ضربات في قعر الخواء
عسعس الليل فطوى شدقيه المخيفين كي لا يبتلع أحلام مسعود .رجل اشتد ساعده في كنف أخيه لطول قامته تنهال عليه سهام النعوت من أبناء الجيران فيغرق في دماء المأساة ؛ وتلتقط أذنه في جل الأوقات أنه العمود الفارع. يتأذى بذلك ويرتشف من قوارير الظلم جرعات الأسى .لكنه يتظاهر بابتسامته العريضة معتقدا أنه يسير في درب المحبة وقلبه مشرع للمزاح والتنكيت .وعندما يصفعه أخوه بعبارة (الخاوي ) الذي لا شغل له؛ يحس كأنه صعق في كبده ؛ فيتكلف قهقهة تكشف عن أسنانه التي طحنها السوس .
لم يستسلم لنومه كعادته في الأيام الخوالي؛ بل امتطى صهوة أحلامه؛ وحلق بعيدا في زوايا حياته المظلمة بذهن شارد ...هناك ..حيث يرى نفسه في قعر (الخواء) ويردد قائلا " ما ذنبي!!؟ قبل أن يغادر أبي حياته - وأنا طفل صغير- مسح بيده على رأسي ذات مرة وقال: عندما تكبر يا مسعود لا تترك الهموم تلتف حول عنك فتخنق أنفاسك. سيكون لك شأن إن حرست على سوق الماشية من هناك- وأشار بيده نحو المسلك – فهي زادك الوفير. ثم رمقني بنظرات يملؤها الحنان وقبل جبيني...حركتُ رأسي كالموافق؛ ولم أفهم غير معنى الماشية والمسلك .لكن خلف الصورة كائن مفترس متربص ؛ بأنيابه المخيفة ينتظر وثباته التي لا تخطئ الطريدة .إنه الزمن يتلون كالحرباء فيتجلى في العري والتقتير وشح اليدين والعتاب واللوم وخشونة العيش والتقزز من المشاهد التي تكاد تعصف بضميري في كنف أخي........... !!!!!."
اغرورقت عيناه بالدمع وزم ركبتيه إلى صدره فتكور في ركن البيت؛ ولم يوصد باب أحلامه بل ظل محلقا يجوب كل الدروب؛ ويطوف في كل الأماكن لعله يظفر بمخرج إلى بر الأمان ....الأيام صلدة عنيدة والناس في عراك مع الحياة واقتتال بالأنياب والأظافر.. تصور أنه سيحمل بين يديه معولا مناسبا لدفن الألقاب التي تقرع سمعه كل يوم ...أفضل السبل مغادرة البيت في اتجاه المجهول ....نام ليلته متقلبا بين أمواج الأحلام؛ تقاذفته كلعبة تائهة. وعندما صحا قبيل الفجر هرول نحو الباب كالمذعور. ارتطمت قداه بحافة العتبة ففرك عينيه من نعاس يغشاهما؛ و قرقع المزلاج ثم صفق الباب خلفه مغادرا البيت في اتجاه المجهول.في منتهى الطريق تناهى إلى سمعه نقيق الضفادع وعواء الذئب ؛ شد معصمه وأوثق رباط حذائه المهترئ وأصابعه تضطرب من شدة البرد. تنحنح واستجمع قواه. و في ظل العتمة واصل السير حتى هوت قدماه في الأخدود المحاذي للطريق الرئيسي؛ فجثم على ركبتيه واسترجع أنفاسه؛ ثم حدق من حوله وبدا له الكيس على مقربة منه فوق خشف الأرض. طافت به الظنون وتملكه الخوف ؛ قصده ودحرجه بقدمه ثم أخذه بكلتا يديه وانتزع لزقته فانكشف أمره؛ رأى حزم الأوراق المالية مرصوفة بانتظام داخل الكيس فجن جنونه .غمره انبهار هز كيانه من الأعماق حتى كاد أن يفقد صوابه؛ و لولا رهبة المكان لصاح بملء صوته الذي كتمه حتى غص حلقه ؛ بدا ضوء الصبح خافتا فطاف ببصره في كل الأرجاء؛ لا أحد هناك إلا من سيارات عابرة تمر دون مبالاة . حمل الكيس وأطلق ساقيه للريح في اتجاه البيت. ولفرط الانتشاء باللحظة السعيدة كاد أن يخرج من جلده و صاح بأعلى صوته قبل أن يطرق الباب :عباس ..عباس ... افتح الباب يا عباس !!.
انتفض أخوه كالمذعور وفاجأه الأمر.. عندما أبصر الكيس فغر فاه؛ وجحظت عيناه ؛ وتلعثم في كلام دار بينهما حول كثمان السر. فتبادلا نظرات يملؤها الود تأكد عباس أن الزاد الوفير من ألفاظ الخواء التي كان يقذف بها أخاه في مطلع كل يوم قد ولت إلى الأبد وشعر كأنه قد صفع على خديه لعدم توقعه الحادث وسوء تقديره لما قد ينتج عن (الخواء) ... ! أسرا كلاما ؛ لا أحد يطلع على ذلك غيرهما ؛ المال الكثير احتضنه مكان آمن؛ بعيدا عن كل العيون.
