ودمُ الأساطير يباحُ ..!

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • ربيع عقب الباب
    مستشار أدبي
    طائر النورس
    • 29-07-2008
    • 25792

    ودمُ الأساطير يباحُ ..!

    ودم الأساطير يباحُ

    و لم يهتم كثيرا بتساؤلات أصدقائه ، بل كان يقابلها بالضحك ، و ربما غير مرة يردد : " ربما كان ما أنحت إناء كبيرا ، و ليس تمثالا على وجه اليقين ، و لا أدري إلي الآن الدافع ؛ لأجيب تساؤلاتكم ".
    شهور طويلة عبرته ، و هو بعد لم يزل في خلوته ، و هذه الأنثى تفجر كوامن ذاته . كان يحس بها تحركه ، و تدفع به لخلق جديد ، في مشواره الفني ، بل تكاد تكون أكثر الأعمال تعبا و مشقة والتذاذا في ذات الوقت ، فيظل ملازما لها ، لا يبرح مكانه إلا لحاجة ملحة ، و سرعان ما يكون معها ، بين يديها ، و كلما أضاف جديدا فيها ، تأمله بشغف عجيب ؛ كأنه بالفعل يحقق صورة أمامه ، أو موديلا كائنا .. شيء ما يسوقه ، شيء ما يتجسد داخله ، و مع كل يوم ، كان يراه على غير ما يحس ، فيسارع بنقض ما أنجز .
    و لم يكن السؤال ليغيب عنه : " أي شيء يريد ؟". بعد كل الخيبات التي شكلت مأسوية وجوده ، و تجاربه الفاشلة مع الأنثى .. أيحاول تعويض ذلك بالفن ، و بيديه ؟ أم هي رغبة طارئة سرعان ما تتخلى عنه ؟

    و في لحظة تجلٍّ ، وضع اللمسات الأخيرة . خلص أصابعه مما علق بها ، دعكها .. ابتعد قليلا ، تراجع أكثر .. و أكثر .. و هو يتأمل هذا الكائن ، سرعان ما هبط على الأرض ، و عيناه تزوغان فيه ، ثم يتمدد ، يحاصره ، يزحف مقتربا .. حتى كان أسفل التمثال .
    أمسك به ، رفع جسده ، أصبح لصقه تماما ، لم يعد يرى شيئا ، لم يعد يراه هو صانعه ، و لا تمثاله .. تلاشى .. ليس غير أنفاس متواترة ، وقلب ينبض بقوة عجيبة .. شك في كونها أنفاسه و نبضاته هو فقط !

    شك ممتع ينتابه : أنت من صنع هذا ؟
    يبتسم غرور روحه ، فيفتر ثغرها عن بسمة كونية ، ما كان لها شبيه . تأمل أنامله ، إزميله الملقى على الأرض ، تأمل كل شيء في المكان ، ثم صرخ بتهلل ، حط على الفوتيه قفزا .... و نسي نفسه تماما في عينيها !

    بعد أسبوع من اختفائه ، اضطر أصدقاؤه بعد طول تردد ، إلي تحطيم أقنعة السكون ، تفكيك الموصد ، و دخول الاتيليه .. فما وجدوا له أثرا !

    لكنهم وقفوا ، و كأن على رؤوسهم الطير ، وقت حطت نظراتهم على التمثال ، و تجمدت حركتهم تماما ، بل تلاشت أنفاسهم ، وتصلبت هياكلهم .. كطيور في مشهد خرافي ، أتاها سخط السماء فجأة ، أو انقطاع اللون بفرشاة رسام في لوحة زيتية .
    و لا يعرف على وجه التحديد ، متى أفاقوا من ذهولهم المميت ، و متى اكتشفوا أمر الغبار الذي غطى رؤوسهم و ملابسهم .. و صاحبهم يزيح عنهم نعاسهم ، ويعيدهم من نجواهم أحياء : " أين كنتَ .. أين كنت .. و ما الذي يحدث في هذا المكان ؟! ".

    قابل استغرابهم بتهكم و سخرية ، و لم يقل كلمة واحدة ، و أيضا لم يهتموا كثيرا ، أو انتظروا منه ردا على شواغلهم ، بل تفلتوا واحدا بعد آخر ، و على وجوههم حسرة ، و غادروا رغما ، و هم يجرون أرجلهم جرا ، و عيونهم مشدودة إلي التحفة ، التي لم تكن تحفة و فقط ، بل كائنا حيا ، حدثوه ، و حدثهم في صمت بليغ !

