تصلّبت أمام الهاتف .. ثم ما لبثت تناولت الإعلان متفحصاً إياه في لامبالاة
) شركة ... تعلن عن حاجتها لموظفين في الأماكن التالية..)
.. ساورني شعور يدفعني لتمزيق الورقة , قبل أن تتجسد أمامي _ثانية_ اللافتة المتشبثة أعلى البنّاية تقاوم الريح ...
خرجت من البيت تاركاً دعوات أمي معلقة لا تتجاوز سقف الغرفة . أوليت أختي ظهري على وشك الولادة .. أخرجت من جيبي شق الليمونة وعصرت سائلها تحت أبطي . ابتعت علبة مناديل أنظف بها حذائي , الذي شكاني للأرض نفسها , أو هكذا أظن , فما معنى أن يتراكم عليه التراب كل برهة ؟! الأمر الذي يجعلني أسلمه لجلاد جديد كل مرة , يستل إبرته ويغرسها بين لحمه! .
أخرج الورقة .. أقرأ العنوان _شركة النيل للأحذية _ أتعجب من خلط الناس لمفهوم أبهي ما نملك , بأحقر ما نمتلك ! .. لكن لا وقت للتعجب الآن , أسأل أحدهم عن الشارع , يخبرني
_ أول يمين
أحفظ هذه الجملة جيداً ولا أعرها أي اهتمام . أبتسم للرجل وأمضي عكس ما أشار .
أشار حذائي إشارة ذات مغزى , فأدركت أنه ضاق بحمله وأنفجر ضجرا , أبحث له عن من يصلحه ما يقرب من نصف الساعة فلا أجد .. ساكنو الأماكن الراقية لا يعذبون أحذيتهم مثلنا!.. لم أجد سوى هذا الجالس يحارب ذباب الوجه , خلعت الحذاء وسلمته إياه معلقاً
_ لا مفر ..عذبه !
نظر إليَّ بحاجبين أعلنا القطيعة _فجأة _ بينهما وعيناه , أشاح بوجهه غير مكترثٍ , وشرع في عمله , وعندما ناولني إياه كنت أراه يقطر دما !
أمضى مندهشاً .. الرجل الذي صرته لا يعرف قيمة الحذاء! .. أنا الذي لم أوافق على اعتلاء المسرح من تهالك حذائه وإن اضطررت لإلغاء البروفة.
المسرح الذي كان مذنباً هارباً .. تلاشى كل تلك السنوات وأنا وراءه مُسابقاً , ليسطع في غير وقته , لم أرد أن أقيده مثلي , فقط أردت أن يعاملني بعدل , أن يسابقني بمعدلاتي الأرضية , بالمتر المربع , لا بالسنة الضوئية !
يأتيني الآن بعد أن تخطيتُ الثلاثين وصُرت غيري , بعدما تغير كل شيء , حتى نظرة الشباب الصغير عن المسرح , حاولت أن أفهمهم أن التمثيل كيانا بذاته , يستعلموا منه كل شيء عن الحياة, فلابد أن ينسوا معه عالمهم المعاصر ويتأهبوا لخوض الشخصيات .. لم أجد منهم سوى أداء باهت بلا روح ولا التزام , لم أتحمل.. رغم إلحاح صديقي مخرج الفرقة , الذي زاملني التمثيل , وتفوقت عليه إخراجا في سن مبكرة , والذي أضحى الآن دولاباً للكؤوس والميداليات والمال يمشي على قدمين , وصرت أنا جرابا للخيبات منتفخا بأحلام الماضي ! ,ابحث عن إطعام الفم , أجلس في انتظار من يصلح لي حذائي , ولا أجد من يصلحني !..
انصرم الوقت سريعاً .. نظرت في ساعتي .. وجدت ميعاد المقابلة بدأ منذ لحظات .. عنّفت الرجل أن : أسرع , يكفيه ما ناله اليوم , وما سيناله في رجوعي للبيت مشياً , بعدما أخذ الرجل أخر عشر جنيهات ودّعت جيبي بحزن شديد .
