وسقطت في النهر.. أمنية !
"إن جاء بك الأمل إلى هنا، فأسرع بالرحيل، قبل أن يدفعك هذا المكان إلى الانتحار!
جسر الأمنية هذا كذبة .. أو على الأقل ليس لأمثالنا!
ما الذي أتي بك في تلك الساعة المتأخرة من الألم، لتقف على جسر
هو للغرباء فقط، وللحزن !
يعبرون بجانب حزني، وكأن دمعتي التي تغافلني حينا لا تفرق عن قطرة مطر ..
يلقون قطعة نقدية ، يحبسون في صمتهم الأمنية،
فتختنق مع أبجديتهم الضائعة!
أراقبها تلك القطع الفضية اللامعة، كيف يلتهمها النهر دون أن يستسيغ طعمها؟
يشتهيها كفّي .... لكن الأمنية أهم من فتاة مثلي، مرقعة الثياب، ممزقة الروح، وفارغة المعدة!
أتخيل ماذا يمكن للنهر أن يشتري بكل هذا!
تدغدغني أفكاري فأضحك ..المسكين لن يتمكن من شراء حتى قطعة حلوى من ذلك الرجل المتعجرف
في الشارع الثاني !
في صغري كان والدي العجوز يقول لي: "حتى النهر أوفر حظا منا ..!
ليتنا أحجار صغيرة في قعره ..! "
ثم فهمت ما كان يعنيه ..وما كان يشعر به حين يعود ليلا في يده رغيفين من الخبز ودمعة تكفي العمر كله!
قبل ذلك لم يستوقفني النهر .. اليوم فقط أشق له مجرى آخر بدمعي!
وأنت أجئت تبيع الورد على رصيف لا يعرف لغة الورد ؟
كيف لأنفاس باردة أن تحاكي عطرا يقول شعرا!
اسألني أنا .. أعرفهم جيدا ، هم يلقون النقود ليتمنوا أضعافها!
وأنا ألقي بروحي خلفها .. فأغرق بخيبتي !
تخيل .. مرة غفوت هنا وحلمت بأنني سمكة.. سمكة ملونة جميلة، ورحت ألتهم كل تلك القطع النقدية، حتى انتفخ بطني
وكدت أختنق بها..! وفي جوف النهر كان هناك كل شيء .. كل أصناف الطعام حتى الحلوى والذرة وتلك الأكياس الملونة الصغيرة!
لكني فجأة استيقظت على صوت معدتي وهي تصدر أصواتا كقطة تاهت في الدهاليز المظلمة!
ولم أعد أمدّ يدي لأحد هنا، أحسست أنني مصدر شؤم، حتى أن البعض ينظر إليّ بغرابة وبلؤم كأنني أقف بينه وبين أمنيته؟
ذات مرة قال لي رجل : أنت نذير شؤم ..ابتعدي أنت وشعرك الأشعث يا فتاة!
تمنيت حينها لو أنني أملك قطعة نقدية أرميها في النهر، لأتمنى أن يصير شعره مثله الساحرات بل أن ينبت الشعر في كل أنحاء وجهه..!
اذهب إلى شارع آخر ذهبيّ الأضواء يعرف كيف يستقبل الورد !
لعل رجلا هناك يبارك أنوثة حبيبته بوردة رقيقة !
آااه هيا اذهب لا تزد من حسرتي .. يكفيني همّ النهر البخيل! "
بقي الشاب صامتا يتأملها بينما هي غارقة في الحديث، كل ما فيها يحكي، يداها، عيناها، وجبينها الذي يقطب تارة ويضحك تارة أخرى ..
كأنها موجة تتقافز عند شاطئ الكلام، والأضواء تثب في عينيها..!
حاول تتبع حركة شفتيها، لكنه فشل كثيرا لكثرة ما تكلمت وبدون أن تلتقط نفسا حتى!
- "قل شيئا .. ألا يعنيك ما يجري هنا؟ ألا تفهم؟
أنت تتعب كل اليوم ولا تجني شيئا مما يجنيه هذا البليد ".. وتشير إلى النهر منفعلة!