    لم يكن ذكيا ؛ بالقدر الذي مكنه ، اكتشاف نوازع هؤلاء ، و ما سوف يرى منهم ، و لكنه كان محملا بتجارب قاسية ، مخلفا وراءه تركة كبيرة من الفن ، و التجارب التي لم يكتب لها النجاح ؛ فكثيرة هي إخفاقاته ، و كم من تجربة حطمها ، بثقل ما يحمل من عمر و سنين ؛
    لذا انتظرهم واحدا .. واحدا ، و رأى كيف اقتحموا المكان كلصوص ، قبل أن يطلبوا منه إذنا بالدخول .
    رأى بأم روحه : رسائلهم ، مناجاتهم .. وكيف كانوا يركعون تحت قدمي تمثاله الأعجوبة ، بل لم يتورعوا عن ضمه في تهتك إلي صدورهم ، و وصل بهم شغفهم إلي ملامسة الثديين ، و الرقبة ، و الشفاه الناعمة .. و العبث يقف وحشا مقموعا بالخوف و التوجس .. و كأنهم يتفحصون ، من أي مادة تخلق هذا الكائن الأسطوري ، دون قناعة يعيدون التلامس ، و ربما العبث الراجف !
    الغريب و الممتع في ذات الوقت ، انفعال التمثال ، و تنفسه بين أيديهم ، و ربما كان يستجيب في لحظات ، لما يطلقون من كلمات الإعجاب .. الإعجاب الذي كان يثير ضحكه ، وتيهه بنفسه ، و حين يصل بهم الهوى حد الكلف و النصب ، و تعرى أرواحهم من ورقة التوت .. كان ينتفض ، و بين وقت و آخر يُسمع صوتُ صفعات على الوجوه !

    لم يتوقعوا مثقال ذرة ، إجابة سؤالهم الأول ، بكل هذا الحضور و الفاعلية في ذات الوقت ، و ما كان اختفاء صاحبهم ، إلا كمونا في بطن التمثال ، يرى و يسمع ، و يحس طول الوقت . كل ألآعيبهم مكشوفة و مفضوحة ، و ما فعل ذلك عن عمد ، و إن حمل شبهة عمد ؛ إلا ليثبت شيئا ، شيئا رآه ذات ليلة ، في تواريخ البلاد ، و ربما في تاريخ الفن و الأدب و الأساطير ، كل ما في الأمر ، انجذابه و معايشته للحالة لا أكثر ، بالطبع وفق رصيد ضخم ، اكتوى به ، و عاش وجعه .

    بات أمر انصرافهم مشكلة كبيرة ، لساعات طوال كانوا هنا ، في حضرة السيدة ، يلثمون رحيقها ، و يتأملون كل جغرافيتها ، في شبق عجيب ، و حين لا بد من المغادرة يترصون أمام المكان ، و يتساقطون واحدا بعد آخر ، فيقضون الليل و النهار نياما و قياما و قعودا ، حتى تهرأت ملامحهم ، و علا هذيانهم مما استرعى انتباه زوجاتهم و رفيقاتهم ، فأقبلن على وجع و اشتهاء ، ولم يخرجن من حضرتها إلا مفتونات ، و الكيد يصنع على وجوههن صورا شتى لشياطين من نساء ومردة .

    كان يرى كل ما يتم ، كما يرى نفسه ، و تمثاله ( معشوقه ) و فتنته الكبرى ، من خلال مرآة في مواجهة النصب المرفوع عن الأرض ، يتلوى تحت لدغات الغيرة ، ينسحق على ألسنة مناجاتهم ، و ما تفوه به دهشتهم ، و شغفهم ، و هيامهم الأسطوري ، وحين يقتربون ، يكون الدم في غليان ما فوق الاستحالة ، فيلطم هذا ، و يزيح ذاك ، دون أن يشعروا بمن يفعل أو يحددوا مصدر اللطمة !
    ووقت شهد النسوة ، وهن يقطعن جيوبهن ، و يمزقن دون انتباه وجوههن بأظافرهن ، تأكد له ، أن النجاة أصبحت دربا من محال ، و أنه و تمثاله هالكان ؛ فقد وصل الحال بإحداهن ، إلي شنق قبحها بقميصها ، بل تعرت أخرى تماما ، و مزقت ورقة التوت ، على أن تحظى بنظرة واحدة ، شاردة أو راغبة من أحدهم ، فما كان سوى حجارة ، و ألواح من خشب ، لن تصرفه أغلى أنواع البخور، و طاردات المس !

