سليلة الياسمين
في المساءِ تخرجُ لتتفقد أزهار بلادها مع جاريتها المحببة ، لوحدهما تتهامسان . تجلسُ مع الصغار تهمسُ في قلوبِهم الحبّ والإِخاء ، تجالسُ العجائز وتستمعُ الحكمة والنصائح ، وتعودُ المرضى ، وباقات من عطر الكلام ، وزهر الابتسام تهديه لهم .
ذات مساء تجد قبراً جديداً ، بين أزهار لا يزال عطرها فواحاً ، جلست عنده ، تحسُّ أن القبر يضمُّها إِليه ، تغيرت ملامحها ، تأخذُ سيقانَها رعشةٌ ، تشمُّ ترابَ القبرِ ، تُرى من يكون ! ولمَ يجذبني نحوه ! . سألت الجارية " قبر من هذا ؟ " بصوتٍ بدا يتكسر ، تلاشى قبل أن يتم الجملة .
- انهضي سأُخبرك لاحقاً .
- لا أَبرحُ حتَّى أَعرفَ من فيه ، يبدو أَنَّه فقير ، أَو بلا أهل ، لمَ يدفن هنا وحيداً بين الأزهار ؟ ما قصته ؟ أَلا تعرفينَ أَنَّي لا يعجبني أَنْ يبقى القبرُ بلا دليلٍ ؟ بصوتٍ يبدو عليه الجدّ من الخارج .
- ليس حينه ، الآن نكملُ مشوارنا ، وسيكونُ حديثنا الليلة بإذن الله .
- هلا أَخبرتني بشخصه ؟ أَم هناك حكاية خلف هذا التراب الفائح طيباً ؟
- أَيّتُها الياسمينة مدينتك كُلّهَا تفوحُ بعطرك وشذاك ، فليبتعدْ عنك القلقُ ليلاً لنا حديثٌ معه .
- حسناً لرغبتك سأمشي معك واعلمي أَنَّ قلبي متشبثٌ وباقٍ ، ما السبب لا أَدري ! وما أَفعل لو كان مظلوماً ، أَو مات راغباً .... ؟ العجز بانَ على ملامحها ، وللحيرة في عينيها لمسات .
الجارية تقلقل لسانها ، ما أقول ؟ كيف أَخبرها ؟؟ أَي حديث ينسيها هذا القبر ؟ هل أَخبرها ولم يمر على خروجها من المشفى اثنا عشر يوما ؟ ستموت إِنْ عرفتِ الحقيقة ... نعم ستموت .
- " ما بك ؟ لمن تهمسين ؟ أهناك أَمرٌ مريب .... ؟ ما قلت لم اسمع حرفاً "
- تبتسم ابتسامة غرور ودلال ، " يا زهرةَ الزمانِ لا شيء فقط همهمة خوف يتربصُ بنا سينزل الليل علينا ونحن لم نتم جولتنا " .
- لننطلق إِذن وليكن الليلة حديثك عن قبرٍ ملكني .
- تقاطعها " ما بك ! هل تشعرين بشيء ؟ "
- لا .. لا .. لا شيء ، قلبي دقاته صداها يرددها القبر ، فكأَنَّه يضمُّني إليه ، يتشبث بي ، يداهم فكري ومخيلتي .
بعد أن جاء بجيشٍ من العتمة وألوية من الصمت ، وخرج من غياهب الأَرض ليخفي الشمس ، وتسدل راياته ، وتَعوم المدينةُ بسواده .
تستلقي بساط التفكير ، ترقب النجوم عبر النافذة ، تتأمل حركة الليل الصامت ، من وراءِ الصَّمتِ صوتٌ رقيقٌ يهمسُ ، ينطقُه الهدوءُ : " سليلة الياسمين طاب بك المساء ، والأُنوثةُ بأَنفاسِكِ تعبقُ ، هل جميلٌ أُفقُ النخيل وهو ينصتُ لضياء القمر ! " .
مياه البحيرة أ لطيف هديره ! لا تقربي - أَرجوك - من حافات الشرفة والبحيرة ...
تغرز سمعها .. بينهما حاجز ، تلتفتُ ، يختفي الصوت ، تقلِّب الفراش تبحث عنه .. تناجي نفسها إِنَّه من داخلي ليس من هنا ولا من هناك .... تغلقُ النافذة ، وتلوذ بجدار الصمت .
قدمت الجارية صندوقا خشبيا ، بعد استئذانها ، شبيه بصندوق الميراث ، إِنَّه صندوق الأمانات والهدايا .
تستمتع بالهدايا ، من بنات الأمراء ، والقادة ، والتجار ، تضع القلادة هذه ، وتخلع ذاك العقد ، تلبس الأساور ، وتجرب أنواع الأكاليل والملابس السندسية .. ترقصُ .. ويذوبُ من الليل ثلثاه ، كنسمة عطرٍ باردة في ليلٍ قائض .
معها على المسرح ، يشجعها ، ويفرح ، ويسعد برقصاتها .. " .. تغنجي ياسمين ، وارقصي ، وابسمي ، أَنتِ أَملٌ يكبر ، أنت نهرٌ من الحُبِّ لا ينضب ، ما أَبهى طلعتك بعطر عنبر ، كأَسُ الجمالِ بوجنتيكِ مسكوبُ ، وسرُّ بسمتك طفلٌ متجددُ " .
