أرملتان ..إلى الشهيدين (أبو إبراهيم القيسي وصهره : محمود)

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أحمد عيسى
    أديب وكاتب
    • 30-05-2008
    • 1359

    أرملتان ..إلى الشهيدين (أبو إبراهيم القيسي وصهره : محمود)

    أرملتان ..
    إلى أبو إبراهيم القيسي وصهره : محمود ، شهداء القصف الغادر على غزة



    الشمس تنزوي خجلة ، لدقائق مرت كأنها دهرٌ ..
    رعشةٌ تسري في أوصالها ، حين تدوي أصوات الغربان في سماء المدينة ، فترتجف
    تحاول أن تتمرد ، أن تخرج عن صمتها بصراخٍ يحطم المكان ، فلا تستطيع ، تمسكها أمها ، تتشبث بها ، كأنها لا تريد فقدها كما فقدت كل شيء هذه الليلة ..
    دمعةٌ متجمدةٌ في عينيها ، والصوت بالخارج يقترب رويداً لكنها تصم أذنيها ، كأنها في حلم ..
    - فقدنا عزيزين يا أمي ..
    بصوت كالحشرجة ، تقول وقد احمرت عيناها :
    - كم أحببته !
    وتقول الأم :
    - كم أحببته !
    تتساقطان أرضاً ، ليكف الكون عن الدوران ..
    ***
    يقف والدها أمامها ، يمسك ذقنها بأصابع حانية ، ليرفع رأسها الخجلة ، يقول لها :
    - لم تردي بعد
    تحاول أن تطرق أرضاً ، أن تبعد عينيها عنه ، أن تهرب إلى غرفتها لتسقط فوق سريرها ، تجتر أحلامها ، تفكر بالفارس الذي انتظرته دائماً ، وأتى إليها فجأة .. دون أن يفاجئها .. كم كانت تنتظره !
    يستطرد :
    - ربما هو أسير محرر ومبعد ، أكبر منك قليلاً ، لكنه شاب طيب وخلوق ، ليس له أهلٌ هنا ، لكننا سنكون أهله ،
    قولي لا ولسوف أبحث له عن أخرى .. رغم رغبتي في مصاهرته ..
    تقول في خجل :
    - أرجوك أي والدي .. لا تفعل ..
    هذا البطل يستحق قلبي على طبق من ذهب ، أنا له إن أراد الله ذلك .
    يبتسم ، يعانقها في حنان ، ويعود لغرفة الضيوف ، يبشر ضيفه " محمود " بالخبر ،
    ويمضيان معاً ، إلى خارج حدود المكان .

    ***

    الأصوات تقترب ، مظاهرة حاشدة بالخارج ، الغربان ابتعدت قليلاً ، لكأنها تخاف هذه الحشود ،
    التكبير صار كالصرخة في المكان ، يشعرك بالرهبة ، لكنها رهبةٌ تمتزج بإحساس التفوق رغم الضعف، كيف لا ورب العباد معهم ..
    الحشود على الأبواب ، والجيران يهرعون لإلقاء نظرة أخيرة على جثتي الرجلين ،
    ومريم بالداخل ، تستند إلى أمها ، تسترق النظر من النافذة ، إلى الرجال الذين جاءوا من كل مكان ، شاهدين على الجريمة ، يرددون التكبيرات والوعيد ، هل اليوم عيد ؟
    - ليتهما لم يكونا معاً ، ليت المصيبة كانت واحدة ولم تكن مصيبتين ..
    الأم تنتحب في صمت ، الصراخ في الخارج يتعالى ،أحمد .. ابن الشهيد يدق الأبواب في قهر ،
    تقول مريم فجأة :
    - أمي ...
    لقد أصبحنا أرملتين .

    تلقي نظرة على الفتى أحمد ، الذي وضع مسدس والده على جنبه :

    - ليس بعد ..

    ثم تهوي ، وقد تركت لدموعها كل عنان .

    ***
    ” ينبغي للإنسان ألاّ يكتب إلاّ إذا تـرك بضعة من لحمه في الدّواة كلّما غمس فيها القلم” تولستوي
    [align=center]أمــــوتُ .. أقـــــاومْ [/align]
  • بسمة الصيادي
    مشرفة ملتقى القصة
    • 09-02-2010
    • 3185

