** أيـن أبــي ..؟ **

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عبدالله بنعيني
    أديب وكاتب
    • 18-02-2012
    • 16

    ** أيـن أبــي ..؟ **


    باسم الله الرحمن الرحيم
    سلام الله عليكم
    "" أول عمل لي بالمنتدى أتمنى له القبول بين عباقرة القلم
    موضوع بقلمي و من أرشيفي الخاص بتصرف جذري
    محتفظا فقط بالفكرة و العنوان ""
    *******
    أيــن أبــــي ...؟
    من المهد المترنح إلى اللحد الموعود ، من الربيع الصادح إلى الخريف المنبوذ ، بين عاجلة و آجلــــة ردة طرف من كهرباء ، بين أهدابـــــها هنيهات الفــردوس و سنوات الجحيـــم .
    بئس لحاف و فراش عن البدن لا يصدان لسعة زمهرير وتــرح ، و عن النفس التائقة ، تشنج صبابةٍ و حنيـــن .
    لحافي سقف ملجإ من شفقة، يأوي عظاما نخرة تغاضت عن وهنها فلذات الأكباد ، فراشي سريرٌ من لون سرائر الموت ، طوال الليل الكئيب ، تئن نوابضه .
    أوّااه.! اِستبدّ بالقلب الشجن ، بمقلة العين العبرات ، بخلايا البدن الوهن . ليلةٌ موعــودة كهذه من كل عــامٍ أفـل ، خلـّدت ذكراها أيام جلنار غابــرة ، توجها الأمس البعيـدُ أميرة لليالي الأنس و الوئــــــــام .
    ليلتها فقط ، عشقتُ البحر و نوارسَه أكثر من أيّ وقتٍ مضـى ، رغم أنّ المدّ لكم تطاول على محيط عتبتي أثناء الليالي الهوجــاء ، و النوارسَ لــكم لطخــتْ عباءتي المنشورة أمام أشعـة الخريــف الصفـــراء .
    ليلتها فقط ، من تستحضرُ ذكرى بارجة من حطام على شاطئ الأكواخ ترسو ، بدورها أتى الدهر عليها ليعبث بذيلها المدّ ، لتتديّرها بعد أبطال قضوا عليها ، أسـرابُ النــوارس .
    نجلٌ أنجبته فقيدتي على جوانبها الشامخة ترعرع ، زغاريدُ نجاحه تعالت من حولها كل حول ... كل ليلة من تموز ، فيها اكتمل البدرُ بالتمـــام .
    أجل ، ذاك الشبل المارق ، من عرين الخصاصة اِمترق ساخطا ، جموحُ استبداده إلى ركوب صهوة القنة يهفو ، رغبة ملؤها الصمود إلى جانب طموحه تناغمت ، فبات زئيرُه على وقع مطرقةٍ رمزها الحقّ يشدو .
    كلما جاد عبيرُ البحر بعبير من ضرْبِ عبيره ، عبراتُ اشتياق تتديّرُ العيونَ تتلظى لانسيابها الجفون، أشواق يتوشحها الغضب ، حنينها بسلالةٍ تتمـيـّز يكتفي ، ضاربا بعرض الحائط الجحود .
    وتبقى دساتيـر الغاب وحدها من تسنّ ، على أن يبقى الشبل في الميدان سيدا مستبـــدا ، و ناجب الأشبال خلف الحمـــى ، منبوذا طريداً .
    فليتغمد الله روحك أمّ نجلي الراحلة ، حكيمٌ شخصك في الحياة لكم أبلجَ بصيرتي ، شجيّ همس طيفك في المنام لكم لزمني مناديا .. ماسحا بكـفه فروة رأسي :
    " أيا شريكا للعمر أضنى كتفيه الجلمودُ ، أبصرتْ بشمعته القلوبُ في الديجوج بصيصَ الصباح ، عن فراقك أسفتِ الروح يوم استعجلني الرحيل ، ليس حبا في أيام من رمادٍ ذرّتْ أنفاسُك عنها كثيفَ الغبار ، ليس حسرة على وصال من رضابٍ عشقته فيك طوال الأيام ، إنما لمصير من ضبابٍ كما تنـبّـأته ، يداهمُ شيخوختك من بعدي . لعبراتٍ أبى شجوُها إلا أن يقتفيَ نحسُه مضجعَ لحدي. لجفاء قلبٍ من صلبك حبيبي ، عن ضمِّك إلى حضنه يتوارى .. و يتملكه الجحود .
    حاضنة الشهد النحلة ، و مقـتـفوا الرضاب الثعالب . إن جفاك الوحيد ، كما الرعاع تجفوهم موائد القصور ، كما الأحرار النازفة أبدانهم عن دفن الاستبداد ترعبهم أشباح القبور ، فلا داعي لأن تهدمَ بسخطك هرما شيدته يداك .
    إن كان الهرمُ في عتيق الأيام للجحد رمزا ، فقد بات الفرعون اليوم فخراً من شرف ، يستقطبُ ملايين الحشـــــــود . "

