في الشعر يجب أن تتعطَّل الدلالة وتستحيل إلى هيولى تُؤجِّج من تيه النص ، بصفته ذبيح المعنى النهائي ، فالنص لم يعُد مرآةَ المؤلف بل مشنقةً تُلَفُ على عُنقه ، تكتمُ أنفاسه التي كان يتنفس بها النص قبلُ ، وفي الشعر تتكثَّف هذه الرؤية ، ويتَّسع مداها من جهة ِ كونِ الأخير ليس بالضرورة ديواناً لانفعالات وخبايا ذات الشاعر بالإضافة إلى انَّه ليس خزَّاناً سرياً للحكمة يُمكن أن نمتح منهُ لاستخلاص معايير اتيقية ، كما أن الشعر لا ينبغي أن يكون موئلاً للمستقبل فلا أشباح ولا شياطين هنالك يُلقمون أُذنَ الشاعر بالبعيد ، لكن ماذا يتبقى من الشعر بعد تجريده من كينونته الآصَل ، والتي توارثها أجيالٌ من مدارسَ لم تحِد بالشعر عمَّا نحاول هنا سلخَه عنه يتبقى للشعر المُثقل بماضٍ مقدِّس له بما ليس شعراً في مماهاةٍ تُفسِدُ من حيثُ هو جنوح عن وعقوق لكافة الأطُر الأجناسية ، ومن حيثُ هو بالضرورة خلخلة للغة من جهةش كونها إتماماً واكتمالاً وامتلاءً ؛ فاللغة توجد حيث ُ يحلُّ السكون والبلادة ترسيخاً لهما درءاً لفوضى الوجود المفتوحة على احتمالات الجديد والمختلف لأنها بطبيعتها دكتاتورية تستبعد الآخر وتتموضع في الذات المسكونة رغماً عنها بآخرها ، يجئُ الشعر لاختراق اللغة بتفخيخها بمستحيلها من خلال تسريب الهامشي والمنبوذ والشاذ من وجهةِ نظرها في دمها ، فتَفسَد اللغة ، هذه هي المهمة الحيوية للشعر ، إفساد اللغة وجعلها ترتاد مجاهيل وَضعَت دونها حدوداً وقواعدض لا متجاوَزة .
كان هذا التقديم الموجز ضرورياص لاستكناه قصيدة الشاعرة سليمى السرايري والمعنونة ب " طفلة تشتهيها المشانق " لعدَّة أسباب أملتها علينا طريقةُ استثمارها للشعري في قصيدتها ، بالإضافة إلى إنهاكها اللغةَ بلا مُفكَّرها ، ففي القصيدة نجدُ إصرارا ً على تجريد اللغة من سطوتها من خلال قلب التوازن القائم بين العبارة والوعي بها ، فالشعريّ يقيم مسافةً حرِجة بين حالةٍ إنسانية تستدعي مشاعر الرحمة وبين تعبير غير مُبالٍ بممكنه ، فالطفلة ُ التي تشتهيها المشانق لايمكن أن يُبالي القارئ بمصيرها في ظل سردٍ يستبعد السيرورة ويتماهى بالصيرورة ، فليس المسرود الشعري طريقا واضحا ً للنهاية ذلك أن زمانه ينبثق من الوسط فهذه الطفلة الناقوسية باعثة الغبار منذورة لنسيان منذ بداية القصيدة فدخولها جاء عرَضيا ً فليس المهم قصتها ولا مآلها فهي مشتهاة ٌ من المشانق بدءاً، إنَّ السؤال الشعري الذي ابتدأت به القصيدة سؤال ٌ وجودي يبتعد بنا عن جماليات ممجوجة ليضعنا في قلق النظر في الفاجعة الكارثية المنظور إليها بعين لا مبالية تحاول التفكير في الهوامش المعصوف بها بفعل الكارثة يُفتتح السرد الشعري تأسيساً للقيامة التي تُنذر بها القصيدة :
" مَنْ يَسْرِقُ وَمْضَةً مِنَ الضِّياءِ
وَيُعَلِّقُ جُرْحَهُ فـي قِرْطِ الْقَمَرِ
إِذا ما تَضاعَفَتِ الْعَتْمَةُ؟
مَنْ يَـحْمِلُنا بَعيدًا ، فَكُلُّ الأَرْصِفَةِ سهام طائشةٌ؟
مَنْ يَرْسُمُ خُطانا فـي الْـمَدى
كي نُزْهِرَ شَجَرًا أَزْرَقَ فـي الْـمَمَرِّ؟
كُلُّ النواقيس التي تدق الغبار أنتِ
وَصَمْتُكِ تَرْميمٌ لخطى المنسيينْ.."
