الأستاذ الهويمل أبو فهد ..كتب بــ؛
ملتقى النقد .. ملتقى دراسات نقدية..
----------------------------
"أعتقني من جنتك": الخروج إلى الكتابة
ماذا تخبئ قصة آسيا رحاحليه: "أعتقني من جنتك"؟ هل حقا هي رغبة الخروج من الجنة الزوجية؟ من مملكة المطبخ كما يشير النص بشيء من السخرية؟ من الحياة السعيدة أو البائسة إلى شاطئ سلام أو شاطئ السلام؟ نحن نعرف جيدا تاريخ وإيحاءات العتق دينيا واجتماعيا، فكرا وممارسة، ونعرف أن الجنة بُعدٌ ماورائي يفرض قيودا مادية على مماراسات أكثر من عدة مليارات من بني آدم (المسلمين وغيرهم من اتباع الأديان السماوية وربما من أتباع غيرها أيضا). فما هي "عقدة" أو فكرة القصة التي تقتضي الحل أو الكشف؟ البعض تحدث عن واقع المرأة في المجتمع الشرقي والبعض تحدث عن علاقة المرأة بالإبداع، وغيرهم تحدث عن صعوبة وضع المرأة الأديبة. فهل هذه أو تلك أو كلها مجتمعة هي "عقدة" الحبكة والقص أو هي الفكرة التي تعالجها "أعتقني من جنتك"؟
كل هذه الأمور موجودة فعلا، لكنها "أعراض" وسمات أكثر منها تيمة القصة ومدارها. إذ بقليل من التدبر وحدّة النظر وشيئ من التفكير سنرى عقدة أكثر تعقيدا يحتاج حلها جهدا مضنيا، وربما لن نصل إلى حلها لأنها أولا عقدة العقد ولأنها أيضا عقدة "خفية" لا تقبل البروز والظهور أو الحضور.
وتنبع صعوبتُها من خفائها وغيابها، فهي فكرة غائبة وأهمية غيابها أهمية مركزية بنيوية، تصعب (تعمي) رؤيتها. ولهذا لابد أن نحاول أن نرى رأي العين صعوبة وجود الفكرة. والقصة نفسها مبنية على هذا الخفاء أو الاختفاء، إذ هي قصة داخل قصة تتنقل بينهما حياة لتخفي فكرتها في الفراغ العازل بين القصتين، بين قصتها في مملكتها وقصة تتكتبها، بين قصة بيتها وقصتها على شاطئ سلام (مفارقة شاطئ السلام مفارقة حادة).
تتبدى صعوبة "الفكرة" في القصة نفسها، ففي لحظة أولى تصرح القصة بما يلي:
((صعب أن تعثر على الفكرة وسط كل هذه الفوضى ... رائحة الطبخ، آلام الطمث، رنين الهاتف، بكاء الرضيع، الجارة، صراخ الباعة في الخارج و ... طلباته. تحسده أحيانا لأنّه رجل عادي، لا يحمل في جيناته جنون الكلمة.))
في هذه الفوضى لا يمكن لفكرة أن تتبلور، فما بالك إذا كانت الفكرة فكرة "رغبة" والرغبة لا يمكن إلا أن تكون "نقصا" قارا يرغب المرؤ بإشباعه أو سده. وهنا الرغبة أو النقص بسيطة وصعبة في آن: الفكرة ببساطة هي "ما تريده" الأنثى من الرجل في مستوى إحدى القصتين. فهل هذا صعب المنال أو الإدراك؟ "نعم" و"لا" في "آن" إذا استطعنا تحديد ما تريده الأنثى ممن تحسده لأنه "لا يحمل في جيناته جنون الكلمة"! فماذا تريد الأنثى من رجل عادي هذه أهم صفاته الجينية (الجنينية القريبة جدا من ذي جنة).