عليَّ الآن أن أغلق هذه النافذة , التي يخرج منها ضحايا الصراع غير المتكافئ , مادمت قادراً على تأويل الماضي فأنا حي رغم كل شيء!.
هرولت باتجاه الشركة .. أوقفني معرض أنيق , أنظر إلى الأحذية بابتسامة آملة , بينما تعكس المرآة وجوها متباينة لم أكن من بينهم ! ... لا وقت .. أتسلل الدَّرج .. أضغط الزر ..أتقدم نحو موظف الاستقبال .. أسحب ورقة التعريف .. أملأ الفراغات ..أضبط ملامحي على الابتسامة المناسبة .. طرقتين بالأصبع ثم أسحب مقبض الباب .. أوسع الابتسامة قليلاً .. أسلم على الرجل وأجلس .. أشعر براحة لعدم وجود لحية في وجهه كسابقهُ , الذي لم يسأل عن شيء سوى أركان الإسلام , وبعض معاني الأحاديث . قد يسألني عن رابطة العنق ولماذا اخترت شكلها هذا , أو لماذا أرُخي شعري إلى الوراء , أو عن الزي الذي يرتديه موظف الاستقبال
لكنه أدهشني , عندما سألني عن سبب تأخري , بداية طيبة
أخبئ حذائي أسفل المكتب , وأخرج منديلاً .
بعد حوار قصير يمد يده بالعقد لأوقع عليه .. ثم تسعفه فطنته فينظر لتاريخ الميلاد ,, يوقفني بسؤال عن سني وكأنه لم يقرأه تواً! .. أخبره.. يعتذر بلطف
_ نحن لا نقبل من تخطى السابعة والعشرين , عمراً
لم تكن هذه هي الجملة التي أحفظها جيداً , وأرددها لنفسي دوماً .. كانت كأنما أسمعها للمرة الأولى , فأشعر أن دمعة أخطأت طريقها , فولجت الشرايين للقلب!, وأخرج ...
سقطت فوق رأسي مصائب كثيرة , كانت بمثابة اكتشافات فاجعة , لم يبق سوى أن يسقط فوق رأسي سقف الغرفة , لتصل دعوات أمي إلى السماء فأطلع على الاكتشاف الأكبر !
لازالت مرآة المعرض , تبث صوراً حية لوجوه متباينة كنت هذه المرة من بينها , وكنت أنظر لها بامتعاض أشعر معه أن شبحينا يتصافحان في ودّ , وأن حذائي يسخر مني , فابتسمت لعقلي الذي بات ضدّاً يترصدني .. وفي الطريق وجدت لافتة تعلو بناية مرتفعة , كتب عليها " من أجلك أنت " , فتعجبت أنها لازالت بعد هبوب ريح الربيع! متشبثة بالبقاء . على الثلاثيني مثلي أن يجمع في جراب الخيبة , ماتبقى من الأحلام التي تنتظر , بعدما قضى الكثير منها نحبه !..
وصلت للبيت متأخراً .. جلبة عظيمة تشغل حيز المكان .
أختي تلد .
أشحت بوجهي عنهم جميعاً ..ودلفت غرفتي ملوحاً بذراعي غير مبالي , أجلس بجوار الهاتف, رجلا صودر منه كل شيء سوى إعلانات الوظائف .يأتيني صوت الطفل محتجا ...أتعجب.. مخلوق جديد يثور على الحياة , فيصرخ مع أول دفعه له فيها , وأخر يصرخ من أجل الاحياة ؟! . فلاحت أمام عيني اللافتة المتشبثة بالبقاء رغم كل شيء , فأخرجت من الجراب حملاً منتظِراً .. ضغط هو .. لا أنا .. رقم الشركة الجديدة .
تعليق