فالشعري لا يكترث بالعتمة بقدر ما يحاول استثمار هامش يُسرِّب من خلاله بصيصاً من النور في ليل يستمع فيه القمر لوسوسة الجرح المُتَّخضذ زينةً له ، بحيث تُصبح هذه الومضة دليلاً للتيه في محاولةٍ لتلافي طرُق الأمان المُفخّخة بالخطر :
" فكل الارصفة سهام طائشة " ، فالأهم هنا هو الاثر الذي قد تتركه الخطى في دروب البحث عن لمجرد البحث لا أكثر إذ لا يهم الحدث الشعري هنا من الأثر إلا أن يترك وراءه وعلى إثره شجراً ميتاً بالزرقة فالماضي يرتسم في ممر متروك ومعشوشب بالموت كانفتاح مُطلَق على المجهول الذي وَضعنا أمام تلك الطفلة المُشتهاة من المشانق وجهاً لوجه بمحض صدفةٍ حاولت كسر الصمت بنواقيس تدق الغبار لاكتمال حفلة النسيان الأخيرة ، المُرمَّمة بصمت طفلة لا شأنَ لها بهؤلاء المنسيين سوى أنها كانت طقساً هروبياً تمَّ اتخاذه سبيلاً تيهيا ومضوا ، كي تتورَّط الطفلةُ بالقصيدة كقربان تمَّ تقديمه لآلهة الدمار التي تعيث بالحدث الشعري المسكونة ُ به القصيدة .
" سَيُعَرِّشُ الرَّبيعُ فَوْقَ صَدْرِ الأِشْتِهاءاتِ
اليمام سَيأْتـي مِنْ بَيْتِه الْوَرْدِيِّ
يَمْنَحـَكِ سماء خفيفة ونجوما تبكي
يا طِفْلَةً تخرج منها الظلال
هَلْ ننجو من شرك القلب المريضٍ؟؟ "
هنا تحاول القصيدة استدراج هذه الطفلة لتوقعها في شرَك تنضيد الدمار الذي دشَّنَ الحدث الشعري بالبراءة ، لكنَّ هذه الطفلة بالذات باعثة للظلال والأخيلة التي تعكس الذكرى وتُلِحُّ عليها ، لذلك ينبثق السؤالٌ الذي يستبعد النجاة من قلب مريض بالماضي ، فالقصيدة لا تزال مسكونة بمقاومة الذكرى بالطفلة المنذورة لهذه المهمة ، ، فالمكان المُنسحب يوشِّي القصيدة ويسحبها كي تتلبس به رغم الريح التي تمَّ استخدامها بدهاء وتقنيعها بالطفلة التي لا تركض على أصابع الريح بقدر ما هي مُجتثَّة بفعل هذه الأصابع وتبقى القصيدة تُموِّه استخدام الطفلة باغرائها بصوَر مشتهاة رغم انها - الطفلة - جسر لا اكثر للهاربين من الذكرى والحيرة :
" أَيَّتُها الراكضة فوق أصابع الريح
هٰذا الْـمَكانُ جُرْحٌ قَديمٌ
نَهَبُ لَهُ جَـميعَ قَصائِدِنا الْـمُتَّشِحَةِ
بالمكان المنسحب
يا طفلة تصب الحدائق في بعضها
وتلهو بنزق العشاقِّ
تشد الأرض من طرفيها كقوس الفراغَ،
وَتبتكرُ بَحْرًا آخَرَ لِسَفَرِنا الْقادِمِ
كَيْ نعْبُرَ حَيْرَتـَـــنا الْأَبَدِيَّةُ."
