الحذاء , والجراب , واللافتة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • حازم البيومي
    قاص
    • 15-05-2011
    • 60

    الحذاء , والجراب , واللافتة


    تصلّبت أمام الهاتف .. ثم ما لبثت تناولت الإعلان متفحصاً إياه في لامبالاة
    ) شركة ... تعلن عن حاجتها لموظفين في الأماكن التالية..)
    .. ساورني شعور يدفعني لتمزيق الورقة , قبل أن تتجسد أمامي _ثانية_ اللافتة المتشبثة أعلى البنّاية تقاوم الريح ...

    خرجت من البيت تاركاً دعوات أمي معلقة لا تتجاوز سقف الغرفة . أوليت أختي ظهري على وشك الولادة .. أخرجت من جيبي شق الليمونة وعصرت سائلها تحت أبطي . ابتعت علبة مناديل أنظف بها حذائي , الذي شكاني للأرض نفسها , أو هكذا أظن , فما معنى أن يتراكم عليه التراب كل برهة ؟! الأمر الذي يجعلني أسلمه لجلاد جديد كل مرة , يستل إبرته ويغرسها بين لحمه! .
    أخرج الورقة .. أقرأ العنوان _شركة النيل للأحذية _ أتعجب من خلط الناس لمفهوم أبهي ما نملك , بأحقر ما نمتلك ! .. لكن لا وقت للتعجب الآن , أسأل أحدهم عن الشارع , يخبرني
    _ أول يمين
    أحفظ هذه الجملة جيداً ولا أعرها أي اهتمام . أبتسم للرجل وأمضي عكس ما أشار .
    أشار حذائي إشارة ذات مغزى , فأدركت أنه ضاق بحمله وأنفجر ضجرا , أبحث له عن من يصلحه ما يقرب من نصف الساعة فلا أجد .. ساكنو الأماكن الراقية لا يعذبون أحذيتهم مثلنا!.. لم أجد سوى هذا الجالس يحارب ذباب الوجه , خلعت الحذاء وسلمته إياه معلقاً
    _ لا مفر ..عذبه !
    نظر إليَّ بحاجبين أعلنا القطيعة _فجأة _ بينهما وعيناه , أشاح بوجهه غير مكترثٍ , وشرع في عمله , وعندما ناولني إياه كنت أراه يقطر دما !
    أمضى مندهشاً .. الرجل الذي صرته لا يعرف قيمة الحذاء! .. أنا الذي لم أوافق على اعتلاء المسرح من تهالك حذائه وإن اضطررت لإلغاء البروفة.
    المسرح الذي كان مذنباً هارباً .. تلاشى كل تلك السنوات وأنا وراءه مُسابقاً , ليسطع في غير وقته , لم أرد أن أقيده مثلي , فقط أردت أن يعاملني بعدل , أن يسابقني بمعدلاتي الأرضية , بالمتر المربع , لا بالسنة الضوئية !
    يأتيني الآن بعد أن تخطيتُ الثلاثين وصُرت غيري , بعدما تغير كل شيء , حتى نظرة الشباب الصغير عن المسرح , حاولت أن أفهمهم أن التمثيل كيانا بذاته , يستعلموا منه كل شيء عن الحياة, فلابد أن ينسوا معه عالمهم المعاصر ويتأهبوا لخوض الشخصيات .. لم أجد منهم سوى أداء باهت بلا روح ولا التزام , لم أتحمل.. رغم إلحاح صديقي مخرج الفرقة , الذي زاملني التمثيل , وتفوقت عليه إخراجا في سن مبكرة , والذي أضحى الآن دولاباً للكؤوس والميداليات والمال يمشي على قدمين , وصرت أنا جرابا للخيبات منتفخا بأحلام الماضي ! ,ابحث عن إطعام الفم , أجلس في انتظار من يصلح لي حذائي , ولا أجد من يصلحني !..
    انصرم الوقت سريعاً .. نظرت في ساعتي .. وجدت ميعاد المقابلة بدأ منذ لحظات .. عنّفت الرجل أن : أسرع , يكفيه ما ناله اليوم , وما سيناله في رجوعي للبيت مشياً , بعدما أخذ الرجل أخر عشر جنيهات ودّعت جيبي بحزن شديد .
    عليَّ الآن أن أغلق هذه النافذة , التي يخرج منها ضحايا الصراع غير المتكافئ , مادمت قادراً على تأويل الماضي فأنا حي رغم كل شيء!.

