ليلةٌ من غير صباح

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • علي التاجر
    أديب وكاتب
    • 21-12-2008
    • 88

    ليلةٌ من غير صباح

    ليلةٌ من غير صباح




    الآن عاد النسرُ الفولاذيُّ والذئابُ الضاريةُ.

    سرقوا قريتنا، خطفوها من عالمها الفيروزي وركبوا على ظهرها لينفردوا بجزِّ عشبها الرطيب، وسرقة حلمها الأخضر، من غير أن يسمع أحدٌ أنينها أوشهقة احتضارها الوئيد.

    كنا في المسجد وقد أسفت الطائرةُ على سطحه فأصمّت الآذانَ، مثيرةً صخباً عارماً في أركانه العتيقة وضجةً تهزُّ الزقاقَ الذي يقع فيه. ظلّ الشيخ حسن رغم ذلك يخطب فينا، ممنياً النفوسَ ببزوغ فجرٍ جديدٍ مع حسن الصبر والاحتمال، لكننا تفاجأنا بدخول شبانٍ يهرعون وهم يطلبون من المصلين الهرب والنجاة بأنفسهم، لأن الجند قد ترجلوا وهم في الطريق لنا بعد أن اقتحموا المسجد الذي يقع في الحي القريب.

    في المسجد الآخر، لمح أحد الأطفال العسكر قبل أن يدخلوا للباحة وأخبر أباه، فأسرع المصلون لإغلاق الأبواب، لكن العسكر جاؤوا مسرعين فهشموا الأبواب الخشبية بأعقاب بنادقهم وأحذيتهم، إلا أن الشباب أخذوا على عاتقهم تدبر الأمر، فجعلوا الشيوخ والأطفال وراءهم، ثم ألصقوا أجسادهم بالباب وكل ما نالته أيديهم.

    فطن أحد العسكر لفكرةٍ خبيثة، فقام بجلب قضيبٍ حادٍ ومزق أحد الأبواب التي كان من خلفها شابين أحسا بوخزه وهو يندس في الخشب، فقاما بركل القضيب الذي سرعان ما أدخلت مكانه فوهة البندقية التي صارعها الشباب بأيديهم وأرجلهم، إلا أنها أطلقت طلقاتٍ تحاشاها البعض لكنها أصابت جدران المسجد وأفلحت في خرق ساق حجي ناصر.

    تدفق الدم غزيراً على سجاجيد المسجد، فتداعى الرجال ليسعفوه ولفوها بغترة أحدهم، واشتدّ وطأ الغارة فما استطاع الشباب صدّ الهجوم، وفتحت بعض الأبواب عنوةً، ودخل عددٌ من العسكر، ثم مالبثت أن دارت معركةٌ ضاريةٌ بين الأيدي التي احتوشت البنادق، والعسكر الذين هددوا بقتل الجميع.

    أثناء ذلك، طلب إمامهم، الشيخ راشد، من أحد الشباب أن يأتي لمسجدنا فيخبرنا بما جرى، فإما أن نسعفهم بقدومنا بالحجارة أو أي شيءٍ آخر، فنذود عنا وعنهم هذا الهجوم الغادر، أو ننجو بأنفسنا لأنهم في طريقهم لاشك لمسجدنا، فهو المكان الوحيد الذي لا زال مضاءاً في الحيِّ الذي ابتلعه الظلام.

    قال لي أحد الرجال:

    - أنت لا زلت طفلاً يا بني، قم واذهب لمنزلكم.

    خرجت مسرعاً. أخذت نعلي ووضعتها تحت إبطي، رفعت ثوبي وعقدتها جيداً على خاصرتي وركضت حتى دخلت في الأزقة المظلمة.

    كانت الطائرة توجه كشافها على الأرض فرصدتني وأنا أندسّ في الحي ثم رأيتها تقف فوق رأسي. كنت أنظر لها وانا أتصبب عرقاً. في هذا الوقت أسعفتني بعض مشاهد الأفلام التي كنت أحبها، فألصقت ظهري بالجدار واحتميت به فسقط نعلاي، لكنني بقيت ممسكاً بالحائط وأنا أرفع صدري وأنظر للأعلى ناحية المروحية المتأهبة للانقضاض.

    أكل الخوف عقلي، هل أعبر المسافة التي تفصل بين هذا الزقاق إلى المنزل فأكون فريسةً سهلةً للمقنع الذي سيقنص أرنباً يتهادى ويكون له حبور ذلك ؟. لم أتخذ قراراً في ذلك حتى سمعت خطواتٍ في الظلمة، كان صدري يعلو ويهبط، أحدٌ ما يقترب مني في نفس الزقاق. دعوتُ الله أن لا يكون أحد العسكر، فجأةً ارتطمت كتفي بكتف فاضل، جارنا الذي كان يمشي بمحاذاة الجدار أيضاً، فصرخنا كلانا في نفس الوقت:

    - من ؟

    طرق مسامعي صوتٌ متهدج:

    - أنا فاضل، هذا أنت، جاسم ؟

    قلت وقد هدأت قليلاً:

    - نعم.