وتأكيداً على مكر القصيدة بالسرد تبتعد الطفلة عن سيرورة الحدث وتنفتح على مستحيل التفكير التفكير بالوقت المنبعث كنتيجة حتمية للكارثة ، فالسفر مسكون دائماً بتجديد الارتحال والريح التي موَّهها الشعري تتضح كشبح يفتعل الخواء المثشرف على الذات المنهوكة باللاجدوى ، وتتساءل الامكنة البكماء والموتى القدامى وكل اشياء الخرس عن جدوى الإقامة كتبرير لاستحالة مواجهة الكارثة بالكلام حولها ، فالصمت هنا يتسيَّد الموقف لانَّ الخواء يبعث في الحدث الشعري ضرورة اتخاذ موقف ، بينما يتم التنكيل باللغة بزجِّها في مستحيلها بحيث تكون رسولاً للبوح لا أكثر ، فالمرآة الخجرية لا يمكن ان تعكس شيئاً باستثناء وجهها او بالأحرى وجه طفلة جيء بها كي تُحنَّط في قلب الصلادة :
" يَأْتِـي السَّفَرُ ليمارس رغبته في الرحيل
وَكَأَنَّ كُلَّ الْـمَرافِئِ حَـمَلَتْها الرِّيحُ إِلى
شُرْفَةٍ مُشَرَّعَةٍ على خواءنا
يَقولُ الشَّارِعُ و الموتى القدامى
و الطفلة التي تسكن المرآة الحجرية
قرب النهر
لا بَرْقٌ وَلا مَطَرٌ يُغْرينا بِالْبَقاءِ "
تبوح القصيدة بممنوعها عندما تُصرِّح بعودة الذاكرة من " صومعة النسيان " الذي لم يُفارق موضوع نسيانه ، فالنسيان مسكون ٌ ببصمات الآخرين المذبوحين عشقاً ، وما هو إلا صومعة لإعادة إنتاج حكاياتهم وأسطَرَتها ، وفجأةً تثباغتنا القصيدة باستدعاء المراة كثيمة للعشق المُغتال لا اكثر وذلك إمعاناً في تاجيل السؤال عن هوية الطفلة التي تشتهيها المشانق ، وهذه المرأة تنتظر وهي في عريها المُطلق ، عريٌ صرفٌ لا يدلُّ إلا على امِّحاء كل أشياء التقنُّع المُتَّخذة لتزجية الوقت في الانتظار سيَّما أنَّها تنتظر زمناً رمادياً يقتضي عدم التقنع بأشياء منحازة فهذه المرأة المستدعاة تفتح الحياد المطلق إزاء شارع بليد لم تعُد تحرِّك فيه أشياءُ الليل ومكنوناته أدنى التفات ، فالقصيدة هنا تتموضع مُجددا في انتظار أفق جديد لا سيَّما أنَّ " حواس آخر الليل " تبشِّربفجر لن يأتي في خضم ِّ عدم التفاهم القائم بين الزمان والمكان :
تعود الذاكرة من صومعة النسيان
تحْمِلُ فـي حَقيبَتِهِا حِكاياتِ الْعُشَّاقِ
الَّذينَ قُتِلوا وَاغْتالَتْهُمْ الملاحمٌ
يا امْرَأَة تَنْتَظِرُ فـي عُرْيٍ، الزَّمَنَ الرَّمادِيَّ
لَـمْ يَعُدِ ذلك الشَّارِعُ يشاغب حواس آخر الليل "
ينتبه الحدث الشعري للطفلة الحدث زالتي ورّطَ استدعاؤها بدءاً القصيدةَ المتاملة في مىلات الكارثة في سؤال عن هوية هذه الطفلة يتضمن مصيرها وكأنه هوية وجودية :
" من انت أيتها الطفلة التي تشتهيكِ المشانق "
وسرعان ما تُقنعنا القصيدة بأنَّ الطفلة تتبوأ الحدث الشعري الذي تريد منا أن نصدِّق أنها - الطفلة - بؤرتُه ، فالمواساة الاستعارية المغرقة في تخليق صور ابتكارية تزيينية تحاول اختطاف القلق للحظات بممكنات اللغة التي تتخذ موقفاً جماليا لا مباليا من خلال ترويج الغرابة والإدهاش في سبك الجملة الشعرية تعويضاً عن الإجابة عن هوية طفلة ستظل مُبهمة ، لكن ما يُهم هنا هو الاعتراف بأن الطفلة ستظل محط تمجيد طالما لم تُباغت بغبار " الطرقات النائمة " ، فالمكان هو ما يؤجج الشعري في القصيدة بصفته ديواناً للذكرى النائمة والتي يحاول السرد بممكناته الهروب منها بشتى الوسائل :
