ضـــربــــات فــــي قـــعــر الـــخــــــــــواء

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • البكري المصطفى
    المصطفى البكري
    • 30-10-2008
    • 859

    ضـــربــــات فــــي قـــعــر الـــخــــــــــواء

    ضربات في قعر الخواء
    عسعس الليل فطوى شدقيه المخيفين كي لا يبتلع أحلام مسعود .رجل اشتد ساعده في كنف أخيه لطول قامته تنهال عليه سهام النعوت من أبناء الجيران فيغرق في دماء المأساة ؛ وتلتقط أذنه في جل الأوقات أنه العمود الفارع. يتأذى بذلك ويرتشف من قوارير الظلم جرعات الأسى .لكنه يتظاهر بابتسامته العريضة معتقدا أنه يسير في درب المحبة وقلبه مشرع للمزاح والتنكيت .وعندما يصفعه أخوه بعبارة (الخاوي ) الذي لا شغل له؛ يحس كأنه صعق في كبده ؛ فيتكلف قهقهة تكشف عن أسنانه التي طحنها السوس .
    لم يستسلم لنومه كعادته في الأيام الخوالي؛ بل امتطى صهوة أحلامه؛ وحلق بعيدا في زوايا حياته المظلمة بذهن شارد ...هناك ..حيث يرى نفسه في قعر (الخواء) ويردد قائلا " ما ذنبي!!؟ قبل أن يغادر أبي حياته - وأنا طفل صغير- مسح بيده على رأسي ذات مرة وقال: عندما تكبر يا مسعود لا تترك الهموم تلتف حول عنك فتخنق أنفاسك. سيكون لك شأن إن حرست على سوق الماشية من هناك- وأشار بيده نحو المسلك – فهي زادك الوفير. ثم رمقني بنظرات يملؤها الحنان وقبل جبيني...حركتُ رأسي كالموافق؛ ولم أفهم غير معنى الماشية والمسلك .لكن خلف الصورة كائن مفترس متربص ؛ بأنيابه المخيفة ينتظر وثباته التي لا تخطئ الطريدة .إنه الزمن يتلون كالحرباء فيتجلى في العري والتقتير وشح اليدين والعتاب واللوم وخشونة العيش والتقزز من المشاهد التي تكاد تعصف بضميري في كنف أخي........... !!!!!."
    اغرورقت عيناه بالدمع وزم ركبتيه إلى صدره فتكور في ركن البيت؛ ولم يوصد باب أحلامه بل ظل محلقا يجوب كل الدروب؛ ويطوف في كل الأماكن لعله يظفر بمخرج إلى بر الأمان ....الأيام صلدة عنيدة والناس في عراك مع الحياة واقتتال بالأنياب والأظافر.. تصور أنه سيحمل بين يديه معولا مناسبا لدفن الألقاب التي تقرع سمعه كل يوم ...أفضل السبل مغادرة البيت في اتجاه المجهول ....نام ليلته متقلبا بين أمواج الأحلام؛ تقاذفته كلعبة تائهة. وعندما صحا قبيل الفجر هرول نحو الباب كالمذعور. ارتطمت قداه بحافة العتبة ففرك عينيه من نعاس يغشاهما؛ و قرقع المزلاج ثم صفق الباب خلفه مغادرا البيت في اتجاه المجهول.في منتهى الطريق تناهى إلى سمعه نقيق الضفادع وعواء الذئب ؛ شد معصمه وأوثق رباط حذائه المهترئ وأصابعه تضطرب من شدة البرد. تنحنح واستجمع قواه. و في ظل العتمة واصل السير حتى هوت قدماه في الأخدود المحاذي للطريق الرئيسي؛ فجثم على ركبتيه واسترجع أنفاسه؛ ثم حدق من حوله وبدا له الكيس على مقربة منه فوق خشف الأرض. طافت به الظنون وتملكه الخوف ؛ قصده ودحرجه بقدمه ثم أخذه بكلتا يديه وانتزع لزقته فانكشف أمره؛ رأى حزم الأوراق المالية مرصوفة بانتظام داخل الكيس فجن جنونه .