    لأقراني المتعـكزين عِصيهم : صباح الورد والياسمين! بنبـــرة المترنــــم البشوش ألقـيـتُ التحيــة .
    أحدهم طعنتـُه أعمـق ، مجرد خدش طفيــفٍ يراه في طعــنتي ... في كل طعــنة من حوله . بعد صمتٍ رهيب حسبناه علـّة بُكـم يسألني مندهشا :
    --- " أهي بشاشة يوم عــيدٍ تستثـنيني، أم بســــــمة نقاهــة عـقبتْ طعنة خــنجر من ألعــــاب ..؟ "
    --- "لا ..! لا بشــاشة العيد ، و لا بسمة النقاهة تضاهـيان بلسم أحلام الليلة الموعودة ، طوال هجيعها الفارط رأيته هناك ، يقترب من البحر فتصده الأمواج ، على حبات الرمل يرسم صورتي حاملا إياه فينكس حلمه المدّ . أدرك ما يـُختلج في صدره ، يريد أن يراني فيخاف و يستحي ، و أودّ نحتَ صورة للوحيد فتنطفئ اللوعة من الفؤاد .. و عـــن سبيــــله أخـتـفـــــــي ."

    التسلل من أقبية البؤس ليس بالأمر العسير و آمر الشجون يغط في النوم العميق .
    على صياح ديكة الصباح خرجت أدبّ . شارعٌ ساحلي يكاد يحجب معالمه سديمُ الصيف . جانبه الأيسر بنايات بيضاء ، مفتوحة نوافذها الزرقاء على مصراعيها ، ندى الضباب يبللها وأريج البحر يُنعشها . طرفه الأيمن سياجٌ قصير من حديد ، من خلف قضبانه يــمّ يترنم على مقامات السكون ، و رمال ذهبية بددت رونقها حوافر الليل و سدادات المجون .
    بجوار مدٍّ ألـفته الأيام إختارت أقدامي دربها ، تخطو الخطوات فتـُنقش من خلفها المواطئ ، ثم سرعان ما تختفي ، فتذهب أدراج الرياح .
    آهٍ ! هي ذي البارجة صامدةٌ ، رأسها منتصبٌ كالرهط يحجبه الضباب ، وفيةٌ لا تزال على شاطئ الذكرى جاثية . ليت جاحدا للمعروف يدرك أسرارها فلا يسعه إلا أن يقف لها وقفة الوقار والإجلال . بارجة قبل موتها بمنفاخها يوما نفختِ الحياة في الأوطان ، شبحُها بعد الموت تمثالٌ للحرية ، يتستـّر حول بقاياه متعبون نالت منهم زعازع العواصف .
    بارجة توزعت مع الأمة أسمال السحاب و أهداب الصباح ، دمعات الثكل الزعاف و إشراقة الشوق إلى الحياة ، و اليوم و قد باتت قاذفة من غير قذائف ، تماما كما العجوز الهرم بلا عكاز ، لا المتاحف كرمت مثواها ، لا الدود امتخر عظمهـــا ، و لا الثرى أيضا غيّبها مخلدة صفائحه أبهى صور النضال .
    إلى جانبها وقفت ، مستحضرا ما طوته الليالي فطـُرقَتْ أبواب مشاعري . حنينُ البحر لطيفة نسيمات صباحه هزّ أوتار عواطفي ، كوخُ عُمرٍ اِفترشت حصيرَه الأجسادُ و أنجبت شمعته الأسياد ، بين أكواخ متنائية تلاشت قصباته .
    وُلدت ثانية لما أخبرتني جارة أعنستها الكهولة أن إبني زار المقام الليلة الفارطة . من أعماق عينيها المتكحلتين تسللت نظراتٌ من هيام ، ثم ما لبثتُ أن بلغتُ قلب الحياة و هي تمدّني رسالة منه :