" مَنْ أَنْتِ أَيَّتُها الطّفلة الَّتي تَشْتَهيكِ
الْـمَشانِقُ؟؟
وَالْوَجَعُ يَـخْنُقُ فَراشاتِكِ الْـمُلَوَّنَةَ
ما زِلْتِ رَغْمَ طَعَناتِ الْـخَناجِرِ
تطاردين حلما في مسارب خفيّة
تَهَبينَ نبضك المرتعش لِلسُّكونِ
لَكِ ما تَرْغَبينَ أَيَّتُها الطِّفْلَةُ الْغَريبَةُ
لَكْ نَجْماتٌ تَـجوبُ عَتْماتِكِ
لَكِ مَطَرٌ يَمْلَؤُكِ
لَكِ جُرْحٌ وَوَجَعٌ يَئِنُّ
وَزَوْرَقٌ يَـحْمِلُكِ إِلى الشَّمْسِ
لا شَيْءَ يُباغِتُكِ غَيْرَ غُبارِ الطُّرُقاتِ
النَّائِمَةِ "
لم تعثد الطفلة حاضرة ً في السرد الشعري فقد تمت تصفيتُها بالسؤال عنها ، وغابت عن صيرورة الحدث الشعري مرةً واحدة وإلى الأبد لنقابل المرأة الأصل التي تم استدعاؤها كثيمة قبلُ لكنَّها الآن تُستدعى بصورتها الأصيلة فهي امراةٌ تسكُن "الكهف الازلي " ذلك الكهف الذي يسكن الأنثى بصفتها البدائية ، ولا تلجه إلا عندما تنهار كل مساحيق الحضارة والمدنية التي عُصِف بها شعرياً منذ البدء ؛ فتم استدعاء الأنثى الأصل كإيذان بميلاد جديد يبعث العشاق والمهمشين والمنسيين خاصة وأن هذه المرأة لا تكترث بالحرائق التي أججها الدمار المطلق ، نسائل هذه المرأة الأصل عن ريح تخترقنا ونستعيذ بها كعنوان للحلم الذي من خلاله فقط يمكننا أن نجد طريقا آمنا ، وتحضر كل مقومات الأنثى الإلهة التي بخصبها سيُكتب للحياة موعد للبزوغ مجددا :
" يا امرأة تحطُّ الغيوم على كفها " ، والجميل أنها امرأة ٌ عارفة دون عرافة ذلك أن البحر يُقدَّم كعنوان للتطهُّر ، سيما أنه يكتحل بالغرقى الذين جعلوا الملح مهرجاناً للبراءة والتبرُّئ من ماضٍ يطاردهم منذ ولوجهم فضاء الكارثة ، فهذه الأنثى هي التي تبتكر المدائن المزينة ، وتعيد تنضيد الشوارع وهي التي لابد أن تلوذ إليها كل القصائد امتناناًطقسيا ، شبه تعبُّدي لإلهة بيضاء ، تسمو بكتاب بلا فواصل من حيث هو القُدُسي الخالص بعيداً عن القوننة والتشريع :
" تَسْكُنين كَهْفَك الْأَزَلِـيَّ
تَـحْمِلين قيامة أخرى يبعث فيها العشاق
و الذين ماتوا خلف أعمارهم ،
فهَلْ تَعْبَئيِنَ بِما خَلَّفَتْهُ الْـحَرائِقُ؟؟
مِنْ أَيْنَ تَلِجُنا الرِّياحُ
وَحْدَكِ تُعانِقينَ الْـحُلُمَ
تُطَرِّزينَ شَراشِفَ الْقَصائِدِ
يا امْرَأَةً تـحُطُّ الغيوم على كفها
تَسقط بين خطوط يديها نبوءة العرافين
حين يكتحل البحر
بالغرقى و مهرجان الملحِ
يا امْرَأَةً تَـمْنَحُ كَفَّها أُغْنِيَةً
لِكُلِّ الَّذينَ غادَروا عَلى صهوات الألمِ
كَيْفَ زُيِّنَتِ الْـمَدائِنُ؟
وَجُعِلَتِ الشَّوارِعُ الْـمُقْفِرَةُ مَـمْلَكَةً؟
سَتَطيرُ إِلَيْكِ الْقَصائِدُ
و تشيعك الكمنجات .....
