حفاظا على الوجه الحضاري والمستوى الثقافي المتكامل للمركز الصوتي
بعيدا عن النظرة القاصرة والضيقة للموسيقى لدى البعض الذين نحترم آراءهم كما نحترم جميع الآراء ولكن دون فرضها على أحد .. فإننا نرى أن الموسيقا كانت وما زالت وجها من أوجه النشاط الإبداعي الثقافي والحضاري للشعوب والأمم لا تقل أهمية ومستوى عن أي وجه آخر لهذا النشاط أكان أدبي أو فكري ولقد سُجلت وخُلدت في التراث الثقافي الإنساني الكثير من الأعمال والأسماء وواكبت جميع أوجه النشاط الاجتماعي الأدبي والفكري ..
حتى أن نظرية الصوت ( tone ) أصبحت أساسا نظريا علميا لتفسير معظم لغات البشر ولهذا يعتقد أن الموسيقا كانت أول شكل من أشكال ثقافة التواصل البشري على الأرض .. ولا يخلو تراث أمة من الأمم من أهازيج وموروثات شعبية غنائية تمس تاريخها وتحتفظ ببعض سمات مكوناتها الديموغرافية ولقد حمل لنا التاريخ القديم والمعاصر الكثير من الملاحم الشعرية الغنائية مثل الإلياذة والإنياذة والأوذيسة لهوميروس وفيرجيل أعظم الشعراء المغنين في التاريخ ثم الشاهنامة الملحمة المغناة الفارسية والمهابهارتة الملحمة المغناة الهندية ..
وفي تاريخنا العربي القديم كانت الأراجيز الحماسية تقود الفرسان إلى ساحات الحرب وكانت حاضرة في أفراحهم وأتراحهم وترافق حملاتهم في حلهم وترحالهم ..
وتطور الإنتاج الفكري والأدبي الإنساني وتطورت معه الموسيقا ووصلتنا أعمال خالدة لباخ وشتراوس وبيتهوفن وموتسارت وتشايكوفسكي الذين قدموا أعمالا أدبية عظيمة بأسلوب الأوبرا وكانت الأعمال المسرحية الشعرية الغنائية الإغريقة التي سبقتهم ملهمة لبعض أعمالهم ..
واستمر نهر الثقافة العظيم يحمل لنا أعمالا إبداعية للسابقين لم تتوقف يوما لأي سبب كان وقد أرخت هذه الأعمال الكثير من الأحداث الكارثية والاحتفالية وحملت إلينا ثقافات الأقدمين بما فيها من فرح وحزن .. واستمرت الموسيقا تحمل هموم الإنسان مثل باقي صنوف الأبداع الأنساني الأدبي والفكري .. هموم الإنسان في صراعه مع الحياة في هذا العالم مواجها كل أنواع التحديات
الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية وكذلك الفكرية والأدبية ..
وفي تاريخنا المعاصر حملت الأعمال الإبداعية الموسيقية العربية هموم الإنسان العربي وتنوعت مواضيعها الفردية والاجتماعية والوطنية والإنسانية وحملت سمات مختلفة باختلاف الطابع الاجتماعي والسياسي والفكري للفترات المتعاقبة من تاريخنا استمرت مع الموشح الأندلسي والترانيم والتراتيل الدينية لتصل إلى أم كلثوم وعبدالوهاب وعبدالحليم والشيخ إمام ومارسيل خليفة وغيرهم .. كل هؤلاء غنوا كما الأقدمين .. للحب وللحرب باختلاف المواقف .. فهناك دائما طبيعة إنسانية تفرض نوعا من حالات التجلي لتتم ولادة عمل إبداعي ما أموسيقي كان أم أدبي أم فكري أم تشكيلي أم فسلفي أم علمي .. إلخ ..
ولذلك يصبح من السذاجة اعتبار أعمال إبداعية كالموسيقا أو الرسم أو السينما أو التمثيل نوع من الترفيه .. لأن هذا المنطق لن يلبث أن ينسحب على الأدب والفكر أيضا لعدم وجود مبررات استثنائهما .. لتصبح كلها كماليات ترفيهية .. أمام لقمة الخبز مثلا ..
في حين أنه في كثير من الحالات نزل الأدب والموسيقا إلى الشارع ليشكل فعالية اجتماعية حملت الهوية الوطنية والثقافية للأمة .. فلم تكن ترفيها أهزوجة الأنصار الغنائية إبان استقبالهم لرسول الإنسانية ( طلع البدر علينا ) .. ولهذا أيضا كانت الكثير من مهرجاناتنا تحتضن الأعمال الفلوكلورية الفلسطينية والسورية والعراقية والمصرية والمغربية و و.. إلخ على اختلاف بيئاتنا وتمثل نشاطا ثقافيا وحضاريا هاما لا يقل قيمة عن أي أمسية شعرية أو أدبية أو فكرية .. ولذلك سمعنا الموسيقا والغناء والدبكة تنطلق من ميدان القصبة في تونس وميدان التحرير في أوج ثورتيهما تلهب الجماهير .. كما كانت من قبلهم أغاني الشيخ إمام ومارسيل خليفة وجوليا بطرس وغيرهم تلهب مشاعر الناس وتحمل الهم الإنساني والوطني ..
وهكذا فمع تطور العمل الإبداعي الإنساني كان هناك الكثير من القفزات والألوان والفنون الإبداعية .. وكما كان هناك أعمالا أدبية عظيمة وأخرى متواضة أومسفة كان هناك أيضا أعمالا موسيقية عظيمة وأخرى مسفة والعبرة في اختيار وتقديم الأعمال الإبداعية المحترمة سواء كانت أدبية أو موسيقية .. أو فنية أو فكرية ..
ونحن في ملتقى الأدباء والمبدعين العرب لايمكننا إلا أن نحترم الإبداع بكل طيوفه وألوانه وأحقيته بالتعبير عن نفسه .. فلنتوقف عن محاولات الحجر والتضييق و ( التمييز الجنسي ) ضد بعض أقدم ألوان الإبداع الإنساني .. وإلا فلنغير اسم الملتقى ليصبح ملتقى الأدباء فقط ..!!
وقد قيل في المثل الشعبي الشامي " من لا يعرف البلبل يشويه ويأكله "
تحياتي وتقديري للجميع
تحياتي وتقديري للجميع
تعليق