باسم الله الرحمن الرحيم
سلام الله عليكم
"" أول عمل لي بالمنتدى أتمنى له القبول بين عباقرة القلم
موضوع بقلمي و من أرشيفي الخاص بتصرف جذري
محتفظا فقط بالفكرة و العنوان ""
*******
أيــن أبــــي ...؟
بئس لحاف و فراش عن البدن لا يصدان لسعة زمهرير وتــرح ، و عن النفس التائقة ، تشنج صبابةٍ و حنيـــن .
لحافي سقف ملجإ من شفقة، يأوي عظاما نخرة تغاضت عن وهنها فلذات الأكباد ، فراشي سريرٌ من لون سرائر الموت ، طوال الليل الكئيب ، تئن نوابضه .
أوّااه.! اِستبدّ بالقلب الشجن ، بمقلة العين العبرات ، بخلايا البدن الوهن . ليلةٌ موعــودة كهذه من كل عــامٍ أفـل ، خلـّدت ذكراها أيام جلنار غابــرة ، توجها الأمس البعيـدُ أميرة لليالي الأنس و الوئــــــــام .
ليلتها فقط ، عشقتُ البحر و نوارسَه أكثر من أيّ وقتٍ مضـى ، رغم أنّ المدّ لكم تطاول على محيط عتبتي أثناء الليالي الهوجــاء ، و النوارسَ لــكم لطخــتْ عباءتي المنشورة أمام أشعـة الخريــف الصفـــراء .
ليلتها فقط ، من تستحضرُ ذكرى بارجة من حطام على شاطئ الأكواخ ترسو ، بدورها أتى الدهر عليها ليعبث بذيلها المدّ ، لتتديّرها بعد أبطال قضوا عليها ، أسـرابُ النــوارس .
نجلٌ أنجبته فقيدتي على جوانبها الشامخة ترعرع ، زغاريدُ نجاحه تعالت من حولها كل حول ... كل ليلة من تموز ، فيها اكتمل البدرُ بالتمـــام .
أجل ، ذاك الشبل المارق ، من عرين الخصاصة اِمترق ساخطا ، جموحُ استبداده إلى ركوب صهوة القنة يهفو ، رغبة ملؤها الصمود إلى جانب طموحه تناغمت ، فبات زئيرُه على وقع مطرقةٍ رمزها الحقّ يشدو .
كلما جاد عبيرُ البحر بعبير من ضرْبِ عبيره ، عبراتُ اشتياق تتديّرُ العيونَ تتلظى لانسيابها الجفون، أشواق يتوشحها الغضب ، حنينها بسلالةٍ تتمـيـّز يكتفي ، ضاربا بعرض الحائط الجحود .
وتبقى دساتيـر الغاب وحدها من تسنّ ، على أن يبقى الشبل في الميدان سيدا مستبـــدا ، و ناجب الأشبال خلف الحمـــى ، منبوذا طريداً .
فليتغمد الله روحك أمّ نجلي الراحلة ، حكيمٌ شخصك في الحياة لكم أبلجَ بصيرتي ، شجيّ همس طيفك في المنام لكم لزمني مناديا .. ماسحا بكـفه فروة رأسي :
" أيا شريكا للعمر أضنى كتفيه الجلمودُ ، أبصرتْ بشمعته القلوبُ في الديجوج بصيصَ الصباح ، عن فراقك أسفتِ الروح يوم استعجلني الرحيل ، ليس حبا في أيام من رمادٍ ذرّتْ أنفاسُك عنها كثيفَ الغبار ، ليس حسرة على وصال من رضابٍ عشقته فيك طوال الأيام ، إنما لمصير من ضبابٍ كما تنـبّـأته ، يداهمُ شيخوختك من بعدي . لعبراتٍ أبى شجوُها إلا أن يقتفيَ نحسُه مضجعَ لحدي. لجفاء قلبٍ من صلبك حبيبي ، عن ضمِّك إلى حضنه يتوارى .. و يتملكه الجحود .
حاضنة الشهد النحلة ، و مقـتـفوا الرضاب الثعالب . إن جفاك الوحيد ، كما الرعاع تجفوهم موائد القصور ، كما الأحرار النازفة أبدانهم عن دفن الاستبداد ترعبهم أشباح القبور ، فلا داعي لأن تهدمَ بسخطك هرما شيدته يداك .
إن كان الهرمُ في عتيق الأيام للجحد رمزا ، فقد بات الفرعون اليوم فخراً من شرف ، يستقطبُ ملايين الحشـــــــود . "
لأقراني المتعـكزين عِصيهم : صباح الورد والياسمين! بنبـــرة المترنــــم البشوش ألقـيـتُ التحيــة .
أحدهم طعنتـُه أعمـق ، مجرد خدش طفيــفٍ يراه في طعــنتي ... في كل طعــنة من حوله . بعد صمتٍ رهيب حسبناه علـّة بُكـم يسألني مندهشا :
--- " أهي بشاشة يوم عــيدٍ تستثـنيني، أم بســــــمة نقاهــة عـقبتْ طعنة خــنجر من ألعــــاب ..؟ "
--- "لا ..! لا بشــاشة العيد ، و لا بسمة النقاهة تضاهـيان بلسم أحلام الليلة الموعودة ، طوال هجيعها الفارط رأيته هناك ، يقترب من البحر فتصده الأمواج ، على حبات الرمل يرسم صورتي حاملا إياه فينكس حلمه المدّ . أدرك ما يـُختلج في صدره ، يريد أن يراني فيخاف و يستحي ، و أودّ نحتَ صورة للوحيد فتنطفئ اللوعة من الفؤاد .. و عـــن سبيــــله أخـتـفـــــــي ."