يا امْرَأَةً مَليئَةً بِالبياض
ارْتَفِعي فـي كِتابٍ بِلا فَواصِلَ "
يحاول السرد تكثيف نفسه ليرسم نهاية ً، لا تقترح ولا تُقدِّم شيئا ، عن مصير المسرود وإنما تتمركز حول تثبيت الحل أو المخرج الذي اصطفاه للحيلولة دون لاجدوى البحث حيث لا مخرج ، فنجد المرأة تُستدعى كحل وجودي ، لمأزق القلق العاصف بالحدث الشعري والذي هو نتيجة له في آن معاً وكتأكيد على ضرورة البداية من جديد ، ويصفِّي السرد حساباته مع الحدث الشعري من خلال رسم صورة ألوهية لأنثى تُبشِّر بالخصب القادم وتُعطى الطاعة المطلقة من كل أشياء الزمان والمكان زالوجود الإنساني ممثَّلاً بالعاشق لغايةٍ يتغياها السرد الشعري تتمثَّل في إقفال بوابة الرجوع والبحث عن المصير ، من خلال أنثى تُعلِّم الريح حكمة القلق :
" لَكِ ما تَشائينَ
مِنْ قُبُلاتِ اللَّيْلِ
وَمِنْ دَهْشَةِ الصُّبْحِ
لَكِ نَجْمَةٌ فـي جَنوبِ الْبِلادِ
وَرَعْشَةُ سَيْلٍ فـي أَصابِعِ الْـحَبيبِ
هَيَّا يا امْرَأَةً لا تَقِفُ عِنْدَ نُقْطَةِ الْوَجَعِ
عَلِّمي الرِّيحَ حِكْمَةَ القلق. " .
كان هذا التقديم الموجز ضرورياص لاستكناه قصيدة الشاعرة سليمى السرايري والمعنونة ب " طفلة تشتهيها المشانق " لعدَّة أسباب أملتها علينا طريقةُ استثمارها للشعري في قصيدتها ، بالإضافة إلى إنهاكها اللغةَ بلا مُفكَّرها ، ففي القصيدة نجدُ إصرارا ً على تجريد اللغة من سطوتها من خلال قلب التوازن القائم بين العبارة والوعي بها ، فالشعريّ يقيم مسافةً حرِجة بين حالةٍ إنسانية تستدعي مشاعر الرحمة وبين تعبير غير مُبالٍ بممكنه ، فالطفلة ُ التي تشتهيها المشانق لايمكن أن يُبالي القارئ بمصيرها في ظل سردٍ يستبعد السيرورة ويتماهى بالصيرورة ، فليس المسرود الشعري طريقا واضحا ً للنهاية ذلك أن زمانه ينبثق من الوسط فهذه الطفلة الناقوسية باعثة الغبار منذورة لنسيان منذ بداية القصيدة فدخولها جاء عرَضيا ً فليس المهم قصتها ولا مآلها فهي مشتهاة ٌ من المشانق بدءاً، إنَّ السؤال الشعري الذي ابتدأت به القصيدة سؤال ٌ وجودي يبتعد بنا عن جماليات ممجوجة ليضعنا في قلق النظر في الفاجعة الكارثية المنظور إليها بعين لا مبالية تحاول التفكير في الهوامش المعصوف بها بفعل الكارثة يُفتتح السرد الشعري تأسيساً للقيامة التي تُنذر بها القصيدة :
" مَنْ يَسْرِقُ وَمْضَةً مِنَ الضِّياءِ
وَيُعَلِّقُ جُرْحَهُ فـي قِرْطِ الْقَمَرِ
إِذا ما تَضاعَفَتِ الْعَتْمَةُ؟
مَنْ يَـحْمِلُنا بَعيدًا ، فَكُلُّ الأَرْصِفَةِ سهام طائشةٌ؟
مَنْ يَرْسُمُ خُطانا فـي الْـمَدى
كي نُزْهِرَ شَجَرًا أَزْرَقَ فـي الْـمَمَرِّ؟
كُلُّ النواقيس التي تدق الغبار أنتِ
وَصَمْتُكِ تَرْميمٌ لخطى المنسيينْ.."
فالشعري لا يكترث بالعتمة بقدر ما يحاول استثمار هامش يُسرِّب من خلاله بصيصاً من النور في ليل يستمع فيه القمر لوسوسة الجرح المُتَّخضذ زينةً له ، بحيث تُصبح هذه الومضة دليلاً للتيه في محاولةٍ لتلافي طرُق الأمان المُفخّخة بالخطر :
" فكل الارصفة سهام طائشة " ، فالأهم هنا هو الاثر الذي قد تتركه الخطى في دروب البحث عن لمجرد البحث لا أكثر إذ لا يهم الحدث الشعري هنا من الأثر إلا أن يترك وراءه وعلى إثره شجراً ميتاً بالزرقة فالماضي يرتسم في ممر متروك ومعشوشب بالموت كانفتاح مُطلَق على المجهول الذي وَضعنا أمام تلك الطفلة المُشتهاة من المشانق وجهاً لوجه بمحض صدفةٍ حاولت كسر الصمت بنواقيس تدق الغبار لاكتمال حفلة النسيان الأخيرة ، المُرمَّمة بصمت طفلة لا شأنَ لها بهؤلاء المنسيين سوى أنها كانت طقساً هروبياً تمَّ اتخاذه سبيلاً تيهيا ومضوا ، كي تتورَّط الطفلةُ بالقصيدة كقربان تمَّ تقديمه لآلهة الدمار التي تعيث بالحدث الشعري المسكونة ُ به القصيدة .
