الراحل الأستاذ والمفكّر الفلسطيني الكبير يسري راغب شراب

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • سليمى السرايري
    مدير عام/رئيس ق.أدب وفنون
    • 08-01-2010
    • 13572

    الراحل الأستاذ والمفكّر الفلسطيني الكبير يسري راغب شراب


    المفكّر والأديب الفلسطينيّ الراحل
    يسري راغب شراب




    محل وتاريخ الميلاد
    خان يونس - فلسطين / 29-11- 1952م
    المؤهلات العلميه
    بكالوريوس - ادارة اعمال / جامعة عين شمس - جمهورية مصر العربيه
    دبلوم عالى - علوم سياسيه / معهد البحوث العربيه - القاهره
    دبلوم عالي - اعلام / معهد البحوث العربيه - القاهره
    المؤلفات المطبوعه والمنشوره
    فلسطينيه كانت ولم تزل - مجموعة قصص قصيره
    فتاة غير عاديه - مجموعة خواطر وقصائد نثريه عاطفيه
    على درب الادب - مجموعة مقالات وقصص قصيره
    ودارت الايام - روايه عن المجتمع الفلسطيني قبل العام 1948م
    مرة اخرى .. الوساده خاليه / قصة عاطفيه طويله
    قطاع غزه من الاحتلال الى الثوره / كتاب عن المقاومة الفلسطينيه في القطاع
    السينما العربيه بين الشكل والمضمون / مجموعة مقالات فنيه
    النشاطات الثقافيه والادبيه
    عضو الهيئة الاداريه لاتحاد طلبة فلسطين - فرع القاهره / سابقا
    محرر الصفحه الثقافيه والفنيه في مؤسسة الوحده الصحفيه - ابوظبي / سابقا
    مسئول اللجنة الثقافيه في نادي ادنوك للتوزيع - ابوظبي / سابقا
    عضو اتحاد الكتاب الفلسطيني - فرع غزه - حاليا -
    عضو اتحاد الكتاب الافرواسيوي - القاهره - حاليا -
    الشبكه العنكبوتيه
    مدونات مكتوب / يسري راغب شراب
    تحديث المعلومات :-
    التواصل مع عشرات المنتديات العنكبوتيه العربيه والفلسطينيه واهمها :-
    رئيس ملتقى فرعي الادباء والمبدعون العرب = منذ 22/7/2008م
    متشاراول صحيفة ومنتديات العروبه 2009م حتى 31/8/2009م
    عضو مجلس ادارة مجلة ومنتدى الكلمه نغم= منذ 12/12/2008م
    عضو الامانه العامه لصالون القلم الفلسطيني / منذ 15 /8 /2009م

    لا تلمني لو صار جسدي فاكهة للفصول
  • سليمى السرايري
    مدير عام/رئيس ق.أدب وفنون
    • 08-01-2010
    • 13572

    #2
    لا تلمني لو صار جسدي فاكهة للفصول

    تعليق

    • سليمى السرايري
      مدير عام/رئيس ق.أدب وفنون
      • 08-01-2010
      • 13572

      #3
      المجموعه القصصيه ليسري شراب


      لم يزد عمري على اثني عشر عاما , عندما كان الفاتح من يناير سنة 1965 , حيث بدأت ثقافتي العامة بقراءة الصحف اليومية , بالذات { أخبار فلسطين } التي كانت تصدر في مدينة غزة آنذاك , والمقالة الأسبوعية لمحمد حسنين هيكل في صحيفة { الأهرام } التي كان ينشرها تحت عنوان ( بصراحـة ) مع تأثـري البالـغ بالقصـص التي ندرسهـا وبالـذات قصة ( على الدرب ) للأستاذ الفلسطيني / رامز فاخره وقبلها المجموعة القصصية لعلي هاشم رشيد بعنوان ( رصيف الدموع ) فكانت إطلالة على ماضي نضال شعبنا الفلسطيني قبل النكبة سنة 1948 , بجانب ارتباطي الأدبي بالمجموعة الشعرية لهارون هاشم رشيد التي ألفها بعنوان { مع الغرباء }000 وكل هذا وذاك مع ما علمته أدبيا واجتماعيا على يدي والدي 000 فقد كانت والدتي من أوائل النساء الفلسطينيات اللائي حصلن على شهادة ألمترك سنة 1939 من مدينة رام الله بفلسطين , وكثيرا ما كانت تحدثني عن طفولتها وشبابها , وعن المدن الفلسطينية التي عاشت فيها وزارتها آنذاك وخاصة مدينة القدس , ومدينة يافا , وهما المدينتان اللتان تبعدان عن عيوننا وتقتربان من قلوبنا بما نسمعه عن جمالهما وبهائهما , وكانت زيارتهما تمثلان بالنسبة لي حلما من أحلامي ضمن حلمي الكبير في فلسطين المائة فى المائة 000 ومع تلك الذكريات عن فلسطين قبلة كل العرب والمسلمين , كانت تحكي عن الصراع الوطني ضد الإنكليز والصهاينة من خلال بلدتنا وعن نفي والدي وجدي إلى قرى وبلدان فلسطينية أخرى بسبب مقاومتهم للإنكليز وقد كانا من رجال الحاج { أمين الحسيني } وأنصاره في ذلك الوقت من الثلاثينات التي تخص النضال الفلسطيني 000 وكيف أن النضال الفلسطيني تشعب نحو ثلاثة اتجاهات أقواها الاتجاه الذي كان يقوده الشيخ { عز الدين القسام } في شمال فلسطين , ثم الاتجاه المعتدل القوي الشعبي الذي كان يقوده الحاج " أمين الحسيني " وثالثها الاتجاه الضعيف لبعض الشخصيات الفلسطينية , وبدأت أفرق بين النضال الفلسطيني البحت , والنضال القومي من أجل الوحدة العربية وبدأت أستوعب معنى الفاتح من يناير سنة 1965 وجوهره الفلسطيني 000 فذلك اليوم أعلن الميلاد الفلسطيني , المعتمد على القاعدة العربية كأساس , وعلى البعد الإسلامي كركيزة 000 وأنا ككل فلسطيني بدأت أشعر بأن كل العرب سيقع على عاتقهم تحرير فلسطين ,فكيف نحن الفلسطينيين الذين يجب أن يكونوا على صدارة المناضلين والمقاتلين من أجل تحرير فلسطين , والحسابات الفلسطينية لأي عمل عربي يحكمها فقط الموقف العربي من قضية التحرير والعودة 000 ففي ذلك أكثر ضمانة للالتفاف العربي حولنا , أما النضال الوحدوي رغم أهميته لنا إلا انه سيفرغنا من محتوانا الفلسطيني الأصيل , ونحن بحاجة لإثبات هويتنا الفلسطينية التي يؤمن بها كل العالم عامة والعرب خاصة ,حتى يمكننا أن نلعب دورنا العربي بعد ذلك بثقة وقوة , وذلك ما زرعته حركة التحرير الوطني الفلسطيني { فتح } في عقول وقلوب الغالبية العظمى من أبناء شعبنا الفلسطيني 000 ولا أدري , لماذا ارتبط " أبو عمار " في ذهني بشخصية الحاج أمين الحسيني , هل هي الأصالة الوطنية 00 أم هو الإيمان بفتح الفلسطينية 000 أم هو ما سمعته على لسان شقيقي الذي درس الأزهر سنة 1954 عندما قال لي : لقد كفروا بما آمنا به , لقد آمنوا بفلسطين ونحن ذهبنا إلي القروش , فكم كسبنا وكم كسبوا 000 وشقيقي بعد خمسة وعشرين عاما من العمل لا يملك سوى وظيفته , أما أبو عمار فأمتلك حب الشعب العربي عامة والفلسطيني خاصة , والحمد لله .


