هنا مدينة الروح ( القدس العتيقة ..!)
**********
**********
وأخيراًها أنا في قلب القدس بعد طول غياب..و طول عناء ومعاناة ...واصطفاف مُضنٍ في طوابير الذل والامتهان ..،
لإستخراج تصريحٍ زيارة للقدس وحضورإفطارٍ عائليّ طالَ انتظارنا له ..فهو الوحيد القادر على لملمة اجزاء عائلاتنا الفلسطينية والتي شتتت شملها تصنيفات الإحتلال ..
فهذا ابن القدس ,,وهذا ابن الضفة الغربية ،، وذاك ابن عرب الداخل ، أي ابن الأراضي التي احتُلّت عام ثمانية وأربعين ...!
ها هي القدس التي كانوا يطلقون عليها مدينة السلام ...وقد غدت مدينة الأسرِ والقهرِ ..والالام...فهذا ابن القدس ,,وهذا ابن الضفة الغربية ،، وذاك ابن عرب الداخل ، أي ابن الأراضي التي احتُلّت عام ثمانية وأربعين ...!
ها هي مدينة الروح ومسقط الرأس ومهوى الفؤاد ، وملاعب الصبا وبواكير الشباب ..
يغمرني شوقٌ مريرٌ يا مدينة السلام ...يا التي اصبحتُ اتجول فيها كل ليلةٍ على مراكب الأحلام ...،يُعربدُ في صدري شوقٌ مُستبدٌّ
وحنينٌ جارفٌ ليس للأهل والأصدقاء ..واللذين أراهم بين الحين والحين ...ولا للوجوه والأشخاص.. ، فشوقي اليوم للأشياء ..للأماكنِ ..للمدارس ..للشوارعِ ..للمحالّ
التجارية..للأسوار..للحيطانِ ..للأزقّةِ ..للأدراج ...ومشاوير خطانا عليها صباح ..مساء ..!
هذا شارع صلاح الدين وأرصفته المزروعة بذكرياتنا في الذهاب والإياب ...، وهذه زاوية بائع اللوز الاخضر...والكرز الأحمر..،ترى اين غاب...؟
وهناك على رصيف المدرسية الرشيدية للآولاد ، كانت بسطةُ الكتب القديمة والمجلات ..حيث كنا نبتاع مجلة ميكي ومغامرات السندباد...!!
وهناكان يقف بائع حلاوة السّمسمية العجوز .....
وهناك كان بائع الفستق السوداني يجلس القرفصاء أمام كانون النار ..يبيع الفستق ساخناً محمصاً في نفس اللحظة ..
وعلى بُعْد أمتار ها هو مبنى البريد ...، كم صعدنا تلك الدرجات العريضة ...بحثا في صندوق البريد عن رسالة حب او بطاقة عيدِ من خلف البحار ...!
وعلى بعد أمتارٍ ها هو باب العامود أحد اهم ابواب القدس العتيقة ...ما زال قائماً يفتحُ ذراعيه باستسلامٍ للقريب والغريب على حدٍ سواء....
و على جانبيه تحُطّ وجوهٌ غريبة لئيمة مدجّجة بوسائل القمعٍ حتى الاسنان ....تقتربُ منها فتحاصرُك همجية النظرات المتسائلة المستفَّزّة ...تتفحّصك ..
تُقشّركَ بحثاً عما قد تُخفيهِ تحت الثياب...!
يُعربدُ في قلبي شوقٌ مُستبد ويغريني الباب المُشرَّع بالانطلاق نزولاً الى البلدة القديمة..لِأُطِلُّ على بيتنا العتيق هناك ...ترى ماالذي اعتراه ..؟؟..وشجرة البيلسان في الفِناء الخارجيّ ..كم تطاولت في غيابنا ؟...وشُباك الياسمين في غرفتي الصغيره ..
حيث كانت نسائم الصيف تنفحني بالعبير ..وغمزات النجوم ..وهالات القمر ...