غمره انبهار هز كيانه من الأعماق حتى كاد أن يفقد صوابه؛ و لولا رهبة المكان لصاح بملء صوته الذي كتمه حتى غص حلقه ؛ بدا ضوء الصبح خافتا فطاف ببصره في كل الأرجاء؛ لا أحد هناك إلا من سيارات عابرة تمر دون مبالاة . حمل الكيس وأطلق ساقيه للريح في اتجاه البيت. ولفرط الانتشاء باللحظة السعيدة كاد أن يخرج من جلده و صاح بأعلى صوته قبل أن يطرق الباب :عباس ..عباس ... افتح الباب يا عباس !!.
    انتفض أخوه كالمذعور وفاجأه الأمر.. عندما أبصر الكيس فغر فاه؛ وجحظت عيناه ؛ وتلعثم في كلام دار بينهما حول كثمان السر. فتبادلا نظرات يملؤها الود تأكد عباس أن الزاد الوفير من ألفاظ الخواء التي كان يقذف بها أخاه في مطلع كل يوم قد ولت إلى الأبد وشعر كأنه قد صفع على خديه لعدم توقعه الحادث وسوء تقديره لما قد ينتج عن (الخواء) ... ! أسرا كلاما ؛ لا أحد يطلع على ذلك غيرهما ؛ المال الكثير احتضنه مكان آمن؛ بعيدا عن كل العيون.
    مرت شهور ولم يعد مسعود يلتقط من فاه أخيه غير الكلام المعسول الذي يطرب مشاعره وعندما حان وقت العيد أتحف مسعود جيبه المكدود بالأوراق المالية وقصد المتاجر؛ اقتنى جلبابا صوفيا متينا من طراز أطلسي ليقيه ضربات البرد الموجعة ويفخر به يوم العيد. وبكل اعتزاز سلم الأوراق للتاجر من دون أن يتداولا الثمن؛ فقام بفليها بين أصابعه بمهارة الحاذق الذي خبر التزوير. ثم راودته شكوك؛ وحدق فيها مليا و ردها إلى صاحبها قائلا " خذ ..وأعد إلي بضاعتي " تسمر مسعود في مكانه شعر بدوار في رأسه ظل يرمق الرجل بعينين زائغتين وفي قرار نفسه اعتقاد بالظلم .. ظل يغلي هذا الشعور في الأعماق كمرجل على النار المستعرة . عقد لسانه و لم يجد وسيلة لتكسير جدار الصمت؛ فحرك رأسه رافضا تسليم البضاعة ثم انقض البائع عليه فاعتركا؛ وتحلق الناس حولهما في لمح البصر ؛ ففسح للشرطي عند التدخل وقال التاجر هذه بضاعتي وهذه أوراق مزورة؛ وصاح مسعود: كذاب .. والله كذاب..."
    قِيد مسعود إلى مخفر الشرطة ؛ وبعد التحقيق استدعِيَ أخوه ووُدِعا معا في السجن بتهمة ترويج أوراق مالية مزورة والتكتم عليها .
    ذبلت شمعة الأحلام التي تحرق نفسها بنفسها ..تعاتبا من جديد في السجن وتلقى مسعود وابلا من الشتائم كوخز الإبر عتابا له على تهوره و سوء تصرفه في الإفلات من العقاب. عادت ألفاظ (الخواء) من جديد إلى مستودع الذكريات لتحيي جراحه الغائرة التي لم تندمل بعد.
    وبعد أسبوع قاد الشرطيان شابا صينيا وسيما بشعره الناعم المسدل على رقبته وهو مطأطئ الرأس مغلول اليدين ؛ بعدما أثبت التحقيق أنه صاحب الكيس؛ وقد رماه في الأخدود بجوار الطريق خوفا من افتضاح أمره أمام المخبرين والسلطات ...فتح الحارس الباب الحديدي وزج به في السجن.
    التعديل الأخير تم بواسطة البكري المصطفى; الساعة 18-07-2019, 21:07.
  • محمد فطومي
    رئيس ملتقى فرعي
    • 05-06-2010
    • 2433