      اليوم السابع
      ------------
      فى الخامس من يونيو 1967 استيقظ كل من فى البلدة بنشاط وحماس شديدين , فاستعد { ثائر} للذهاب الى مركز الدفاع الشعبي للتدريب مع زملائه من طلاب المدرسة الثانوية على أعمال المقاومة , أما والده فقد استيقظ مبكرا هو الاخر ليذهب كالمعتاد فى جولته اليومية مع أقرانه لجمع التبرعات من اصحاب الحوانيت والمحلات التجارية , ورفع روح المشاركة الفعالة بين المواطنين والمقاتلين فى تلك البلدة الحدودية بمواجهة الصهاينة المحتلين فلسطين , وكانت شقيقة ثائر لها هى الاخرى مهمة مماثلة فى توعية نساء البلدة بأعمال الدفاع المدني والوقوف بجانب الجندي فى الحرب , وكان زوجها يستعد هو الاخر للمشاركة فى تلك الاعمال ايام الاستعداد للحرب المنتظرة , كل منهما يوصي { سامر } ابنهما التقدم الى الامتحان بقلب قوي وأن لا ينسى الابتعاد عن أي تجمع عسكري فى طريقه حتى ينتهي من الامتحانات , وكان ولدهما سامر قد استيقظ مبكرا ليعد نفسه كالعادة للامتحان اليومي فى الشهادة الاعدادية العامة يراجع ويذاكر دروسه ويحفظ بعض الفقرات الهامة فى قراءته , حتى بلغت الساعة السابعة فحمل كتبه ودفاتره وأقلامه وخرج الى الشارع العام حيث اتجه الى المدرسة , وفى منتصف الطريق التقى بصديقه {هشام}الذي تعود أن يصحبه الى لجنة الامتحانات , ويشاء القدر ان تتوقف ناقلة جنود ضخمة بجوارهما فى ذلك الوقت المبكر ويهبط منها ثلاثة جنود يمسكان بهشام وسامر من ايديهما ليصعدا معهم الى الناقلة , فصرخ سامر واحتج بأنه مشغول بامتحاناته وفعل هشام مثله , ولم يحاول الجند تصديقهما , لولا ان تدخلت فتاتان فى الامر وتوسلتا للجند ان يتركا سامر وهشام لانهما مشغولان بالامتحانات , فنظر الجند الى الجميع نظرة احتقار وقالوا شباب اخر زمن .. جيل ضرره أكثر من نفعه .. كيف بدنا نحرر فلسطين بها الاشكال وحاول سامر ان يحتج فرجته الفتاتان ان يصمت ولا يشغل نفسه بما قاله الجند وسار الاربعة فى الطريق وسامر لا ينفك قائلا : ماذا يعتقد أولئك الجند انهم الوحيدون على هذه الارض فى هذه الايام , كل منا له دوره ويؤديه فى الوقت المناسب والمكان المناسب , وحينما ننتهى من الامتحان سنشارك فى الدفاع المدني وقطعت احدى الفتاتين حديثه المتواصل حول موقف الجند لتسأله عن استعداداته للامتحان , فرد عليها ببساطة واختصار قائلا : الحمد لله كيف استعددتما انتما للامتحان .. فأجابته بحذر وخوف , بينما كانت زميلتها مشغولة مع هشام بحديث اخر .. ومرت دقائق قليلة قبل ان يصل الصبية الاربعة الى لجان الامتحان , واتجه سامر وهشام الى لجنة البنين واتجهت الفتاتان الى لجنة البنات .. ومضت خمسة عشر دقيقة قبل ان يسمح لاحد بالدخول الى لجنة الامتحان , وفى الساعة الثامنة صباحا تم توزيع الاسئلة على الممتحنين .. وبدأ سامر يقرأ الاسئلة تباعا الواحد تلو الاخر .. ومضت نصف ساعة قبل ان يبدأ سامر فى الاجابة , وفى الساعة التاسعة صباحاً سمع الجميع صوت القذائف وهم فى امتحاناتهم , فى بلدة صغيرة مثل تلك البلدة ..فان الاخبار عن كل شىء فيها تنتقل سريعا , واللقاءات تتم بصور عديدة ومختلفة فالمناسبات الاجتماعية والتقاليد لا تزال تحمل الطابع العشائري المتميز بالعاطفة والود المتصف بالكرم والنخوة , وعندما بدأت الحرب , كان الناس يجلسون سويا كل عشر عائلات فى منزل واحد , ليتبادلوا الحديث ويتناقلوا الاراء المختلفة حول القتال الدائر , وكانت الطائرات الاسرائيلية قد ضربت مرفق المياه بالبلدة وانقطعت المياه عن الناس , فأخذ كل يلجأ الى جاره أو قريبه ليسعفه بكوب ماء , وكان التعاون بين الناس فى تلك الاشياء يأخذ شكلاً مثيراً وكريماً .
      لقد كان الطعام يتناقص مع مرور الايام , فكان الجميع يقتسم لقمة العيش المغمسة بالدقة والزعتر او من الكشك وهو طعام من الملح والعجين يتم تنشيفه على الهواء الطلق فى دوائر تشبه اقراص الفلافل ولكن ذات لون ابيض . وفى اليوم الاول من المعركة كان الجميع يشعر بنشوة النصر وقرب يوم التحرير والعودة وكانت الاذاعة تنقل اخبار انتصارات وهميه على الارض والسماء , وفى اليوم الثاني من المعارك , كان احساس ثقيل يضغط على نفوس الناس فأصوات المدافع والقنابل ليست بعيدة , بل أن المعارك تدور بين شوارع البلدة , فماذا حدث بالضبط فى الحرب 000 استفهام فقط .. ؟ فهل هى الهزيمة … ؟ ام هى لعبة الكر والفر الحربي والناس لا تصدق انها الهزيمة .. والكل يحاول التخفيف والتهوين من الامر .. فى اليوم الثالث أصوات المدفعية تبدو قليلة وتزداد طلقات الرشاشات الصغيرة والقنابل .. فهل انسحبت القوات اليهودية بعد ما لاقته من ضربات على ايدى المقاتلين المصريين والفلسطينيين .. ويظهر مقاتل فلسطيني على الطريق ويلتف حوله الشباب والرجال , ويصرخ في وجوههم المقاتل قائلا :لا تتجمعوا حتى لا يراكم احد … سبحان الله ياناس , قالها سامر بينه وبين نفسه , وقد كان واحدا من الواقفين حول المقاتل , وهو يتذكر ان نفس المقاتل هو الذي وبخه مع صديقه هشام قبل ثلاثة ايام لانهما رفضا الذهاب معه لحفر خنادق الجبهة , ونعتهم بجيل مائع , ها هو يطالبهم بالاختباء … ثم يسأل بلهفة اين الطريق الى منطقة السوق , ان زملائي ينتظرونني هناك , فقد تفرقنا متفقين على الالتقاء فى السوق حتى نفكر فى مواجهة اليهود , فقد صادفونا بأعداد كثيرة فإضطررنا للافتراق , فتطوع سامر ان يقوده بنفسه الى طريق يؤمن له الوصول الى السوق دون خطر .. فسار امامه نحو الجدار الخلفي لمنزلهم وارشده ان يقفز الجدار ثم يهبط الى الحديقة الخلفية وبعدها يقفز جدار المنزل التالي وهكذا حتى يجد نفسه فى منطقة السوق مباشرة .. وفى اليوم الرابع من المعركة كانت اصوات الطلقات النارية تقل تدريجيا حتى غروب الشمس , عندما انطلقت فى منتصف الليل بعنف مرة اخرى وهذا يعنى ان هناك مقاومة وان هناك املا فى الا يحتل اليهود البلد , ومر اثنان من الضباط المصريين باللباس المدني يسيران على عجل ويقتربان من بعض الصبية يسألانهم عن مكان يلجآن اليه , ويتقدم سامر منهما ليقودهماداخل منزلهم عند والده , وبعد ان ينالا راحتهما تبدأ الاسئلة من كل اتجاه تنهمر عليهما وهما فى حالة يأس مريعة : احنا كنا فى الدبابة اللى عند مركز البوليس , وقاومنا دبابات اليهود , اول وثاني يوم , ثم اصبنا بقذيفة هاون , فإنفجرت الدبابة واستشهد اثنان من زملائنا .. وسألهما والد سامر , ماذا يعنى كلامكما هذا .. اليهود احتلوا البلد .. خلاص انتهى كل شيء .. فأجاب أحدهم بحذر لا ..لا .. لسه هناك أمل يا حج ان شاء الله تيجي امدادات .. ان شاء الله كل شيء بيترتب , ونعوض الخسارة اللي خسرناها الايام اللى فاتت .. ربنا كبير .. وسألهما احد الجالسين : لماذا لم تذهبا الى قيادة كتيبتكما ؟ فأجابا: احنا وصلنا هنا قبل عشرة ايام مش اكثر من كده وإستلمنا موقعنا فى الكتيبة ولما حاولنا نروح هناك بعد ما الدبابة انضربت , عرفنا أن اليهود احتلوا موقع الكتيبة هناك ونظر جميع الجالسين بحسرة وقالوا : لا حول ولا قوة الا بالله .
      والتفت والد سامر حوله فأزعجه منظر الناس الذين يمللأون المنزل عنده وخاف على الضابط وزميله من أن يتسرب خبر وجودهما فى بيته فصرخ فى وجه الجالسين قائلا : ياللا انصرفوا على برة … هي فرجه هنا وخرج الجميع يتمتمون بكلام غير مفهوم , وجلس والد سامر صامتا لدقائق معدودة ثم قال للضابطين , الان غيروا ملابسكم وبتروحوا تناموا وتستريحوا فوق السطوح , وإذا حسيتم بحركة غريبه بتقفزوا من سطح الى سطح وتبعدوا عن العيون وبعدين بترجعوا حتى نعرف لكم طريقة نهربكم فيها عن البحر .. ولم تمض ساعات قليلة على وجود الضابطين فى مخبئهما فوق السطوح حتى دخل الضابط الفلسطيني الذي يقيم مع اسرته فى الشارع منذ ان وصل من العراق فى كتيبة تابعة لجيش التحرير الفلسطيني ورحب به والد سامر وحياه بألف تحية وسأله عن الاخبار فأجابه الضابط الفلسطينى الشاب : زفت00 وهز والد سامر رأسه بحزن وأسى وسأله وماذا سنفعل الان, وقال الضابط : هناك فى الاحراش بجوار شاطىء البحر تجمع لى ولبعض زملائي سنختبىء فيه وقد أتيت اصطحب معي الضابطين المختبئين عندك الى هناك , وأنا أضع زوجتى وطفلي فى عنقك وحمايتك الى ان استطيع أن أرسل اليهم وأسافر بهم الى القاهرة او عمان اذا ربنا شاء لنا ان نعيش , وفى دقائق قليلة هبط الضابطان فى جنح الظلام مع زميلهما الفلسطينى وخرجا من بيت والد سامر يتسللان من شارع الى آخر حتى وصلوا منطقة الاحراش بجوار شاطىء البحر .
      وكان قد مر على الحرب اربعة ايام بلياليها وفى صبيحة اليوم الخامس والناس تستمع الى الاخبار من الراديو سمع الجميع نبأ وقف اطلاق النار , وقال راديو العدو: لقد تم تعيين حاكم عسكري صهيوني للمناطق المحتلة فى الضفة والقطاع وسيناء وان هذا الحاكم يطالب الجميع بالهدوء والسكينة والا سيضرب كل مخالف بالرصاص فوراً . أنه يطالبهم برفع الرايات البيضاء فوق ابواب المنازل .. الخوف والقلق والحسرة على ما ضاع و الذكريات المريرة لليهود سنة 1956 لا تزال عالقة فى الاذهان .. القتل وسفك الدماء وتدمير المنازل واحراق العمارات لا زال مرتسما فى العقول .. والدة سامر تصرخ فى وجهه مطالبة اياه باحراق كل ما فى مكتبته الصغيرة من صور ودفاتر , حتى لا يهجم اليهود على المنزل فيجدوا تلك الاشياء ويعتدوا عليه بسببها وسامر يجمع الصور ويحاول تخبئتها تحت فراشه , فتراه والدته فتصرخ بصوت عال : احرق كل هذا يا ابن .. فيرد عليها : لا لن احرقها .. لقد تعبت فى تجميعها عامين متتاليين , والان تريدين منى احراقها فى ثانية لا لن احرقها .. فتتوسل اليه والدته , احرقها أحرقها .. سوف يأتى اليهود ويقلبون كل بيوت البلدة , واذا وجدوها لن يرحموك ابدا .. لن يرحمونا , وهنا اهتدى سامر الى فكرة وقال لوالدته:- ما رأيك لو وضعتها فى كيس من النايلون ودفنتها تحت الارض .. انهم لن يحفروا فى الارض , فهزت رأسها وهى تقول بسرعه لندفنها مع بندقية والدك .. أسرع قبل ان يدفن والدك البندقية , وسط الظلام كان شقيقه الاكبر يقوم بدفن البندقية , داخل جدار المنزل الخارجي , وضبطه والده وهو يراقب عملية دفن البندقية فى الجدار فصرخ فيه : انصرف يا 000روح ادخل جوه , وأوعى اشوفك هنا تاني , وهرول سامر الى الداخل كسير القلب ولم يستفق الا فى الصباح ووالدته تهزه برفق لتوقظه من نومه , وهو يفرك عينيه بيديه ويسأل ماذا حدث : كم الساعة .. ؟ انها السادسة صباحا .. لم كل هذه العجلة , نحن فى اجازة بسبب الحرب , هل انتصرنا؟ هل سيعيدون لجنة الامتحانات ؟ لم كل هذه العجلة ؟
      لم يحدث شيء من هذا كله .. كل ما فى الامر ان والدك وقف على عتبة الباب الخارجي فرأى مدرعة لليهود على باب الشارع من الشرق فعاد مسرعا وهو يرى مدرعة اخرى على رأس الشارع من الغرب ..
      هذا هو صباح اليوم السادس فى الحرب : اليهود بمدرعاتهم على كل ناصية وفى كل بيت وداخل كل شارع انهم يطالبون بالتسليم والاستسلام , انهم يدخلون الشارع من طرفيه ويستندون على الجوانب عشرة من الغرب وعشرة من الشرق ويتوزعون على مداخل الشارع كله , بين كل جندي وآخر مسافة عشرة امتار , عيون الاهالي من وراء النوافذ تراقب مشيتهم تراقب تحركهم وفجأه تسمع طلقات نارية سريعة لم تمر دقيقة على الطلقات حتى ارتفع صوت ام ثائر جدته ؟ ماذا حدث ..؟ صرخت ام سامر ياخراب ديارنا .. امى بتصرخ .. وصرخت , أبويا .. أخويا .. وتبع الصرخة صوت قنبلة ثم صوت طلقات نارية لم تنقطع والكل يسأل ماذا حدث .. حتى زادت حدة الاشتباكات .
      واستشهد سبعة عشر شخصا ما بين شاب وطفل وامرأة كان بينهم { ثائر} خال " سامر" الذي قرر المقاومة منذ اليوم السابع لحرب يونيو 1967 .