فبوصفه رجلا عاديا قد سألها حين خروجة من بعض جنته: (سأخرج. هل تريدين شيئا؟) هذا سؤال يكاد أن يكون مبتذلا، يطرحه الرجال جميعا دون اهتمام بأبعاده، وجوابه يكاد يكون مألوفا ومبتذلا أيضا. فما هو الجواب المبتذل الذي يتناسب مع مثل سؤال الرجولة المبتذل؟ كانت حياة في جوابها أنموذجا حيا لهذا الابتذال:
((آه ..نعم .. الحفاّضات للرضيع، شراب ضد السعال لعامر، و...و .. قبل أنأنسى، أترك لخديجة ثمن الدروس الخصوصية ... اليوم آخر الشهر.))
كل ما تطلبه هي نواقص تريد سدها، (وأخفت نقصا لا يمكن اشباعه، تركته لنا أثرا تكرره أحيانا)! هل هي مصادفة أن نصادف صعوبة الفكرة وما تريده حياة من رجل عادي بين لحظتين: لحظة "صعوبة" فكرة ولحظة "خروج"! بين ما هو مألوف في حياة المرأة وما تريده من رجل لم "يحمل في جيناته جنون الكلمة"؟ الجواب بالتأكيد هو النفي: فهي تصرح بصوت مسموع بأنها تريد ما هو متوقع ممن هو في مثل حالها. لكنها "حياة" تخفي حياة بين اللحظتين، تماما كما هي حال ما تريده، فهي تريد بين لحظتين ما تخفيه وما تصرح به، فمقابل الأصوات والروائح هناك "فكرة" مدفونة لا رائحة لها ولا صوت، وأركز على "الصوت"! فاللحظتان تعجان بالضجيج والأصوات والروائح والآلام، وللمرء أن ينظر في مفردات الاقتطافين أعلاه ليتأكد.
فماذا تريد حياة إذا كان لها ما تسأله رجلا عاديا؟ تريد حقيقة ما يفصل اللحظتين في صمت، لحظة صامته تأتي خلسة يخونها النطق، فتترك أثرا : "أريد أن أكتب!" وحدها الكتابة أنموذج الصمت المطبق وأنموذج الأثر، ولا يمكن لها أن تبوح بوصفها رغبة أو إجابة سؤال "هل تريدين شيئا؟" خاصة أنه سؤال "خروج"! سؤال غياب إن شئت، والكتابة عموما هي صيغة الغياب المثلى ولا يمكن لها أن تجسد نفسها أو تستجيب لدعوة نفسها وتبقى في الوقت نفسه هي نفسها. وهذا ما ستؤكده حياة على شاطئ سلام.
لابد للكتابة أن تكون لحظة غياب أو صمت بين صوتين أو معمعة ضجيج، لأنها حفر أو أثر سواء على ورق أو جسد أو رمال شاطئ. بل إن الكتابة هي القضاء المبرم على "الذات/الأنا" واستبعادها لحظة الكتابة، هكذا قال فلاسفة الكتابة التي هي نفسها لحظة نسيان ولحظة ذاكرة، ولا للنقيضين جامع مثل شيطان قبل أن تتكرر الرغبة:
((تنسى ذاتها أيضا حين يتخبّطها شيطان الكتابة فتنشغل بحرث الورق، و ترتيب قطع اللعبة، و إغراق البياض في سيول من الخيال.))
هذه هي اللحظة التي تسبق تكرار ما تريده: "أريد أن أكتب"، وهو تكرار لا تستطيع غير الكتابة أن تعيده مرة بعد مرة حرفيا غير منقوص وبصمت أيضا. الكتابة وحدها هي التي تقبل التكرار والانتقال دون قائل أو ناطق عبر انحفارها على سطوح أو انسيابها على ورق أو عبر دهاليز أجهزة الاتصال والبريد الرسمي أو الأجهزة الألكترونية أو شرائط ممغنطة أو وسائل سيكشف عنها المستقبل.