    #2
    أستاذ البكري،
    طاب يومك
    بعدما انتهيتُ من قراءة النص خامرني أثر بأنّي أدين لك بجميل ما.
    شكرا لك أستاذي .

    سأنقل النصّ بعد إذنك إلى قسم القصّة.

    مودتي و تقديري.
    مدوّنة

    فلكُ القصّة القصيرة

    تعليق

    • البكري المصطفى
      المصطفى البكري
      • 30-10-2008
      • 859

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة محمد فطومي مشاهدة المشاركة
      أستاذ البكري،
      طاب يومك
      بعدما انتهيتُ من قراءة النص خامرني أثر بأنّي أدين لك بجميل ما.
      شكرا لك أستاذي .

      سأنقل النصّ بعد إذنك إلى قسم القصّة.

      مودتي و تقديري.
      الأخ العزيز محمد فطومي ؛ سعيد بحضوك وأنا أشكرك وأحيي فيك روح المواكبة وروح الإبداع الخلاق بلا مجاملة.
      دامت لك المسرات .

      تعليق

      • عائده محمد نادر
        عضو الملتقى
        • 18-10-2008
        • 12843

        #4
        الزميل القدير
        المصطفى البكري
        فكرة جميلة
        لكن النص شابته بعض الأخطاء المطبعية التي أثرت على فحواه
        هل كانت فكرة النقود المزيفة زيفا نعيشه ونفرح حين نجده براقا؟
        وعادة ما تاخذنا بعض الأشياء ببريقها إلى حيث التهلكة ربما
        لا أدري لما خالني هذا الشعور
        أحببت الكثير من التعبيرات والمفردات
        ودي وتحياتي
        الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

        تعليق

        • ميساء عباس
          رئيس ملتقى القصة
          • 21-09-2009
          • 4186

          #5
          تابعتها بشوق
          أسلوب متمكن من القص
          سردجميل
          وضعتنا بجو القصة تماما
          وكأننابداخلها
          الفكرةجميلة جدا
          هذاالخواء
          وتلك الألسن الأجتماعية ا
          التي تأبى إلا أن توزع الألقاب على مايسمى إنسان
          ممتعةاحببتها
          تحتاج لمواقف ـأكثر
          لتكون أكثر ألق
          هلابك
          نورت
          ومعكم تحلو الحكايا
          ننتظربشغف جديدك ومشاركاتك
          ميساءالعباس
          التعديل الأخير تم بواسطة ميساء عباس; الساعة 20-12-2012, 05:51.
          مخالب النور .. بصوتي .. محبتي
          https://www.youtube.com/watch?v=5AbW...ature=youtu.be

          تعليق

          • البكري المصطفى
            المصطفى البكري
            • 30-10-2008
            • 859

            #6
            المشاركة الأصلية بواسطة عائده محمد نادر مشاهدة المشاركة
            الزميل القدير
            المصطفى البكري
            فكرة جميلة
            لكن النص شابته بعض الأخطاء المطبعية التي أثرت على فحواه
            هل كانت فكرة النقود المزيفة زيفا نعيشه ونفرح حين نجده براقا؟
            وعادة ما تاخذنا بعض الأشياء ببريقها إلى حيث التهلكة ربما
            لا أدري لما خالني هذا الشعور
            أحببت الكثير من التعبيرات والمفردات
            ودي وتحياتي
            الكاتبة الراقية عائده محمد نادر تحيتي العطرة :
            لا يغيب عن ذهني أنك أديبة موثقة ؛ وأنا أحب التدقيق. لذا أشكرك جزيل الشكر على ملاحظتك التي نبهتني إلى بعض الأخطاء المطبعية؛ ولم أتردد في تصحيحها بعد المراجعة استجابة لرغبتك ورغبتي الأكيدة في المصالحة مع النص ومع اللغة العربية التي أعتز بها .
            أما تصوراتك لطبيعة الفكرة أو الموضوع فهي جميلة وهي تصورات أديبة متميزة خبرت النفس البشرية التي تغتر ببريق الأشياء - كما تقولين – لكنها تركض خلفها منتشية بإيقاع السراب.
            أجدد لك التحية

            تعليق

            • البكري المصطفى
              المصطفى البكري
              • 30-10-2008
              • 859

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة ميساء عباس مشاهدة المشاركة
              تابعتها بشوق
              أسلوب متمكن من القص
              سردجميل
              وضعتنا بجو القصة تماما
              وكأننابداخلها
              الفكرةجميلة جدا
              هذاالخواء
              وتلك الألسن الأجتماعية ا
              التي تأبى إلا أن توزع الألقاب على مايسمى إنسان
              ممتعةاحببتها
              تحتاج لمواقف ـأكثر
              لتكون أكثر ألق
              هلابك
              نورت
              ومعكم تحلو الحكايا
              ننتظربشغف جديدك ومشاركاتك
              ميساءالعباس
              الأديبة المقتدرة ميساء عباس؛ تحيتي وتقديري :

              بذوقك الفني الرفيع؛ ورؤيتك النقدية البناءة ؛ وضعت اليد على ما للقصة من حسنات مع حاجتها لمواقف أكثر...أعجبتك الفكرة التي تقوم بتعرية واقع يشهد اختلال القيم ؛ كما أعجبك السرد وطبيعة الكتابة ...
              أشكرك على الملاحظة وأجدد لك التحية.