      ذاهب الى العالم
      غريب عن العالم
      ---------------
      قبل أن يغادر الساهرون بيت { محمد عبد الرحمن } سمع الجميع طرقات عنيفة على الباب الخارجي , مع قعقعة سلاح وهدير مدرعات وأصوات غير مفهومة .. فأصيب الجميع بالخوف والجزع 000 إنهم يعرفون معنى واحد لهذه الزيارات الليلية المفاجئة ..!! ذلك المعنى تعودوا عليه , ولكنه يقلقهم .. رغم أن القلق امر عادي فى حياتهم منذ ان وطأت أقدام المحتلين قطاع غزة بعد سنة 1967 .. ربما حضروا فى تلك الساعة ليبحثوا للمرة العاشرة او العشرين عن زوج جليلة الابنة الثالثة لمحمد عبد الرحمن والمحامي القدير فى القطاع .. فقد حاولوا اعتقال شوقي قبل شهور قليلة 000 من تلك الليلة ولكنه تمكن من الافلات .. ولم يعثروا له على أثر وهذا ما يخيفهم لقد قالوا لجليلة .. ان شوقي هو قائد الفدائيين فى قطاع غزة .. وقالوا لوالدها "محمد عبد الرحمن " من الافضل ان يستسلم شوقي قبل فوات الاوان .. انه لا يستطيع الافلات من بين ايدينا >…!
      وكانت جليلة خائفة وتسأل عن مصيرها ومصير ابنتها " حنين" التى لم تبلغ الثانية من عمرها , لو حدث مكروه لزوجها الحبيب شوقي .
      اما والدها محمد عبد الرحمن فقد كان يقلب الامور ذات اليمين وذات اليساروقد كان بينه وبين شوقي لقاءات اسبوعية مستترة وتم الاتفاق بينهما على ان يتدبر محمد عبد الرحمن عملية خروج شوقي من غزة خفية عن طريق البحر او البر 000
      وقد عقد العزم فى تلك الليلة على مكاشفة الحاج رغدان زوج ابنته الثانية {خلــود } بـجــانب { عدنان } زوج ابنته الكبرى , لمساعدته فى ايجاد الطريقة المثلى لتهريب شوقي من غزه نحو مصر او الاردن , وكان الثلاثة ساهرون فى غرفة مستقلة يتهامسون ويتدارسون الامور .. بينما جلست النساء فى غـرفة مجاورة مع الابناء والاحفاد يهونون الامر على ابنتهم الصغرى{جليلة } ويداعبون ابنتها { حنين } عندما سمعوا الطرقات العنيفة على الباب الخارجي00 صرخت خلود قائلة : مصطفى ياخويا .. ادخل جوه 000 واخذت الشقيقة الكبرى تتمتم بأيات قرأنية مسموعة وهى تدير اصبعها فى كل انحاء الغرفة قائلة " لقد جاءكم رسول من انفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم , بالمؤمنين رؤوف رحيم " وتعيد القراءة مرة ثانية حتى دخل عليهن والدهن " محمد عبد الرحمن " قائلا لزوجته " 00 اعطنى العباءة ياأم أسعد ولا تنسي العصا..! واقتربت جليله من والدها بعينين حمراوتين تسأله : ايش اللى جرى يابويا .. وين رايح معاهم ؟ ليش بدهم اياك 000 طمئنا يا بويا .. شوقى يابويا 000 شوقى ؟ واخذت تبكي متشنجة تولول صارخة حتى سقط مغشيا عليها بينما كانت اختها خلود تحضنها , واخذت اختهما الكبرى تمسح بالماء على وجهها وهى تقرأ اية الكرسى على رأس جليلة.. بينما والدهن يستعد للخروج مع القوة المدرعة وهو يقول :اسمع يا مصطفى لا تخرج هنا او هناك لحد ما نشوف .. انت كبير البيت الحين , دير بالك على امك وأخواتك , وإنفعل مصطفى الشاب البالغ الثمانية عشر عاما من عمره وحاول الخروج ثائرا مهتاجا على الجنود , فأمسك به والده وهو يصرخ فى وجهه بقسوة خوفا عليه : انخمد واسكت , واياك اسمع صوتك .. ودخل الحاج رغدان على هذا المنظر فقال , وبعدين , وبعدين معاك يا مصطفى .. هى المسألة لعبة اولاد , فصرخ مصطفى قائلا .. انا بدى اياهم ياخدوني بدل ابويا .. وصغرت عينا الحاج رغدان 000 اكبر يا مصطفى واعقل , واحنا راجعين ان شاء الله 000 حتى سمعوا اصوات الجنود من الخارج ورئيسهم قائلا : يالا .. ياللا .. سو هذا .. كانت الساعة تقترب من الحادية عشر ليلا .. حينما خرج الرجال الثلاثة فى مدرعات جنود الاحتلال .. ونظرات النساء الاربعة تشيعهم بالدعوات والابتهالات .. بينما يحجبون الباب الخارجي عن مصطفى الهائج ورائهن .. وما ان تحركت المدرعات برجالهن حتى دخلوا واغلقوا الباب .
      ومضت الساعات عصيبة عليهن , وهن يحاولن تهدئة بعضهن البعض .. الى ان نفذ الصبر من اعماقهن فنهضت خلود من مكانها وهى تقول , انا خائفة .. ان المسألة اكبر من التحقبق , فردت عليها شقيقتها الكبرى ..وايش فى ايدينا نعمل يا أختي .. فصرخ مصطفى فى وجه شقيقته , كيف ..؟ كيف ايش بايدينا ..؟ فأدارت شقيقته الكبرى وجهها الناحية الاخرى , والدموع فى عينيها وهى تقول .. طيب يا اخو .. بس اهدأ انت … وكلها ساعه او ساعتين .. والصباح رباح .. وردت خلود على اختها , والله يا اختى قلبي مش مطاوعني .. وانت قلبك بارد .. خليكي جنب جليله .. وانا بدى اروح اوصل عند المركز واسأل ونهضت من مقعدها وهى تطلب {الداير والقنعة } من امها ونهض مصطفى واقفا بجانبها وهو يقول .. انا بأروح معاك يا أختي .. لا يمكن اسيبك تروحى عند المركز وحدك.. واللا هذا كمان غلط .. فنظرت اليه خلود وقالت له لا يا اخو .. انا إمرأه ومش مهم لا يمكن انهم يكلموني او يضربوني .. لكن انت رجل بأخاف عليك لا أقعد انت , وبدي اسيب ابني ياسر عندك وبأرجع على طول ..وكانت الساعة قد بلغت السادسة صباحا حينما همت خلود بالخروج ولم يمنعها من ذلك الا سماعها لرنين الهاتف فى غرفة الاستقبال فكانت الاسرع الى الهاتف وكان المتكلم زوجها الحاج رغدان الذي قال لها لا تقلقوا علينا .. لقد حضرنا قبل قليل واحنا موجودين فى الديوان . ديروا بالكم من جليله وابنتها .. فبهتت خلود من كلمات زوجها .. وسألته , ليش اخدوكم .. وايش بدهم منكم .. والله كلامك بيخوفني يا رغدان .. احكي لى .. ايش قالوا لكم عن شوقي .. اوعى يكون حصل حاجه .. يارب سترك .. فرد قائلاً بس الظاهر انهم مسكوا شوقي فى السجن .. فصرخت خلود بصوت مرتفع .. ياخيبتي علينا .
      وسقطت السماعة من بين يديها وهى فى حالة هستيرية صعبة ومن حولها وقفت اختها الكبرى ووالدتها وابنها ياسر الذي احتضنها وهو يقول : مالك يا أمي ليش بتعيطي مالك يا أمي .. بينما خطف مصطفى سماعة الهاتف وأخذ ينادي : الو .. ألو .. ايوه ياعم رغدان .. ألو .. عم رغدان .. وجاءه صوت اخر , اسمع يا مصطفى .. دير بالك على اخواتك وما تخليهم يعملوا شىء وسأله مصطفى , ايش اللى حصل .. قل لى .. ايش اللى حصل فصمت الرجل , عندها ادرك مصطفى الامر فرد عليه الرجل الذي كان يغالب نفسه من البكاء قائلا :والله يا مصطفى .. اللى حصل شىء كبير .. شوقي يا مصطفى .. شوقي ..!!! إستشهد 000!!