    ازدرت ريقاً سحبته من بلعومي الذي تشقق من الجفاف:

    - فاضل، ألا تدري ؟، لقد هجموا على المسجد.

    كان ضجيج الطائرة يصمُّ الآذان ونحن نتكلم بصوتٍ عالٍ لنسمع بعضنا، ثم فجأةً رأينا النار تتطاير من بابها فصرخنا من الخوف وهمّ فاضل راكضاً، لكن لناحية المسجد، فلحقته الطائرة، وسمعت أزيز النار وخبط جارنا على الأرض وصراخه، فما كان مني إلا أن عبرت لحينا وأنا أذرعُ المسافة راكضاً بخطواتٍ مبتاعدةٍ وسريعةٍ حتى دفعتُ باب منزلنا بقوةٍ وسقطت. استقبلتني أمي وهي تمسك بيديّ وتضمني، ثم أقفلت الباب.

    أخذتني في صدرها، شممتُ مشمرها وتلاقت عيوننا في الظلمة، فقد كنا نبيت على ضوء الشموع لكي لا نلفت انتباه العسكر. تبسمتْ أمي في وجهي، سألتني إن كنت أريد العشاء، فقلت لها لا، لا أريد شيئاً.

    بعد قليل، سمعنا ركضاً وكلاماً فاحشاً وطلقاتٍ تائهة، أغمضت عيني وغرست رأسي في حجرها، أمسكت بمشمرها وتدثرتُ به لأمنح نفسي طمأنينةً افتقدتها مذ أسفَّ على قريتنا الخوف ونشبت في نخيلنا مخالب القتلة.

    غفوتُ حزيناً، تائهاً، على خدي تيبس نهرٌ مالحٌ تدفق من القلب ثمّ عبر لأحداقي حتى ذرفتهُ كدموعٍ مكسَّرة، كنت أسأل عينيْ أمي عن الناس والعالم والطيبين والسماء والغيب، عن هؤلاء اللصوص والأوغاد الذين يتلذذون بسحقنا ؟ أين الجميع؟ لماذا نحن محاصرون؟ لماذا ندفع ثمناً لأننا خرجنا كزرعٍ أخرج شطأه في هذا المكان فلم نعجب بعض المخلوقين، رغم أننا لم نختر ذلك ؟وهم كذلك، لم يختاروا، إلا أنهم كانوا أوفر حظاً.

    يا الله، قلت في نفسي، كم هو إرثٌ ثقيلٌ يا أمي، كلّ هذا الألم والذلّ والليالي الحزينة ؟، لماذا جئتِ بي هنا، أمامي طريقٌ وعرٌ طويلٌ وصحراء ممحلةٌ لا بد أن أعبرها قبل أن أصبح رجلاً ثم أشيخ وأظلّ كما أنا، محروماً وشقياً ؟، فأعرف أن كلّ خطوةٍ في الحياة القادمة يكمن فيها موتٌ أقسى من الموت نفسه.

    لم تجبني عيناها اللتان فاضتا بدمعةٍ مقهورة، فأطبقتُ أجفاني وتكومتُ بين ذراعيها متأملاً في الغد، راجياً أن تنقضي هذه الليلة التي لن يطلع بعدها الصباح !.
    التعديل الأخير تم بواسطة علي التاجر; الساعة 18-12-2011, 10:35.
  • عائده محمد نادر
    عضو الملتقى
    • 18-10-2008
    • 12843

    #2
    الزميل القدير
    علي التاجر
    هلا وغلا ب بعد غيبة
    سألت عنك والله كثيرا
    نحن بحاجة لك ولكل من مثلك فأنت صاحب مبدأ وقضية
    النص جاء أحيانا مباشرا وهذا يحدث عادة حين نسرد عن الحروب أو عن الأحداث الخطوب التي تحيق بنا
    عشت مثل هذا الموقف ألف ألف مرة
    هجوم على المساجد
    وتلك الأباتشي اللعينة وهي تدور بين الطرقات وتضيء ( التورج ) العالي الفولتية فيغدو الليل نهارا
    أما الرشاش فحدث ولا حرج
    وأسأل نفسي لم علينا أن نعيش مثل هذه الأحداث الدامية؟
    وهل هي مكتوبة علينا في لوجح أقدارنا
    عشت النص معك لحظة بأخرى
    عودة ميمونة زميلي
    مودتي واحترامي



    ألممسوس
    الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

    تعليق

    • علي التاجر
      أديب وكاتب
      • 21-12-2008
      • 88

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة عائده محمد نادر مشاهدة المشاركة
      الزميل القدير
      علي التاجر
      هلا وغلا ب بعد غيبة
      سألت عنك والله كثيرا
      نحن بحاجة لك ولكل من مثلك فأنت صاحب مبدأ وقضية
      النص جاء أحيانا مباشرا وهذا يحدث عادة حين نسرد عن الحروب أو عن الأحداث الخطوب التي تحيق بنا
      عشت مثل هذا الموقف ألف ألف مرة
      هجوم على المساجد
      وتلك الأباتشي اللعينة وهي تدور بين الطرقات وتضيء ( التورج ) العالي الفولتية فيغدو الليل نهارا
      أما الرشاش فحدث ولا حرج
      وأسأل نفسي لم علينا أن نعيش مثل هذه الأحداث الدامية؟
      وهل هي مكتوبة علينا في لوجح أقدارنا
      عشت النص معك لحظة بأخرى
      عودة ميمونة زميلي
      مودتي واحترامي



      ألممسوس
      http://www.almolltaqa.com/vb/showthr...

