أرملتان ..
إلى أبو إبراهيم القيسي وصهره : محمود ، شهداء القصف الغادر على غزة
الشمس تنزوي خجلة ، لدقائق مرت كأنها دهرٌ ..
رعشةٌ تسري في أوصالها ، حين تدوي أصوات الغربان في سماء المدينة ، فترتجف
تحاول أن تتمرد ، أن تخرج عن صمتها بصراخٍ يحطم المكان ، فلا تستطيع ، تمسكها أمها ، تتشبث بها ، كأنها لا تريد فقدها كما فقدت كل شيء هذه الليلة ..
دمعةٌ متجمدةٌ في عينيها ، والصوت بالخارج يقترب رويداً لكنها تصم أذنيها ، كأنها في حلم ..
- فقدنا عزيزين يا أمي ..
بصوت كالحشرجة ، تقول وقد احمرت عيناها :
- كم أحببته !
وتقول الأم :
- كم أحببته !
تتساقطان أرضاً ، ليكف الكون عن الدوران ..
***
يقف والدها أمامها ، يمسك ذقنها بأصابع حانية ، ليرفع رأسها الخجلة ، يقول لها :
- لم تردي بعد
تحاول أن تطرق أرضاً ، أن تبعد عينيها عنه ، أن تهرب إلى غرفتها لتسقط فوق سريرها ، تجتر أحلامها ، تفكر بالفارس الذي انتظرته دائماً ، وأتى إليها فجأة .. دون أن يفاجئها .. كم كانت تنتظره !
يستطرد :
- ربما هو أسير محرر ومبعد ، أكبر منك قليلاً ، لكنه شاب طيب وخلوق ، ليس له أهلٌ هنا ، لكننا سنكون أهله ،
قولي لا ولسوف أبحث له عن أخرى .. رغم رغبتي في مصاهرته ..
تقول في خجل :
- أرجوك أي والدي .. لا تفعل ..
هذا البطل يستحق قلبي على طبق من ذهب ، أنا له إن أراد الله ذلك .
يبتسم ، يعانقها في حنان ، ويعود لغرفة الضيوف ، يبشر ضيفه " محمود " بالخبر ،
ويمضيان معاً ، إلى خارج حدود المكان .
***
الأصوات تقترب ، مظاهرة حاشدة بالخارج ، الغربان ابتعدت قليلاً ، لكأنها تخاف هذه الحشود ،
التكبير صار كالصرخة في المكان ، يشعرك بالرهبة ، لكنها رهبةٌ تمتزج بإحساس التفوق رغم الضعف، كيف لا ورب العباد معهم ..
الحشود على الأبواب ، والجيران يهرعون لإلقاء نظرة أخيرة على جثتي الرجلين ،
ومريم بالداخل ، تستند إلى أمها ، تسترق النظر من النافذة ، إلى الرجال الذين جاءوا من كل مكان ، شاهدين على الجريمة ، يرددون التكبيرات والوعيد ، هل اليوم عيد ؟
- ليتهما لم يكونا معاً ، ليت المصيبة كانت واحدة ولم تكن مصيبتين ..
الأم تنتحب في صمت ، الصراخ في الخارج يتعالى ،أحمد .. ابن الشهيد يدق الأبواب في قهر ،
تقول مريم فجأة :
- أمي ...
لقد أصبحنا أرملتين .
تلقي نظرة على الفتى أحمد ، الذي وضع مسدس والده على جنبه :
- ليس بعد ..
ثم تهوي ، وقد تركت لدموعها كل عنان .
***
تعليق