      لم يكن شوقي إنسانا عاديا , فقد كان من صفوة الرجال واعلاهم هيبة ومكانة .. فهو القاضي الاول فى كل المنطقة بعد أعوام طويلة من العمل فى سلك المحاماة والقضاء .. وكانت وطنيته حديث كل الناس .. وكانت ثقافته وأحاديثه وقصة حبه ( لجليلة ) بكل اخلاص ووفاء مضرب الأمثال .. وقد توج قصة حبه لجليلة بالزواج قبل نكسة 1967 بعام واحد فقط..وبعد النكسة بشهور انجب ابنته واسماها { حنين } وكان له فى هذه التسمية معنى ومغزى نحو حنينه الى الوطن الحبيب , والى جليله الحبيبة أما زوجته وحبيبته جليله فقد كانت الثالثة فى ابناء محمد عبد الرحمن , وقد تزوجت فى عمر متأخر لأنها صممت على ان يكون مستواها الثقافي فى نفس الدرجة مع شوقي فالتحقت بكلية الحقوق وبعد ان نجحت فيها بإمتياز تزوجت من شوقي وعملت بجواره فى مكتب المحاماة الذي يملكه وعندما سمع مصطفى بأن مكروها حدث لشوقي اصيب بالهلع , ولم يصدق نفسه , الا انه تمالك نفسه وتحامل خوفا على شقيقته جليله أن تسمع ما حدث لشوقي بصورة مفاجئة تصدمها وقد تقتلها ..فوضع السماعة جانبا وقال بصوت مهزوز وضعيف لأمه وشقيقته , لقد أمسكوا بشوقي فى الليلة الماضية , وهو في بيارة أحد أصدقائه .. ولم يكد يكمل عبارته حتى صرخت جليله صرخة مدوية من اعماقها وهى تهتف باسم " شوقي " وسقطت على الارض مغشيا عليها من الصدمة .. وظل " مصطفى " واقفا متسمرا فى مكانه , فقد كان الوحيد الذي يعرف ما حدث لشوقي بالضبط .. لقد استشهد " شوقي " فى معركة مطاردة قصيرة , رفض أن يستسلم خلالها لقوات الاحتلال وقاومهم بمسدس صغير كان يحمله ..
      واقترب ياسر ابن خلود من خاله " مصطفى " ليسأله , ايش اللى صار يا خالي .. هل صحيح امسكوا خالي شوقي ونظر مصطفى نحو ابن شقيقته ذو الاربعة عشر عاما , والدموع تطفر من عينيه , وهمس بصوت غير مسموع وحزين : شوقي استشهد يا ياسر وما ان اكمل عبارته حتى انخرط فى صراخ هستيري عارم , وشاركه " ياسر " الصراخ بحرقة ولوعة .. وفوجئت أم أسعد ببكائهما , فقالت وكأنها تهون الأمر عليهما , السجن للرجال .. وشوقي بطل .. بطل بره وفى المعتقل .. فصرخ " مصطفى " فى وجه أمه بحرقة وألم , شوقي استشهد .. قتلوه وضربت أم أسعد بيدها على صدرها , وأطلقت صوتا مجلجلا من النواح .. وكأن صوتها كان على موعد مع أصوات كل النسوة فى البلدة اللائي جئن من كل صوب وحدب نحو منزل " محمد عبد الرحمن "حيث تقيم جليله زوجة الشهيد مع ابنتها " حنين " فإختلطت الاحزان , وأصبح الخبر فى غمضة عين يعلمه القاصي والداني , وتناقلته الاذاعات ووكالات الانباء فى اخبار الفجر الصباحية , فلم يكن الشهيد " شوقي " رجلا عاديا .. ولانه لم يكن كذلك , احتجزت قوات الاحتلال " محمد عبد الرحمن " والحاج رغدان و عدنان , وشقيق الشهيد شوقي لأكثر من ست ساعات تحذرهم من أية اضطرابات قد تحدث فى البلدة , والا فإنهم سيواجهون تلك الاضطرابات بيد من النار والحديد , ولن يرحموا امرأة أو طفلا او عجوزا وكان هذا الشرط الذي يجب ان يقبل به رجال البلدة ليتسلموا جتة " الشهيد " فوافق الرجال بعد أن شربوا صدمة استشهاد ابنهم بساعات , وذهبوا ليتعرفوا على جثة " الشهيد ".. , وأصيب الاربعة بالهلع والجزع من رؤيتهم للمنظر , فقد كان الشهيد " شوقي " بملابس النوم عندما كانت المدرعات الصهيونية تقتحم البيارة من كل اتجاه فأسرع الى مسدسه الصغير , وحمله بيده , وأخذ يطلق رصاصات عشوائية هنا وهناك , وكان الرد على رصاصات مسدسه قذائف مدفعية حاصرته من كل اتجاه , فأصابته فى كل انحاء جسمه , ولكنه ظل متشبثا بمسدسه لا يتركه , حتى وقع شهيدا والدماء قد ملأت ملابسه وكل انحاء جسمه وكانت اخر كلمة قالها " حنين " .. مات هو .. استشهد " شوقي " بعد أن ترك ورائه "حنين" .. كان الحنين يرافقه, وها هو يلتحم بالارض لا يبتعد عنها ويصبح جزءا منها , ويبقى " الحنين " للاحياء على الارض من بعده .. وتبقى ابنته " حنين " بعد استشهاده رمزا للحنين الى الوطن .. وتجمع عشرون الف شاب ورجل وعشرة الاف فتاة وامرأة فى ساحات البلدة ليشاركو فى تشييع جثمان " الشهيد " ومن كل مكان فى فلسطين وقفوا جميعا ينكسون رؤوسهم احتراما وتقديرا لمسيرة الشهيد فى موكب جنائزي رهيب , لم تستطع قوات الاحتلال ومدرعاته ان تمنعه من التحول الى مظاهرة عارمة صاخبة , كانت فيها نداءات الثأر تملأ كل مكان .. وكانت كلمات { سميح القاسم } المقروئة عن الشهيد فى ديوان شعري صدر له بعد الاحتلال رفيقا "لمصطفى" وابن اخته "ياسر" فى ايام الحداد .. وكانوا يعيدون ويقرأون المرة تلو الاخرى ما كتبه سميح القاسم قائلا :
      خلوا القتيل مكفنا بثيابه
      خلوه فى السفخ الخبير بما به ..
      هل تسمعون : دعوة نسرا داميا بين الصخور يغيب عن احبابه ..
      خلوه تحت الشمس تحضن وجهه ..
      ريح مطيبه بأرض شبابه ..
      وعلى السهول الصفر رجع ندائه ..
      يا أبها بالموت لست بأبه ..
      خذني الى بيتي ..
      أرح خدي على اعتابه 00
      وأبوس مقبض بابه00
      خذني الى كرم اموت ملوعا .. ما لم اكحل ناظري بترابه 00
      هذي شراييني خذوها وانسجوا منها بيارق نسلنا المتمرد ..
      وكان "مصطفى" يدقق النظر كثيرا فى البيت الاخير , ويعيد تلاوته مع "ياسر" ابن أخته "خلود" ويقرأ "لحنين" ابنة أخته "جليله" ابنة الشهيد. ..ولم يكن وحده الذي يقرأ هذا البيت من الشعر فقد كان شقيقه "أسعد" العضو البارز فى اتحاد طلاب فلسطين والطالب فى السنة الاخيرة بكلية الهندسة , يقرأ ذلك البيت من اذاعة فلسطين وهو يقول : لا تحزني يا جليله فقد ترك لنا "حنين" .. لا تحزنى ومعنا "حنين" سيرافقنا الحنين ..
      ولقد كان المصاب مروعا وفظيعا على "جليله" فقررت ان تبتعد , أن تأخذ ابنتها وتخرج الى حيث يعيش الفدائيين .. ووافقها أباها , الى حيث الفدائيون , فعاشت عندهم شهورا طويله , حتى الح عليها والدها بالسفر الى مكان آخر , تكمل من خلاله رسالة "شوقي" فى الحياة بعد أن أصابتها واحدة من الشظايا المتنائرة مع الغارات الصهيونية المستمرة على معسكرات الفدائيين , الأمر الذي جعلها تفكر فى ابنتها "حنين" .. فاقتنعت أن رسالتها الان مع "حنين" الأمر الذي كان يهم الشهيد "شوقي" فى الحياة .. وهى بهذا لن تكون بعيدة عن الوطن , بل هى بجوار "حنين" جزءا مت تاريخ الوطن .

