للورد أيضا مآتم !
هشّموا ضحكتها، شرخوا مرآة نقائها... خضّبوا بالعفن عصفورة روحها و وقفوا يتفرّجون .
جسدها الآن يتمزّق . يتلوّى . ينزّ دما . صراخها المكتوم يكوى صدرها و حلقها . أنفاسها تتلاحق ، حارقة ، تكاد تلهب المكان ...يتفصّد جبينها الوضاّء عرقا ..يحتدّ الألم و .... تدوّي صرخة الوليد كصفعة في وجه الوجود .
تهدأ قليلا ... تصلها أصواتهم بشيء من الوضوح بعد أن كانت مجرّد همهمات ذابت في عمق التوجّع .
العمةو ابنتاها و الجارة ، و وجوه أخرى ، بلا ملامح ، أتى بها الفضول.
تغرق وردة في بكاء هستيري ، ثم تسقط في الصمت .
إنّها الآن شلالُ حيرة ، جرحٌ مسجى . عيناها غائرتان شاردتان ، تنظران يمنة و يسرة ، تبحثان عن الأمان ، عن وجوه أحبّتها و سُلخت منها . تحدّق في " الدمية " بجانبها ... أتراها تدري من تكون ؟ لعلّها تدري و لا تفهم .
وليدة ضئيلة الحجم ، ملفوفة في قماطة بيضاء ، مغمضة العينين ، منتفخة الوجه ، لكن جميلة الملامح .
توقّفت الآن عن البكاء و ركنت إلى النوم .
ممرضة ضخمة الجسم ، متثاقلة الخطوات ، مقطّبة الجبين ، تتبادل مع العمّة بضع كلمات ، تدوّن شيئا على دفتر كبير بين يديها ثم تجعل وردة تغمّس سبابتها اليسرى في علبة مبلّلة بلون أزرق و توشم أسفل ورقة .
تأخذ الوليدة و تمضي ، دون أن تقول شيئا .
سوف تكون في مكان ما . ويكون لها اسم ، أيّ اسم . من الذي سيهتم ؟
ليست وردة سوى فتاة بلهاء ، لن تختار لها اسما ، كما لم تختر مجيئها ، ذات ربيع ، حين أصابع الفجر ، على إيقاع صياح الديَكة ، تلملم ضفائر الليل ، و الحقول و الحظائر تفتح أذرعها للنور ، و خمسة أطفال ، نائمين ، كهررة صغيرة ، ملتصقين تحت أغطية رثّة بالكاد تقيهم البرد المتسرّب من سقف و زوايا المنزل ، و القابلة العجوز التي شهدت ولادة كل أبناء الدّوار ، تردّد ، بعد أن انتشلت الوليدة بيديها الكبيرتين الخشنتين من رحمالأم... " ما شاء الله ! ليست بنت ، إنّها وردة ! ".
مكتملة النمو و آية في الجمال ، مشرقة كأنّما وجه الفجر قد تشكّل من نور وجها ، رقيقة كزهرة نرجس لكن بكماء ، بلهاء ، و طيّبة حدّ الهبل . في رأسها فجوات و شقوق لم تُسدّ .
وحده البهاء اكتمل فيها بصورة مذهلة ، و كذلك الحب .
تكبر وردة في عالم ترسمه غرائبية خيالها ، مملكة من الطهر و فضاء من النقاء تحلّق فيه بعيدا عن هموم البشر و مكائد البشر ...و تتفجّر فيها الأنوثة لتصبح و هي فقط في السادسة عشرة صبية فاتنة ، جسدا بديع التكوين ، ضاجا بالحسن يستوقف كل من ينظر إليه ... قوامها أهيف متناسق ممشوق ، و عيناها ساحرتان بأهدابهما السوداء الطويلة التي حين تسبلها ، يرتسم ظلها فوق وجنتيها المورّدتين على الدوام .
صار لوردة جسد امرأة و لكن عقلها ظلّ عقل طفلة ... تصرّفاتها طفولية ، و إحساسها طفولي ، تفكيرها ، مزاجها ... تعشق اللعب مع الصبية ، تقفز ضاحكة و جديلتا شعرها الأسود الحريري ترقصان فوق صدرها الناهد ، تشاكس والديها و إخوتها ، تضمّهم إلى صدرها و تقبلهم بكل حنان ..