ترى..أما زالت فوق ستارتهِ الليلكية تُعربشُ أحلام ُ العمُر ..؟كم يصدمك التغيير حين تعود بعد طول غياب ،وقد هرِمتْ النفوس ...وشاخت الوجوه ..وانحنتْ القامات ...!
حتى المباني ..والأشجار شاخت هي الآخرى تحت وطئة الإحتلال ...
منذ اربعين عاما -هي عمر الاحتلال -..لم يُضَف الى مباني القدس حجراً جديداً ....
وطابقٍ جديد في بيت يلزمهُ التوسع بشكل طبيعي ...بسبب تزايد الآبناء ..أو زواجهم كما هي طبيعة العائلات في كلّ مكان .
من اجل تكريس سياسة الآمر الواقع ، وكي يكون لهم ميزة التفوق الديموغرافيّ الذي يعطيهم بالتالي ميزة إملاء الشروط ...في أي مفاوضات مستقبليّة ...(إن كان ثمّة وجود لأي مفاوضات جادّة على أجندة الإحتلال ) ..
نظراتي تتسكعُ فوق الوجوه ..والأمكنه هنا وهناك ..لعليّ اصطدم بوجهٍ أعرفهُ ...ولكن لا سبيل..،وجوهٌ غريبة ودربٌ أليف.
يُحاصرني الوقت بأذرعٍ حديدية ..بينما...تهرولُ حيواتي الداخلية بعيداً عن أعضائي المقيّدةِ بمحدوديّة ساعات التصريح .
تتوهُ نظراتي وتتراجعُ خطواتي عن الأبواب...وفجأه تتسائل رنة هاتفي المحمول :
ينكِ يا نجاح حتى الآن ..؟
يستعجلوني...الكل بانتظاري هناك ...
تتسارعُ خطواتي المُنهَكة ...فقد نسيتُ في غمرة اشواقي وعلى أدراج الحنين التزامي العائلي الذي من اجلهِ اتواجد هنا ....
أعود أدراجي صعوداً الى الشارع العام...وهناك تستوقفني ذكرى أخرى ...وسؤال :
ترى اين ذهب بائع الأزهار ؟ فقد كان هنا على مدخل تلك العمارة القديمة يضع ازهارهُ الموسمية...
يبيعُ النرجس وشقائق النعمان في موسم الشتاء ..
وفي الصيف يملأ سلالهُ الريفيه..بباقات ( التمرحنه ) تلك التي كان يأتي بها من مدينة أريحا في غور الأردن ..
حيث موطن تلك الشجيرات العطرة والتي كانت تتطلب الطقس الحار ..ولا يلائمها إلا طقس مدينة أريحا كي تنمووتزهر ،
و كان والدي من زبائنها الدائمين طالما كان موسمها يملأ السّلال .كم كنت أعشق تلك الباقات العطرة والتي كانت تنشرُ شذاها في بيتنا يوم الخميس ..لتبقى نضرة طازجة طوال أيام الاسبوع ،
بأزهارها المنمنمة كباقات النجوم الذهبية .
نظراتي المتسائلة تسترعي انتباه رجلٍ مُسنّ...يجلس قرب مدخل العمارة ...وقبل أن يبادرني بالسؤال أستفسرُ منه عن بائع التمرحنّه الذي كان يقف هنا منذ سنين ،،والذي كان من العلاما ت المميزة لذلك الرصيف...
ابتسَمتْ الطيبه في مُحَيّاه المُحَمل بأعباء السنين ،ثم شملني بنظره سريعة وقال : إنك أصغر من أن تكوني من زمن التمر حِنّه يا سيدتي..
إبتسم غروري الانثوي بسرور حاولت اخفائه قبل ان أجيب...أن طفولتي وكهولة ابي كانا من ابناء زمن التمر حنة ذاك ...
يبتسم الرجل بمرارة ويلوح في وجهه شجنٌ حنون...وهويقول :
رحم الله ذلك الزمن الجميل ...لقد ذهب زمن التمرحنه والنرجس ...يا سيدتي وجاء زمن الزهور الإصطناعيه ...!!