    في مساء متآمر و جحود ، كانت الحجارة تأتي من هنا و هناك ، تحطم نوافذ و أبواب المكان ، و تقتحم على التمثال خلوته ، و قدسيته المعهودة ، تصاحبها : صيحات ، صرخات ، و حديث كاذب ، علت به ألسنة النساء و الغلمان ، الذين قهرهم العشق ، و ما نالوا سوى الخيبة و الانكسار !
    كان ما يزال داخل تحفته ، حين تكسرت قطعا قطعا ، و تكسر معها قطعا قطعا ، فاختلط النزيف بالنزيف ، مما أحدث فوضى ، و هرجا من مشاعر الخوف و الحزن .. و كثيرا من بكاء ، وكوابيس ما فتئت تزورهم في مناماتهم ، و تقض مضاجعهم !

    الأكثر إدهاشا في الأمر ، أن النحات شوهد يفتتح معرضا ، و إلي جانبه تلك الأنثى ، التي نحتها تمثالا ذات مساء ، و كانت تحمل بسمة كونية ، لا تشبه إلا نفسها ، و كانت اللوحة الأثيرة الحاصدة للجوائز والأكثر استحواذا تلك التي سجلت كيف تكتل القبح بكل تلك القسوة ، ليحطم الجمال ، و يقضي عليه ، و الشروخ و الدماء كانت كأنها تنزف ما تزال !
    sigpic
  • نادية البريني
    أديب وكاتب
    • 20-09-2009
    • 2644

    #2
    عميقة الأغوار كدأب كتاباتك السابقة،تحتاج إلى قراءات لتبحر في عالمها،متماسكة البناء،
    أترى روح "جالاتيا" ماثلة فيها ؟ فيها من وحي الأسطورة الكثير وفيها من وحي الروح ما هو أكثر.
    لا نستطيع أن نشكّل الجمال في أيّ مجال كان إن لم يكن منبعثا من أعماقنا.
    ألا يستطيع الجمال أن يصمد أمام القبح؟علينا أن نقهر كل ما هو قبيح بما ننثره من جمال أقوالنا وأفعالنا ورؤانا.
    عميقة الأغوار هذه القطعة التي شكّلت من دم الأساطير
    دمت مبدعا كما عهدناك
    تحياتي

    تعليق

    • ربيع عقب الباب
      مستشار أدبي
      طائر النورس
      • 29-07-2008
      • 25792

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة نادية البريني مشاهدة المشاركة
      عميقة الأغوار كدأب كتاباتك السابقة،تحتاج إلى قراءات لتبحر في عالمها،متماسكة البناء،
      أترى روح "جالاتيا" ماثلة فيها ؟ فيها من وحي الأسطورة الكثير وفيها من وحي الروح ما هو أكثر.
      لا نستطيع أن نشكّل الجمال في أيّ مجال كان إن لم يكن منبعثا من أعماقنا.
      ألا يستطيع الجمال أن يصمد أمام القبح؟علينا أن نقهر كل ما هو قبيح بما ننثره من جمال أقوالنا وأفعالنا ورؤانا.
      عميقة الأغوار هذه القطعة التي شكّلت من دم الأساطير
      دمت مبدعا كما عهدناك
      تحياتي
      كم كانت سعادتي كبيرة كبيرة نادية أختي
      و كم جعلت النجوم تحوم هنا فوق رأسي
      و بحديثك سحبت دمعات
      كم نفتقد وجودك بيننا هنا

      لا حرمني الله منك
      و متعك بالخير و السعادة تونس الخضراء دائما
      sigpic

      تعليق

      • ميساء عباس
        رئيس ملتقى القصة
        • 21-09-2009
        • 4186

        #4
        في لحظة تجلٍّ ، وضع اللمسات الأخيرة . خلص أصابعه مما علق بها ، دعكها .. ابتعد قليلا ، تراجع أكثر .. و أكثر .. و هو يتأمل هذا الكائن ، سرعان ما هبط على الأرض ، و عيناه تزوغان فيه ، ثم يتمدد ، يحاصره ، يزحف مقتربا .. حتى كان أسفل التمثال .
        أمسك به ، رفع جسده ، أصبح لصقه تماما ، لم يعد يرى شيئا ، لم يعد يراه هو صانعه ، و لا تمثاله .. تلاشى .. ليس غير أنفاس متواترة ، وقلب ينبض بقوة عجيبة .. شك في كونها أنفاسه و نبضاته هو فقط !