" سَيُعَرِّشُ الرَّبيعُ فَوْقَ صَدْرِ الأِشْتِهاءاتِ
اليمام سَيأْتـي مِنْ بَيْتِه الْوَرْدِيِّ
يَمْنَحـَكِ سماء خفيفة ونجوما تبكي
يا طِفْلَةً تخرج منها الظلال
هَلْ ننجو من شرك القلب المريضٍ؟؟ "
هنا تحاول القصيدة استدراج هذه الطفلة لتوقعها في شرَك تنضيد الدمار الذي دشَّنَ الحدث الشعري بالبراءة ، لكنَّ هذه الطفلة بالذات باعثة للظلال والأخيلة التي تعكس الذكرى وتُلِحُّ عليها ، لذلك ينبثق السؤالٌ الذي يستبعد النجاة من قلب مريض بالماضي ، فالقصيدة لا تزال مسكونة بمقاومة الذكرى بالطفلة المنذورة لهذه المهمة ، ، فالمكان المُنسحب يوشِّي القصيدة ويسحبها كي تتلبس به رغم الريح التي تمَّ استخدامها بدهاء وتقنيعها بالطفلة التي لا تركض على أصابع الريح بقدر ما هي مُجتثَّة بفعل هذه الأصابع وتبقى القصيدة تُموِّه استخدام الطفلة باغرائها بصوَر مشتهاة رغم انها - الطفلة - جسر لا اكثر للهاربين من الذكرى والحيرة :
" أَيَّتُها الراكضة فوق أصابع الريح
هٰذا الْـمَكانُ جُرْحٌ قَديمٌ
نَهَبُ لَهُ جَـميعَ قَصائِدِنا الْـمُتَّشِحَةِ
بالمكان المنسحب
يا طفلة تصب الحدائق في بعضها
وتلهو بنزق العشاقِّ
تشد الأرض من طرفيها كقوس الفراغَ،
وَتبتكرُ بَحْرًا آخَرَ لِسَفَرِنا الْقادِمِ
كَيْ نعْبُرَ حَيْرَتـَـــنا الْأَبَدِيَّةُ."
وتأكيداً على مكر القصيدة بالسرد تبتعد الطفلة عن سيرورة الحدث وتنفتح على مستحيل التفكير التفكير بالوقت المنبعث كنتيجة حتمية للكارثة ، فالسفر مسكون دائماً بتجديد الارتحال والريح التي موَّهها الشعري تتضح كشبح يفتعل الخواء المثشرف على الذات المنهوكة باللاجدوى ، وتتساءل الامكنة البكماء والموتى القدامى وكل اشياء الخرس عن جدوى الإقامة كتبرير لاستحالة مواجهة الكارثة بالكلام حولها ، فالصمت هنا يتسيَّد الموقف لانَّ الخواء يبعث في الحدث الشعري ضرورة اتخاذ موقف ، بينما يتم التنكيل باللغة بزجِّها في مستحيلها بحيث تكون رسولاً للبوح لا أكثر ، فالمرآة الخجرية لا يمكن ان تعكس شيئاً باستثناء وجهها او بالأحرى وجه طفلة جيء بها كي تُحنَّط في قلب الصلادة :
" يَأْتِـي السَّفَرُ ليمارس رغبته في الرحيل
وَكَأَنَّ كُلَّ الْـمَرافِئِ حَـمَلَتْها الرِّيحُ إِلى
شُرْفَةٍ مُشَرَّعَةٍ على خواءنا
يَقولُ الشَّارِعُ و الموتى القدامى
و الطفلة التي تسكن المرآة الحجرية
قرب النهر
لا بَرْقٌ وَلا مَطَرٌ يُغْرينا بِالْبَقاءِ "
