فراشات البحر
كنت أقف على أطراف أصابع رجلي. أرفع ذراعي. أستعد للمرة الرابعة على التوالي لإطلاق دلفينتي.
في اللحظة التي هممت فيها بالقفز، سمعت هسهسة شبيهة بحفيف أوراق أشجار الربيع.... فألجمت إلي دلفينتي وطويتها تماما في أدراجي أنصت إلى هذا الصوت العذب الذي ما يفتأ يرتفع ويصخب في أذني ويخدر جوارحي..
شيء يشبه الطيران في الأحلام الليلية ما أشعر به.. عيناي المبتسمتان رحلتا عني وانغرستا في عين الشمس التي لا زالت تخضب أطراف البحر أمامي بلونها الصباحي الباسم.. أنتظر بكل شغفي وشوقي طلعة شموس لي كأني تلقيت وعدا من الشمس بأن تزف إلي شموسا صغيرة من رحمها..
لم يطل انتظاري طويلا حتى تدفقت علي أسراب من الفراشات من وراء الشمس، ومن خط الأفق.. غطت وجه البحر وحجبت عني زرقته بألوانها الربيعية الزهية.. ومن شدة فرحي بها، استيقظت دلفينتي الصغيرة وطفرت من أعماقي.. قفزتْ عاليا وغاصت بي في عمق البحر.. كان عالم الفراشات يغطس معي ويطفو معي.. ويتدفق نحوي من عين الشمس، ومن خط الأفق، ومن أعماق البحر، ومن جسدي أيضا.. اختلط علي مصدر تدفقها.. لم أعد أعرف إن كانت تهطل من السماء، أو تتدفق من قاع البحر، أو تنبثق من عين الشمس، أو أنها تفيض مع دفقات نفَسي ونبضات روحي.. كل ما أدريه أن روحي غمرتها الفراشات.. وأني صرت فراشة كبيرة وسط جيوش فراشاتي.. وأن علي أن أسرع إلى حبسها في حديقتها لتظل ترقص لعيني أبدا..
مسحت الشاطئ بطوله وعرضه أبحث عمن يعيرني المفتاح.. كان كل المصطافين شبه عراة وغارقين في صلوات التطهر من صدأ الأيام.. وقريبا مني، مصور يلتقط صورا لشاب أسمر يحضن إليه فتاة شقراء وهما في لحظة عشق تثير غيرة الشمس الساطعة من الأفق.. والشقراء الفاتنة تستغفله وترفع رأسها من فوق كتفه الأسمر المشعر وتبتسم لي بغواية.. لم أرد على ابتسامتها ولم أتوقف كثيرا عند حالة عشقهما.. كنت مستغرقا بعالم فراشاتي.. عالم فراشاتي فقط..
وكم تمنيت لحظتها، لو أن عالم فراشاتي مما يقبض عليه بضغطة زر كما يقبض المصور على اللحظات الهاربة بكبسة واحدة على زر التصوير!!..
لا جدوى لإطلاق الأماني.. حاصرت جيوش فراشاتي بكل جوارحي وانطلقت بها مسرعا أذرع الرمال الحارقة.. وطفل صغير في طريقي يسبقني بخطوات.. يجري مثلي ولا يبالي بشيء غير إنقاذ ما بين يديه من الموت أو ربما من السرقة.. لا أدري إن كان ما يخفي بين كفيه المضمومتين عصفور أو سمكة أو فراشة أو ماسة صغيرة.. كدت أسأله عن كنزه، لكنني عدلت حينما رأيت كثيرا من فراشاتي تفر مني وتتعلق على جسده.. فاستعدتها بهدوء ولين كما ينبغي مع الفراشات وانطلقت بها جاريا بكل قوتي..
