ليلةٌ من غير صباح
الآن عاد النسرُ الفولاذيُّ والذئابُ الضاريةُ.
سرقوا قريتنا، خطفوها من عالمها الفيروزي وركبوا على ظهرها لينفردوا بجزِّ عشبها الرطيب، وسرقة حلمها الأخضر، من غير أن يسمع أحدٌ أنينها أوشهقة احتضارها الوئيد.
كنا في المسجد وقد أسفت الطائرةُ على سطحه فأصمّت الآذانَ، مثيرةً صخباً عارماً في أركانه العتيقة وضجةً تهزُّ الزقاقَ الذي يقع فيه. ظلّ الشيخ حسن رغم ذلك يخطب فينا، ممنياً النفوسَ ببزوغ فجرٍ جديدٍ مع حسن الصبر والاحتمال، لكننا تفاجأنا بدخول شبانٍ يهرعون وهم يطلبون من المصلين الهرب والنجاة بأنفسهم، لأن الجند قد ترجلوا وهم في الطريق لنا بعد أن اقتحموا المسجد الذي يقع في الحي القريب.
في المسجد الآخر، لمح أحد الأطفال العسكر قبل أن يدخلوا للباحة وأخبر أباه، فأسرع المصلون لإغلاق الأبواب، لكن العسكر جاؤوا مسرعين فهشموا الأبواب الخشبية بأعقاب بنادقهم وأحذيتهم، إلا أن الشباب أخذوا على عاتقهم تدبر الأمر، فجعلوا الشيوخ والأطفال وراءهم، ثم ألصقوا أجسادهم بالباب وكل ما نالته أيديهم.
فطن أحد العسكر لفكرةٍ خبيثة، فقام بجلب قضيبٍ حادٍ ومزق أحد الأبواب التي كان من خلفها شابين أحسا بوخزه وهو يندس في الخشب، فقاما بركل القضيب الذي سرعان ما أدخلت مكانه فوهة البندقية التي صارعها الشباب بأيديهم وأرجلهم، إلا أنها أطلقت طلقاتٍ تحاشاها البعض لكنها أصابت جدران المسجد وأفلحت في خرق ساق حجي ناصر.
تدفق الدم غزيراً على سجاجيد المسجد، فتداعى الرجال ليسعفوه ولفوها بغترة أحدهم، واشتدّ وطأ الغارة فما استطاع الشباب صدّ الهجوم، وفتحت بعض الأبواب عنوةً، ودخل عددٌ من العسكر، ثم مالبثت أن دارت معركةٌ ضاريةٌ بين الأيدي التي احتوشت البنادق، والعسكر الذين هددوا بقتل الجميع.
أثناء ذلك، طلب إمامهم، الشيخ راشد، من أحد الشباب أن يأتي لمسجدنا فيخبرنا بما جرى، فإما أن نسعفهم بقدومنا بالحجارة أو أي شيءٍ آخر، فنذود عنا وعنهم هذا الهجوم الغادر، أو ننجو بأنفسنا لأنهم في طريقهم لاشك لمسجدنا، فهو المكان الوحيد الذي لا زال مضاءاً في الحيِّ الذي ابتلعه الظلام.
قال لي أحد الرجال:
- أنت لا زلت طفلاً يا بني، قم واذهب لمنزلكم.
خرجت مسرعاً. أخذت نعلي ووضعتها تحت إبطي، رفعت ثوبي وعقدتها جيداً على خاصرتي وركضت حتى دخلت في الأزقة المظلمة.
كانت الطائرة توجه كشافها على الأرض فرصدتني وأنا أندسّ في الحي ثم رأيتها تقف فوق رأسي. كنت أنظر لها وانا أتصبب عرقاً. في هذا الوقت أسعفتني بعض مشاهد الأفلام التي كنت أحبها، فألصقت ظهري بالجدار واحتميت به فسقط نعلاي، لكنني بقيت ممسكاً بالحائط وأنا أرفع صدري وأنظر للأعلى ناحية المروحية المتأهبة للانقضاض.