تبوح القصيدة بممنوعها عندما تُصرِّح بعودة الذاكرة من " صومعة النسيان " الذي لم يُفارق موضوع نسيانه ، فالنسيان مسكون ٌ ببصمات الآخرين المذبوحين عشقاً ، وما هو إلا صومعة لإعادة إنتاج حكاياتهم وأسطَرَتها ، وفجأةً تثباغتنا القصيدة باستدعاء المراة كثيمة للعشق المُغتال لا اكثر وذلك إمعاناً في تاجيل السؤال عن هوية الطفلة التي تشتهيها المشانق ، وهذه المرأة تنتظر وهي في عريها المُطلق ، عريٌ صرفٌ لا يدلُّ إلا على امِّحاء كل أشياء التقنُّع المُتَّخذة لتزجية الوقت في الانتظار سيَّما أنَّها تنتظر زمناً رمادياً يقتضي عدم التقنع بأشياء منحازة فهذه المرأة المستدعاة تفتح الحياد المطلق إزاء شارع بليد لم تعُد تحرِّك فيه أشياءُ الليل ومكنوناته أدنى التفات ، فالقصيدة هنا تتموضع مُجددا في انتظار أفق جديد لا سيَّما أنَّ " حواس آخر الليل " تبشِّربفجر لن يأتي في خضم ِّ عدم التفاهم القائم بين الزمان والمكان :
تعود الذاكرة من صومعة النسيان
تحْمِلُ فـي حَقيبَتِهِا حِكاياتِ الْعُشَّاقِ
الَّذينَ قُتِلوا وَاغْتالَتْهُمْ الملاحمٌ
يا امْرَأَة تَنْتَظِرُ فـي عُرْيٍ، الزَّمَنَ الرَّمادِيَّ
لَـمْ يَعُدِ ذلك الشَّارِعُ يشاغب حواس آخر الليل "
ينتبه الحدث الشعري للطفلة الحدث زالتي ورّطَ استدعاؤها بدءاً القصيدةَ المتاملة في مىلات الكارثة في سؤال عن هوية هذه الطفلة يتضمن مصيرها وكأنه هوية وجودية :
" من انت أيتها الطفلة التي تشتهيكِ المشانق "
وسرعان ما تُقنعنا القصيدة بأنَّ الطفلة تتبوأ الحدث الشعري الذي تريد منا أن نصدِّق أنها - الطفلة - بؤرتُه ، فالمواساة الاستعارية المغرقة في تخليق صور ابتكارية تزيينية تحاول اختطاف القلق للحظات بممكنات اللغة التي تتخذ موقفاً جماليا لا مباليا من خلال ترويج الغرابة والإدهاش في سبك الجملة الشعرية تعويضاً عن الإجابة عن هوية طفلة ستظل مُبهمة ، لكن ما يُهم هنا هو الاعتراف بأن الطفلة ستظل محط تمجيد طالما لم تُباغت بغبار " الطرقات النائمة " ، فالمكان هو ما يؤجج الشعري في القصيدة بصفته ديواناً للذكرى النائمة والتي يحاول السرد بممكناته الهروب منها بشتى الوسائل :
" مَنْ أَنْتِ أَيَّتُها الطّفلة الَّتي تَشْتَهيكِ
الْـمَشانِقُ؟؟
وَالْوَجَعُ يَـخْنُقُ فَراشاتِكِ الْـمُلَوَّنَةَ
ما زِلْتِ رَغْمَ طَعَناتِ الْـخَناجِرِ
تطاردين حلما في مسارب خفيّة
تَهَبينَ نبضك المرتعش لِلسُّكونِ
لَكِ ما تَرْغَبينَ أَيَّتُها الطِّفْلَةُ الْغَريبَةُ
لَكْ نَجْماتٌ تَـجوبُ عَتْماتِكِ
لَكِ مَطَرٌ يَمْلَؤُكِ
لَكِ جُرْحٌ وَوَجَعٌ يَئِنُّ
وَزَوْرَقٌ يَـحْمِلُكِ إِلى الشَّمْسِ
لا شَيْءَ يُباغِتُكِ غَيْرَ غُبارِ الطُّرُقاتِ
النَّائِمَةِ "