    هرولت باتجاه الشركة .. أوقفني معرض أنيق , أنظر إلى الأحذية بابتسامة آملة , بينما تعكس المرآة وجوها متباينة لم أكن من بينهم ! ... لا وقت .. أتسلل الدَّرج .. أضغط الزر ..أتقدم نحو موظف الاستقبال .. أسحب ورقة التعريف .. أملأ الفراغات ..أضبط ملامحي على الابتسامة المناسبة .. طرقتين بالأصبع ثم أسحب مقبض الباب .. أوسع الابتسامة قليلاً .. أسلم على الرجل وأجلس .. أشعر براحة لعدم وجود لحية في وجهه كسابقهُ , الذي لم يسأل عن شيء سوى أركان الإسلام , وبعض معاني الأحاديث . قد يسألني عن رابطة العنق ولماذا اخترت شكلها هذا , أو لماذا أرُخي شعري إلى الوراء , أو عن الزي الذي يرتديه موظف الاستقبال
    لكنه أدهشني , عندما سألني عن سبب تأخري , بداية طيبة
    أخبئ حذائي أسفل المكتب , وأخرج منديلاً .
    بعد حوار قصير يمد يده بالعقد لأوقع عليه .. ثم تسعفه فطنته فينظر لتاريخ الميلاد ,, يوقفني بسؤال عن سني وكأنه لم يقرأه تواً! .. أخبره.. يعتذر بلطف
    _ نحن لا نقبل من تخطى السابعة والعشرين , عمراً
    لم تكن هذه هي الجملة التي أحفظها جيداً , وأرددها لنفسي دوماً .. كانت كأنما أسمعها للمرة الأولى , فأشعر أن دمعة أخطأت طريقها , فولجت الشرايين للقلب!, وأخرج ...
    سقطت فوق رأسي مصائب كثيرة , كانت بمثابة اكتشافات فاجعة , لم يبق سوى أن يسقط فوق رأسي سقف الغرفة , لتصل دعوات أمي إلى السماء فأطلع على الاكتشاف الأكبر !
    لازالت مرآة المعرض , تبث صوراً حية لوجوه متباينة كنت هذه المرة من بينها , وكنت أنظر لها بامتعاض أشعر معه أن شبحينا يتصافحان في ودّ , وأن حذائي يسخر مني , فابتسمت لعقلي الذي بات ضدّاً يترصدني .. وفي الطريق وجدت لافتة تعلو بناية مرتفعة , كتب عليها " من أجلك أنت " , فتعجبت أنها لازالت بعد هبوب ريح الربيع! متشبثة بالبقاء . على الثلاثيني مثلي أن يجمع في جراب الخيبة , ماتبقى من الأحلام التي تنتظر , بعدما قضى الكثير منها نحبه !..
    وصلت للبيت متأخراً .. جلبة عظيمة تشغل حيز المكان .
    أختي تلد .
    أشحت بوجهي عنهم جميعاً ..ودلفت غرفتي ملوحاً بذراعي غير مبالي , أجلس بجوار الهاتف, رجلا صودر منه كل شيء سوى إعلانات الوظائف .يأتيني صوت الطفل محتجا ...أتعجب.. مخلوق جديد يثور على الحياة , فيصرخ مع أول دفعه له فيها , وأخر يصرخ من أجل الاحياة ؟! . فلاحت أمام عيني اللافتة المتشبثة بالبقاء رغم كل شيء , فأخرجت من الجراب حملاً منتظِراً .. ضغط هو .. لا أنا .. رقم الشركة الجديدة .
    التعديل الأخير تم بواسطة حازم البيومي; الساعة 04-10-2012, 02:04.

  • أحمد عيسى
    أديب وكاتب
    • 30-05-2008
    • 1359

    #2
    وهكذا سنة الحياة ، التي تمضي سارقة منا أجمل ما فينا ، وتعطينا عندما ينتهي الأمل فينا
    أعجبتني قصتك بشدة ، تصاويرك وتعبيراتك مبتكرة جميلة ، قدرتك على السرد والتصوير الدقيق والولوج للنفس
    رائع أنت أيها المنتسب الجميل ، رائع أنت يا حازم
    بعض العناية فقط بالقصة ، بعض التنسيق ، الاهتمام ببعض التعبيرات لا أكثر
    في لا مبالاة-بلا مبالاة ، متشبثة أعلى -متشبثة بأعلى ، أو مثبتة أعلى
    أوليت أختي ظهري على وشك الولادة ، أوليت ظهري لأختي على وشك الولادة ، أوليت أختي- على وشك الولادة-ظهري

    أحييك على هذه القصة الماتعة الجميلة وأهلاً بك في ملتقى المبدعين وبين المبدعين الرائعين
    ” ينبغي للإنسان ألاّ يكتب إلاّ إذا تـرك بضعة من لحمه في الدّواة كلّما غمس فيها القلم” تولستوي
    [align=center]أمــــوتُ .. أقـــــاومْ [/align]

    تعليق

    • حازم البيومي
      قاص
      • 15-05-2011
      • 60

      #3
      طيّب الله أوقاتك أستاذ أحمد عيسى ...
      سعيد بقراءتك للنص , وكذلك ملاحظاتك الجيدة , وبالطبع هي محل احترام واهتمام .
      وأشكر لك هذا المرور الجميل , الذي ترك جزءً من روحك الطيبة .
      وسعيد بتواجدي بينكم . ودّي .