      *
      نشرت فى صحافة الامارات عام 1981
      *
      وقت استشهاد قائد فتح فى غزة عام 1968


      كل الوقت للوطن
      ------------
      { لا وقت للحب } … قالها {ياسر} بإرادة صلبة عنيدة حين سألته خالته عن علاقته { برندة } وحبه لها
      كان ذلك منذ عشر سنوات فى مدينة فلسطينية ساحلية , كان ياسر يومها طالبا فى الثانوية العامة لم يتعد السابعة عشرة من عمره فهو طالب مجد ومواظب وفى طليعة اقرانه ومحبوب من كل زملائه ومدرسيه ومعارفه وأهله وكانت رندة ابنة خاله جميله ورشيقة تلعب وتمرح منذ نعومة اظفارها , تذهب الى مدرستها وتعود منها برفقة ياسر وولد حبها لياسر منذ ولادتها فى فلسطين .
      أما سميره خالة ياسر فتكبرها بعامين , وعلى جانب من الذكاء والفطنة وعلى ابواب الالتحاق بكلية الطب … كانت تدرس للثانوية العامة عام 1967, ولكنها لم تستطع تحقيق رغبتها يومذاك بسبب النكسة والاحتلال الذي الغى امتحانات الثانوية العامة , ودفن كل طموحاتها
      ولكنها لم تيأس , والتحقت بالعمل الفدائي … وكان الفدائي الاول فى المدينة زميلا لها فى الدراسة , كانت تدرس معه لامتحانات الثانوية العامة وضاعت امالهما معا , وربط بينهما حب الوطن من جديد فى مقاومة الاحتلال , واوكل اليها دور حماية زميلها الفدائي فى اعداد ما يحتاجه من مؤونة ومأوى , والدعوة للانضمام الى العمل الفدائي , وكان ياسر معها , يلهب الهمم بين زملائه ويناقش المدرسين , ويجند ذويه فى المقاومة , وتفانى فى ذلك وأعطاه كل فكره وقلبه ووقته ولم يعد لديه وقت للحب … لقد أصبح الحب فى قلبه كله لفلسطين ومسخرا فى المقاومة.. اصبح جمال رندة لا يثيره , بقدر ما يثيره جمال ارض الوطن , ورشاقه رندة تضاءلت الى جانب رشاقة فلسطين … انه يحب رندة كونها جزءا من وطنه فلسطين , اما الحب الاخر فهو بعيد عنه .. كان يتمنى لو ترافقه رندة على طريق المقاومة ليتضاعف جمالها ويتضاعف حبه لها , لكنها كانت خائفة , وطلبت اليه ان يتفرغ لحبها لانها تخاف عليه من الاعتقال او السجن او الاصابة برصاص المحتلين فى المظاهرات التى كان يقودها دائما ضد الاحتلال 000
      وكان ياسر يضحك فى سره من طلبها … ان الخوف الذي تتحدث عنه رنده , وان الخطر الذي تشير اليه باستمرار هو حياته , وهو حبه لأنه يلتصق به بالوطن الذي يذود عنه ويعمل من اجل تحريره , ويرفض أي نقاش يثنيه عنه حتى من رندة حبيبته … وواجهها برأيه امام خالته التى عمدت الى تلطيف الجو دون جدوىوبغير فائدة .. انه عاشق متيم , ومعشوقته ساحرة رائعة , بالاضافة الى انها بحاجة اليه … تطلب عطاءه وكفاحه ونضاله 000
      لم تكن المشكلة مع ياسر تلطيف وترطيب الجو بينه وبين رندة , لأنها أعمق من ذلك بكثير , لأن الوطن أغلى من كل ما عداه , وحبه لهذا الوطن يفوق أي حب لرندة , وقد استحوذ حبه للوطن على كل وقته … حاول ان يشرح موقفه لرندة ليحملها على حبه وتعميق حبها له من خلال حبه للوطن وسألها :
      -
      أين ولدنا 00
      -
      هنا 000
      -
      هنا يا رندة تعنى الوطن ..هنا , التى ولدنا فيها هى الارض والبيت والتراث والاسرة , هنا تعنى الحياة الحرة الكريمة .. تعنى السيادة والعزة والرخاء والسعادة .. هنا هى الهواء العليل .. انها كل شىء …لقد كتب علينا ان نولد هنا , التى هى ماضينا ومستقبلنا … ومن أجل ذلك … من أجل تحقيقه علينا ان نحب وأن ندافع .
      ولم تستوعب رندة كل أقواله ولكنها اكتفت بالاعجاب ببعض عباراته , ونبراته القوية ذات الرنين الحاد والعاطفة المتوقدة التى تجاوبت الى حد ما مع دقات قلبها … انها معبودة كل الشبان , ولكنها تحب ياسر وعز عليها ان يفضل على حبها أى حب أخر , حتى حب الوطن لأنها جزء من الوطن , واعتبرت أقواله تهربا منها , وابتعدت عنه .
      ولم يكترث ياسر لابتعادها , لأن كل وقته كرس للوطن , وأمسك بقلم وورقة وكتب اليها يشرح حقيقة مشاعره :
      {
      يا رندتي النادرة , يا فتاتى الجميلة , لقد اعجبت بطفولتك وأصلك ومحتدك ومأكلك ومشربك وهى طفولتى وأصلي ومحتدي ومأكلى ومشربي … لست من أخلاط الناس , وبى أصالة خالصة ... لست مغرورا ولكني مؤمن … فلا تحاولى , ولا تنزعجي فلا وقت عندي للحب الا للوطن حتى يتحرر… لن تجدى يا رندة من يحبك مثل حبيانه حب طفولتى لك وللـوطن … لقد كبرت طفولة الحب عندي , وأريدها أن تكبر فيك أيضا …}
      لقد أصبح ياسر محبوب كل الفتيات وكل الرجال 000 انه المناضل الذي يذد عنهم جميعا … أما رندة فقد وجدت من تحب فى شخص شاب ثري وتزوجته , فيما كان ياسر قانعا بزيجته للوطن داخل أحد المعتقلات … وخالته سميرة استشهد حبيبها الفدائي , وانتقلت بعد ذلك زوجة للوطن فى احد معسكرات الفدائيين راضية , لأن الحب الكبير لا يموت , وتمضي الحياة بكل المحبين .. منهم من قضى شهيدا ونعم بالنهاية السعيدة كأجمل زوجة ومنهم من يناضل سعيدا بعشقه للجهاد والوطن … ومنهم من يعيش الحب مظاهر باهتة تافهة خاوية من أي معنى



      هلا في الاردن
      ------------
      توقفت النيران , وخمدت الحرائق , بعد أن أكلت الاخضر واليابس فى العاصمة العربية التى شهدت مجزرة تاريخية كبرى فى حق الانسان الفلسطيني .
      وترك " ثائر " موقعه الاعلامي حاملا مدفعه , من بيت الى بيت , قاصدا زميلا له من ابناء العاصمة العربية , يختفي عنده لفترة يمكنه بعدها الخروج شمالا باتجاه المواقع الجديدة للقوات الفلسطينية , حيث اضطرت الغالبية العظمى من رفاقه للذهاب اليها بعد وقف اطلاق النار مباشرة .
      كانت الساعة السابعة مساء عندما طرق الباب بخفة , وسمع صوت " هلا " ابنة زميله فى الموقع الاعلامي , وخطيبته منذ أشهر عدة والتى فتحت له الباب وأغلقته خلفه بسرعة وهى تطلب منه الحرص والحذر فى كل كلمة امام والدها الذي يدعي الوقوف مع الثورة بكل قوة , وهو ليس الا رجلا من رجال السلطة , ولحسن خظهما سويا لم يكن متواجداً فى البيت لحظتها , وتمكنت "هلا" من اقناع والدتها باخفاء الامر عن والدها حتى ساعات الصباح الاولى .
      لم يكن من السهل اقناع الام بالامر الخطير , كما توقعت "هلا" و"ثائر" معاً , وانها لن تكتم سر وجوده عن الاب ان طال الوقت خلال ساعات الليل ., فقررت " هلا " ان توهم امها بان "ثائر" مصمم على الرحيل فى التو واللحظة على ان تنتهز فرصة انشغال امها فى المطبخ كعادتها لتخفى "ثائر" فى غرفة جانبية من المنزل , بعد ان اتفقت معه على ان تسرق مفاتيح سيارة والدها الرسمية الخاصة به وتسلمها له ليسافر بها خارج الحدود!!
      وتمت العملية التى خطط لها "ثائر" و"هلا" سوية , انتقاما من والد "هلا" الذي جبن امام ارهاب السلطة , وخاف على نفسه فباعها لعله ينقذها وهو لا يعرف انه اضاع ذاته وشرفه وكرامته , وأول درس له سيكون على يدي ابنته "هلا" وخطيبها "ثائر" بعد ان يخطفا سيارته ويسافرا بها الى خارج الحدود سوية , ويكونان بهذا العمل , قد كسبا للثورة مدا ينتقم من الجزر الذي احدثته تلك المجزرة فى صفوفها .
      ومع أذان الفجر , نهض "ثائر" الذي لم تغفل عينه للحظة واحدة طوال الليل , على وقع اقدام " هلا " وهى تحمل حقيبة متوسطة الحجم فى يدها , ومفاتيح سيارة والدها الرسمية فى اليد الاخرى , فأخذ منها الحقيبة وتسابق الاثنان باتجاه السيارة الواقفة على الرصيف المجاور للمنزل , وانطلقا بها الى الشمال سوية , ليعيشا الثورة بأمل جديد ..!