        هي قطعة موسيقية جميلة
        تتصاعد فيها النغمات
        تارة تلتحم ..وتارة تفترق وتتبعثر
        وتبادل الأدوار كان واضحا
        وتقمّص الفصول
        بعدة مرايا
        رقيقة هذه القطعة الفنية
        راقية جدا
        وفيها من الألم مايكفي
        لتمثال آخر
        لاأدري
        لم شعرت أنك تكتبها ولست متعاطفا معها
        فسخونة الحرف ماكان لاذعا
        صباحك خير وجمال
        أستاذ ربيع
        ودمت متألقا بحرفك المغامر
        تحيتي وتقديري
        ميساء العباس
        مخالب النور .. بصوتي .. محبتي
        https://www.youtube.com/watch?v=5AbW...ature=youtu.be

        تعليق

        • ربيع عقب الباب
          مستشار أدبي
          طائر النورس
          • 29-07-2008
          • 25792

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة ميساء عباس مشاهدة المشاركة
          في لحظة تجلٍّ ، وضع اللمسات الأخيرة . خلص أصابعه مما علق بها ، دعكها .. ابتعد قليلا ، تراجع أكثر .. و أكثر .. و هو يتأمل هذا الكائن ، سرعان ما هبط على الأرض ، و عيناه تزوغان فيه ، ثم يتمدد ، يحاصره ، يزحف مقتربا .. حتى كان أسفل التمثال .
          أمسك به ، رفع جسده ، أصبح لصقه تماما ، لم يعد يرى شيئا ، لم يعد يراه هو صانعه ، و لا تمثاله .. تلاشى .. ليس غير أنفاس متواترة ، وقلب ينبض بقوة عجيبة .. شك في كونها أنفاسه و نبضاته هو فقط !

          هي قطعة موسيقية جميلة
          تتصاعد فيها النغمات
          تارة تلتحم ..وتارة تفترق وتتبعثر
          وتبادل الأدوار كان واضحا
          وتقمّص الفصول
          بعدة مرايا
          رقيقة هذه القطعة الفنية
          راقية جدا
          وفيها من الألم مايكفي
          لتمثال آخر
          لاأدري
          لم شعرت أنك تكتبها ولست متعاطفا معها
          فسخونة الحرف ماكان لاذعا
          صباحك خير وجمال
          أستاذ ربيع
          ودمت متألقا بحرفك المغامر
          تحيتي وتقديري
          ميساء العباس

          منكم أتعلم أستاذة
          و أحاول الاجادة
          سرني مرورك .. و سعدت بما علقت به كثيرا

          تقديري و احترامي
          sigpic

          تعليق

          • مالكة حبرشيد
            رئيس ملتقى فرعي
            • 28-03-2011
            • 4544

            #6
            المشاركة الأصلية بواسطة ربيع عقب الباب مشاهدة المشاركة
            ودم الأساطير يباحُ

            و لم يهتم كثيرا بتساؤلات أصدقائه ، بل كان يقابلها بالضحك ، و ربما غير مرة يردد : " ربما كان ما أنحت إناء كبيرا ، و ليس تمثالا على وجه اليقين ، و لا أدري إلي الآن الدافع ؛ لأجيب تساؤلاتكم ".
            شهور طويلة عبرته ، و هو بعد لم يزل في خلوته ، و هذه الأنثى تفجر كوامن ذاته . كان يحس بها تحركه ، و تدفع به لخلق جديد ، في مشواره الفني ، بل تكاد تكون أكثر الأعمال تعبا و مشقة والتذاذا في ذات الوقت ، فيظل ملازما لها ، لا يبرح مكانه إلا لحاجة ملحة ، و سرعان ما يكون معها ، بين يديها ، و كلما أضاف جديدا فيها ، تأمله بشغف عجيب ؛ كأنه بالفعل يحقق صورة أمامه ، أو موديلا كائنا .. شيء ما يسوقه ، شيء ما يتجسد داخله ، و مع كل يوم ، كان يراه على غير ما يحس ، فيسارع بنقض ما أنجز .
            و لم يكن السؤال ليغيب عنه : " أي شيء يريد ؟". بعد كل الخيبات التي شكلت مأسوية وجوده ، و تجاربه الفاشلة مع الأنثى .. أيحاول تعويض ذلك بالفن ، و بيديه ؟ أم هي رغبة طارئة سرعان ما تتخلى عنه ؟