ولما كانت هذه هي حال الكتابة، حال ما تريده حياة فعلا، لابد إذن أن تتحد سبل الاتصال ووسائل الكتابة لتلبي رغبتها التي لا تستطيع أن تجيب بها سؤال رجل عادي، سؤال ناطق غير غائب. بل لا تستطيع غير مفاقمة النقص من خلال خاصية إرجاء الحضور إرجاءا أبديا:
((أريد أن أكتب.
أريد قهوة ... ساخنة جدا.
أيّ سر يجعلك معشوقة و أنتِ سوداء و مرّة مثل الظلم ؟
تقرّر تجاهل الهاتف لكنه يرن بإصرار. يتصلون بها من العاصمة . دعوة لحضور ندوة أدبية حول الكتابة النسوية.
- بعد غد سأكون معكم بإذن الله ...شكرا . إلى اللقاء .
- بعد غد ؟ غير ممكن . موعد تلقيح ابنك الرضيع . بعد بعد غد؟
غير ممكن ...هل نسيتي أنّ زوجك مسافر في رحلة عمل لا تدرين كم ستدوم؟
بعد أسبوع؟ بعد شهر؟ سنة؟ ربما سيكون ممكنا.))
وحدها الكتابة ترجئ كل حضور إرجاءا أبديا، ولا يُحمل معها أمرٌ محمل الحسم. كما إنها تبقى أبدا ذاكرة الحياة أو حياة لا تقبل الاندثار رغم غيابها، بل لابد أن تتسم بمخاطر غير محمودة العواقب، وهذا ما تسجله لنا حياة في ما تريده وترغب به حقا: الكتابة:
((آخر ندوة شاركت فيها كانت منذ شهور. لا تزال الحوارات ماثلة أمامها، وذكرى لقائها بأديبات جميلات ولجن مثلها دنيا الكتابة:
- زوجي غيور جدا ... كلما جلست إلى طاولتي و أوراقي يحسّسني تعبير وجهه بأنني أواعد عشيقا!
- أنا كل نص أسرده يعتبرونه سيرة حياتي ... !حتى أنّني تراجعت في قصتي الأخيرة ، و لم أجعل البطلة تقتل الرجل مخافة أن أُسجن بتهمة القتل العمدي بالسلاح الأزرق!))
لا شك أن عبارة "القتل العمدي" عبارة ساخرة، لكن القتل/الموت جزء أصيل في الكتابة منذ عصر الفراعنة مرورا بأفلاطون وتاريخ الفلسفة حتى عصرنا هذا، سواء تعلق القتل بالأنا أو بالآخر. أما فيما يتعلق بالعشق والعشيق فقد صرحت حياة نفسها أن الكتابة عشقها، ثم ألم يذم أفلاطون الكتابة بأنها الأبن غير الشرعي للنطق والكلام المنطوق؟
أما المشهد الآخر (المنع من السفر والسماح بالكتابة) فهو مشهد ثري. فالمنع من السفر هنا هو منع من الغياب، السمة الأولى والأكيدة لخصائص الكتابة، وأما أنهم سمحوا لها أن تكتب فليس لأن كتابتها مباحة بل لأنهم لم يدركوا الجريمة، فهم لا يقرأون! فالكتابة كسر لقانون الحضور، قانون التحريم الذي يتبلور في تفاحة آدم الحلال والحرام. قانون الخروج وقانون السقوط. هل هذا هو سبب صمت الرغبة (أريد أن أكتب) حين جاء السؤال عند الخروج (سأخرج. هل تريدين شيئا)؟
نعم، تريد الخروج/الكتابة، تريد كسر قانون التحريم، لذلك ما أن تغادر "نعيمة" حتى تستحضر في الغياب (مونيكا علي) التي كسرت قانون الأمومة لتكتب، لتنجب شخوصا في رواية (أطفالا لاشك من نوع آخر). حياة بدورها تهيأ لها الظرف نفسه (الأطفال عند والدتها اليوم)، وما أن تفقدت "صنّاع الفرح داخل حقيبة يدها .... دفتر وقلم" حتى استقلت وسيلة نقل واتصال لـ"تجلس في حضرة نفسها":
((تخلع العالم . تتخفّف من الأصوات . تستغرق في السكون. لا تلقي بالا لعيون دغدغها الفضول، بعضها تغازل، وبعضها ترقبها بطرف خفيّ كما لو أنّها حيوان برمائيّ خرج للتو من الماء.))
