من أين لامرأة عزلاء بمثل هذه القوّة ؟كيف استطاعت أن تطرح مثل هذا الهيكل أرضا تخنقه حدّ الموت ،تجعل جسده مثل خرقة ممزقة أشلاء وكيف يستسلم هو لمثل هذا المصير دون أن تبدو عليه آثار مقاومة ؟
طال إطراقها فلم أستحثّها ،بل ظللت صامتا أنتظر أن تنحلّ عقدة لسانها في صبر.
تطوف أمي على الأبواب، تراقب ما إذا كانت مقفلة، تخاطبنا قائلة "الشّياطين لا تدخل الأبواب المقفلة " وتمضي إلى فراشها وقد ساد الاعتقاد لديها أنّها في أمان . أورثتني أمّي ذلك الحرص المفرط فصرت لا أنام إلا بعد أن أطّوّف بجميع المداخل...لم يتطرّق إلى ذهني يوما وأنا أسلّم نفسي للفراش ،أضع حواسي قطعة قطعة جانبا كما أضع ثيابي .وأنام كالأموات بأنّني سأصير فجأة لقمة سائغة لجحيم الارتياب.
بداية كانت مجرّد ومضات ينكرها خيالي ،ثمّ صارت صورا فاضحة الملامح ،صور أفقدتني القدرة على النّوم ،أخاف أن أنام فيأتي ذلك المغتصب يتسلّل عبر مسامّي ،يزرع سمّه الزّعاف فيّ ويمضي متلمّظا بعد أن يتركني في حالة خارج الوصف.
كم مرّة أعددت قضيبا حديديا بجانبي ! كم مرّة بتّ جالسة أراقص أخيلتي وألاحق أنفاسي فيتعذّر عليّ أن ألحقها في خضمّ مخاتلاته .كان دائما يغلبني ،يأخذ ما يريد ويختفي قبل أن تعود إليّ يقظتي .أصرخ بلا صوت ،وأمدّ يدي إلى سلاحي المهزوم أرفعه بلا حول ،تخرج كلماتي المقهورة :"يا بن الكلب ،يا خسيس ،يا مجرم ،ابن حرام ،أنت ابن حرام ،ألا تخاف الله ؟"
وتمضي أيّام أجترّ فيها خيبتي،أرتّب الأحداث أوّلا بأوّل ،أصنع سيناريوهات متعدّدة ،أقارب بين ما حصل وما يدور من حولي فتهن إرادتي وتحترق كل طاقتي في تفكير حلزوني عقيم .ولا أهنأ بهذا الاستقرار العليل حتّى يساورني ذلك الإحساس المقيت من جديد بأنّه سيعيد صنيعه، وأنّه سيأتي اللّيلة كعادته،يعبث بمقدّساتي، ويمضي شامتا إلى حيث لا أدري .ها هو يراقب حركاتي ،يرصد المكان ليرسم خارطة يتحرّك وفقها بلا أخطاء وها أنّ حالة التوتّر قد تلبّستني فصرت أضرب الهواء بقبضتي .أتمتم بكلام لا أفقهه . أصعد إلى السّماء في ثوان وأنزل :"لماذا يا الله ؟أنت سيّد الفضيلة فلماذا تسمح بذلك ؟.. ألست أنام كلّ ليلة على ذكرك ؟...أنا أستودعك نفسي كلّ ليلة، فكيف لا تضرب على يديه وتحفظ الأمانة كما يفترض بإله أن يفعل ؟ ألست قادرا على أن تسحقه ؟أو أن تمسخه ؟ماذا فعلت أنا لأستحقّ ما يحدث معي ؟ ما الجرم الذي ارتكبت لأكون لعبة بيدي سفّاح لا يخافك ؟؟؟"
عندما يملؤني الإحساس بحضوره أعرف أنه سيصل إلى ما يريد مهما فعلت .أعرف أنّه سيغافلني وسيصنع بي ما تصنعه طفلة بدميتها أو سفاّح بجثة ضحيّته. سيفصل رأسي عن جذعي أوّلا .ثم سيقطع يدي وسيعتليني كدابّة مطيعة .
لن أسمح بذلك ،سأحول بينه وبين مبتغاه وسأحبط كلّ مخطّطاته ّهذه المرّة وإن كلفّني ذلك ما كلّفني .