    #2
    قاسية هي الحياة
    أم هي قسوة الإنسان نفسه؟
    سنتعب ونحن نحاول رصد مشاهد الظلم والألم
    سنكون عاجزين تماما إلا عن بعض تمتمات!
    الأحداث تزداد سوء وعنفا
    والأسوء أن مشهد الدم كاد أن يصبح عاديا !
    هل مات إحساسنا ؟
    لن تصدق فرحتي حين أراك تكتب
    عن سوريا
    عن غزة
    عن جرح أوطاننا
    أقول الحمد لله مازال هناك من يرى ويشعر
    من يجرؤ على الكتابة دون أن يبالي بمن سيأتي ليقول له
    "خائن" .. تضحكني هذه الكلمة ... وكل المفاهيم التي انقلبت
    هنئتك على "سلمى" والآن على "أرملتان "
    وأهنئ نفسي عليك أستاذ عيسى
    .
    .
    أرملتنا في يوم واحد .. !
    لأن الموت صار جماعيا ..
    وقدر المرأة إما أن تكون يتيمة أو أرملة أومغتصبة أو ثكلى ..
    أحببت النهاية عندما قالت الأم "ليس بعد"
    حركت داخلي ما يصعب وصفه.. وأردت لو أحضن الفتى الذي كبر قبل أوانه
    وأقبل جبين الأم الناصع بإيمانها ..!
    سأتوقف عن الكلام الأن .. ليس يئسا أو عجزا ..
    بل لأن الصمت سيتابع .. ويقول ما لن تسطيع قوله الأبجدية !
    .
    .
    رحم الله الشهيدين ..وكل شهداء الوطن
    تقديري وامتناني
    في انتظار ..هدية من السماء!!

    تعليق

    • ربيع عقب الباب
      مستشار أدبي
      طائر النورس
      • 29-07-2008
      • 25792

      #3
      و كم من أحلام تحلق
      و لكن ماذا علينا أن نفعل أمام الموت ؟
      هل ندونه ونسجله كما شهادات الوفاة و سجلات الصحة ؟
      أنرتضي باللعب على الخارج ، و التشييع ، أم علينا أن نبحث عن حجم الحلم فيمن ذهب ؟
      أسئلة كثيرة تنتابني هنا ، و أنا في براثن عملك هذا
      الذي أتى جزء الأول قريبا ، و كاد يشاغب الداخل ، و إن لم يفعل !!
      و أما الثاني فكان مشهدا عاما و إن حاولت اضفاء الخصوصية عليه !

      سوف أبحث دائما عن الأحلام فينا كبشر ، بسطاء أو غير بسطاء ؛ لأرى التشابه العجيبة
      بين ماهو بشري ، و ماهو وحشي .. ربما لأدين نفسي أولا ، و بالتالي أدين الجميع !

      محبتي
      sigpic

      تعليق

      • أحمد عيسى
        أديب وكاتب
        • 30-05-2008
        • 1359

        #4
        المشاركة الأصلية بواسطة بسمة الصيادي مشاهدة المشاركة
        قاسية هي الحياة
        أم هي قسوة الإنسان نفسه؟
        سنتعب ونحن نحاول رصد مشاهد الظلم والألم
        سنكون عاجزين تماما إلا عن بعض تمتمات!
        الأحداث تزداد سوء وعنفا
        والأسوء أن مشهد الدم كاد أن يصبح عاديا !
        هل مات إحساسنا ؟
        لن تصدق فرحتي حين أراك تكتب
        عن سوريا
        عن غزة
        عن جرح أوطاننا
        أقول الحمد لله مازال هناك من يرى ويشعر
        من يجرؤ على الكتابة دون أن يبالي بمن سيأتي ليقول له
        "خائن" .. تضحكني هذه الكلمة ... وكل المفاهيم التي انقلبت
        هنئتك على "سلمى" والآن على "أرملتان "
        وأهنئ نفسي عليك أستاذ عيسى
        .
        .
        أرملتنا في يوم واحد .. !
        لأن الموت صار جماعيا ..
        وقدر المرأة إما أن تكون يتيمة أو أرملة أومغتصبة أو ثكلى ..
        أحببت النهاية عندما قالت الأم "ليس بعد"
        حركت داخلي ما يصعب وصفه.. وأردت لو أحضن الفتى الذي كبر قبل أوانه
        وأقبل جبين الأم الناصع بإيمانها ..!
        سأتوقف عن الكلام الأن .. ليس يئسا أو عجزا ..
        بل لأن الصمت سيتابع .. ويقول ما لن تسطيع قوله الأبجدية !
        .
        .
        رحم الله الشهيدين ..وكل شهداء الوطن
        تقديري وامتناني

        الأديبة القديرة : بسمة الصيادي

        رائحة الموت تزكم الأنوف في كل مكان
        لكن مسك الشهادة يطغى
        ويجعل الموت سهلاً
        الجنة طريقها يبدأ من الوطن
        والطريق ليست سهلة أبدا

        أحييك أديبتنا

        وأشكرك على هذا الوجود الرقيق
        ” ينبغي للإنسان ألاّ يكتب إلاّ إذا تـرك بضعة من لحمه في الدّواة كلّما غمس فيها القلم” تولستوي
        [align=center]أمــــوتُ .. أقـــــاومْ [/align]

        تعليق

        يعمل...
        X