أحسّ بها دون أن يفهم ما قالته تماما..هو الذي لا يسمع ولا يتكلم، شعر بأنه لا يحتاج أذنا ليسمعها،
فمثلها لا يحتاج الرجل لغة ليفهمها ..بل قلبا ليشعر بها وبنبضها الذي لا يهدأ كنبض الحياة !
تمنى لو يحتضن نظرتها الحالمة، ويسافر معها نحو ذلك القمر البعيد! وأن يدعها تنصت للحظة لهمسة الضوء
الذي يدندن لها دون أن تدري .. هذا الجسر الميت حمل أجمل أمنية، شابة بجمال الورد وطفلة مشاغبة كنجمة الليل،
وبريئة كالضوء الغافي على أديم النهر!
تقدم نحوها ببطء، كانت منهمكة في الحديث، حتى زرع في شعرها وردة، فسكتت فجأة، أطبق الذهول شفتيها،
تابعت خطواته الخفيفة وهو ينسحب بعربته بعيدا..!
ذهب دون أن يلتفت صوبها، تركها أمنية سرية هناك .. اجتاحته رغبة في الغناء .. فاستعار صوت الليل ...وغنّى!
تحسست الوردة بيدها كي تصدق... لأول مرة ينساب شعرها بين يديها ناعما كالحرير،
تغير لونها، غمرتها فرحة أكبر من الوصف، لن تشعر بها حتى ولو حصلت على ألف قطعة نقدية !
أرادت أن تتبعه، فهو الذي لم ينطق قال الكثير بوردته، لكن شيئا منعها، هو الخجل ربما، أو شيئ أكثر غموضا ..
أطلت بوجهها فوق النهر، لترى كيف غدت حورية حسناء ..
وقف رجل قربها ألقى في نهر مجموعة من القطع الفضية، لم تعره اهتماما، كأنها أحبت النهر لأول مرة ..
أرادت أن تضحك بصوت عال، أن ترقص أو ربما تبكي ..... وسقطت في النهر أمنية!!
.
.
14/2/2012
"إن جاء بك الأمل إلى هنا، فأسرع بالرحيل، قبل أن يدفعك هذا المكان إلى الانتحار!
جسر الأمنية هذا كذبة .. أو على الأقل ليس لأمثالنا!
ما الذي أتي بك في تلك الساعة المتأخرة من الألم، لتقف على جسر
هو للغرباء فقط، وللحزن !
يعبرون بجانب حزني، وكأن دمعتي التي تغافلني حينا لا تفرق عن قطرة مطر ..
يلقون قطعة نقدية ، يحبسون في صمتهم الأمنية،
فتختنق مع أبجديتهم الضائعة!
أراقبها تلك القطع الفضية اللامعة، كيف يلتهمها النهر دون أن يستسيغ طعمها؟
يشتهيها كفّي .... لكن الأمنية أهم من فتاة مثلي، مرقعة الثياب، ممزقة الروح، وفارغة المعدة!
أتخيل ماذا يمكن للنهر أن يشتري بكل هذا!
تدغدغني أفكاري فأضحك ..المسكين لن يتمكن من شراء حتى قطعة حلوى من ذلك الرجل المتعجرف
في الشارع الثاني !
في صغري كان والدي العجوز يقول لي: "حتى النهر أوفر حظا منا ..!
ليتنا أحجار صغيرة في قعره ..! "
ثم فهمت ما كان يعنيه ..وما كان يشعر به حين يعود ليلا في يده رغيفين من الخبز ودمعة تكفي العمر كله!
قبل ذلك لم يستوقفني النهر .. اليوم فقط أشق له مجرى آخر بدمعي!
وأنت أجئت تبيع الورد على رصيف لا يعرف لغة الورد ؟
كيف لأنفاس باردة أن تحاكي عطرا يقول شعرا!
اسألني أنا .. أعرفهم جيدا ، هم يلقون النقود ليتمنوا أضعافها!
وأنا ألقي بروحي خلفها .. فأغرق بخيبتي !