              تعليق

              • وفاء الدوسري
                عضو الملتقى
                • 04-09-2008
                • 6136

                #8
                الأديب القلم الجميل: البكري مصطفى
                استفدت من هذه القصة .. أن الإنسان أول من تكذب عليه أحلامه والإنسان النقي هو من يتم خداعة والكذب عليه، في الحياة الكثير من البشر الذين يتقمصون الادوار البريئة الساذجة والغبية أحينا للوصول لأهداف قطعا ليست برئة لان الوسيلة لا تبرر الغاية.. تجدهم يتقنون فن التمثيل والتدليس والتزوير ولو امتهنوا التمثيل لن يحصلوا على وسام الفشل، مثل هؤلاء هم قبل ذلك خلف قضبان انفسهم الدنيئة محاصرون بالحرمان من النور ، ونماذج اشباه الخنازير كثيرة كما هذا الصيني في القصة لا يستحق غير الاحتقار
                تحية وتقدير
                التعديل الأخير تم بواسطة وفاء الدوسري; الساعة 05-11-2014, 10:17.

                تعليق

                • عبير هلال
                  أميرة الرومانسية
                  • 23-06-2007
                  • 6758

                  #9
                  يبدو أن الحظ السيء يلاحقه..

                  ما فائدة أن يعثر على المذنب

                  بوقت متأخر بعد أن تآذت كرامته..

                  نص رائع أشعرني بمأساوية هذه الحياة..


                  ود وتقدير للمبدع
                  sigpic

                  تعليق

                  • البكري المصطفى
                    المصطفى البكري
                    • 30-10-2008
                    • 859

                    #10
                    المشاركة الأصلية بواسطة وفاء عرب مشاهدة المشاركة
                    الأديب القلم الجميل: البكري مصطفى استفدت من هذه القصة .. أن الإنسان أول من تكذب عليه أحلامه والإنسان النقي هو من يتم خداعة والكذب عليه، في الحياة الكثير من البشر الذين يتقمصون الادوار البريئة الساذجة والغبية أحينا للوصول لأهداف قطعا ليست برئة لان الوسيلة لا تبرر الغاية.. تجدهم يتقنون فن التمثيل والتدليس والتزوير ولو امتهنوا التمثيل لن يحصلوا على وسام الفشل، مثل هؤلاء هم قبل ذلك خلف قضبان انفسهم الدنيئة محاصرون بالحرمان من النور ، ونماذج اشباه الخنازير كثيرة كما هذا الصيني في القصة لا يستحق غير الاحتقارتحية وتقدير
                    الأديبة الغالية وفاءعرب تحيتي وتقديري :وصفت مشهد الحكاية بذكاء وأنت العارفة بخبايا السردوأسراره ..للأدب وظيفة اجتماعية وفنية؛ وأنت لاتشكين أيضا في طبيعة الفقر؛ إنه مطية كل المهالك ؛ وهكذا كانت الشخوص تتحرك على إيقاع الشعور بالحرمان ؛فنتج اختلال في القيم وكانت النتائج سيئة.طابت أوقاتك
                    التعديل الأخير تم بواسطة البكري المصطفى; الساعة 10-09-2019, 12:55.

                    تعليق

                    • البكري المصطفى
                      المصطفى البكري
                      • 30-10-2008
                      • 859

                      #11
                      المشاركة الأصلية بواسطة عبير هلال مشاهدة المشاركة
                      يبدو أن الحظ السيء يلاحقه..

                      ما فائدة أن يعثر على المذنب

                      بوقت متأخر بعد أن تآذت كرامته..

                      نص رائع أشعرني بمأساوية هذه الحياة..


                      ود وتقدير للمبدع
                      الأديبة الراقية عبير هلال تحيتي العطرة : أشكرك على اهتمامك ؛ وضعت اليد على موطن الداء..التناقض في الحياة عنوان المآسي ودليل اختلال القيم..
                      طابت أوقاتك.

                      تعليق

                      يعمل...
                      X