سلمى
تستر نفسها بقميص رجالي ناوله لها أحدهم ، الأحياء مدمرة ، والبيوت قصفتفوق ساكنيها ، الشمس غابت عن (سهل الروج ) غابت مرة ولم تعد بعدها ، تقولالنساء أن غضباً حل على القرية ، وأن الشمس ذهبت ولن تعود ، يحكي من تبقىمن الأولاد عن جحافل المغول التي سقطت من رحم التاريخ ، لتبيد القرية وتعودمرة أخرى ، وتحكي الجدات عن جبالٍ سقطت فوق سهل الروج ، أما الرجال فلنيمكنك الحصول على أحدهم لتسألهم ، فقد ابتلعتهم الأرض قرباناً لتكفر عنذنوب البلاد كلها ، أما سلمى ،شاحبة الوجه ، هزيلة يخيل لك أنها لن تستمرواقفة أكثر من دقائق ، تجلس على عتبة ما تبقى من بيتها ، ترى اقتراب بعثةما ، تتفقد الأوضاع بعد المذبحة ، تقول لهم وهي تعتدل واقفة :
- اسمي سلمى
صوتها كالحشرجة ، ودموعها تتساقط جامدة كأنها قطع من الحجارة ، تنظر لمحدثها مستنكرة :
ماذا فعلوا بي ؟
دموعها كالنحيب ، صوتها كالحشرجة ، إصبعها باردٌ يشير إلى بطنها ، وبصوت خرج كالصرخة تقول :
- في أرحامنا أبناء زنى ، نحملهم في أحشائنا
يرتد محدثها كالمصعوق ، حوله نساءٌ أخريات على عتبات البيوت ، وبعضهن خلفسلمى ، يشبهنها في كل شيء ، هزالها وشحوبها ودموعها ، وذات الإصبع يشير إلىمكان الجريمة ، والصرخة في العتمة باردةً بلا ضوضاء ..
***
الجسد يقطر وجعاً ..
عارية من كل شيء ، بعض ملابسها الممزقة لا تستر شيئا ، ملقاة فوق المائدةالوحيدة التي تبقت سليمة في المنزل ، الدماء تسيل من جرح في جبهتها ، أحدهممن الخلف يمسك بيديها ، والأربعة الآخرون يلتفون حولها ، ينهشون لحمها ،صدرها ينز دماً وهم يلتهمونه بعنف ، والآهات تخفت شيئاً فشيئاً ، الصوت لايسمعه غيرها والدموع جفت ، تنظر لمغتصبها ، لم يعد في قلبها رجاء منه أورحمة ، يقول لها وهو يضرب بيديه على فخذها :
- من ربكم الآن .. هه .. أخبريني .؟
تتهاوى المائدة تحت ثقلهم ، فتسقط أرضاً فوق قطع الأثاث المحطم ، وفوقها مغتصبوها لا يبارحون الجسد النازف
مترٌ واحد يفصلها عن جثة زوجها ، مترٌ يبدو كألف ميل ، وهي تمد ذراعها يميناً ، تتمنى أن تلمسه ولو مرة واحدة أخيرة.
***
الفجر إلا قليلا ..
صوت القذائف يدوي في سماء البلدة ، وصوت التسبيح يتوقف فجأة ، ليستبدلبهتاف أحد الشباب ، يطلب من الناس اللجوء إلى الأقبية والملاجئ والسراديب ،الناس كلهم يهرعون مع النداء ، إلا سلمى ..
تقول جارتها لزوجها :
- يجب أن ندعو سلمى وزوجها ، منزلهم لا يوجد به أي مخبأ أو سرداب ، والقصف يشتد ..
يحاولون الوصول إلى منزل جيرانهم ، فيفشلون ، الدبابات الروسية الصنع علىبعد قذيفة ، والصراخ صار في كل مكان ، سلمى شامخة قوية واثقة ، تطلب منزوجها ألا يغادر ، تطمئن على أطفالها وتهرع إلى قائد الدبابة بالخارج ،الرصاص لا يعطيها سبيلاً للوصول ، تهرع إلى منزل الجيران ، تختبئ فيالسرداب قليلاً ، يخترق مسمعها صوت ابنها وصراخه ، لحظة تنسى فيها كل شيء ،لتصير أمام باب بيتها ، الجنود في كل مكان ، الرشاش مصوبٌ إلى زوجهاوابنها ، يرمون زوجها أرضاً ، يتقافزون فوق جسده المسجى ، تصرخ :
- خذوا ما تشاءون واتركونا
فيصرخون :
- جئنا لنأخذ أرواحكم
- اتركونا في حالنا
يقول القائد :
- إذا فعلنا ما نريد بك أمام عين زوجك وابنك ، ربما ننصرف بهدوء
يصرخ الزوج ، يحاول النهوض ، تقول هي بصوت كالبكاء :
- لكننا أخواتكم
فيضحكون ، تقتل ضحكاتهم زوجها ، وتصيب ابنها ، نحن أخواتكم ، كذا تصرخ ، يستل أحدهم سكيناً ،
يضعه على عنق الصغير ، يتساقط الجسد ، وخلفه تهوي الصرخات ، تكتم إلى الأبد .
***
في سوريا كانت سيدة حرة ، وكان اسمها : سلمى.
المبدع أحمد عيسى
تعليق