      تعليق

      • ميساء عباس
        رئيس ملتقى القصة
        • 21-09-2009
        • 4186

        #4
        نعم جميلة جدا
        لغة وسردا
        وأسلوب مشوق
        فالبداية كانت رشيقة
        جعلتنا مباشرة ندخل الحدث بحماس وتأثر
        بوركت
        حازم الجميل
        ننتظر جديدك ومشاركاتك
        ميساء العباس
        مخالب النور .. بصوتي .. محبتي
        https://www.youtube.com/watch?v=5AbW...ature=youtu.be

        تعليق

        • ريما ريماوي
          عضو الملتقى
          • 07-05-2011
          • 8501

          #5
          نعم بداية قوية ومشوقة معنا...
          سعدت معك، بانتظار جديدك،
          واهلا وسهلا بك ومرحبا.

          تحيتي وتقديري.


          أنين ناي
          يبث الحنين لأصله
          غصن مورّق صغير.

          تعليق

          • حازم البيومي
            قاص
            • 15-05-2011
            • 60

            #6
            نعم جميلة جدا
            لغة وسردا
            وأسلوب مشوق
            فالبداية كانت رشيقة
            جعلتنا مباشرة ندخل الحدث بحماس وتأثر
            بوركت
            حازم الجميل
            ننتظر جديدك ومشاركاتك
            ميساء العباس

            أستاذة ميساء
            أعتز برأيك وتواجدك .
            شكرا لك , ولروحك الودودة .

            تعليق

            • حازم البيومي
              قاص
              • 15-05-2011
              • 60

              #7
              نعم بداية قوية ومشوقة معنا...
              سعدت معك، بانتظار جديدك،
              واهلا وسهلا بك ومرحبا.

              تحيتي وتقديري.

              أستاذة ريما ..
              ممتن لقراءتك , وكذلك ترحابك ومرورك الأنيق .
              مودة طيبة .

              تعليق

              • آسيا رحاحليه
                أديب وكاتب
                • 08-09-2009
                • 7182

                #8
                أعجبني أنك أنهيت بمشهد الولادة..
                و رغم الصراخ هي ولادة جديدة ..لحلم جديد سيرى النور .
                ذكّرني نصّك بعبارة : / لا يقبل من هم فوق الأربعين / حين يحدث و أقرأ
                عن مسابقات القصة أو الرواية و يخطر ببالي أن أشارك فيها..
                فأضحك في سرّي و أقول أنّ الاحلام أيضا تشيخ ..
                سررت بالقراءة لك .
                تمكّنك من القص واضح و أسلوبك جميل ..
                بعض التعبيرات عميقة تجبر على التفكير فيها ..
                ملاحظة هنا :
                فأخرجت من الجراب حملاً منتظِراً
                هل تقصد حلما ؟؟
                سررت بالقراءة لك .
                تقديري ..و إعجابي .
                يظن الناس بي خيرا و إنّي
                لشرّ الناس إن لم تعف عنّي

                تعليق

                • عبدالرؤوف النويهى
                  أديب وكاتب
                  • 12-10-2007
                  • 2218

                  #9
                  [align=justify]قرأت منذ سنوات ،هذه السطور القاطعة [/align] "[align=justify]لايصح أن يتجه الناقد إلى الكاتب المبدع ،وإنما ينبغى أن يوجه كل طاقاته للمتلقى المحتاج ،والمبدع الذى يحتاج إلى ناقد يعلمه أصول فنه؛مقضى عليه بالفشل عاجلاً أو آجلاً ،والناقد الذى ينساق مع مثل هذا المبدع ..ناقد ضل الطريق.
                  فلمن يكتب الناقد ؟
                  أيكتب لقرنائه وهو يعلمون مايعلم ؟
                  أو يكتب ليقوّم عمل المبدع فيساعده على تطوير مهاراته ؟
                  أو يكتب للقارئ ليساعده على تطوير مزيدمن الوعى بالنص الأدبى ؟
                  [/align]."