الكتابة إغراء، وسبق أن قالت أن زوجها (كلما اختلت إلى كتابتها) أشعرها من خلال تعابير وجهه أنها تختلي بعشيق. فليس مستغربا أن تكون بؤرة الأحداق حالما تقمصت صورة الكتابة على شاطئ سلام. إذ "في حضرة نفسك" لنفسك فأنت الكتابة في أجلى صورها: لا صوت ولا حياة! صمت مطبق بالتأكيد! لهذا كان على حياة أن تتخفف من الأصوات وأن تستغرق في السكون، وتكون الغرابة نفسها (كما لو أنها حيوان برمائي خرج للتو من الماء)!
هل تستطيع أن تكتب وهي على هذه الحال من الحضور في حضورها أمام نفسها أو فيها؟ محال لا شك! لأن الكتابة لا تكتب، أو لأن الكتابة فعل لازم! فما هو الحل إذن وقد اصطحبت معها "صناع الفرح" داخل حقيبة؟
الحل هو الخروج إلى فضاء الكتابة الذي لا يقبل الحضور، لا بد أن تكتب عن بُعد ولابد لوسائل الاتصال والنقل أن تؤدي دورها وأن تؤكد الغياب والابتعاد جغرافيا وفكريا:
((تخرج الهاتف الخلوي من حقيبتها . تضغط على الحروف فتتشكّل الجملة ... "زوجي العزيز من فضلك اعتقني من جنّتك"!
وتظلّ هناك، كفّها تحتضن الهاتف، و نظرها ساهم في الأفق، حيث بعض النوارس البيض تمارس الحرية!))
النوارس تمارس الحرية التي لو كان لها رائحة لكانت رائحة الموج! ألم يزعم الفلاسفة والمفكرين بأن الكون بأسره كتاب مفتوح، نقرأه دون ضجيج كل يوم؟ كما أن الكتابة كانت أبدا امتداد واستطالة اليد والبصر (كما تزعم نظريات الكتابة). هل هي مصادفة إذن أن حياة "تظل هناك، كفها تحتضن الهاتف، ونظرها ساهم في الأفق" وكأنها علامة لها دلالتها بمحض وجودها، دلالة "بالنصبة" كما يقول الجاحظ؟
"أعتقني من جنتك" هي نفسها أعتقني من هيمنة اللفظ وضجيجة إلى فضاء الكتابة وسكونها، وكان بإمكان العنوان أن يكون بكل بساطة "أريد أن أكتب"! لكن إغراء التناص (خاصية الكتابة أيضا الأصل) طغى!
وبين عنوان القصة (أو ما يسميه البعض العتبة الأولى) وبين التوقيع (العتبة الهامش) مسافة قصة الكتابة، قصة حياة. فالعنوان "أعتقني من جنتك" والتوقيع: "الكتابةُ قضاءٌ على كل صوت، وعلى كل أصل، الكتابةُ هي هذا الحياد، هذا التأليف واللف الذي تتيه فيه ذاتيتنا الفاعلة، إنها السواد، البياض الذي تضيع فيه كل هوية ابتداء من هوية الجسد الذي يكتب"
"سأخرج. هل تريدين شيئا"؟
"أريد أن أكتب"
تريد أن
"تنحت من الأبجدية شخوصا، تنفخ فيهم المخيّلة ثم تلقي بهم في مسرح اللاوجود"!