لم تعثد الطفلة حاضرة ً في السرد الشعري فقد تمت تصفيتُها بالسؤال عنها ، وغابت عن صيرورة الحدث الشعري مرةً واحدة وإلى الأبد لنقابل المرأة الأصل التي تم استدعاؤها كثيمة قبلُ لكنَّها الآن تُستدعى بصورتها الأصيلة فهي امراةٌ تسكُن "الكهف الازلي " ذلك الكهف الذي يسكن الأنثى بصفتها البدائية ، ولا تلجه إلا عندما تنهار كل مساحيق الحضارة والمدنية التي عُصِف بها شعرياً منذ البدء ؛ فتم استدعاء الأنثى الأصل كإيذان بميلاد جديد يبعث العشاق والمهمشين والمنسيين خاصة وأن هذه المرأة لا تكترث بالحرائق التي أججها الدمار المطلق ، نسائل هذه المرأة الأصل عن ريح تخترقنا ونستعيذ بها كعنوان للحلم الذي من خلاله فقط يمكننا أن نجد طريقا آمنا ، وتحضر كل مقومات الأنثى الإلهة التي بخصبها سيُكتب للحياة موعد للبزوغ مجددا :
" يا امرأة تحطُّ الغيوم على كفها " ، والجميل أنها امرأة ٌ عارفة دون عرافة ذلك أن البحر يُقدَّم كعنوان للتطهُّر ، سيما أنه يكتحل بالغرقى الذين جعلوا الملح مهرجاناً للبراءة والتبرُّئ من ماضٍ يطاردهم منذ ولوجهم فضاء الكارثة ، فهذه الأنثى هي التي تبتكر المدائن المزينة ، وتعيد تنضيد الشوارع وهي التي لابد أن تلوذ إليها كل القصائد امتناناًطقسيا ، شبه تعبُّدي لإلهة بيضاء ، تسمو بكتاب بلا فواصل من حيث هو القُدُسي الخالص بعيداً عن القوننة والتشريع :
" تَسْكُنين كَهْفَك الْأَزَلِـيَّ
تَـحْمِلين قيامة أخرى يبعث فيها العشاق
و الذين ماتوا خلف أعمارهم ،
فهَلْ تَعْبَئيِنَ بِما خَلَّفَتْهُ الْـحَرائِقُ؟؟
مِنْ أَيْنَ تَلِجُنا الرِّياحُ
وَحْدَكِ تُعانِقينَ الْـحُلُمَ
تُطَرِّزينَ شَراشِفَ الْقَصائِدِ
يا امْرَأَةً تـحُطُّ الغيوم على كفها
تَسقط بين خطوط يديها نبوءة العرافين
حين يكتحل البحر
بالغرقى و مهرجان الملحِ
يا امْرَأَةً تَـمْنَحُ كَفَّها أُغْنِيَةً
لِكُلِّ الَّذينَ غادَروا عَلى صهوات الألمِ
كَيْفَ زُيِّنَتِ الْـمَدائِنُ؟
وَجُعِلَتِ الشَّوارِعُ الْـمُقْفِرَةُ مَـمْلَكَةً؟
سَتَطيرُ إِلَيْكِ الْقَصائِدُ
و تشيعك الكمنجات .....
يا امْرَأَةً مَليئَةً بِالبياض
ارْتَفِعي فـي كِتابٍ بِلا فَواصِلَ "
يحاول السرد تكثيف نفسه ليرسم نهاية ً، لا تقترح ولا تُقدِّم شيئا ، عن مصير المسرود وإنما تتمركز حول تثبيت الحل أو المخرج الذي اصطفاه للحيلولة دون لاجدوى البحث حيث لا مخرج ، فنجد المرأة تُستدعى كحل وجودي ، لمأزق القلق العاصف بالحدث الشعري والذي هو نتيجة له في آن معاً وكتأكيد على ضرورة البداية من جديد ، ويصفِّي السرد حساباته مع الحدث الشعري من خلال رسم صورة ألوهية لأنثى تُبشِّر بالخصب القادم وتُعطى الطاعة المطلقة من كل أشياء الزمان والمكان زالوجود الإنساني ممثَّلاً بالعاشق لغايةٍ يتغياها السرد الشعري تتمثَّل في إقفال بوابة الرجوع والبحث عن المصير ، من خلال أنثى تُعلِّم الريح حكمة القلق :
" لَكِ ما تَشائينَ
مِنْ قُبُلاتِ اللَّيْلِ
وَمِنْ دَهْشَةِ الصُّبْحِ
لَكِ نَجْمَةٌ فـي جَنوبِ الْبِلادِ
وَرَعْشَةُ سَيْلٍ فـي أَصابِعِ الْـحَبيبِ
هَيَّا يا امْرَأَةً لا تَقِفُ عِنْدَ نُقْطَةِ الْوَجَعِ
عَلِّمي الرِّيحَ حِكْمَةَ القلق. " .
تعليق