                  تعليق

                  • حازم البيومي
                    قاص
                    • 15-05-2011
                    • 60

                    #10
                    أعجبني أنك أنهيت بمشهد الولادة..
                    و رغم الصراخ هي ولادة جديدة ..لحلم جديد سيرى النور .
                    ذكّرني نصّك بعبارة : / لا يقبل من هم فوق الأربعين / حين يحدث و أقرأ
                    عن مسابقات القصة أو الرواية و يخطر ببالي أن أشارك فيها..
                    فأضحك في سرّي و أقول أنّ الاحلام أيضا تشيخ ..
                    سررت بالقراءة لك .
                    تمكّنك من القص واضح و أسلوبك جميل ..
                    بعض التعبيرات عميقة تجبر على التفكير فيها ..
                    ملاحظة هنا :
                    فأخرجت من الجراب حملاً منتظِراً
                    هل تقصد حلما ؟؟
                    سررت بالقراءة لك .
                    تقديري ..و إعجابي .
                    مرحباً أستاذة آسيا
                    الغريب أن هذا لا يحدث إلا في أوطاننا فقط !
                    يحدث أن كلما تقدم الأنسان في العمر كلما تقلصت فكرة وجوده أصلا !

                    نعم أقصد (حلماً ) لكنها سقطت سهوا , فعذرا .
                    سعيد بإعجابك بالنص .
                    مودتي , وياسمين .

                    تعليق

                    • حازم البيومي
                      قاص
                      • 15-05-2011
                      • 60

                      #11
                      أستاذ عبد الرؤوف
                      أود أن أسأل : ما علاقة ماذكرته بالنص ؟
                      وأهلا بك ومرحبا .


                      تعليق

                      • فوزي سليم بيترو
                        مستشار أدبي
                        • 03-06-2009
                        • 10949

                        #12
                        جميل النص
                        اسلوب السرد مشوق . لم تغب رؤية الكاتب الفلسفية
                        عن مضمون القصة . اختار شريحة من المقهورين
                        وسلّط عليها الضوء .


                        تحياتي لك أخي حازم البيومي
                        وأهلا وسهلا بك
                        فوزي بيترو

                        تعليق

                        • عبدالرؤوف النويهى
                          أديب وكاتب
                          • 12-10-2007
                          • 2218

                          #13
                          [align=justify]بالتأكيد ماكتبته له علاقة بأى نص أدبى، حتى ولو كانت مقالة أو دراسة ،فالحيرة دائماً تقف عائقاً أمام الناقد .
                          فى أى اتجاه يمكن للناقد أن يتوجه ؟؟
                          من جهتى"ولستُ ناقداً وإنما متذوقاً للآداب " أرى أن النص الأدبى وقد خرج من كاتبه ،فلايصح له أن يقف منه موقف المدافع عنه ،وإنما يتركه للمتلقى وللناقد .
                          فلقد قرأت هذه القصة ودار بذهنى تعليقاً: أليس ماتسعى إليه القصة هى الكلمة التى ترددها الأجيال للزعيم الوطنى مصطفى كامل "لايأس مع الحياة ،ولاحياة مع اليأس ".
                          كنت أتمنى من الكاتب أن يحذف منها سطوراً عديدة ،فالاسترسال قد ينال من الفكرة ،والتكثيف مطلوب ،وتكرار الكلمات مرفوض .
                          أزعم أن الكاتب يمتلك رؤية جيدة للواقع الآنى ،بخشونته وقسوته وتجهمه ،كما يمتلك الأدوات التى تأخذ بيده إلى لغة تعبر عن هذه القسوة .
                          [/align]

                          تعليق

                          • حازم البيومي
                            قاص
                            • 15-05-2011
                            • 60

                            #14
                            جميل النص
                            اسلوب السرد مشوق . لم تغب رؤية الكاتب الفلسفية
                            عن مضمون القصة . اختار شريحة من المقهورين
                            وسلّط عليها الضوء .

                            تحياتي لك أخي حازم البيومي
                            وأهلا وسهلا بك
                            أستاذ فوزي ...
                            ألف شكر على شهادتك القيمة ,وقراءتك المميزة .
                            ممتن لك ولروح طيبة تسكنك .

                            تعليق

                            • حازم البيومي
                              قاص
                              • 15-05-2011
                              • 60

                              #15
                              أستاذ عبدالرؤوف النويهى
                              سألت لأفهم منك ما ترمي إليه من خلال الأسئلة المطروحة .. لا أكثر .
                              أتفق معك في كثير مما قيل ..
                              نعم,أنا مؤمن أن القصة حالما ينتهي منها الكاتب لم تعد ملكه , بل ملك للقارئ يؤولها كيفما يشاء . ولذلك لا يجوز لي أن أعقب , حتى لو كان النص يقول شيئا أخر غير ما تقول .
                              أحترم رؤيتك مهما كانت , ولست من المنبرين دفاعا عن نصوصه .
                              لازلت أحبو.
                              وعندي قناعة كاملة , أن العلم يضيع مع استحياء وتكبر .
                              ودي ومساءك ياسمين .

                              تعليق

                              يعمل...
                              X