أقفلت الأبواب بالمفاتيح، أحكمت ربط المزاليج بما لا يسمح بخلخلتها بعد أن أدخلت كلّ ما أحتاجه إلى الغرفة حتّى إذا اقتضت الحاجة البشريّة أن أخرج ، لا أفعل تحت أيّ إلحاح .لن تكون المرّة الأولى الّتي أتوضّأ فيها بجانب الفراش .لن أغادر غرفتي حتى يفتح النّهار عينيه .
ليست المرّة الأولى التي أحاول فيها أن أقرأ أفكاره، أسبقه إلى قراراته وأكون مستيقظة حين يبدأ في تطبيق مخطّطه ،ولكن ....
ما مضى أكثر ممّا بقي من اللّيل ،كنت أعرف أنّه سيحاول فتح الأبواب بطريقته التي أجهل،فظللت أتابع ما يجري دون أن يصدر عنيّ ما يوحي بيقظتي .هاهو يدفع الباب بكل ما أوتي من قوّة .ربّما كان يملك نسخا من المفاتيح وذهب في ظنّه أنه يستطيع قلع حلقة المزلاج دون إحداث صوت .أو يكون محتفظا بفتحات سرّيّة في الخشب ؟ذراع المزلاج يتحرّك ،لعلّه مرّر يده وهو بصدد إزاحة الذّراع عن مكانه .كان عليه أن يفعل ذلك مع ثلاثة أبواب .لن يصل إلى باب غرفتي حتى يرتفع صوت الحقّ. لا أدري لماذا يسيطر عليّ الإحساس بأنّ صوت الآذان يردّه عن صنيعه ويردعه عن نواياه .كم أنا بحاجة لسماع الآذان .سيتسلّل الفجر ويوزّع شموعه على ملائكة الخير فتنقذني مما أنا فيه قبل فوات الأوان.
لم أسمع غير حفيف خطاه .تحرّك الهواء من حولي .لم يمهل استدارتي حتّى وجدته يلفّ جسدي بجسده العاري وكالعادة يسري ذلك الخدر في أوصالي فتبطل حركتي :"لو أقلّع عينيه بأسناني .أبتر عضوه هذا المتكوّر ككتلة من نار ".ركبتاه في متناول قبضتي .حرّكت أصابعي فاستجابت لي ،غرست أظافري في لحمه وأخذت أحرث جلده بكل ما أوتيت من غلّ.وأحسست بالأخاديد التي أحدثتها أظافري تنزف .تلطّخت أناملي بذلك السّائل الدّافئ ومازال ثقله يكبّل حركتي .فجأة تركني فاستجمعت كلّ قواي لأجلس وأضيئ المكان إضاءة كاملة .الباب مقفل كما تركته وذراع المزلاج في موضعه والكرسيّ يتكئ على خشب الباب لم يتزحزح ،وبقايا لحمه في أظافري وسائل أرجواني يصبغ أناملي وعرقه يبلّلني .أشتمّ فيه روائح آدميّة :"أين اختفى ؟ كيف تبخّر ؟كان هنا ..،والله العظيم كان هنا،في نفس الغرفة،لم أكن نائمة .لا تقل أنّني كنت نائمة .
تحدّث الكرسيّ ،تهزّه بعنف ،تتفحّص الأسلاك التّي ربطت في المداخل ،تسكب الماء البارد على وجهها ورأسها وتبكي منهارة .
ــ يا إلهي !أيّة قوّة جبّارة هذه الّتي أودعت فيّ !كيف لم أجنّ إلى الآن ؟ كيف لم أتداعى وأنهار ؟ وكيف لم تسقط مني حواسي في خضمّ ما يحصل ؟
وتستأنف :"علا صراخه فنظرت إليه أستفسره كان يتذمّر من الأبواب المقفلة والشّبابيك المربوطة ،ولم أكن لأحر إجابة ،وسقطت نظرتي منّي لتقع أسفل ركبتيه فوقف ريقي كشوكة في حلقي، وارتعشت أصابعي.إنها الأخاديد الّتي أحدثت يداي .ندوب طريّة بعضها مازال نازفا .تراجعت إلى الوراء، لا جدار يسندني ،عار عليّ أن أتراجع والحقيقة تطالعني بعينين حادّتين .لم أكن أنا ،كائن آخر بداخلي انفجر كبركان طالبا الثأر، وردّ الاعتبار لحرمة الرّوح المنتهكة .