ملتقى النقد .. ملتقى دراسات نقدية..
----------------------------
"أعتقني من جنتك": الخروج إلى الكتابة
ماذا تخبئ قصة آسيا رحاحليه: "أعتقني من جنتك"؟ هل حقا هي رغبة الخروج من الجنة الزوجية؟ من مملكة المطبخ كما يشير النص بشيء من السخرية؟ من الحياة السعيدة أو البائسة إلى شاطئ سلام أو شاطئ السلام؟ نحن نعرف جيدا تاريخ وإيحاءات العتق دينيا واجتماعيا، فكرا وممارسة، ونعرف أن الجنة بُعدٌ ماورائي يفرض قيودا مادية على مماراسات أكثر من عدة مليارات من بني آدم (المسلمين وغيرهم من اتباع الأديان السماوية وربما من أتباع غيرها أيضا). فما هي "عقدة" أو فكرة القصة التي تقتضي الحل أو الكشف؟ البعض تحدث عن واقع المرأة في المجتمع الشرقي والبعض تحدث عن علاقة المرأة بالإبداع، وغيرهم تحدث عن صعوبة وضع المرأة الأديبة. فهل هذه أو تلك أو كلها مجتمعة هي "عقدة" الحبكة والقص أو هي الفكرة التي تعالجها "أعتقني من جنتك"؟
كل هذه الأمور موجودة فعلا، لكنها "أعراض" وسمات أكثر منها تيمة القصة ومدارها. إذ بقليل من التدبر وحدّة النظر وشيئ من التفكير سنرى عقدة أكثر تعقيدا يحتاج حلها جهدا مضنيا، وربما لن نصل إلى حلها لأنها أولا عقدة العقد ولأنها أيضا عقدة "خفية" لا تقبل البروز والظهور أو الحضور.
وتنبع صعوبتُها من خفائها وغيابها، فهي فكرة غائبة وأهمية غيابها أهمية مركزية بنيوية، تصعب (تعمي) رؤيتها. ولهذا لابد أن نحاول أن نرى رأي العين صعوبة وجود الفكرة. والقصة نفسها مبنية على هذا الخفاء أو الاختفاء، إذ هي قصة داخل قصة تتنقل بينهما حياة لتخفي فكرتها في الفراغ العازل بين القصتين، بين قصتها في مملكتها وقصة تتكتبها، بين قصة بيتها وقصتها على شاطئ سلام (مفارقة شاطئ السلام مفارقة حادة).
تتبدى صعوبة "الفكرة" في القصة نفسها، ففي لحظة أولى تصرح القصة بما يلي:
((صعب أن تعثر على الفكرة وسط كل هذه الفوضى ... رائحة الطبخ، آلام الطمث، رنين الهاتف، بكاء الرضيع، الجارة، صراخ الباعة في الخارج و ... طلباته. تحسده أحيانا لأنّه رجل عادي، لا يحمل في جيناته جنون الكلمة.))
في هذه الفوضى لا يمكن لفكرة أن تتبلور، فما بالك إذا كانت الفكرة فكرة "رغبة" والرغبة لا يمكن إلا أن تكون "نقصا" قارا يرغب المرؤ بإشباعه أو سده. وهنا الرغبة أو النقص بسيطة وصعبة في آن: الفكرة ببساطة هي "ما تريده" الأنثى من الرجل في مستوى إحدى القصتين. فهل هذا صعب المنال أو الإدراك؟ "نعم" و"لا" في "آن" إذا استطعنا تحديد ما تريده الأنثى ممن تحسده لأنه "لا يحمل في جيناته جنون الكلمة"! فماذا تريد الأنثى من رجل عادي هذه أهم صفاته الجينية (الجنينية القريبة جدا من ذي جنة).