            و في لحظة تجلٍّ ، وضع اللمسات الأخيرة . خلص أصابعه مما علق بها ، دعكها .. ابتعد قليلا ، تراجع أكثر .. و أكثر .. و هو يتأمل هذا الكائن ، سرعان ما هبط على الأرض ، و عيناه تزوغان فيه ، ثم يتمدد ، يحاصره ، يزحف مقتربا .. حتى كان أسفل التمثال .
            أمسك به ، رفع جسده ، أصبح لصقه تماما ، لم يعد يرى شيئا ، لم يعد يراه هو صانعه ، و لا تمثاله .. تلاشى .. ليس غير أنفاس متواترة ، وقلب ينبض بقوة عجيبة .. شك في كونها أنفاسه و نبضاته هو فقط !

            شك ممتع ينتابه : أنت من صنع هذا ؟
            يبتسم غرور روحه ، فيفتر ثغرها عن بسمة كونية ، ما كان لها شبيه . تأمل أنامله ، إزميله الملقى على الأرض ، تأمل كل شيء في المكان ، ثم صرخ بتهلل ، حط على الفوتيه قفزا .... و نسي نفسه تماما في عينيها !

            بعد أسبوع من اختفائه ، اضطر أصدقاؤه بعد طول تردد ، إلي تحطيم أقنعة السكون ، تفكيك الموصد ، و دخول الاتيليه .. فما وجدوا له أثرا !

            لكنهم وقفوا ، و كأن على رؤوسهم الطير ، وقت حطت نظراتهم على التمثال ، و تجمدت حركتهم تماما ، بل تلاشت أنفاسهم ، وتصلبت هياكلهم .. كطيور في مشهد خرافي ، أتاها سخط السماء فجأة ، أو انقطاع اللون بفرشاة رسام في لوحة زيتية .
            و لا يعرف على وجه التحديد ، متى أفاقوا من ذهولهم المميت ، و متى اكتشفوا أمر الغبار الذي غطى رؤوسهم و ملابسهم .. و صاحبهم يزيح عنهم نعاسهم ، ويعيدهم من نجواهم أحياء : " أين كنتَ .. أين كنت .. و ما الذي يحدث في هذا المكان ؟! ".

            قابل استغرابهم بتهكم و سخرية ، و لم يقل كلمة واحدة ، و أيضا لم يهتموا كثيرا ، أو انتظروا منه ردا على شواغلهم ، بل تفلتوا واحدا بعد آخر ، و على وجوههم حسرة ، و غادروا رغما ، و هم يجرون أرجلهم جرا ، و عيونهم مشدودة إلي التحفة ، التي لم تكن تحفة و فقط ، بل كائنا حيا ، حدثوه ، و حدثهم في صمت بليغ !

            لم يكن ذكيا ؛ بالقدر الذي مكنه ، اكتشاف نوازع هؤلاء ، و ما سوف يرى منهم ، و لكنه كان محملا بتجارب قاسية ، مخلفا وراءه تركة كبيرة من الفن ، و التجارب التي لم يكتب لها النجاح ؛ فكثيرة هي إخفاقاته ، و كم من تجربة حطمها ، بثقل ما يحمل من عمر و سنين ؛
            لذا انتظرهم واحدا .. واحدا ، و رأى كيف اقتحموا المكان كلصوص ، قبل أن يطلبوا منه إذنا بالدخول .
            رأى بأم روحه : رسائلهم ، مناجاتهم .. وكيف كانوا يركعون تحت قدمي تمثاله الأعجوبة ، بل لم يتورعوا عن ضمه في تهتك إلي صدورهم ، و وصل بهم شغفهم إلي ملامسة الثديين ، و الرقبة ، و الشفاه الناعمة .. و العبث يقف وحشا مقموعا بالخوف و التوجس .. و كأنهم يتفحصون ، من أي مادة تخلق هذا الكائن الأسطوري ، دون قناعة يعيدون التلامس ، و ربما العبث الراجف !
            الغريب و الممتع في ذات الوقت ، انفعال التمثال ، و تنفسه بين أيديهم ، و ربما كان يستجيب في لحظات ، لما يطلقون من كلمات الإعجاب .. الإعجاب الذي كان يثير ضحكه ، وتيهه بنفسه ، و حين يصل بهم الهوى حد الكلف و النصب ، و تعرى أرواحهم من ورقة التوت .. كان ينتفض ، و بين وقت و آخر يُسمع صوتُ صفعات على الوجوه !