      تعليق

      • ريما ريماوي
        عضو الملتقى
        • 07-05-2011
        • 8501

        #4
        أهلا بك ومرحبا وبنصك الجميل القوي
        سردا ولغة وفكرة,
        والحرب اللعينة لم تبقي ولم تذر.
        ما أقساها على هذا الشاب الصغير.
        الذي كان بين يدي ربه في المسجد,
        ولم ينج منهم إلاّ بشق الأنفس...

        يسلموا الأيادي...
        مع شكري وتقديري.


        أنين ناي
        يبث الحنين لأصله
        غصن مورّق صغير.

        تعليق

        • فايزشناني
          عضو الملتقى
          • 29-09-2010
          • 4795

          #5
          غفوتُ حزيناً، تائهاً، على خدي تيبس نهرٌ مالحٌ تدفق من القلب ثمّ عبر لأحداقي حتى ذرفتهُ
          كدموعٍ مكسَّرة،

          لانريد أن تداهمنا شلالات الدموع ، وأن نترقب صباحاً لن يأت
          عندما يتكلم السلاح لا صوت يعلو عليه ولا يكاد يسمع صوت الآذان
          أخي علي
          صرخة قوية أطلقتها في وجه الظلم
          طغت هديرها على هدير الطائرة التي تلاحقك والآخرين
          ما أصعب تلك الليالي وما أقسى لحظاتها فغالباً ماتطول إلى ما لا نهاية
          وصباحاتها تتأخر في المجيء
          أحسست بالوجع وأنا أقرأ لك
          همنا واحد ووجعنا أيضاً
          تحية لك ولعودتك الظافرة
          التعديل الأخير تم بواسطة فايزشناني; الساعة 18-12-2011, 15:39.
          هيهات منا الهزيمة
          قررنا ألا نخاف
          تعيش وتسلم يا وطني​

          تعليق

          • علي التاجر
            أديب وكاتب
            • 21-12-2008
            • 88

            #6
            المشاركة الأصلية بواسطة ريما ريماوي مشاهدة المشاركة
            أهلا بك ومرحبا وبنصك الجميل القوي
            المشاركة الأصلية بواسطة ريما ريماوي مشاهدة المشاركة
            سردا ولغة وفكرة,
            والحرب اللعينة لم تبقي ولم تذر.
            ما أقساها على هذا الشاب الصغير.
            الذي كان بين يدي ربه في المسجد,
            ولم ينج منهم إلاّ بشق الأنفس...

            يسلموا الأيادي...
            مع شكري وتقديري.
            أختي الفاضلة ريما ،،

            شكراً لهذا المرور العاطر والتقدير الجم ،،

            يتساءل من يكون في أتون هذه النار، لم أنا هنا ؟
            من الذي أعطى هؤلاء إذناً بالقتل وسفك الدم الحرام ؟
            كانت طفولةً ضائعة في النص، وحضن أمٍ تعرف أنها لا تقدر على فعل أي شئ لطفلها، سوى أن تمنحه دمعةً مقهورة ،،

            تعليق

            • علي التاجر
              أديب وكاتب
              • 21-12-2008
              • 88

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة فايزشناني مشاهدة المشاركة
              غفوتُ حزيناً، تائهاً، على خدي تيبس نهرٌ مالحٌ تدفق من القلب ثمّ عبر لأحداقي حتى ذرفتهُ
              كدموعٍ مكسَّرة،

              لانريد أن تداهمنا شلالات الدموع ، وأن نترقب صباحاً لن يأت
              عندما يتكلم السلاح لا صوت يعلو عليه ولا يكاد يسمع صوت الآذان
              أخي علي
              صرخة قوية أطلقتها في وجه الظلم
              طغت هديرها على هدير الطائرة التي تلاحقك والآخرين
              ما أصعب تلك الليالي وما أقسى لحظاتها فغالباً ماتطول إلى ما لا نهاية
              وصباحاتها تتأخر في المجيء
              أحسست بالوجع وأنا أقرأ لك
              همنا واحد ووجعنا أيضاً
              تحية لك ولعودتك الظافرة

              الأستاذ فايز ،،

              أسعدني هذا التعليق، هذه المشاعر، هذا البوح ،
              أحس أنك لمست ما كان يعتمل في القلب، وما كنت أريد أن أقوله بصدقٍ من خلال هذا النص،
              ستعرف ذلك عندما أقول أنني كنت سأكتب في الإهداء، بأنني أود الصراخ،
              لعلَ هذا النص يكون صرخةً في وجه اللصوص والأوغاد والقتلة،

              مودتي وتقديري أستاذ فايز ،،

              تعليق

              يعمل...
              X