فبوصفه رجلا عاديا قد سألها حين خروجة من بعض جنته: (سأخرج. هل تريدين شيئا؟) هذا سؤال يكاد أن يكون مبتذلا، يطرحه الرجال جميعا دون اهتمام بأبعاده، وجوابه يكاد يكون مألوفا ومبتذلا أيضا. فما هو الجواب المبتذل الذي يتناسب مع مثل سؤال الرجولة المبتذل؟ كانت حياة في جوابها أنموذجا حيا لهذا الابتذال:
((آه ..نعم .. الحفاّضات للرضيع، شراب ضد السعال لعامر، و...و .. قبل أنأنسى، أترك لخديجة ثمن الدروس الخصوصية ... اليوم آخر الشهر.))
كل ما تطلبه هي نواقص تريد سدها، (وأخفت نقصا لا يمكن اشباعه، تركته لنا أثرا تكرره أحيانا)! هل هي مصادفة أن نصادف صعوبة الفكرة وما تريده حياة من رجل عادي بين لحظتين: لحظة "صعوبة" فكرة ولحظة "خروج"! بين ما هو مألوف في حياة المرأة وما تريده من رجل لم "يحمل في جيناته جنون الكلمة"؟ الجواب بالتأكيد هو النفي: فهي تصرح بصوت مسموع بأنها تريد ما هو متوقع ممن هو في مثل حالها. لكنها "حياة" تخفي حياة بين اللحظتين، تماما كما هي حال ما تريده، فهي تريد بين لحظتين ما تخفيه وما تصرح به، فمقابل الأصوات والروائح هناك "فكرة" مدفونة لا رائحة لها ولا صوت، وأركز على "الصوت"! فاللحظتان تعجان بالضجيج والأصوات والروائح والآلام، وللمرء أن ينظر في مفردات الاقتطافين أعلاه ليتأكد.
فماذا تريد حياة إذا كان لها ما تسأله رجلا عاديا؟ تريد حقيقة ما يفصل اللحظتين في صمت، لحظة صامته تأتي خلسة يخونها النطق، فتترك أثرا : "أريد أن أكتب!" وحدها الكتابة أنموذج الصمت المطبق وأنموذج الأثر، ولا يمكن لها أن تبوح بوصفها رغبة أو إجابة سؤال "هل تريدين شيئا؟" خاصة أنه سؤال "خروج"! سؤال غياب إن شئت، والكتابة عموما هي صيغة الغياب المثلى ولا يمكن لها أن تجسد نفسها أو تستجيب لدعوة نفسها وتبقى في الوقت نفسه هي نفسها. وهذا ما ستؤكده حياة على شاطئ سلام.
لابد للكتابة أن تكون لحظة غياب أو صمت بين صوتين أو معمعة ضجيج، لأنها حفر أو أثر سواء على ورق أو جسد أو رمال شاطئ. بل إن الكتابة هي القضاء المبرم على "الذات/الأنا" واستبعادها لحظة الكتابة، هكذا قال فلاسفة الكتابة التي هي نفسها لحظة نسيان ولحظة ذاكرة، ولا للنقيضين جامع مثل شيطان قبل أن تتكرر الرغبة:
((تنسى ذاتها أيضا حين يتخبّطها شيطان الكتابة فتنشغل بحرث الورق، و ترتيب قطع اللعبة، و إغراق البياض في سيول من الخيال.))
هذه هي اللحظة التي تسبق تكرار ما تريده: "أريد أن أكتب"، وهو تكرار لا تستطيع غير الكتابة أن تعيده مرة بعد مرة حرفيا غير منقوص وبصمت أيضا. الكتابة وحدها هي التي تقبل التكرار والانتقال دون قائل أو ناطق عبر انحفارها على سطوح أو انسيابها على ورق أو عبر دهاليز أجهزة الاتصال والبريد الرسمي أو الأجهزة الألكترونية أو شرائط ممغنطة أو وسائل سيكشف عنها المستقبل.