تخيل .. مرة غفوت هنا وحلمت بأنني سمكة.. سمكة ملونة جميلة، ورحت ألتهم كل تلك القطع النقدية، حتى انتفخ بطني
وكدت أختنق بها..! وفي جوف النهر كان هناك كل شيء .. كل أصناف الطعام حتى الحلوى والذرة وتلك الأكياس الملونة الصغيرة!
لكني فجأة استيقظت على صوت معدتي وهي تصدر أصواتا كقطة تاهت في الدهاليز المظلمة!
ولم أعد أمدّ يدي لأحد هنا، أحسست أنني مصدر شؤم، حتى أن البعض ينظر إليّ بغرابة وبلؤم كأنني أقف بينه وبين أمنيته؟
ذات مرة قال لي رجل : أنت نذير شؤم ..ابتعدي أنت وشعرك الأشعث يا فتاة!
تمنيت حينها لو أنني أملك قطعة نقدية أرميها في النهر، لأتمنى أن يصير شعره مثله الساحرات بل أن ينبت الشعر في كل أنحاء وجهه..!
اذهب إلى شارع آخر ذهبيّ الأضواء يعرف كيف يستقبل الورد !
لعل رجلا هناك يبارك أنوثة حبيبته بوردة رقيقة !
آااه هيا اذهب لا تزد من حسرتي .. يكفيني همّ النهر البخيل! "
بقي الشاب صامتا يتأملها بينما هي غارقة في الحديث، كل ما فيها يحكي، يداها، عيناها، وجبينها الذي يقطب تارة ويضحك تارة أخرى ..
كأنها موجة تتقافز عند شاطئ الكلام، والأضواء تثب في عينيها..!
حاول تتبع حركة شفتيها، لكنه فشل كثيرا لكثرة ما تكلمت وبدون أن تلتقط نفسا حتى!
- "قل شيئا .. ألا يعنيك ما يجري هنا؟ ألا تفهم؟
أنت تتعب كل اليوم ولا تجني شيئا مما يجنيه هذا البليد ".. وتشير إلى النهر منفعلة!
أحسّ بها دون أن يفهم ما قالته تماما..هو الذي لا يسمع ولا يتكلم، شعر بأنه لا يحتاج أذنا ليسمعها،
فمثلها لا يحتاج الرجل لغة ليفهمها ..بل قلبا ليشعر بها وبنبضها الذي لا يهدأ كنبض الحياة !
تمنى لو يحتضن نظرتها الحالمة، ويسافر معها نحو ذلك القمر البعيد! وأن يدعها تنصت للحظة لهمسة الضوء
الذي يدندن لها دون أن تدري .. هذا الجسر الميت حمل أجمل أمنية، شابة بجمال الورد وطفلة مشاغبة كنجمة الليل،
وبريئة كالضوء الغافي على أديم النهر!
تقدم نحوها ببطء، كانت منهمكة في الحديث، حتى زرع في شعرها وردة، فسكتت فجأة، أطبق الذهول شفتيها،
تابعت خطواته الخفيفة وهو ينسحب بعربته بعيدا..!
ذهب دون أن يلتفت صوبها، تركها أمنية سرية هناك .. اجتاحته رغبة في الغناء .. فاستعار صوت الليل ...وغنّى!
تحسست الوردة بيدها كي تصدق... لأول مرة ينساب شعرها بين يديها ناعما كالحرير،
تغير لونها، غمرتها فرحة أكبر من الوصف، لن تشعر بها حتى ولو حصلت على ألف قطعة نقدية !
أرادت أن تتبعه، فهو الذي لم ينطق قال الكثير بوردته، لكن شيئا منعها، هو الخجل ربما، أو شيئ أكثر غموضا ..
أطلت بوجهها فوق النهر، لترى كيف غدت حورية حسناء ..
وقف رجل قربها ألقى في نهر مجموعة من القطع الفضية، لم تعره اهتماما، كأنها أحبت النهر لأول مرة ..
أرادت أن تضحك بصوت عال، أن ترقص أو ربما تبكي ..... وسقطت في النهر أمنية!!
.
.
14/2/2012
تعليق