إليّ وكأنّه يستنجد بي.وجدتني أخيّب أمله لأنّني لم أحرّك ساكنا رغم أنّ بركانا من المشاعر يكاد ينفجر داخلي في أيّ لحظة فيزلزل كياني.
                          كان بكاء الطّفل يصفع أمومتي ويحيي فيّ كلوما تنخر أحاسيسي دون رحمة.
                          أعيش الماضي بكلّ تعاريجه فتنهمر دموعي لتغسل أدرانه عساها تطهّره.
                          كان يتشبّث بقدميّ وعويله يصمّ أذنيّ،يمسح بيديه على ركبتيّ،يصلني صوته بعد كلّ هذه السّنين ليجلدني بعنف "لا تتركيني ماما ،لا تتركيني ،لا تغادرينا "
                          كنت في عنفوان شبابي وقوّتي.لم أشأ أن أرضخ لأمومتي ثأرا لكرامتي.تمسّكت بموقفي ورأيت أنّ تراجعي عنه هو قتل لإنسانيّتي.رفضت الهزيمة وأعلنت الحرب.لن أنقطع عن عملي مهما كلّفني الأمر.اتّفقنا قبل الزّواج على حريّة الاختيار فلم يصرّ الآن على موقفه؟
                          عاندت،تحدّيت،قهرت أمومتي بل وأدتها لمّا قبلت الطّلاق بشرط أن يبقى الصّغير معه.أ خنت أمومتي أم خانتي هي ؟كلانا مذنب.
                          تجمّدت مشاعري يومها،اكتسحتها أنانيّتي حتّى أعمتها ،ضحّيت بصغيري الذي كان يلوذ بي لأحمي طفولته الغضّة.
                          جمعت حقائبي وغادرت أمام ناظريه.لم أفكّر حينها في نفسيّته المرهفة.كنت مسكونة بهاجس التحدّي ومصرّة على المضيّ قدما في عنادي.تركت فلذة كبدي الذي ألقمته ثديي،تركته للمجهول مقابل الحفاظ على كبريائي وكأنّ هذه الكبرياء لن تستردّ عافيتها إلاّ بهذا التحدّي المريض.
                          أقرأ صفحات أمسي وأغرق في الحسرة.تبلّلني دموع صغيري فتخصب حاضري الذي نضب ماؤه.
                          كنت أعتقد أنّني ضمنت السّعادة بالتّحدّي لكنّ اليأس بات يهدّدني كوحش كلّما ذبلت ورقة من وريقات عمري.أعيش الوحدة القاتلة وأنا على عتبات شيخوختي،هذه الوحدة التي أسلمت إليها ابني دون شفقة وهو في أمسّ الحاجة إليّ.
                          يتراكم الثّلج في دخيلتي.لن تذيبه حرقتي على أمومتي التي وأدتها بأنانيّتي ووهبتها لمن احتضن ابني. تلك المرأة التي لم تغذّه داخل أحشائها لكنّها غذّته بين أحضانها فارتوى من فيض عطائها.
                          ذويت أمومتي وأينعت أمومتها،بخلتُ وأعطتْ،فارقتُ واتّصلتْ.أجدبت مشاعري كلّ هذا الزّمن وها هي اليوم تورق فهل يحقّ لها أن تصحو بعد سبات عميق وأن تتطهّر بعد أن غرقت الوحل؟
                          بعد أسبوعين يزفّ ابني إلى عروسه.جرّدني الزّمن من حقوقي مثلما جرّدت نفسي من مسؤوليّتي تجاه صغيري.لا يحقّ لي الآن أن أتطفّل على شبابه بعد أن سرقت منه لذّة الأمومة.سأكون ضيفة عابرة في حفل زفافه كما كنت ضيفة عابرة في حياته...
                          يصلني عويل متشابك يصدر بعضه عن نفسي التي تنتحب بشدّة ويبلغني بعضه الآخرمن خارج أسوار هذه النّفس.
                          أفزعني العويل الخارجيّ لأنّني لا أعرف علّته.تقدّمت بخطى ثقيلة من الخوف لأبحث عن مصدره.وجدتني أمام عتبة منزل إحدى الجارات.كانوا يهمّون بتشييع جنازتها.أنهكها المرض زمنا حتّى فارقت الحياة.أشفقواعلى طفلها من لحظة الوداع الأبديّ فحملوه بعيدا عنها.كان يستنجد بي ساعة مرّوا به...
                          يتضاعف نحيبي حتّى يغيم الفضاء أمامي فلا أكاد أميّز شيئا.
                          أما أنا فلا استطيع المقارنة ،فلا أغلى ولا أرقى من الأمومة
                          لكن القصة كانت جميلة بكل ذلك النزيف من المشاعر ،بين عتب وكبرياء
                          بين لوعة وكبرياء
                          يقف هنا الكبرياء ليزيد من حطامها
                          كلاهما جرح لا يندمل
                          سعدت بحروفك استاذة نادية

                          تعليق

                          • بسمة الصيادي
                            مشرفة ملتقى القصة
                            • 09-02-2010
                            • 3185

                            #14
                            الأديبة الصديقة والأخت الغالية نادية البريني
                            لذعتني هذه النار .. هنا ما أصعب القرار ..
                            الكرامة أم الأولاد ...وكلاهما الروح !
                            لم على المرأة أن تعيش إجمالا بنصف روحها ؟!
                            أذكر قصة عروة بن ورد الشاعر الذي اختار زوجته من سبايا الحرب
                            ثم أحبها بجنون، أنجب منها الأولاد وكتب فيها القصائد
                            ولكن لما انفتحت أمامها الأبواب تركت كل شيء ورحلت من أجل كرامتها؟؟!
                            موضوع مثير للجدل
                            وحياة مثيرة للشفقة
                            قصة مؤلمة لأن القلب الشفاف هو من كتبها
                            وجميلة بأسلوبها ولغتها
                            اشتقنا لك يا صاحبة القلم الحنون
                            لاتحرمينا من قصّك المؤثر ونبضك الإنساني
                            دمت مبدعة ودمت لنا
                            محبتي وأكثر
                            في انتظار ..هدية من السماء!!

                            تعليق

                            • نادية البريني
                              أديب وكاتب
                              • 20-09-2009
                              • 2644

                              #15
                              حينما تتصارع مشاعر الإنسان سواء كان رجل أو امرأة بين (النفس) وبين(الأبوة أو الأمومة) .. فيكون الإختيار صعب للغاية ...
                              لكن ما أعرفه ان الاحساس بالظلم أو الشعور بالقهر ناحية أي شئ وقع عليك يجعلك للحظة تقول نفسي نفسي .
                              وهذا ليس بغريب على بطلة القصة التي عذرتها وأشفقت عليها
                              تحياتي لك استاذتي الغالية نادية البريني


                              آسفة كثيرا لأنني تأخّرت في الرّد
                              الليلة فقط بدأت أتنسّم أريج العطلة الشّتائيّة
                              شكرا محمّد الغالي لتفاعلك مع عملي
                              هل نعذرها ونشفق عليها؟ألم يكن من الأجدرأن تضحيّ في سبيل صغيرها؟
                              هكذا الحياة لا يمكن أن تعطينا كلّ شيء
                              دمت بخير

                              تعليق

                              يعمل...
                              X