بلغت الرصيف بأمان، ودخلت سيارتي فدخلت معي فراشاتي وغمرتني كما الهواء. سحبت من الصندوق الصغير بجانبي قلمي وكراستي اللذين نسيت أن أضعهما بين أغراضي حينما نزلت إلى البحر.. بسطت كراستي على مقود سيارتي وعزلت حديقة لفراشاتي وعلقت على بابها يافطة نقشت عليها بخط بهيج:" فراشات البحر.." وأنا أتهيأ لأفتح الأبواب لفراشاتي، قفز الطفل أمامي على بعد خطوتين من سيارتي.. يفتح كفيه قليلا قليلا ليطلع أمه على كنزه.. فطارت من بين يديه فراشة صغيرة حمراء مرقطة بنقاط سوداء وطارت معها فتة من قلبي السعيد كما لو كانت إحدى فراشاتي من هجرتني.. وظللت أرقب الطفل المندفع وراء فراشته المشاغبة وهي تنزل إليه حد ملامسة أطراف أصابعه الصغيرة.. ثم ترتفع وتعلو وتغيب حتى تخيلتها قد ابتلعتها الأجواء.. فإذا بها تعود ترسم له حلقات الفرح في الفضاء ثانية.. وينطلق وراءها يطاردها بكل ما بقي له من طاقة..
عطفا في اتجاه البحر حيث اصطادها فغابا عن ناظري.. فعدت إلى ملكوتي لأقبض على فراشاتي وأغلق عليها في حديقتها وفي قلبي شيء من آثار النكسة.. لا أدري إن كان سببها ما حل بفراشة الطفل، أم بسبب ابتسامة الشقراء التي لم أرد عليها، أم شيء آخر.. لكنه شعور ما فتئ أن تفاقم وضاق به صدري حد الاختناق، حينما رأيت فراشاتي الهادئة الرائعة تتخبط في فوضى عارمة وتتسقط سبيلا لتفر بعيدا عني وتعود إلى البحر..
وهل أقوى على ملاحقتها إن فعلت؟!
نفضت فضائي من كل شيء.. من البحر، والأمواج، والمصور، والطفل، وفراشته، ومن ابتسامة الشقراء أيضا.. صفيت لفراشاتي تماما كما يحلو لها حتى ترقص لي.. ومع ذلك ظلت في حالة من الفوضى والتخبط والعصيان الممقوت.. فحاصرتها بنوع من الصرامة حينما أصرت على هجران فضائي ورحت أسوقها إلى حديقتها بنوع من القسوة أيضا.. فذرت علي رمادا ملونا من أجنحتها الناعمة ثم غابت في لجة من دخان رمادي..
ولما لا جدوى من ملاحقتها، كسرت قلمي، ومزقت كراستي، وفتحت النوافذ وأطرقت فوق المقود أجتر خيبتي..
أيقظني من تشتتي ومن نار خداع الفراشات، صياح ندي عذب تلفه نبرات الفرح.. فرفعت رأسي كالمستيقظ من النوم لأفتح عيني على الفتاة الشقراء صاحبة البسمة الساحرة وهي تطلع إلي من البحر كشمس الفجر.. ترفع رأسها وتضحك لي، وشعرها الذهبي تطيره نسائم البحر المنعشة، وساقاها المنحوتتان ببراعة تدفعان نحوي جسدها الرشيق العاري إلا من صدرية تغطي نهديها الراكضين ومن قطعة قماش قصيرة ضربتها حول خصرها.. ابتسمت لها بكل جوارحي. وعيناي المبتهجتان تلحسان بلذة فائقة تعرجات جسدها البديع الذي يبث نسيم الروح في أركاني..
همهمت في قرارة نفسي بشيء من اليقين: "إن هذا الفرح الفائض من وجهها سببه أنا الذي لم تتوقع أن تجده هنا...!!" وفتحت جوانحي لاحتضانها..
وهي على بعد خطوات يسيرة من سيارتي، فتحت ذراعيها والضحكة تملأ فمها الخاتمي كما عداءة تقترب من خط النصر.. انفتحت أجنحة روحي على مصارعها، وقفزت من سيارتي لأطويها بين ذراعي وأسكنها أعماق روحي.. وأنا أهم باحتوائها بكل فرح طفولي، رفعت ذراعها قدر ما استطاعت وانهالت على خدي بصفعة حارة نزلت على روحي بطعم القبلة.. ثم ارتمت في أحضان الشاب الأسمر المشعر الراكض نحوها من الجهة الخلفية..
سمية البوغافرية، 2011
تعليق