تحدثه بغنجٍ : " أَنا الدلال الأكبر ، أنا عبير ذاك العنبر ، أَنا قمر .. أنا نجمة ، أنا شهرزاد الحكمة ، والسحر الأعجب ! ، من هدوئي تغار الحمائم ، وتخجلُ حورُ الأنهار .. من شعري يتلاشى سواد الليل الأكحل ، وحُبِّي لا ينقشُ بحرفٍ ينطقُ ، تلتفت ، وتومئ بإكليلها للنافذة برقصة باليه رشيقة ، " اسمع لحرفي وأبصر رقصة البجع الأبيض ، على مسرح بابل في قلب أُور ، ولا تعجب " .
تصفيق ، وانحناء لتلك الحركة السحريَّة ، فجاءة يدقُّ الصمتُ ناقوسه ، ينزوي بركن المسرح ، ويغرقُ في شواطئ الدمع ، وتهبطُ سحابةُ السكونِ ، تتهدمُ .. تتكوم قامته بطرفِ المسرح ، تمدُّ إليه يدها " هيا قم .. ، كفكف دموعك " ، لن تصل يده ، تحاول ولا تصل ، فتُعزَفُ أَلحانُ الوجعِ ، تصدمُ بجدارٍ مستحيلٍ ، وتُسدلُ ستائرَ الأَسى ، تتكسرُ أَقفالُ الحلمِ ، وَتَميدُ من تحتها أرضُ المسرح ، يَتلاشى ضياءُ الابتسامةِ ، تتوقف مذعورة .
أَجواءٌ يعصف بها دويٌّ رهيبٌ ، كأَنَّ عصا موسى تخرج من جديد ، تُسدلُ أَستار السجود ، تخرجُ قطعة بيضاء ، ملطخة بالدماء ، كأَنها علمٌ ، مكتوب عليها ، " ياسمينة قلبي ، يا بلقيس الأَرضين ، مملكتك ذات الورود ، همس أطباؤها من يفدي الأميرة ، فسبقت الجميع لفداك " وخُطَّ في ذيلها خط متقطع متعرج " أَ ينـــ سى اليا ســــ مين عبيره !! أم ينسى القلـ ـــب جســــ ــــــ ده " !!
تغير وجهها ، ورحلت عصافير فرحها ، انهارَ طودُ بهجتها بهذه الكلمات ، لفَّها بحرٌ ثقيلٌ بموجٍ من الأَلمِ ، أَنفاسها تصارعُ مجراها ،
- " تُرى من كتب هذه ؟
من .... ؟
من وضع هذه القطعة هنا ؟
هل هي وصية من أبي .. لا ، كُلّ شيءٍ أمي سلمتنيه ، لا ليس أبي .. أمي كانت تخشى الدماء " ، تسارعت ضربات قلبها ، يتألم ويتزايد وجعه ، نادت جاريتها .
- " لبيك يا عطر الأَيامِ .. إِلى الآن لم تنامي ؟ "
تشير لها بالتقدم ... وهي طريحة الكيان ، متهدمة الأوصال ، عسيرة الكلام .
- " ما هذه القطعة ؟ ، من كتبها ؟ ، من وضعها هنا ؟ ، ما حكايتها ؟ أجيبي .. أجيبي .. هيا أجيبي ... !! " .
الجارية تدور بوجهها ودموعها تنهال هيا لنذهب إليه .. " اتبعيني " .
- من هو ؟ ولِمَ البكاء ؟
- عند القبر تقفُ ، وتشير " هذا صاحبها ، وأعطاني إياها أمانة لك تحمل وصيته " .
تقرأها : "
جئت باحثاً عنك من متاهات المجهول ، وتحملت الأعباء والقيود ، وبعد عناء مرير ، وشوق عتيد ، وصلت ، لكن شيطان الهوى غضب ، أقسم بــ " لن تراها " ، دخلت صالة المشفى عساني أراك ، وجاء نداء نريدُ لها قلباً ، وكانت أمنية العمر أني أفديك ، قلتُ ها هي فرصة الخلود ، فجيء بالمشرطة وكتبت بدمائي وصيتي ، فأَنا سأعيش عطراً طيباً ، ويمازج ذكركِ قلبي ، وأُبعثُ في كُلِّ صباحٍ عندما تغمزُ لك الشمس .....
- اغرورقَ القبرُ بهديلٍ متحشرجٍ ، تَمزجُ شعرها بالتراب ، تضاجعه تارة كأَنَّها تغورُ عالمه ، ثم تعودُ لذلك الأنين ، نحيبُها سياطٌ تلسعُ الأُذنَ بالشررِ ، " أَبعدكَ يا هدهدَ الروحِ تحلو حياة الياسمين ، أم يطيبُ ريحه ؟ " .
- لم تستطع أن تكمل الجارية ، فالملكة تمددتْ على القبر واحتضنته ، وعلا بكاؤها ، وتسربل بثوبِها الجنون ، انقطع منها حبلُ الرشد ، وبدت عليها إمارات الرحيل ، وهي ترددُ : " لِمَ باسمكَ يحلو الانتظار ... !!! "
منتظر السوادي
3 / 3 / 2012 م
تعليق