التسلل من أقبية البؤس ليس بالأمر العسير و آمر الشجون يغط في النوم العميق .
على صياح ديكة الصباح خرجت أدبّ . شارعٌ ساحلي يكاد يحجب معالمه سديمُ الصيف . جانبه الأيسر بنايات بيضاء ، مفتوحة نوافذها الزرقاء على مصراعيها ، ندى الضباب يبللها وأريج البحر يُنعشها . طرفه الأيمن سياجٌ قصير من حديد ، من خلف قضبانه يــمّ يترنم على مقامات السكون ، و رمال ذهبية بددت رونقها حوافر الليل و سدادات المجون .
بجوار مدٍّ ألـفته الأيام إختارت أقدامي دربها ، تخطو الخطوات فتـُنقش من خلفها المواطئ ، ثم سرعان ما تختفي ، فتذهب أدراج الرياح .
آهٍ ! هي ذي البارجة صامدةٌ ، رأسها منتصبٌ كالرهط يحجبه الضباب ، وفيةٌ لا تزال على شاطئ الذكرى جاثية . ليت جاحدا للمعروف يدرك أسرارها فلا يسعه إلا أن يقف لها وقفة الوقار والإجلال . بارجة قبل موتها بمنفاخها يوما نفختِ الحياة في الأوطان ، شبحُها بعد الموت تمثالٌ للحرية ، يتستـّر حول بقاياه متعبون نالت منهم زعازع العواصف .
بارجة توزعت مع الأمة أسمال السحاب و أهداب الصباح ، دمعات الثكل الزعاف و إشراقة الشوق إلى الحياة ، و اليوم و قد باتت قاذفة من غير قذائف ، تماما كما العجوز الهرم بلا عكاز ، لا المتاحف كرمت مثواها ، لا الدود امتخر عظمهـــا ، و لا الثرى أيضا غيّبها مخلدة صفائحه أبهى صور النضال .
إلى جانبها وقفت ، مستحضرا ما طوته الليالي فطـُرقَتْ أبواب مشاعري . حنينُ البحر لطيفة نسيمات صباحه هزّ أوتار عواطفي ، كوخُ عُمرٍ اِفترشت حصيرَه الأجسادُ و أنجبت شمعته الأسياد ، بين أكواخ متنائية تلاشت قصباته .
وُلدت ثانية لما أخبرتني جارة أعنستها الكهولة أن إبني زار المقام الليلة الفارطة . من أعماق عينيها المتكحلتين تسللت نظراتٌ من هيام ، ثم ما لبثتُ أن بلغتُ قلب الحياة و هي تمدّني رسالة منه :
"" أيا ليث شيمتاه الشموخ و الوقار ، إلى مطرقة إنصافٍ بين يديّ أرنـو ، أراها و قد باتت على فؤادي معولا ، ينقش بأمّ نصـله المـُرار .
كلما امتدّت يدي إليهـا ، يتوشح الســوادُ وجوهَ من تراهـم مطرقتي أهــــل خرابٍ و لصاصٍ ، و جناة صعاليك يثيرون في الأرض الغافيـةِ الغوغاء .
الراجعون ، و المرتعدون من الجراح و المتربصون في مغاور الأشباح ، على الأرائك من حولي الحناجرُ تلغى : يحيا العدل ! يحيا العدل ! و عائدٌ إلى الرّشد من غور أحشائي يهمسُ للهتـاف : أيّ منبر ذاك يأمـُّه مَن للفضل جحدَ و بالوالدين عـقّ ؟! و الحـقّ ثم الحقّ ، ما من عدالةٍ على الغبـراء ، إلا فـي مملكــة السـمــــــــاء .
ليس شبلـك بالذميـم ولا الهــدّان . إنما إلى الرّشـد قد عـدتُ ، لأن نواتي بذرة من حــقلك ، و ما حقلك أبتي إلا نخلا من واحة ، للعابر العطشان و للتائه الحيران ، بسعَفِ جريدك النديّ ، للمكروبِ تضـفِرُ إكليـلَ الأمـــــان .
ليس شبلك باللئيـــم و لا المرامق ، هي نزوةُ غريزة مرّت مرورَ الكرام ، أثارَ حفيضتها عيونٌ تغيـبُ ، ورضابٌ يطيـب . هي خصلة خبثِ لبؤةٍ نامصة ، ماقتة مُعاديةٍ اِستبدّت بي . هي سحابة كبتٍ غشـّتْ عرينَ الصِّبـا بلحاف الضبــاب ، شبحُ جحدٍ يطاردني كما الخائن بين أمتـه يخونها ، مرفرفة في يده البيارق .
تحت وهج فوانيس الثريات ، حنينُ أكواخٍ يلاحقني بدرُه الساطع ، شعلةُ الشموع .
تـبّاً للبؤة في زئيرها الموت لمن وضعني بشطّ الأمان ، بعــد أن أنهك كاهليه هـيجُ الأيـــام و مجاذيفُ السّنيــــــن .
زأرةٌ من حنجرتك واحدةٌ صداها يبلغني، فتصدّ عن فؤادك الضيمَ مناخيرُ البنادق"
في غياهب الفضاء الفسيح حلـّقت نفسي سابحة ، ترى في البحر و أطلاله ملاذا آمنا ، في الملجإ و رواده سجنا ضيقا ، و في سرايا نامصة ترعى الأنجال قبوا مرعبا .
عبرالشاطئ عدت الأدراج في اتجاه الملجإ ، حدسٌ من صباح يـراود هواجسي ، و أنا أدخل الملجأ سمعته هناك و العجزة من حوله يسألهم : أين أبـــي ..؟!
تعليق