            لم يتوقعوا مثقال ذرة ، إجابة سؤالهم الأول ، بكل هذا الحضور و الفاعلية في ذات الوقت ، و ما كان اختفاء صاحبهم ، إلا كمونا في بطن التمثال ، يرى و يسمع ، و يحس طول الوقت . كل ألآعيبهم مكشوفة و مفضوحة ، و ما فعل ذلك عن عمد ، و إن حمل شبهة عمد ؛ إلا ليثبت شيئا ، شيئا رآه ذات ليلة ، في تواريخ البلاد ، و ربما في تاريخ الفن و الأدب و الأساطير ، كل ما في الأمر ، انجذابه و معايشته للحالة لا أكثر ، بالطبع وفق رصيد ضخم ، اكتوى به ، و عاش وجعه .

            بات أمر انصرافهم مشكلة كبيرة ، لساعات طوال كانوا هنا ، في حضرة السيدة ، يلثمون رحيقها ، و يتأملون كل جغرافيتها ، في شبق عجيب ، و حين لا بد من المغادرة يترصون أمام المكان ، و يتساقطون واحدا بعد آخر ، فيقضون الليل و النهار نياما و قياما و قعودا ، حتى تهرأت ملامحهم ، و علا هذيانهم مما استرعى انتباه زوجاتهم و رفيقاتهم ، فأقبلن على وجع و اشتهاء ، ولم يخرجن من حضرتها إلا مفتونات ، و الكيد يصنع على وجوههن صورا شتى لشياطين من نساء ومردة .

            كان يرى كل ما يتم ، كما يرى نفسه ، و تمثاله ( معشوقه ) و فتنته الكبرى ، من خلال مرآة في مواجهة النصب المرفوع عن الأرض ، يتلوى تحت لدغات الغيرة ، ينسحق على ألسنة مناجاتهم ، و ما تفوه به دهشتهم ، و شغفهم ، و هيامهم الأسطوري ، وحين يقتربون ، يكون الدم في غليان ما فوق الاستحالة ، فيلطم هذا ، و يزيح ذاك ، دون أن يشعروا بمن يفعل أو يحددوا مصدر اللطمة !
            ووقت شهد النسوة ، وهن يقطعن جيوبهن ، و يمزقن دون انتباه وجوههن بأظافرهن ، تأكد له ، أن النجاة أصبحت دربا من محال ، و أنه و تمثاله هالكان ؛ فقد وصل الحال بإحداهن ، إلي شنق قبحها بقميصها ، بل تعرت أخرى تماما ، و مزقت ورقة التوت ، على أن تحظى بنظرة واحدة ، شاردة أو راغبة من أحدهم ، فما كان سوى حجارة ، و ألواح من خشب ، لن تصرفه أغلى أنواع البخور، و طاردات المس !

            في مساء متآمر و جحود ، كانت الحجارة تأتي من هنا و هناك ، تحطم نوافذ و أبواب المكان ، و تقتحم على التمثال خلوته ، و قدسيته المعهودة ، تصاحبها : صيحات ، صرخات ، و حديث كاذب ، علت به ألسنة النساء و الغلمان ، الذين قهرهم العشق ، و ما نالوا سوى الخيبة و الانكسار !
            كان ما يزال داخل تحفته ، حين تكسرت قطعا قطعا ، و تكسر معها قطعا قطعا ، فاختلط النزيف بالنزيف ، مما أحدث فوضى ، و هرجا من مشاعر الخوف و الحزن .. و كثيرا من بكاء ، وكوابيس ما فتئت تزورهم في مناماتهم ، و تقض مضاجعهم !

