هدف الهزيمة !!
تجبرك حلاقةُ ذقنك على الوقوف أمام المرآة،أمام ذاتك الهاربة ، أو ربما كنت أنت الهارب منها ؟
تحلق ذقنك لا لتبدو أصغر سنا، لكن تلك الشعيرات البيضاء تستفزك فقط لأنها تجر معها الكثير من الأسئلة والتعليقات التي تصدر عن ناس يعبرون يومك على عجل، لا يهمهم إلا أن يلوثوا كل صفحة بيضاء تحاول فتحها في حياتك! يتشوقون لتفكيك ذاكرتك وشيفراتها، ليتركوك مبعثرا على رصيف وحدتك، تلملم أشياء خيبتك وترحل إلى فراشك البعيد عنك مسافة أميال ..من الذكريات!
منذ انتقلت إلى هذا الحي، والأسئلة تنهال عليّ كما الرصاص: من أنت؟ من أين أتيت؟ لماذا أنت كتوم هكذا؟ هل لديك أولاد؟أنت شبت يارجل وليس لديك أولاد؟؟! .. لماذا؟ ولماذا؟ يخشون من الغرباء أمثالي وكأنني جرثومةٌ اقتحمت سكينتهم .. !
لاعب كرة السلة الذي يتمرن في رأسي كل صباح يقطع علي خلوتي مع قهوتي سألني وأنا أهم لمعاتبته بعد طول صبر :
هل تلعب معي ؟
حدقت بالكرة التي لن أسجل بها هدفا أبدا،لوحت له بيدي معلنا رفضي، فإذا به يسألني عن هوايتي ..فأجبت دونما تفكير :النسيان!
وتمتمت في سري موبخا ..:
"هوايتي التي أعجز عن ممارستها بإتقان.."
فجأة لمحت كرسيه المتحرك، تستمرت في مكاني مذهولا، ثم ضحكت من انبهاري بكرسيّ نجلس عليه جميعا دون أن ندري!
انسحبت من أفكاري مع كتاب تحت عنوان "لوحات تحكي" إلى كرسيي الخشبي المقابل لتلفاز أغطي مرآته بقطعة قماش،
كنت أشعله فقط إثر سماعي لخبر مهم ما، لكن حتى الأخبار العاجلة لم تعد تعنيني ...!
في كتاب "لوحات تحكي" الكثير من الصور لغتها ألوانها وخطوطها، ترى ما لغة جسدي؟ اللون الشاحب؟ النظارات السوداء التي صارت جزءا من الوجه تغطي عينين موشحتين بسواد السهر إحداها يزينها خدش لا يمحوه الزمن..؟!
ما لغة هذا الجسد المنتفخ من الوجبات السريعة؟ والدم المشبع بالنيكوتين ؟ وأنفاس الخيبة المترددة إلى رئتي؟ الجسد الذي لم يعد له ملامح ولم يعد سوى مطفأة لسجائر أسئلتهم!
فضولهم ليس احتراما لذاكرتي أو احترام حقها في الكلام، ولا محاولة للاقتراب مني، الأمر أني أصبحت مثل جريدة ينتظرون قراءتها ليتمكنوا من رميها مرتاحين البال ..!
أشتري الكثير من الروايات لكني لا أقرؤها أبدا، خوفا من أجد بطلا يشبهني، أو ربما خوفا من أن أجدني بين أسوار قصتي بكل أسمائي ..أكتفي بغلافاتها لأسد فراغا في مكتبتي.. وفجيعتي!
كذلك لا أقاوم شراء أي مجلة أو جريدة تستوقفني فقط لأن الأمر مجرد عادة اقترفتها منذ دهور، لا أنظر إليها أبدا ..ربما أمرّ على الصور، يضحكني أن أغلب الناس يتزاحمون لالتقاط صورة مع كاتب مشهور ما، لم يقرأوا له جملة واحدة فقط ليحظوا بشيء من شهرته! وربما كان الغامضون أمثالي من المرغوبين أيضا في عالم الصور ..بعضهم يحلم أن يسرق شيئا من الغموض؟!وحده الحزين البائس يبتعدون عنه كي لا تنتقل إليهم عدوى الحزن؟! لا أحد يريد أن يظهر معه في صورة حياته التعسة!
وأتذكر يوم كنت جزءا من الخبر ... قبل أن أصبح ما وراء الخبر..وذاكرة الجريدة التي محتها الرقابة .. والرصاصة الطائشة التي خرجت من سلاح لقيط يحمل صاحبه أكثر من اسم ..وكل أسمائه مزوّرة !!
هل اسمنا هو شيفرة ذاكرتنا.. تقفل بضياعه؟!