طال إطراقها فلم أستحثّها ،بل ظللت صامتا أنتظر أن تنحلّ عقدة لسانها في صبر.
تطوف أمي على الأبواب، تراقب ما إذا كانت مقفلة، تخاطبنا قائلة "الشّياطين لا تدخل الأبواب المقفلة " وتمضي إلى فراشها وقد ساد الاعتقاد لديها أنّها في أمان . أورثتني أمّي ذلك الحرص المفرط فصرت لا أنام إلا بعد أن أطّوّف بجميع المداخل...لم يتطرّق إلى ذهني يوما وأنا أسلّم نفسي للفراش ،أضع حواسي قطعة قطعة جانبا كما أضع ثيابي .وأنام كالأموات بأنّني سأصير فجأة لقمة سائغة لجحيم الارتياب.
بداية كانت مجرّد ومضات ينكرها خيالي ،ثمّ صارت صورا فاضحة الملامح ،صور أفقدتني القدرة على النّوم ،أخاف أن أنام فيأتي ذلك المغتصب يتسلّل عبر مسامّي ،يزرع سمّه الزّعاف فيّ ويمضي متلمّظا بعد أن يتركني في حالة خارج الوصف.
كم مرّة أعددت قضيبا حديديا بجانبي ! كم مرّة بتّ جالسة أراقص أخيلتي وألاحق أنفاسي فيتعذّر عليّ أن ألحقها في خضمّ مخاتلاته .كان دائما يغلبني ،يأخذ ما يريد ويختفي قبل أن تعود إليّ يقظتي .أصرخ بلا صوت ،وأمدّ يدي إلى سلاحي المهزوم أرفعه بلا حول ،تخرج كلماتي المقهورة :"يا بن الكلب ،يا خسيس ،يا مجرم ،ابن حرام ،أنت ابن حرام ،ألا تخاف الله ؟"
وتمضي أيّام أجترّ فيها خيبتي،أرتّب الأحداث أوّلا بأوّل ،أصنع سيناريوهات متعدّدة ،أقارب بين ما حصل وما يدور من حولي فتهن إرادتي وتحترق كل طاقتي في تفكير حلزوني عقيم .ولا أهنأ بهذا الاستقرار العليل حتّى يساورني ذلك الإحساس المقيت من جديد بأنّه سيعيد صنيعه، وأنّه سيأتي اللّيلة كعادته،يعبث بمقدّساتي، ويمضي شامتا إلى حيث لا أدري .ها هو يراقب حركاتي ،يرصد المكان ليرسم خارطة يتحرّك وفقها بلا أخطاء وها أنّ حالة التوتّر قد تلبّستني فصرت أضرب الهواء بقبضتي .أتمتم بكلام لا أفقهه . أصعد إلى السّماء في ثوان وأنزل :"لماذا يا الله ؟أنت سيّد الفضيلة فلماذا تسمح بذلك ؟.. ألست أنام كلّ ليلة على ذكرك ؟...أنا أستودعك نفسي كلّ ليلة، فكيف لا تضرب على يديه وتحفظ الأمانة كما يفترض بإله أن يفعل ؟ ألست قادرا على أن تسحقه ؟أو أن تمسخه ؟ماذا فعلت أنا لأستحقّ ما يحدث معي ؟ ما الجرم الذي ارتكبت لأكون لعبة بيدي سفّاح لا يخافك ؟؟؟"
عندما يملؤني الإحساس بحضوره أعرف أنه سيصل إلى ما يريد مهما فعلت .أعرف أنّه سيغافلني وسيصنع بي ما تصنعه طفلة بدميتها أو سفاّح بجثة ضحيّته. سيفصل رأسي عن جذعي أوّلا .ثم سيقطع يدي وسيعتليني كدابّة مطيعة .
لن أسمح بذلك ،سأحول بينه وبين مبتغاه وسأحبط كلّ مخطّطاته ّهذه المرّة وإن كلفّني ذلك ما كلّفني .