و ... أطلّ وجه الحزن ... في أحد الصباحات الضبابية .
سيارة فارهة توقّفت أمام الكوخ البائس ...
يمد والد وردة يده ليسلّم على زوج أخته الثري ، مجبرا جسده الذي أحنته الفاقة على الانحناء أكثر ..
يتبادل مع زوجته نظرات ذات مغزى . ثم يتمتم :
– كيف لنا أن نرفض طلب الكريم صاحب الأفضال و اليد البيضاء علينا جميعا .
العمة ترسل نحو المكان نظرة تقطر قرفا .
تدفع بوردة داخل السيارة :
- لا تقلقوا عليها . ستكون في مكان أفضل ... بكثير .
دموع وردة تتجمّع في العينين النجلاوتين و ... ملامحها الحائرة تشي بما عجز اللسان عن البوح به .
لم يهتم لمشاعرها أحد . ليست سوى بلهاء ... كلّ فكّر في نفسه ، في مصلحته الشخصية ، موازنا بين الربح و الخسارة . ستحظى العمة بمن يؤنس وحدتها ، و يساعدنها في أعمال البيت الكبير ، و أبو وردة سيرتاح من همّ إعالتها ، سدّ جوع خمسة أفواه أهون ، بالتأكيد .
لم يهتم لمشاعرها أحد . ليست سوى بلهاء ... كلّ فكّر في نفسه ، في مصلحته الشخصية ، موازنا بين الربح و الخسارة . ستحظى العمة بمن يؤنس وحدتها ، و يساعدنها في أعمال البيت الكبير ، و أبو وردة سيرتاح من همّ إعالتها ، سدّ جوع خمسة أفواه أهون ، بالتأكيد .
كبيرة المدينة و بيت العمة كبير ، و كل ما حول وردة غريب ، مختلف ، و غير مألوف ، و لكن مع مرور الأيام تعتاد المكان... تنحني للأوامر بكل حب و تخدم الجميع بلا تذمّر ..
سيئا كان حظك يا ربيع تلك العشية لكي تكون شاهدا على اختناق الـ وردة و تفسّخ أريجها !
- لنتوقف قليلا ، نأخذ قسطا من الراحة ، و نشرب من النبع ... هناك ..
تعوّدت أن ترافق ربيب عمّتها ، الشاب الأربعيني العازب ، إلى المزرعة في بعض الأمسيات لكي يتفقّد العمّال ..
كان قرص الشمس قد بدأ ينحدر ببطء نحو الأفق ، صابغا وجه السماء و أعالي الشجر بلون قرمزي بديع ، و أسراب العصافير تحلّق بعيدا راجعة إلى أوكارها لتنعم بالدفء ...
في اللوحة ما ذكّر وردة ببيتها في الريف ..
أغرقها دفق الحنين فراحت تذرع الحقل الممتد بفرح كبير كغزالة تحرّرت من شرك صياد ..
كانت عيناه تتابعانها بشغف يتزايد مع كل حركة منها .
عيناه الآن تنزعان عنها ثيابها ، قطعة قطعة ، تأكلان جسدها الشهيّ . أصابع خياله تلعب في شعرها و قد بعثرته فوق جبينها و كتفيها نسمات المساء .
وردة تتخلّص من فردتي الحذاء ترمي بهما بعيدا ، تتقدّم نحو النبع ، ترفع ثوبها فيتكشّف عن ساقين طويلتين ملفوفتين كعمودي شمع ، تحني قوامها الرشيق ثم تنتصب و تنثر الماء بحفنتيها عاليا فتهمي قطراته فوق وجهها و شعرها ، و تضحك وردة ، تضحك بسعادة كبيرة ، تغرق في الضحك .
تثيره ضحكاتها أكثر ، تُسيل لعاب غريزته ، تغلي في رأسه شهوة عمياء ، مجنونة ، تملأ عينيه و أضلاعه و أوردته ، تكمّم فيه العقل . يتخدّر وعيه .
لم يعد يسمع سوى صراخ الوحش الراكض في دمائه .
تعليق