انتهتْ فُسحة الروح بانتهاء النهار ...مضطرةً انسحبُ مبكرا من حفل الإفطار ، فهناك من ينتظرني وقد استشعر وجودي بالقرب منه هنا ...
ولن أُغادرموطن الروح قبل أن أزوره وألقي عليه السلام ..
على باب مقبرة باب الاسباط التي تُشارك الحرم القدسيّ سورهُ الشرقيّ وقفتُ مترددة الخطى..خاشعة القلب ،خائرة القوى مرتجفة الأطراف ...
وأنا التي كنتُ حين تمرّ بي الحافلة بجانب المقبرة أُديرُ وجهي إلى الناحية الآخرى .
ولكن شجعني وجود بعض الأشخاص..يتلون ايات الذِّكرالحكيم لموتاهم هنا وهناك ، فتقدمت دامعة العينين ...ووقفت أمام قبرٍ تطاولتْ من حولهُ الآشواك ، بينما تيبّستْ أغصان ياسمينةٍ كانت والدتي قد زرعتها بالقرب منهُ قبل أن تمنعها مفاصلها المتهالكة
من زيارة المكان والحرص على سقايتها والعناية بها ، .. ركعتُ امام القبر..مستشعرةً انغراس الحصى في ركبتيّ ...
بكيت ولم اجد بعد الفاتحة ما أقول ...وقد تسارعتْ دقاتُ قلبي وغمرني إحساسٌ بالرهبة يستعصي على التفسير,,
حاولتُ التماسُك والسيطرة عليه ..وأنا أهمس من بين دموعي :
هل تسمعني يا أبي بما تبقىّ لك من عظام تحت هذا التراب المقدس ..تراب القدس الممتد من تراب الحرم الشريف ؟
ها نحن في رمضان ، هذاالشهر الذي يحمل لنا أجمل لذكريات ..هناك في بيتنا القديم المحاذي لسور الحرم الغربيّ ..
حيث جمعتنا عشيّات الأيام ..وإفطارات رمضان ...وطبلة المسحراتي ..ينادي كلّ جارٍباسمِهِ :( إصحَ يا نايم وَحِّد الدايم ..)،هل تذكرهُ يا حاج ؟؟
واللّمةالحلوة .....أخوة وأخوات ..ومعاركنا الصغيرة ..وحماقاتنا الأصغر ،
وتنافسنا على مصاحبتكِ في وقت السّحور إلى الحرم حيث تؤدي صلاة الفجر هناك خلف الإمام ..
تفرَّقْنا يا أبي ..باعدَتْ بيننا الأيام ..بعثرَتنا من بعدِك في كل صوبٍ..ولم تعُدْ تجمعنا إلا المناسبات والأعياد .
شغلتناعن زيارتِك قسوة الحياة ومقارعة الأيام ، ومنَعَنا التّمسُّك بالهوية من الوصول إلى حيث ثراك العزيز ..، لروحك الرحمة ..والسلام .
وعلى باب المقبرة وقفت برهة ...تاركة لدموعي العنان ....وقد ضغطتُ أشواقي وحنيني وكلماتي بين طيات منديلي الصغير
وتركته ليطير عائداً اليه كورقة خريفِ تائهةٍ في غابة الزمن المكسور ...تحملُ بقايا الصيف على أطرافها هابطةً تبحث عن مُستقرّ لها
بين ذرات التراب المضمخ بشذى الأرواح …
.,وهل ثمة شيءٍ غيرالخيال بقادرٍ على استرجاع الزمن المكسور ..صحيحاً مُعافى !..وهل غيرَه بقادر على وضع الحدّث الصحيح في الزمن الصحيح...!!
وهل ثمة مخلوقٍ يزور مسقط رأسهِ بتصريح من لصوص المكان والزمان ..إلاّ ابن ذلك الزمن المكسور ...
الباحث عن جذورهِ بين ركام الآيام ...!!
***************
نجاح عيسى : القدس
التاسع من رمضان .
تعليق