      رتوش في علاقتنا
      -------------
      تلك قصة قد تحدث فى أي وقت , اخترت لها الحرم الجامعي مسرحا ليلعب فيه أبطال القصة ادوارهم بما فيها من رموز وايحاءات عن التلاحم العربي المصري والعربي الفلسطيني , الذي ظل وسيظل على مر السنين خالدا , وككل قصة حب فى هذه الدنيا , لا بد من رتوش .. رتوش لا اكثر ولا أقل ..
      ***
      كانت فتاتي فى التاسعة عشرة من عمرها , وربما أقل من هذا بقليل .. كانت جميله .. مفرطة فى جمالها .. أنيقة , غاية فى الاناقة .. كل شىء فيها كأنه مرسوم بلوحة فنان تعبيري خالد , ذلك الشعر الحريري البنفسجي بلون عينيها الواسعتين , وذلك الانف الدقيق , فوق شفتين ساحرتين , على جسد دقيق , يميل الى النحافة , برشاقة … ! وكنت انا وحدي , وبينى وبين نفسي اعيش هذا الجمال قطعة , قطعه , دون ان ابوح بمكنون ذاتى لأحد ..!! لسبب بسيط فقد كانت فتاتي واقعة تحت سيطرة معينة , من شاب آخر له سطوته فى الجامعة … لذا خفت من اعترافي بحبى لها , ولكني لم اكن يائسا من يوم يقربنى الى قلبها , رغم غطرسة الشاب وسطوته بإعتباره معيداً فى الجامعة , وقد كان مهما بالنسبة لها , وهو يفرش لها طريقا للنجاح معبداً , ميسوراً ومؤمنا بينه وبين زملائه !!!
      المهم فى الامر , ان الفتاة اعجبتنى اعجابا ملحا وشديداً , وكنت ابحث عن أي أحد ينقذني من أزمة الاعجاب التى اعيشها , والتى تحولت على البعد الى حب افلاطوني اعيشه من طرفى انا دون ان تشعر هى به .. لكن اصدقائي الذين حاولت ان اجد لديهم ما يعيننى , أصابوا احساسي بالاحباط ومشاعري بالكبت .. وكان "طارق" اقرب أصدقائي , وهو من أصل شامي , يمتلك مع أسرته عددا لا بأس به من المحلات التجارية المنتشرة فى أحياء القاهرة المتعددة .. كان يقول لى : { يا عم هى حتسيب المعيد , وتجيلك , واذا فكرت تسيبه حترجع له ثاني , عشان محتاجة له , فى الامتحانات , وانت عارف المحاسبه وقرفها , والاقتصاد الزفت } .. لكنى لم أكترث , واحسست مع مرور الايام ان علاقتى " بميسرة " وهذا هو اسمها الذي اخترته لها – علاقة مصيرية لا يمكن ان تنفصم …!!
      كنت أطيل اليها النظر كثيرا , واعجبني فى شكلها , تقاطيعه الشفافة , التى يختلط فيها الصخب بالبراءة , وكنت اخشى الصخب فى وجهها , بنفس القدر الذي احببت فيه البراءة التى تحتويه .
      هل هو عدم الثقة بالنفس ..؟؟ لم اكن كذلك .. كل الشواهد كانت تؤكد اننى امتلك من الثقة ما يجعلني قادرا على بناء جسور متعددة ومتنوعة من العلاقات الانسانية التى شملت كل اتجاه فى الحياة الجامعية , ترفيهيا , وثقافياً , وتربوياً ..!!
      -
      وبقدر ما كانت هى محبوبة بين اقرانها , استطعت وفى مدة قصيرة ان اكون محبوبا فى الكلية مثلها ..
      -
      وتلك صفة جمعتنى واياها , وجعلتنى موقنا بأن كل الامور ستدفعنا الى طريق واحد لا خلاص منه أبداً ,
      -
      ولكن هذا المعيد الذي يفرض سيطرته عليها , ويقضي معها وقته ماذا أفعل به ..!!؟
      ظلت الامور كذلك حتى كانت ذكرى إنطلاقة "فتح" فى ذلك الوقت التقى جميع الاصدقاء والزملاء من كل قطر عربي وقرروا الاحتفال بالذكرى فى الجامعة .. وبدأنا الدعاية لهذا الاسبوع , وتوليت أمر الدعاية مع صديقي "طارق" وبعد ان التقينا بمجموعة من الاخوة العرب الذين رحبوا بالمهرجان ومجموعة اخرى من الاخوة المصريين الذين قرروا مشاركتنا فى الدعاية والاعداد للمهرجان , صدمنا بذلك المعيد الذي أظهر عدم اهتمام واضح , وكأن الأمر لا يهمه وهو من شريحة المثقفين , وكاد يتحول الموضوع الى مواجهة بينى وبينه , لولا أن "ميسرة" تدخلت لفض الاشتباك بينـنا وهى تقول : "ما يهمكش حنكون اول ناس تشارك فى المهرجان " .
      وكان هذا ما يهمنى على المستوى الشخصي , ان اسمع "ميسرة" ان اتحدث اليها , وتتحدث الىَ , ونسيت بعد ذلك ما تفوه به المعيد من كلمات حول الطريق الصعب والدرب الطويل , والنتيجة الحتمية للأمور …!! ونسيت كل شىء فى الحقيقة ولم يعد عقلي قادرا الا على استيعاب كلماتها الشفافة ترن فى أذني مباشرة …!!
      وكانت عيناي زائغتين فى اليوم الاول للمهرجان , ابحث عنها بين الزائرين للمعرض الفني فى حديقة الجامعة , وهم بالمئات فى ذلك الوقت , يسألون عن معنى هذه اللوحة , وما ترمز اليه تلك , وبين السؤال والجواب اسرق نفسي باحثا عن " ميسرة "… حتى رأيتها تقترب , فذهبت اليها مرحبا , ببشاشة واضحة , كانت وحدها بدون المعيد , ذلك هو قرارها الذي كنت انتظره … وبدأت الحديث معي مبتسمة " باين عليك التعب قوي ".. وكعادتي فى مثل تلك المواقف , احمل الأمور جدية ضرورية ولازمة : " هذا اقل ما يجب ان نفعله "!! بينما كانت "ميسرة" قد توقفت امام لوحة العجوز الفلسطيني الذي يحمل على ظهرة مدينة القدس المحتلة بمسجدها الاقصى , وسألتني بتأثر واضح :
      -
      ما اسم هذه اللوحة …؟؟
      -
      انها جمل المحامل …؟؟
      -
      وماذا تعني …؟؟
      -
      تعني انه مهما تقلب الزمان , ومهما دارت دورته فستبقى فلسطين والقدس والاقصى على ظهورنا , ان مات الشاب والرجل , فسيبقى العجوز جاهزا ويسلمها امانة الى الحفيد الطفل , حتى ولو كانت جبلا فسيحملها ويسير بها .
      كانت عيناها مركزتين على العبارات التى اقولها , وكل شىء يدل على اهتمامها الشديد , باللوحة , وما ترمز اليه حتى اذا ما انتهت قالت بلهجة فيها من الاصرار ما يغني عن المناقشة : " اريد ان اشتريها , فارتبكت لان لوحات المعرض ليست للبيع فهى ملك لكل مهرجان يقام , ولا يمكن التفريط بها , الا انني صممت على تقديمها هدية لها , فقلت : اننا لا نبيع لوحاتنا , ولكنني بعد انتهاء المهرجان سأقدمها هدية لك , على امل ان تهتمى بها وتحتملى كل ما تعنيه لنا , فهى جمل المحامل … قالت : اننى لا اريدها الا لأنها جمل المحامل, ووالدى زار القدس مرات عديدة قبل ان يحتل اليهود فلسطين وحدثنا عن جمال القدس , وبهائها , والرهبة التى يعيشها الزائر لهذه المدينة المقدسة , وسيسعده ان يضع هذه اللوحة فى المدرسة التى يمتلكها لتعليم اللغات .. وقبل ان ارد عليها , وصل الى المكان ممثل فلسطين فى القاهرة ليلقي كلمته امام طلاب الجامعة فى المهرجان فإستأذنتها , لأكون فى إستقباله , على وعد بإستكمال حديثنا فى وقت لاحق …!!
      وهكذا استمر الحال بينى وبين "ميسرة" طوال ايام المهرجان الخمسة فى الجامعة نتناقش ونتحاور حتى توثقت العلاقة بيننا , وزادت توثقا , حين قدمت لها لوحة " جمل المحامل " هدية منى لها , حيث فاجأنا المعيد , بتحية باردة , فبادرت " ميسرة " بتقديم اللوحة له كى يشاهدها , وهى تعبر له عن اجابها الشديد بها وبما تعنيه , فتنهد تنهيدة طويلة وقال بسخرية : يا سلام يا ميسرة , احنا ناقصين هموم دلوقت , فردت عليه ميسرة :
      لا ما لكش حق , دى القدس
      ونظر اليها مندهشا وقال :ايه يعني ..؟!
      وعند هذا الحد لم احتمل فتدخلت فى الحديث قائلا:
      القدس هى انا وانت , وكل عربي , كل مسلم , وكل مسيحي , هي كل مصري وكل فلسطيني …!!
      وإزداد الحوار حدة حتى انهيته بقولي :
      إنني اتأسف على الدقيقة او الدقيقتين اللتين قضيتهما معك , لكن ما يخفف ذلك على ان ميسرة بيننا .
      وانسحبت تاركا المكان له , وانا لا اعى ما حولي .. وما يكون ورائي او امامي , وقبل ان أصل الى باب الجامعة الخارجي , سمعت صوتا جذابا ورقيقا يهتف وينادينى بالحاح ان اتوقف , وانتظر , وكدت لا أصدق نفسي فهذه "ميسرة" أمامي هى التى تنادي وتقترب .. ومدت يدها وهى تقول بصدق وحب واضحين : ( هات ايدك ) .. ووضعت يدي فى يدها , وخرجنا سوية لاول مرة معا..
      انا وهى وحدنا .. نسير على غير هدى, انا غير قادر على النطق بكلمة واحدة , وهى تحمل اللوحة بكل ثقلها وتسير بجانبي تنظر الىَ بين الحين والآخر , وأنا اتحاشى النظر اليها خوفا من جمال عينيها , حتى بادرت بخفة ورقه قائلة : " مش تريحنى شويه … انا حامله اللوحة كل المسافة الطويله دي , وانت ماشي جنبي ومش داري بحاجة , امسكها عنى شويه يا أخي) !!
      وارتبكت , وتصبب العرق بغزارة على وجهي وانا استلم منها اللوحة معتذرا لها عن غيابي بجوارها .. حيث اكملنا الطريق متناوبين على حمل القدس .