            الأكثر إدهاشا في الأمر ، أن النحات شوهد يفتتح معرضا ، و إلي جانبه تلك الأنثى ، التي نحتها تمثالا ذات مساء ، و كانت تحمل بسمة كونية ، لا تشبه إلا نفسها ، و كانت اللوحة الأثيرة الحاصدة للجوائز والأكثر استحواذا تلك التي سجلت كيف تكتل القبح بكل تلك القسوة ، ليحطم الجمال ، و يقضي عليه ، و الشروخ و الدماء كانت كأنها تنزف ما تزال !

            قل أيها التمثال =
            بأي مرض يموت الناس بأيامنا؟
            أهو العشق كما يكتبون ؟
            أو هو الغيظ كما يكظمون؟
            ما هو السلاح الخفي الذي ينزع الارواح
            بعد تشويهها ؟
            وأي ريح تلتهم الجمال ...تفزع الموج
            فيتكسر على الصخر ؟
            حول التمثال ضجيج يستشرس الاقتلاع
            وصمت جميل ينثر حجر الشب
            لتتفجر العيون الشريرة


            ماذا اقول بعد ايها الربيع؟
            غير انك رائع...رائع حد الدهشة
            حيثما كنت ...هنا ..أو هناك....أو هنالك

            تعليق

            • مجدي السماك
              أديب وقاص
              • 23-10-2007
              • 600

              #7
              الملبدع الكبير ربيع عقب الباب
              تحياتي ليها الصديق الكبير. قصة تستحق التبجيل والتكريم.. لا تصدر الا عن عظيم متمكن من هذا الادب الرفيع. نعم هو تمثال..لكنه يكمن فيه الجمال والروعة والفن.وكان الصراع بين الحب والكرة. الجمال والقبح. اعجبتني بل قوة.
              تحياتي
              عرفت شيئا وغابت عنك اشياء

              تعليق

              • ربيع عقب الباب
                مستشار أدبي
                طائر النورس
                • 29-07-2008
                • 25792

                #8
                المشاركة الأصلية بواسطة مالكة حبرشيد مشاهدة المشاركة



                قل أيها التمثال =
                بأي مرض يموت الناس بأيامنا؟
                أهو العشق كما يكتبون ؟
                أو هو الغيظ كما يكظمون؟
                ما هو السلاح الخفي الذي ينزع الارواح
                بعد تشويهها ؟
                وأي ريح تلتهم الجمال ...تفزع الموج
                فيتكسر على الصخر ؟
                حول التمثال ضجيج يستشرس الاقتلاع
                وصمت جميل ينثر حجر الشب
                لتتفجر العيون الشريرة


                ماذا اقول بعد ايها الربيع؟
                غير انك رائع...رائع حد الدهشة
                حيثما كنت ...هنا ..أو هناك....أو هنالك
                التماثيل ربما كانت قيما ناطقة
                أحلاما غائرة في العمق
                رموزا للكثير مما نعشق من جمال و فتنة
                وحين يستبشع الكيد و القبح يتصور أنه إذا حطم هذا التمثال سوف يقضي على قبحه
                و لكن للاسف .. فالحقيقة لن تقول لصالحه أبدا .. أبدا
                سرني مرورك سيدة الشعر الجميل
                فلا تبتعدي عن حروفي التي تبحث لها عن قارئ يراها بعين قلبه كما أنت !

                تقديري و احترامي
                sigpic

                تعليق

                • ربيع عقب الباب
                  مستشار أدبي
                  طائر النورس
                  • 29-07-2008
                  • 25792

                  #9
                  المشاركة الأصلية بواسطة مجدي السماك مشاهدة المشاركة
                  الملبدع الكبير ربيع عقب الباب
                  تحياتي ليها الصديق الكبير. قصة تستحق التبجيل والتكريم.. لا تصدر الا عن عظيم متمكن من هذا الادب الرفيع. نعم هو تمثال..لكنه يكمن فيه الجمال والروعة والفن.وكان الصراع بين الحب والكرة. الجمال والقبح. اعجبتني بل قوة.
                  تحياتي

                  كأنك تحمل التاريخ مجدي السماك ..
                  تأتي به هنا بعد انقطاع .. و كأنني كنت مسلوب التاريخ بالفعل
                  كم من مرة تمنيت أن أعرف خبرا عنك .. و لو من باب الاطمئنان !!
                  الحمد لله أنك بخير .. بخير و بكل جمال القص وروعته

                  شكرا كثيرا لمرورك الغني دائما .. الذي دائما أيضا ما يرى كل شيء جميلا !!

                  محبتي
                  sigpic

                  تعليق

                  يعمل...
                  X