أقفلت الأبواب بالمفاتيح، أحكمت ربط المزاليج بما لا يسمح بخلخلتها بعد أن أدخلت كلّ ما أحتاجه إلى الغرفة حتّى إذا اقتضت الحاجة البشريّة أن أخرج ، لا أفعل تحت أيّ إلحاح .لن تكون المرّة الأولى الّتي أتوضّأ فيها بجانب الفراش .لن أغادر غرفتي حتى يفتح النّهار عينيه .
ليست المرّة الأولى التي أحاول فيها أن أقرأ أفكاره، أسبقه إلى قراراته وأكون مستيقظة حين يبدأ في تطبيق مخطّطه ،ولكن ....
ما مضى أكثر ممّا بقي من اللّيل ،كنت أعرف أنّه سيحاول فتح الأبواب بطريقته التي أجهل،فظللت أتابع ما يجري دون أن يصدر عنيّ ما يوحي بيقظتي .هاهو يدفع الباب بكل ما أوتي من قوّة .ربّما كان يملك نسخا من المفاتيح وذهب في ظنّه أنه يستطيع قلع حلقة المزلاج دون إحداث صوت .أو يكون محتفظا بفتحات سرّيّة في الخشب ؟ذراع المزلاج يتحرّك ،لعلّه مرّر يده وهو بصدد إزاحة الذّراع عن مكانه .كان عليه أن يفعل ذلك مع ثلاثة أبواب .لن يصل إلى باب غرفتي حتى يرتفع صوت الحقّ. لا أدري لماذا يسيطر عليّ الإحساس بأنّ صوت الآذان يردّه عن صنيعه ويردعه عن نواياه .كم أنا بحاجة لسماع الآذان .سيتسلّل الفجر ويوزّع شموعه على ملائكة الخير فتنقذني مما أنا فيه قبل فوات الأوان.
لم أسمع غير حفيف خطاه .تحرّك الهواء من حولي .لم يمهل استدارتي حتّى وجدته يلفّ جسدي بجسده العاري وكالعادة يسري ذلك الخدر في أوصالي فتبطل حركتي :"لو أقلّع عينيه بأسناني .أبتر عضوه هذا المتكوّر ككتلة من نار ".ركبتاه في متناول قبضتي .حرّكت أصابعي فاستجابت لي ،غرست أظافري في لحمه وأخذت أحرث جلده بكل ما أوتيت من غلّ.وأحسست بالأخاديد التي أحدثتها أظافري تنزف .تلطّخت أناملي بذلك السّائل الدّافئ ومازال ثقله يكبّل حركتي .فجأة تركني فاستجمعت كلّ قواي لأجلس وأضيئ المكان إضاءة كاملة .الباب مقفل كما تركته وذراع المزلاج في موضعه والكرسيّ يتكئ على خشب الباب لم يتزحزح ،وبقايا لحمه في أظافري وسائل أرجواني يصبغ أناملي وعرقه يبلّلني .أشتمّ فيه روائح آدميّة :"أين اختفى ؟ كيف تبخّر ؟كان هنا ..،والله العظيم كان هنا،في نفس الغرفة،لم أكن نائمة .لا تقل أنّني كنت نائمة .
تحدّث الكرسيّ ،تهزّه بعنف ،تتفحّص الأسلاك التّي ربطت في المداخل ،تسكب الماء البارد على وجهها ورأسها وتبكي منهارة .
ــ يا إلهي !أيّة قوّة جبّارة هذه الّتي أودعت فيّ !كيف لم أجنّ إلى الآن ؟ كيف لم أتداعى وأنهار ؟ وكيف لم تسقط مني حواسي في خضمّ ما يحصل ؟
وتستأنف :"علا صراخه فنظرت إليه أستفسره كان يتذمّر من الأبواب المقفلة والشّبابيك المربوطة ،ولم أكن لأحر إجابة ،وسقطت نظرتي منّي لتقع أسفل ركبتيه فوقف ريقي كشوكة في حلقي، وارتعشت أصابعي.إنها الأخاديد الّتي أحدثت يداي .ندوب طريّة بعضها مازال نازفا .تراجعت إلى الوراء، لا جدار يسندني ،عار عليّ أن أتراجع والحقيقة تطالعني بعينين حادّتين .لم أكن أنا ،كائن آخر بداخلي انفجر كبركان طالبا الثأر، وردّ الاعتبار لحرمة الرّوح المنتهكة .
تعليق