      عائد وعائده
      -----------
      وجدت نفسها فجأة فى عربة جيب تخطفها الى حيث لا تعلم اين ومتى وكيف حدث هذا ..؟؟ كانت الساعة تزيد على الواحدة بعد منتصف ليلة سوداء مظلمة .. والذين سحبوها من غرفة نومها لم يسمحوا لها ان ترى بالعين المجردة .. حاولت ان تصرخ محتجة فكمموا لها فمها , تأوهت وتنهدت ثم صمتت … مرت دقائق سمعت بعدها صراخ وجلبة , تبينت الصوت وصاحبه فعرفته ,… كعادته يثرثر ويناقش ولا يصمت .. والصمت لا يعجبه فيغني اغنية التحدي الدائمة على لسانه .. وتسمعه قويا يقول : مين اللى قام يدافع ؟ مين اللي هز المدافع ؟ ولا يسمحوا له بالاستمرار فى غنائه المفضل , وبكل الغطرسة والكبرياء , المعروف عنهم يؤلمونه , فلا يصرخ الا باسم فلسطين وباسم الثورة الشعبية , انها تذكر الان اول مرة التقته فى كافتيريا الجامعة وقالت له انه مشاغب ورد عليها مصرا : انا لا استطيع ان اكون اقل من ذلك وسط هذا الهدوء .. وفى لقائهما الثاني شاركته حبه للشغب ..
      وبعد عـام مضى على حبهما للشغب سألته : ماذا حدث ..؟ أراك تكره الشغب ..!!
      فرد عليها بحذر : لان الاخرين بدأوا الشغب ضدنا … والحلقة تضيق حولنا , ولم تمض ايام على ذلك الحديث بينها وبينه حتى رأت نفسها بجانبه فى عربة جيب واحده حيث ضاقت الحلقةالى الحد الذي شعر الاخرون عنده بضرورة تضييقها الى عقدة تعصر الامل .. اهتز بدنها , وشجعت كل اغراء عندها فى مناداته لتطمئنه انها فى العقدة بجواره , مالت على احد الجوانب المدببة لترفع الكمامة وتقول انا عائده … انا بجانبك .. وقبل ان يستفيق هو من المفاجأة , هجم عليها رجل لم تعرفه واغلق فمها بيده .. تأوهت , تألمت , فاسترد وعيه , صرخ بكل قوته منشدا : عائدون ..عائدون .. عائدون … اننا لعائدون يا عائده ..
      ضربوه ولم يصمت …, انه المشاغب الأمثل .
      وعندما أحضروها أمام المحقق اجابته على كل الاسئلة ولكنها سألته سؤالا واحداً :
      -
      لماذا كل هذه الاسئلة ..؟؟
      -
      لأنكم ضد المعادلة ..!
      -
      ومتى أصبحنا ضد المعادلة ..؟؟
      -
      حاولتم القفز علينا دون أن تستأذوننا ..!!
      -
      وهل هذا يساوي عندكم مجزرة ..؟؟
      -
      لقد اخذتم دورنا , وهذا وحده كاف لذبحكم ..!!
      -
      وماذا عن وطننا , هذا ما يهمنا ..؟؟
      -
      انه المعادلة .. وطنكم ضدكم وانتم ضد وطنكم ..!!
      -
      وأين وحدة الهدف ..؟ أين المصير المشترك ..؟
      -
      الفاظ يتلاعبون بها … كما يطلقون عليك اسم عائده , وأنت سجينة فى زنزانتي ..
      -
      أطلق سراحي , واعطني فرصتي احمل اسمى وأعود به الى موطني ..؟؟
      -
      هذا غير مسموح به .. وانى اقترح عليك تغيير اسمك ..؟؟!!
      -
      لا ..لا يمكن .. لن اغير اسم عائده … ولن أعود لاجئة … سأحتفظ باسمي كما هو .. سيبقى نورا لغيري .. ولتعلم اننى لا احمل هذا الاسم وحدي هناك مئات والاف غيري يحملون مثل اسمى فى داخل وطننا وفى خارجه .. انت تعلم أن هذا الاسم منقوش فى قلوبنا ولن نجتثه .
      -
      وهل تعرفين مصيرك ما دمت مصرة على اسمك ..؟؟
      -
      أعرفه وأملي ان افوز به
      -
      ما هو ..؟؟
      -
      سنرجع يوما الى حينا , ويرجع العندليب يغنى لنا فى ارضنا ..
      -
      انها اغنية …!!
      -
      لكنها الحقيقة فى حياتنا ..
      -
      لقد جاءوا بزميل لك فى الليلة الماضية … اسمه " عائد " ..!!
      -
      أين هو ..؟؟ ماذا حدث له ..؟؟
      -
      لم يحدث له شىء .. لقد عاد من حيث أتى ..
      -
      هل اطلقتم سراحه ..؟؟
      -
      لم أقل ذلك … لقد كان , وقبل ان يولد لم يكن ,.. لقد مات بالسكتة
      القلبية ..
      -
      ودوت منها صرخة متشنجة , فأمسكها المحقق من شعرها بغضب قائلا :
      -
      لقد عاد من حيث آتى .. فهل تحبين ان تكون عودتك مثل عودته
      -
      اريد ان اعود من حيث اتيت .. اعيدوني الى موطني .. اذبحوني هناك ..
      -
      لقد مات المشاغب دائما اذن … وكانت امنيته ان يموت فى بلدنا ..
      وبعد شهر من الزمان , هدأت بعده الامور , كمموها مرة ثانية , ورموا بها خارج الحدود مع مجموعة من زملائها , والقت نفسها على الارض الخضراء اليابسة فى يأس وألم , وأغمضت عينيها تنهمر دموعها باكية .. ومضت عليها دقيقة او دقيقتان قبل ان تسمع صوتا حنونا تعودته مشاغبا يناديها باسمها , ولم تصدق نفسها , وفتحت عينيها المغلقتين لتراه امامها واقفا بشموخ كالجبل , انه هو المشاغب ذاته … لم يمت كما قيل لها … لا تصدق ما تراه امامها … ولم تستطع ان تنطق بكلمة واحدة غير اسمه:
      عائد … عائد ..
      ووجدته يمد لها يده لتقف شامخة مثله قائلا بحزن يشوبه التحدي : نعم ... نعم يا عائده .. انا عائد بلحمه ودمه ..
      ونهضت , ولم تتمالك الا ان تعانقه , وانخرطت فى بكاء عرائسي ..
      -
      لقد قالوا لى انك .. انك ذهبت شهيدا فى الزنازين ..
      -
      وقالوا لى نفس الكلام عنك … انهم لا يفعلوها … انا لا أصدق ان يفعلوها 000 كل ما حدث كان اثبات وجود لوجودهم … كل ما تم كان خطئا لا بد من
      اصلاحه .
      -
      وهل تثق بهم بعد الان يا عائد ..؟؟
      -
      لا بد من ذلك … لا بد من ذلك يا عائده ..؟؟
      -
      ولكنى لن أفعل ..
      -
      يجب أن تفعلي ..
      -
      هل انتهيت ايها المشاغب ..؟؟
      -
      ابدا .. ولكنى صاحب حق … وصاحب الحق لا يضام ابدا ..!!
      -
      ولكن
      ووضع يده برفق وحنان على تغرها , قبل ان تكمل عبارتها , وبدأ فى الغناء :" مين اللى قام يدافع .. مين اللى هز المدافع " .
      وبعد شهور قليلة , تسلل عائد فى مجموعة واحدة مع عائده الى داخل الوطن المحتل وهم ينشدون :- عائدون … عائدون … اننا لعائدون … فالقلاع والحصون لن تكون … اننا لعائدون ..
      وفى منتصف الليل من ذلك اليوم , وضع "عائد" يده متشابكة فى يد "عائده " بعد أن حاصرتهم طائرات ومدرعات العدو , وقبل ان يستشهدوا فى معركة غير متكافئة سألها عائد : هل تتزوجيني … فأجابته : نعم .. أتزوجك … وكان يوم زفافهما هو يوم استشهادهما .