مرت شهور ولم يعد مسعود يلتقط من فاه أخيه غير الكلام المعسول الذي يطرب مشاعره وعندما حان وقت العيد أتحف مسعود جيبه المكدود بالأوراق المالية وقصد المتاجر؛ اقتنى جلبابا صوفيا متينا من طراز أطلسي ليقيه ضربات البرد الموجعة ويفخر به يوم العيد. وبكل اعتزاز سلم الأوراق للتاجر من دون أن يتداولا الثمن؛ فقام بفليها بين أصابعه بمهارة الحاذق الذي خبر التزوير. ثم راودته شكوك؛ وحدق فيها مليا و ردها إلى صاحبها قائلا " خذ ..وأعد إلي بضاعتي " تسمر مسعود في مكانه شعر بدوار في رأسه ظل يرمق الرجل بعينين زائغتين وفي قرار نفسه اعتقاد بالظلم .. ظل يغلي هذا الشعور في الأعماق كمرجل على النار المستعرة . عقد لسانه و لم يجد وسيلة لتكسير جدار الصمت؛ فحرك رأسه رافضا تسليم البضاعة ثم انقض البائع عليه فاعتركا؛ وتحلق الناس حولهما في لمح البصر ؛ ففسح للشرطي عند التدخل وقال التاجر هذه بضاعتي وهذه أوراق مزورة؛ وصاح مسعود: كذاب .. والله كذاب..."
قِيد مسعود إلى مخفر الشرطة ؛ وبعد التحقيق استدعِيَ أخوه ووُدِعا معا في السجن بتهمة ترويج أوراق مالية مزورة والتكتم عليها .
ذبلت شمعة الأحلام التي تحرق نفسها بنفسها ..تعاتبا من جديد في السجن وتلقى مسعود وابلا من الشتائم كوخز الإبر عتابا له على تهوره و سوء تصرفه في الإفلات من العقاب. عادت ألفاظ (الخواء) من جديد إلى مستودع الذكريات لتحيي جراحه الغائرة التي لم تندمل بعد.
وبعد أسبوع قاد الشرطيان شابا صينيا وسيما بشعره الناعم المسدل على رقبته وهو مطأطئ الرأس مغلول اليدين ؛ بعدما أثبت التحقيق أنه صاحب الكيس؛ وقد رماه في الأخدود بجوار الطريق خوفا من افتضاح أمره أمام المخبرين والسلطات ...فتح الحارس الباب الحديدي وزج به في السجن.
عسعس الليل فطوى شدقيه المخيفين كي لا يبتلع أحلام مسعود .رجل اشتد ساعده في كنف أخيه لطول قامته تنهال عليه سهام النعوت من أبناء الجيران فيغرق في دماء المأساة ؛ وتلتقط أذنه في جل الأوقات أنه العمود الفارع. يتأذى بذلك ويرتشف من قوارير الظلم جرعات الأسى .لكنه يتظاهر بابتسامته العريضة معتقدا أنه يسير في درب المحبة وقلبه مشرع للمزاح والتنكيت .وعندما يصفعه أخوه بعبارة (الخاوي ) الذي لا شغل له؛ يحس كأنه صعق في كبده ؛ فيتكلف قهقهة تكشف عن أسنانه التي طحنها السوس .
لم يستسلم لنومه كعادته في الأيام الخوالي؛ بل امتطى صهوة أحلامه؛ وحلق بعيدا في زوايا حياته المظلمة بذهن شارد ...هناك ..حيث يرى نفسه في قعر (الخواء) ويردد قائلا " ما ذنبي!!؟ قبل أن يغادر أبي حياته - وأنا طفل صغير- مسح بيده على رأسي ذات مرة وقال: عندما تكبر يا مسعود لا تترك الهموم تلتف حول عنك فتخنق أنفاسك. سيكون لك شأن إن حرست على سوق الماشية من هناك- وأشار بيده نحو المسلك – فهي زادك الوفير. ثم رمقني بنظرات يملؤها الحنان وقبل جبيني...حركتُ رأسي كالموافق؛ ولم أفهم غير معنى الماشية والمسلك .لكن خلف الصورة كائن مفترس متربص ؛ بأنيابه المخيفة ينتظر وثباته التي لا تخطئ الطريدة .إنه الزمن يتلون كالحرباء فيتجلى في العري والتقتير وشح اليدين والعتاب واللوم وخشونة العيش والتقزز من المشاهد التي تكاد تعصف بضميري في كنف أخي........... !!!!!."