ولما كانت هذه هي حال الكتابة، حال ما تريده حياة فعلا، لابد إذن أن تتحد سبل الاتصال ووسائل الكتابة لتلبي رغبتها التي لا تستطيع أن تجيب بها سؤال رجل عادي، سؤال ناطق غير غائب. بل لا تستطيع غير مفاقمة النقص من خلال خاصية إرجاء الحضور إرجاءا أبديا:
((أريد أن أكتب.
أريد قهوة ... ساخنة جدا.
أيّ سر يجعلك معشوقة و أنتِ سوداء و مرّة مثل الظلم ؟
تقرّر تجاهل الهاتف لكنه يرن بإصرار. يتصلون بها من العاصمة . دعوة لحضور ندوة أدبية حول الكتابة النسوية.
- بعد غد سأكون معكم بإذن الله ...شكرا . إلى اللقاء .
- بعد غد ؟ غير ممكن . موعد تلقيح ابنك الرضيع . بعد بعد غد؟
غير ممكن ...هل نسيتي أنّ زوجك مسافر في رحلة عمل لا تدرين كم ستدوم؟
بعد أسبوع؟ بعد شهر؟ سنة؟ ربما سيكون ممكنا.))
وحدها الكتابة ترجئ كل حضور إرجاءا أبديا، ولا يُحمل معها أمرٌ محمل الحسم. كما إنها تبقى أبدا ذاكرة الحياة أو حياة لا تقبل الاندثار رغم غيابها، بل لابد أن تتسم بمخاطر غير محمودة العواقب، وهذا ما تسجله لنا حياة في ما تريده وترغب به حقا: الكتابة:
((آخر ندوة شاركت فيها كانت منذ شهور. لا تزال الحوارات ماثلة أمامها، وذكرى لقائها بأديبات جميلات ولجن مثلها دنيا الكتابة:
- زوجي غيور جدا ... كلما جلست إلى طاولتي و أوراقي يحسّسني تعبير وجهه بأنني أواعد عشيقا!
- أنا كل نص أسرده يعتبرونه سيرة حياتي ... !حتى أنّني تراجعت في قصتي الأخيرة ، و لم أجعل البطلة تقتل الرجل مخافة أن أُسجن بتهمة القتل العمدي بالسلاح الأزرق!))
لا شك أن عبارة "القتل العمدي" عبارة ساخرة، لكن القتل/الموت جزء أصيل في الكتابة منذ عصر الفراعنة مرورا بأفلاطون وتاريخ الفلسفة حتى عصرنا هذا، سواء تعلق القتل بالأنا أو بالآخر. أما فيما يتعلق بالعشق والعشيق فقد صرحت حياة نفسها أن الكتابة عشقها، ثم ألم يذم أفلاطون الكتابة بأنها الأبن غير الشرعي للنطق والكلام المنطوق؟
أما المشهد الآخر (المنع من السفر والسماح بالكتابة) فهو مشهد ثري. فالمنع من السفر هنا هو منع من الغياب، السمة الأولى والأكيدة لخصائص الكتابة، وأما أنهم سمحوا لها أن تكتب فليس لأن كتابتها مباحة بل لأنهم لم يدركوا الجريمة، فهم لا يقرأون! فالكتابة كسر لقانون الحضور، قانون التحريم الذي يتبلور في تفاحة آدم الحلال والحرام. قانون الخروج وقانون السقوط. هل هذا هو سبب صمت الرغبة (أريد أن أكتب) حين جاء السؤال عند الخروج (سأخرج. هل تريدين شيئا)؟
نعم، تريد الخروج/الكتابة، تريد كسر قانون التحريم، لذلك ما أن تغادر "نعيمة" حتى تستحضر في الغياب (مونيكا علي) التي كسرت قانون الأمومة لتكتب، لتنجب شخوصا في رواية (أطفالا لاشك من نوع آخر). حياة بدورها تهيأ لها الظرف نفسه (الأطفال عند والدتها اليوم)، وما أن تفقدت "صنّاع الفرح داخل حقيبة يدها .... دفتر وقلم" حتى استقلت وسيلة نقل واتصال لـ"تجلس في حضرة نفسها":
((تخلع العالم . تتخفّف من الأصوات . تستغرق في السكون. لا تلقي بالا لعيون دغدغها الفضول، بعضها تغازل، وبعضها ترقبها بطرف خفيّ كما لو أنّها حيوان برمائيّ خرج للتو من الماء.))