    "" أيا ليث شيمتاه الشموخ و الوقار ، إلى مطرقة إنصافٍ بين يديّ أرنـو ، أراها و قد باتت على فؤادي معولا ، ينقش بأمّ نصـله المـُرار .
    كلما امتدّت يدي إليهـا ، يتوشح الســوادُ وجوهَ من تراهـم مطرقتي أهــــل خرابٍ و لصاصٍ ، و جناة صعاليك يثيرون في الأرض الغافيـةِ الغوغاء .
    الراجعون ، و المرتعدون من الجراح و المتربصون في مغاور الأشباح ، على الأرائك من حولي الحناجرُ تلغى : يحيا العدل ! يحيا العدل ! و عائدٌ إلى الرّشد من غور أحشائي يهمسُ للهتـاف : أيّ منبر ذاك يأمـُّه مَن للفضل جحدَ و بالوالدين عـقّ ؟! و الحـقّ ثم الحقّ ، ما من عدالةٍ على الغبـراء ، إلا فـي مملكــة السـمــــــــاء .
    ليس شبلـك بالذميـم ولا الهــدّان . إنما إلى الرّشـد قد عـدتُ ، لأن نواتي بذرة من حــقلك ، و ما حقلك أبتي إلا نخلا من واحة ، للعابر العطشان و للتائه الحيران ، بسعَفِ جريدك النديّ ، للمكروبِ تضـفِرُ إكليـلَ الأمـــــان .
    ليس شبلك باللئيـــم و لا المرامق ، هي نزوةُ غريزة مرّت مرورَ الكرام ، أثارَ حفيضتها عيونٌ تغيـبُ ، ورضابٌ يطيـب . هي خصلة خبثِ لبؤةٍ نامصة ، ماقتة مُعاديةٍ اِستبدّت بي . هي سحابة كبتٍ غشـّتْ عرينَ الصِّبـا بلحاف الضبــاب ، شبحُ جحدٍ يطاردني كما الخائن بين أمتـه يخونها ، مرفرفة في يده البيارق .
    تحت وهج فوانيس الثريات ، حنينُ أكواخٍ يلاحقني بدرُه الساطع ، شعلةُ الشموع .
    تـبّاً للبؤة في زئيرها الموت لمن وضعني بشطّ الأمان ، بعــد أن أنهك كاهليه هـيجُ الأيـــام و مجاذيفُ السّنيــــــن .
    زأرةٌ من حنجرتك واحدةٌ صداها يبلغني، فتصدّ عن فؤادك الضيمَ مناخيرُ البنادق"

    في غياهب الفضاء الفسيح حلـّقت نفسي سابحة ، ترى في البحر و أطلاله ملاذا آمنا ، في الملجإ و رواده سجنا ضيقا ، و في سرايا نامصة ترعى الأنجال قبوا مرعبا .
    عبرالشاطئ عدت الأدراج في اتجاه الملجإ ، حدسٌ من صباح يـراود هواجسي ، و أنا أدخل الملجأ سمعته هناك و العجزة من حوله يسألهم : أين أبـــي ..؟!



  • إيمان الدرع
    نائب ملتقى القصة
    • 09-02-2010
    • 3576

    #2
    الزميل القدير: عبد الله بنعيني
    قرأت لقلمٍ جزل الحروف
    يعبّر عن فكرٍ مثقّفٍ ..
    له رؤاه ، وتصوراته
    وله مخزون كبير من الموروث
    وحكم، وعبر ..
    نتوق إليها بين حينٍ وآخر لتأكيد ذواتنا
    سررت بالقراءة لك أخي الفاضل عبدالله
    أهلاً وسهلاً بك ...وبكلّ مشاركاتك ..
    حيّاااااااااااكَ.

    تعيش وتسلم يا ااااااوطني ...يا حبّ فاق كلّ الحدود

    تعليق

    • عبدالله بنعيني
      أديب وكاتب
      • 18-02-2012
      • 16

      #3
      سيدتي الفاضلة : إيمان الدرع
      حفظك الله و رعاك ما دمت قد كسرتِ بأناملك
      جدار صمت رهيب
      هي أول محاولاتي في المنتدى .. و أول الخطوات نحو أي هدف ما
      لا بد من بداية مسالكها غير معبدة
      آمل أن أكون عند حسن ظن الجميع أثناء الخطوة التالية ...

      تعليق

      يعمل...
      X