جنون القوافي ...
بين هذه المباني التي تفتقر إلى الحب ..مشى صوب ضفة أخرى للضوء ..
رجل مثله لم يجد من يربط له ربطة عنقه، من يعدّ له الصباح بطريقة أجمل ..!
لطالما كان الرجل الباحث عن الحب!
إلا أنّ أرصفة الضباب ..لم تكن تحمل شيئا غير الضباب ..!
وجوه صفراء تعبر ببطء .. وبائع ورد لا يقدّر أن وردته، إن لم يكن للرجل قلبا ليهديها إليه،مؤلمة!
لم يكن شاعرا، كما كان يعرّف عن نفسه .. كان يقول أنه قصاصة بين أنامل الريح، قافية من قوافي الصمت .. !
خطوته كوقع المطر .. أبجدية هنيهة ..حضور سريع كظل لا يترك خلفه أثرا!
القدر دائما ما يختبر صبر أولائك المتعطشين للحب!
جعله شاهدا على قصة عشق خيالية الجمال .. وهو وسط الثلوج يراقب صديقه كيف ينعم بالدفء في حضن امرأة تسكن فيه البلابل والزهور والأغنيات!
"يكفي أن يكون صديقك عاشقا..لتكون سعيدا"
هكذا كان يباركهما بصلاواته وأمنياته...!
وفجأة تبدل الفصل الهادئ، دوى الرعد، جن جنون السماء ..! وبدأ معها بالهذيان :
"ماذا حدث ؟ هل افترقا حقا!
حدثٌ خارج عن المؤلوف كيف وهو الذي اعتزل الخمر منذ رآها، مبررا أن عينيها أسكرته ..فأدمن عليهما ..
كيف وهو الذي اختصر الأبجدية باسمها؟ وحضور العالم بين شفتيها ... !
وهو نفسه يرحل اليوم عنها .. أي صفعة تلك التي أيقظته من سكرته؟"
صار الأغرودة الحزينة بين عصفورين فقدا شمس الغناء .. فقدا الربيع !
وهو فقد مكانه في الظل .. ظل الحب !
تغيرت المواسم، رحل هو مع أسراب الحياة بحثا عن أغنية أخرى .. بينما بقيت وحيدة يبلل جناحيها الانتظار ..يقتلها الفراق ببطء ..!
لم يرد أن تتكرر مأساته بهما ،تردد كالفراشة بينهما، يخنقه كلام تلك ... تقتله لامبالاة صديقه !
واجهه ذات مرة بعد طول تعب ..حدثه عنها ، عما تعانيه ..
-هل سألتك عني ..؟
-نعم قلت لها أنك تعاني من حالة مستعصية من الصمت ..
وكان لجام حزنها قد أفلت منها ..فكان البوح دموعا .. نجمة تشردت بين مقلتيها تناديك .. تعاتب حائرة :
لماذا خلعتَ معطف المطر ..وتواريت خلف سحابة من صمت و رماد؟
-بل هي التي خلعت عنها ثوب النرجس .. انتزعت أقراط الياسمين .. تسربت خارج دفتري..
كسرت مرآة الشعر .. ليست هي المرأة التي أحببت !
بحثت طويلا عن تلك التي هيجت أمواج عمري .. إلى أن ارتطمت بصخرة الحقيقة القاسية ..
رأيتها فجأة مثل جميع النساء..تشبههن ..تقلدهن .. ذات الغيرة .. طقوس حب متكررة ..
وأنا لن أكون إلا رجل المرأة الاستثنائية ..
أكره ماهو عاديّ يا صديقي .. لم يكن الحب معها خرافيا بعد أن هجرت غصونها العصافير الأسطورية، وسقطت جدائل عشتروت !
-لكنها بدت متعبة ..مشتاقة ..نحت الحنين جسدها، صارت كالظل المكسور ...
الوردة الشفافة غادرت شعرها .. أبكاني حالها .. !
-سوف تنسى لا تقلق .. الأنثى مثلها تنسى إذا ما تأبطت ذراع رجل آخر .. أي رجل يمكن تقع في حبه ويقع في حبها!
المسألة مسألة وقت ... أو مسألة رجل آخر !
لم يرد عليه.. أخرسه ذهوله .. هل كان صديقه الشاعر باردا لهذه الدرجة؟ ميتا إلى هذا الحد ؟
أدرك أن صديقه لم يكن يبحث عن حبيبة ..بل عن قصيدة ..!
كأنها نزوة شعرية ... أبيات على مرّ أيام .. تحوّل رويّها إلى صدى .. !
احتضن انكسارها، وقف إلى جانبها أثناء العاصفة، محاولا التخفيف عنها ، شيئا فشيئا كان يغرق في حبها..
مع الوقت تعلقت به .. فوحده من امتلك مفاتيح النسيان .. عاملها بحنان .. كان رجلا حقيقيا .. !
دار حديث الحب بينهما بصمت ..اعترف لها دون أن ينطق .. وبادلته المشاعر ذاتها .. كان هائما في بحيرة الهوى وسط البجع ..
وذات يوم تواعدا في مقهى لا تبرد قهوته ..أراد أن يقول كل ما عنده أخيرا !
جلس ينتظرها على أقرب كرسيّ إلى المدفئة .. أمسك الجريدة يقلّب صفحاتها .. وفي إحدى الصفحات الباردة
قفزت في وجهه قصيدة لشاعر يعرفه تماما .. تحت عنوان "حبيبتي وصديقي الخائن" !!!
لم يصدق ما قرأت عيناه، تسارعت نبضات قلبه، كاد يفقد صوابه، القصيدة مسنونة القوافي، تشهر كلماتها سلاحا، كأنها تحاول إقحامه في معركة .. مع من؟ مع الكلمات؟ مع صديقه؟ مع نفسه؟
ماذا عنها؟ والموعد؟ والحب؟
"لست خائنا صاح مختنقا.. لست خائنا ... "
حدّق في السطور الأخيرة من القصيدة
-..لماذا تسللت بين قصائدي ...سرقت امرأة من دفتري ..
ضرب بقبضته فوق الطاولة .."ياعديم الشعور .. ليست امرأة في دفتر ..أو قصيدة في ديوان .. إنها ..إنها الحياة .. إنها القدر .."
انسكب الفنجان فوق الجريدة .. غرقت القصيدة في القهوة .. تلاشت منها حروف..تبعثرت السطور.. جنّ جنونها، كأن ليلا حاصرها .. رأت مجددا تلك الهاربة تحت غطاء الليل من الدفتر .. بدأت تهذي ..تقول كلاما مربكا، تطلق الاتهامات.. إلى أن بردت القهوة فوق القصيدة وأخمدت شيئا من جنون القوافي ..!
تعليق