أكل الخوف عقلي، هل أعبر المسافة التي تفصل بين هذا الزقاق إلى المنزل فأكون فريسةً سهلةً للمقنع الذي سيقنص أرنباً يتهادى ويكون له حبور ذلك ؟. لم أتخذ قراراً في ذلك حتى سمعت خطواتٍ في الظلمة، كان صدري يعلو ويهبط، أحدٌ ما يقترب مني في نفس الزقاق. دعوتُ الله أن لا يكون أحد العسكر، فجأةً ارتطمت كتفي بكتف فاضل، جارنا الذي كان يمشي بمحاذاة الجدار أيضاً، فصرخنا كلانا في نفس الوقت:
- من ؟
طرق مسامعي صوتٌ متهدج:
- أنا فاضل، هذا أنت، جاسم ؟
قلت وقد هدأت قليلاً:
- نعم.
ازدرت ريقاً سحبته من بلعومي الذي تشقق من الجفاف:
- فاضل، ألا تدري ؟، لقد هجموا على المسجد.
كان ضجيج الطائرة يصمُّ الآذان ونحن نتكلم بصوتٍ عالٍ لنسمع بعضنا، ثم فجأةً رأينا النار تتطاير من بابها فصرخنا من الخوف وهمّ فاضل راكضاً، لكن لناحية المسجد، فلحقته الطائرة، وسمعت أزيز النار وخبط جارنا على الأرض وصراخه، فما كان مني إلا أن عبرت لحينا وأنا أذرعُ المسافة راكضاً بخطواتٍ مبتاعدةٍ وسريعةٍ حتى دفعتُ باب منزلنا بقوةٍ وسقطت. استقبلتني أمي وهي تمسك بيديّ وتضمني، ثم أقفلت الباب.
أخذتني في صدرها، شممتُ مشمرها وتلاقت عيوننا في الظلمة، فقد كنا نبيت على ضوء الشموع لكي لا نلفت انتباه العسكر. تبسمتْ أمي في وجهي، سألتني إن كنت أريد العشاء، فقلت لها لا، لا أريد شيئاً.
بعد قليل، سمعنا ركضاً وكلاماً فاحشاً وطلقاتٍ تائهة، أغمضت عيني وغرست رأسي في حجرها، أمسكت بمشمرها وتدثرتُ به لأمنح نفسي طمأنينةً افتقدتها مذ أسفَّ على قريتنا الخوف ونشبت في نخيلنا مخالب القتلة.
غفوتُ حزيناً، تائهاً، على خدي تيبس نهرٌ مالحٌ تدفق من القلب ثمّ عبر لأحداقي حتى ذرفتهُ كدموعٍ مكسَّرة، كنت أسأل عينيْ أمي عن الناس والعالم والطيبين والسماء والغيب، عن هؤلاء اللصوص والأوغاد الذين يتلذذون بسحقنا ؟ أين الجميع؟ لماذا نحن محاصرون؟ لماذا ندفع ثمناً لأننا خرجنا كزرعٍ أخرج شطأه في هذا المكان فلم نعجب بعض المخلوقين، رغم أننا لم نختر ذلك ؟وهم كذلك، لم يختاروا، إلا أنهم كانوا أوفر حظاً.
يا الله، قلت في نفسي، كم هو إرثٌ ثقيلٌ يا أمي، كلّ هذا الألم والذلّ والليالي الحزينة ؟، لماذا جئتِ بي هنا، أمامي طريقٌ وعرٌ طويلٌ وصحراء ممحلةٌ لا بد أن أعبرها قبل أن أصبح رجلاً ثم أشيخ وأظلّ كما أنا، محروماً وشقياً ؟، فأعرف أن كلّ خطوةٍ في الحياة القادمة يكمن فيها موتٌ أقسى من الموت نفسه.
لم تجبني عيناها اللتان فاضتا بدمعةٍ مقهورة، فأطبقتُ أجفاني وتكومتُ بين ذراعيها متأملاً في الغد، راجياً أن تنقضي هذه الليلة التي لن يطلع بعدها الصباح !.
تعليق