الكتابة إغراء، وسبق أن قالت أن زوجها (كلما اختلت إلى كتابتها) أشعرها من خلال تعابير وجهه أنها تختلي بعشيق. فليس مستغربا أن تكون بؤرة الأحداق حالما تقمصت صورة الكتابة على شاطئ سلام. إذ "في حضرة نفسك" لنفسك فأنت الكتابة في أجلى صورها: لا صوت ولا حياة! صمت مطبق بالتأكيد! لهذا كان على حياة أن تتخفف من الأصوات وأن تستغرق في السكون، وتكون الغرابة نفسها (كما لو أنها حيوان برمائي خرج للتو من الماء)!
هل تستطيع أن تكتب وهي على هذه الحال من الحضور في حضورها أمام نفسها أو فيها؟ محال لا شك! لأن الكتابة لا تكتب، أو لأن الكتابة فعل لازم! فما هو الحل إذن وقد اصطحبت معها "صناع الفرح" داخل حقيبة؟
الحل هو الخروج إلى فضاء الكتابة الذي لا يقبل الحضور، لا بد أن تكتب عن بُعد ولابد لوسائل الاتصال والنقل أن تؤدي دورها وأن تؤكد الغياب والابتعاد جغرافيا وفكريا:
((تخرج الهاتف الخلوي من حقيبتها . تضغط على الحروف فتتشكّل الجملة ... "زوجي العزيز من فضلك اعتقني من جنّتك"!
وتظلّ هناك، كفّها تحتضن الهاتف، و نظرها ساهم في الأفق، حيث بعض النوارس البيض تمارس الحرية!))
النوارس تمارس الحرية التي لو كان لها رائحة لكانت رائحة الموج! ألم يزعم الفلاسفة والمفكرين بأن الكون بأسره كتاب مفتوح، نقرأه دون ضجيج كل يوم؟ كما أن الكتابة كانت أبدا امتداد واستطالة اليد والبصر (كما تزعم نظريات الكتابة). هل هي مصادفة إذن أن حياة "تظل هناك، كفها تحتضن الهاتف، ونظرها ساهم في الأفق" وكأنها علامة لها دلالتها بمحض وجودها، دلالة "بالنصبة" كما يقول الجاحظ؟
"أعتقني من جنتك" هي نفسها أعتقني من هيمنة اللفظ وضجيجة إلى فضاء الكتابة وسكونها، وكان بإمكان العنوان أن يكون بكل بساطة "أريد أن أكتب"! لكن إغراء التناص (خاصية الكتابة أيضا الأصل) طغى!
وبين عنوان القصة (أو ما يسميه البعض العتبة الأولى) وبين التوقيع (العتبة الهامش) مسافة قصة الكتابة، قصة حياة. فالعنوان "أعتقني من جنتك" والتوقيع: "الكتابةُ قضاءٌ على كل صوت، وعلى كل أصل، الكتابةُ هي هذا الحياد، هذا التأليف واللف الذي تتيه فيه ذاتيتنا الفاعلة، إنها السواد، البياض الذي تضيع فيه كل هوية ابتداء من هوية الجسد الذي يكتب"
رولان بارت
"سأخرج. هل تريدين شيئا"؟
"أريد أن أكتب"
تريد أن
"تنحت من الأبجدية شخوصا، تنفخ فيهم المخيّلة ثم تلقي بهم في مسرح اللاوجود"!
تعليق