هل يمكن هذا حقا؟ أن ننسى تفاصيل ماضينا أو بالأحرى نتناساها حتى نعجز تماما على التعرّف على أنفسنا وإن التقينا بها أمام مرآة ...بحضرة شفرة حلاقة؟
لن أبلغ هذه العظمة من النسيان؟ خاصة أن أسئلة الفضوليين تفتح نوافذ الماضي جبهات في معارك لا تنتهي؟
أعزل في قصة عن خيانة ما لزمن لم يعد يلعن الخيانات إلا جهرا .. أما سرا فكلهم يركعون للذة ما خلف ستار ما غير شرعي ..!
ثمة أنواع من الخيانات .. خيانة قلب، خيانة مبدأ وخيانة وطن ..وربما خيانة منفى!
خرجنا ذات يوم من اليافطات المكتوبة بالدم، من حنجرة الخطابات القومية، أكتافنا خاطتها الأعلام الوطنية والعربية، نردد شعارات رنانة، كان عميقا إيمانُنا بصوتنا، بقدرتنا.. مع كل احتدام كان يزداد فينا الحماس ندافع عن رموز سقطنا لاحقا في مستنقعاتها، نحمي أيد كانت تحركنا كقطع الشطرنج، ترمينا بين الأمواج المستعرة غضبا ..لا لشيء فقط لنكون طعما لاصطياد سمكة كبيرة ..هي الوطن!
ولأننا شرفاء ومتحمسون حد الغباء، حملنا السلاح، لم نكن على علم أن الخطة هي أن
ننتحر بطريقة مثيرة للدهشة! تجندنا بسلاح وبمبدأ ..قُتلنا وحبسنا.. صبرنا على التعذيب لإثبات رجولتنا فكان الرد في رجولتنا ..في أحلامنا .. !
مع ذلك كنت ذلك الجبل المؤمن بأن الرجولة موقف وليست جسدا .. إلى أن دُفنت المواقف مع أكاليل خيبة في احتفال المصالحة .. وعاد الوطن لفتح أفرانَه كل صباح يخبز جِلدَنا على صوت فيروز.. وعادت الرزنامة تقلب صفحاتها الهادئة المخادعة ....... وبقيت أنا .. ومنفى اخترته لنفسي حتى كبر في داخلي.. مع قصص لعبت فيها كل الأدوار ..
فأنا نفسه هو الخائن والمناضل، الهارب والشهيد والمفقود ..الجاني والضحية ..وأنا الغريب ..وأنا المهزوم في معارك النسيان .. ورجل خارج زمن الرجولة .. !
ملاحقا بأسلحة وتهم و بتشويه أرادوه وصمة خزي،وجدتني عند الحدود.. لا أذكر أيهما كان اسمي الحقيقي واسمي الحركيّ .. اسمي الذكوري واسمي الوهمي وربما كان لي اسما انثويا؟ .. يجيدون مسح الهوية كما مسح الأدمغة .. فكرت ان اختار لي اسما آخرا في زمن التزوير،لكن هل أتحايل على الموت؟ أم على الحياة ؟ وهل يستحق سجن على شكل مدينة أخرى أن تزوّر بجرأة شخصيتك أمام مسدس؟ تذكرت أني ما كنت سوى رقم من أرقام ساذجة لا تشكل سوى أبجدية لعبة قوانينها أن تتخلى عن جنودها الصغيرة ..! هربت متسللا عبر الحدود برشاقة مهزوم هارب من عاره .. وحططت بين وجوه تكاد بغرابتها تشبه وجهي!
تختلف القصص وتتبدل الألقاب والحقيقة أن هذا البطل هو واحد ألبسوه ألف قناع رغما عنه، صبغوا شعره دون أن يشعر، قتلوا أطفالا لم ينجبها ثم نحروه في ليلة عذرية التاريخ .. هو بطل الخرافات الذي كلما قطعوا أوردته عادت إلى طبيعتها مع اكتمال القمر .. كم مرة علينا أن نموت كي نستريح.. كم وردة كاذبة على ضريحنا أن ينحني لها مذلولا؟
اليوم بعد سنين من الخيبات أتنقل من حي إلى آخر في مدينة عرفتني برجل الوجبات السريعة والخطوات السريعة والإجابات التي تتقن فن الخديعة، أهرب من متسولي الحقيقة، من شحاذي رؤوس الذكرى ليبعوها خبرا يصلح لإشاعات كثيرة .. أهرب من عقدة اللحية من قاراوات العطور النسائية والفساتين الحريريّة ، من جرح في صمتي من تضاعف أسمائي يوما بعد يوم دون أن أجد من يناديني أنا.... !
أهرب من أرقي إلى حلم على بعد شعاع ضوئي من نومي .. حلم امتلاك قوة لاعب كرة السلة الذي يحقق فوزه من كرسييه المتحرك .. حلم أن أسجل هدفا حاسما –هدف الهزيمة- ..في مرمى النسيان!
.
25/12/2011
تعليق