اغرورقت عيناه بالدمع وزم ركبتيه إلى صدره فتكور في ركن البيت؛ ولم يوصد باب أحلامه بل ظل محلقا يجوب كل الدروب؛ ويطوف في كل الأماكن لعله يظفر بمخرج إلى بر الأمان ....الأيام صلدة عنيدة والناس في عراك مع الحياة واقتتال بالأنياب والأظافر.. تصور أنه سيحمل بين يديه معولا مناسبا لدفن الألقاب التي تقرع سمعه كل يوم ...أفضل السبل مغادرة البيت في اتجاه المجهول ....نام ليلته متقلبا بين أمواج الأحلام؛ تقاذفته كلعبة تائهة. وعندما صحا قبيل الفجر هرول نحو الباب كالمذعور. ارتطمت قداه بحافة العتبة ففرك عينيه من نعاس يغشاهما؛ و قرقع المزلاج ثم صفق الباب خلفه مغادرا البيت في اتجاه المجهول.في منتهى الطريق تناهى إلى سمعه نقيق الضفادع وعواء الذئب ؛ شد معصمه وأوثق رباط حذائه المهترئ وأصابعه تضطرب من شدة البرد. تنحنح واستجمع قواه. و في ظل العتمة واصل السير حتى هوت قدماه في الأخدود المحاذي للطريق الرئيسي؛ فجثم على ركبتيه واسترجع أنفاسه؛ ثم حدق من حوله وبدا له الكيس على مقربة منه فوق خشف الأرض. طافت به الظنون وتملكه الخوف ؛ قصده ودحرجه بقدمه ثم أخذه بكلتا يديه وانتزع لزقته فانكشف أمره؛ رأى حزم الأوراق المالية مرصوفة بانتظام داخل الكيس فجن جنونه .غمره انبهار هز كيانه من الأعماق حتى كاد أن يفقد صوابه؛ و لولا رهبة المكان لصاح بملء صوته الذي كتمه حتى غص حلقه ؛ بدا ضوء الصبح خافتا فطاف ببصره في كل الأرجاء؛ لا أحد هناك إلا من سيارات عابرة تمر دون مبالاة . حمل الكيس وأطلق ساقيه للريح في اتجاه البيت. ولفرط الانتشاء باللحظة السعيدة كاد أن يخرج من جلده و صاح بأعلى صوته قبل أن يطرق الباب :عباس ..عباس ... افتح الباب يا عباس !!.
انتفض أخوه كالمذعور وفاجأه الأمر.. عندما أبصر الكيس فغر فاه؛ وجحظت عيناه ؛ وتلعثم في كلام دار بينهما حول كثمان السر. فتبادلا نظرات يملؤها الود تأكد عباس أن الزاد الوفير من ألفاظ الخواء التي كان يقذف بها أخاه في مطلع كل يوم قد ولت إلى الأبد وشعر كأنه قد صفع على خديه لعدم توقعه الحادث وسوء تقديره لما قد ينتج عن (الخواء) ... ! أسرا كلاما ؛ لا أحد يطلع على ذلك غيرهما ؛ المال الكثير احتضنه مكان آمن؛ بعيدا عن كل العيون.
مرت شهور ولم يعد مسعود يلتقط من فاه أخيه غير الكلام المعسول الذي يطرب مشاعره وعندما حان وقت العيد أتحف مسعود جيبه المكدود بالأوراق المالية وقصد المتاجر؛ اقتنى جلبابا صوفيا متينا من طراز أطلسي ليقيه ضربات البرد الموجعة ويفخر به يوم العيد. وبكل اعتزاز سلم الأوراق للتاجر من دون أن يتداولا الثمن؛ فقام بفليها بين أصابعه بمهارة الحاذق الذي خبر التزوير. ثم راودته شكوك؛ وحدق فيها مليا و ردها إلى صاحبها قائلا " خذ ..وأعد إلي بضاعتي " تسمر مسعود في مكانه شعر بدوار في رأسه ظل يرمق الرجل بعينين زائغتين وفي قرار نفسه اعتقاد بالظلم .. ظل يغلي هذا الشعور في الأعماق كمرجل على النار المستعرة . عقد لسانه و لم يجد وسيلة لتكسير جدار الصمت؛ فحرك رأسه رافضا تسليم البضاعة ثم انقض البائع عليه فاعتركا؛ وتحلق الناس حولهما في لمح البصر ؛ ففسح للشرطي عند التدخل وقال التاجر هذه بضاعتي وهذه أوراق مزورة؛ وصاح مسعود: كذاب .. والله كذاب..."
قِيد مسعود إلى مخفر الشرطة ؛ وبعد التحقيق استدعِيَ أخوه ووُدِعا معا في السجن بتهمة ترويج أوراق مالية مزورة والتكتم عليها .
ذبلت شمعة الأحلام التي تحرق نفسها بنفسها ..تعاتبا من جديد في السجن وتلقى مسعود وابلا من الشتائم كوخز الإبر عتابا له على تهوره و سوء تصرفه في الإفلات من العقاب. عادت ألفاظ (الخواء) من جديد إلى مستودع الذكريات لتحيي جراحه الغائرة التي لم تندمل بعد.
وبعد أسبوع قاد الشرطيان شابا صينيا وسيما بشعره الناعم المسدل على رقبته وهو مطأطئ الرأس مغلول اليدين ؛ بعدما أثبت التحقيق أنه صاحب الكيس؛ وقد رماه في الأخدود بجوار الطريق خوفا من افتضاح أمره أمام المخبرين والسلطات ...فتح الحارس الباب الحديدي وزج به في السجن.
تعليق