      سنوات في الحي الخليجي
      ------------------
      كان من سوء حظ { مثالي ] انه عمل بالشركة الوطنية للصناعة والتسويق فى الوقت الذي كانت فيه سيطرة الموظفين الاجانب أقوى ما تكون , ولم يكن باستطاعته ان يرفض العمل , بالرغم من ضعف المعروض عليه من مزايا مادية ومعنوية تناسبه كطالب جامعي عربي , ينذر وجود مثله بين الموظفين العرب بالشركة فهو منذ ان نجح فى الجامعة قبل ثمانية اشهر تنقل بين اربع أو خمس وظائف وخرج منها لسبب او لاخر… اول وظائفه كانت سكرتير لمدير احدى البلديات, يقضي ساعات جالسا امام مكتبه , وبجواره ألة كاتبه واوراق بيضاء مكدسة , لا يكتب فيها شيئا , فكل عمله أن يرد على الهاتف , والهاتف بجواره يرن فى الساعة اكثر من عشرين مرة , وفى كل مرة عليه ان يدون ملاحظات سريعة عن هذه المكالمات , أو يحول المكالمات الى المدير ليرد عليها .. درس لمدة اربع سنوات وتعب وشقي حتى حصل على الشهادة الجامعية لينته به الأمر وراء هاتف دون ان يحقق طموحه , فى المشاركة العملية والميدانية التى يطبق عليها دراساته التجارية فى الجامعة .. فهو لم يدرس شيئا عن التليفون فى الجامعة , لقد درس المحاسبة المالية , والتكاليف والمراجعة , والمحاسبة الادارية , والاقتصاد وإدارة الأعمال , ولم يقرأ كلمة واحده فى كل المنهج عن التليفون , فكيف يستمر فى عمله مع تليفون , اما ثاني وظائفه فكانت مشكلتها فى صاحب العمل نفسه فهو جاهل وأمي , لا يقرأ ولا يكتب , ويمتلك ورشة فنية سلمها ( لمثالي ) لكي يدبرها حسابيا وإداريا , ولم يكن ذلك سهلا أو بسيطا , فكيف يقبل المالك الجاهل , ان يسمح للموظف المتعلم بادارة املاكه دون ان يتدخل , فكان الخلاف لسبب بسيط وهو ان المالك قال : لقد جمعت ثروتي بعقلي وخبرتي , ولن يكون العلم أفضل من الخبرة , وكان رأي ( مثالي ) بأن العلم ضروري بجانب الخبرة فى ادارة رأس مال يعمل فيه مجموعة من البشر يحتاجون لادارة مالية ورفض المالك هذا المنطق , ورفض الادارة والحساب , واكتفى بطرقه البدائية فى الادارة والحساب .. واتفقت ارادة المالك مع ارادة( مثالي) الذي وجد عملا فى احد البنوك الوطنية , وكان الخلاف بين مدير البنك وبين مثالي ناشئا عن جغرافية الوظائف , فالمدير لم يتقبل مثالي منذ اللحظة الاولى لانه لا يتقبل جنسيته , فأرهقه فى العمل , ولم يكافئه , وتهكم على افكاره العملية , ورفض ان يعطيه نفس المزايا التى حصل عليها زملاؤه فى نفس العمل ونفس الدرجة الوظيفية , فتقدم ( مثالي ) بشكوى الى المدير الأعلى , الذي وجدها منطقية , ولكنه لم يجد من المنطق ان ينصف موظفا صغيرا جديد على موظف كبير وقديم , ورأى ان افضل حل هو ان يعتذر {مثالي} لمديره ويعود الى العمل منصاعا لاوامر مديره , ولم يكن من طبع {مثالي} التنازل عن كرامته وخاصة فى حالة سببها جغرافية الوظائف فكانت وظيفته الرابعة بشركة مقاولات بدأت عملها بجهد ثلاثي من صاحب الشركة وزوجته وشريكه .. وكان مثالي بين هؤلاء الثلاثة , يساعده سكرتيرة حسناء وموظف علاقات عامة , بجانب الفنيين العاملين خارج المكتب بما فيهم المهندسوالعمل فى تلك الشركة له طابع مثير , فما يتم خارج الكتب من اعمال هندسية هو وحده العمل المتصل بشؤون المقاولات … فصاحب الشركة يأتي الى مثالي لينظم له حساباته الخاصة بسيارات النقل التى يمتلكها , وزوجته مشغولة بالسؤال عن تصرفات زوجها مع السكرتيرة الحسناء وتثير المضايقات تلو المضايقات حول هذه السكرتيرة , اما شريكهما فمشغول بسرقة اموال الشركة عن طريق مصروفات وهمية وهل يمكن ان يسمي (مثالي) عمله وسط هذه الحلقة الثلاثية عملا اداريا ومحاسبيا … لا يمكن.. وهذا يعني انه لا يمكن ان يستمر فى عمله مهما كلفه الامر , بل ان الامر وصل معه على ان لا يعمل فى شركات القطاع الخاص بعد تجربته مع تلك الشركة , وهكذا ترك عمله دون ان يؤمن لنفسه عملا آخر , بل وجد نفسه وحيدا دون أن يمد له قريب او صديق يد المساعدة فى فرصة عمل اخرى , فالكل اصابهم الملل من رفضه المتكرر للوظائف , واقتنعوا بأنه لا يمكن ان يقبل بعد الان أى وظيفة مماثلة , وستذهب مساعيهم من اجله أدراج الرياح , ولذا طالت فترة انتظاره للوظيفة المناسبة التى يرغب فيها , حتى كان نصيبه مع الشركة الوطنية للصناعة والتسويق , وقد جاءته فى وقت فقد فيه كل الاحاسيس العظيمة , وطموحاته فى وظيفة براتب صغير وسط موظفين كلهم من الاجانب لا يستطيع التفاهم معهم او العمل بينهم الا بارادة قوية , ولمثاليته فقد وجدت كلمات المدير الاداري اليه عن تعريب الوظائف فى الشركة أذنا صاغية , واهتماما كاملا , فهو يحب كل ما هو عربي , ويضحي بكل شىء مقابل تحقيق هدف عربي , ولو كان هدفا صغيرا على مستوى شركة من الشركات لا اكثر , المهم ان الوظيفة اتفقت مع ذاتيته العربية فأحبها رغم ما فيها من اضطهاد صادفه مع أول شهر من استلام عمله بالشركة فقد كان زملاؤه يشعرون بخطورة ان ينضم اليهم موظف عربي لاول مرة بينهم , فهذا يعنى بالنسبة اليهم فأل غير طيب فكانوا يتحرشون به , ويحاولون تثبيط همته فى العمل دائما فكانت احاديثهم له حول الشركة وعملها المرهق ومزاياها المادية الضعيفة وهو يحب النقاش , ويحلو له الحديث فى المواضيع العامة , خاصة ما يتصل بإثبات القدرة الانسانية العربية على المواجهة والتحدي حتى فى احلك وقت وكان قادرا على اثارتهم رغم تجمعهم عليه , حتى كان يوما ابتدروه بالنقاش وكأنهم يدبرون امراً .. حيث سأله أحدهم : لماذا أتيت للعمل هنا ..
      -
      لأننى أريد ان اعمل فى هذه الشركة , التى ستحقق لى مستقبلا جيدا , خاصة انى من اوائل العرب فيها وكان يقصد استفزازهم بهذه الكلمات , وقد شعر بذلك عندما احمرت وجوههم فحول احدهم الحديث قائلا :
      -
      ان العمل مرهق جدا هنا .. فلماذا لا تحاول الحصول على وظيفة افضل وانت عربي تستطيع ذلك ايضا .
      أنا احب العمل المرهق فالجلوس وراء المكتب بدون عمل شىء ممل لا احبه ورفضته وابتعدت عنه والوظائف فى الحكومة لن اجد فيها عملا نافعا ومفيدا , لأننى سأجلس أغلب الوقت بدون عمل .
      -
      ولكن الرواتب هنا سيئة جدا .. ولا بد انك تحب الحصول على راتب افضل..
      -
      اذا كنت تحدثنى عن الوقت الحاضر فالرواتب سيئة ولكن ماذا عن المستقبل فهنا افضل من الحكومة .
      -
      ولكنك لا تعرف شيئا عن نظام العلاوات والترقيات فى الشركة فكل ثلاثة اعوام ترقية واحدة .
      -
      حسنا , اذا لم يختلف الامر معي ففى الحكومة قد لا احصل على ترقية الا مرة واحدة كل اربع سنوات .
      -
      هل تعلم اننا حاصلين على شهادات عليا واغلبنا معه الماجستير واقل واحد منا له على الاقل خمس سنوات من الخبرة فى العمل بالشركة , فكيف ستكون فرصتك فى الترقي بيننا .
      كان سؤالا محرجا ومرا كالعلقم فهو يمثل حقيقة الامر بالشركة , كلهم من ذوي الشهادات العليا ومن اصحاب الخبرات الكبيرة فى بلادهم وهنا .. وارتبك {مثالي} ولم يعرف بماذا يرد ثم قال :
      -
      يجب ان تعلموا اننى الوحيد الذي اجيد اللغة العربية بعد المدير فى الدائرة وسوف يلزم الأمر بعد عام او عامين موظفا مثلي بعد ان يتزايد عدد العاملين العرب بالشركة اليس كذلك
      كانت هذه الاجابة بمثابة شرارة فى وجوههم , ولكن مثالي صريح ومثالي , وهذا ما سيتعبه معهم .
      منذ نهاية الشهر الاول اتفقوا عليه عند مدير الدائرة وابلغوه انهم لا يستطيعون التفاهم معه لأنه لا يجيد الانجليزية , كما أنه يثير الضجة من حولهم , فإضطر المدير العربي ان يوجه اليه اللوم امامهم , وحاول ان يعترض ولكن المدير افهمه بضرورة الانتظار والتريث وأن يأتى اليه مباشرة كلما شعر بأنهم يثيرون المشاكل ضده .. لقد فهم من بعض الموظفين العرب الاقدم منه ان مديره يعاني من تكتلهم امامه .. ولمثاليته وتفانيه فى حب كل ما هو عربي ضد هؤلاء الاجانب الجبناء فقد صمم ان ينتقم لنفسه ولمديره المسكين منهم , ولم يعلم انه المسكين بين الجميع … ومضى عليه فى العمل اكثر من شهرين دون ان يشعر بأنه استلم عملا مجديا ونافعا , وهو يكره ان يكون فى عمل دون ان يلم بكل جوانبه , ويعرف كل تفاصيله لا ان يجلس لكى ينتظر رحمة الاخرين عليه , فهو منذ شهرين يقوم بعمل واحد عبارة عن تجميع ارقام واعادة جمعها وهكذا ..حتى ملأ الشعور نفسه بأنه عداد كهرباء , ولم يكن هناك شيئا فى كتب الجامعة عن عداد الكهرباء.. فثار عليهم يوما وقال لهم : أريد عملا .. عملا حقيقيا فى الادارة والحسابات.. فرد عليه احدهم بما يشبه الازدراء : لقد أعطيتك عملا فحاول ان تنهيه اولا .. وبدأ الدم يصعد الى رأسه وقال بعصبية : أه, عملية جمع الارقام هذه لقد انتهيت منها .. فابتسم مسؤوله ابتسامة ماكرة وخفيفة ثم اخرج بعض الكشوفات وقدمها الى {مثالي} وهو يقول :
      -
      كرر على مسامعى الارقام الموجودة بالكشف لاطابقها على الارقام الموجودة بكشوف المخازن عندي .. ونظر الى الكشوف , وتحسر على نفسه التى رفضت عمل التليفون فقد كان ارحم من عمله كالعداد .. والقى بالكشوف على المكتب باهمال وعصبية بالغة وهو يقول : الا يوجد عمل اخر فى هذا المكتب غير الجمع واعادة الجمع , ومطابقته طوال الشهر انه شيىء مقرف ومهين .. اريد عملا اخر .. وهنا وقف الموظف مهددا بتبليغ المدير عن الضوضاء التى يثيرها فى المكتب وعن رفض {مثالي} للعمل بجدية وانضباط … واحتد مثالي وقال : اذهب الى الجحيم ..
      وإرتاحت نفسه بأنه بهذه العصبية قد انتقم لنفسه ولمديره من تكتلهم ضد تعريب العمل بالشركة ولكنه لم يعلم انه ارسل نفسه بهذه العصبية الى الجحيم منذ ذلك اليوم .. فقد اضطر مديره ان يوجه اليه انذارا لسوء التصرف مع رؤسائه فى العمل فالواقعة تدينه , وهو الذي اعتقد بأنه سينال اعجاب مديره العربي على هذا التصرف وخاصة انه يعاني من تكتلهم عليه هو نفسه … ولم يحاول ان يفهم تصرف المدير بأنه ضروري وخاصة أن المدير العام اجنبي هو الاخر ويتعاطف مع أولئك الموظفين .. وبدأت علاقته تسوء مع مديره العربي فقد شعر بجرح لموقفه النبيل واصبح الامر بالنسبة اليه اثبات وجود فى العمل , بل اصبح الاستمرار فى هذا العمل عنده هو الحياة , فالمعنى الوحيد لتركه العمل فى الشركة بينه وبين نفسه استمرار لهزيمة نفسية اصابته منذ تخرجه كما انه سيعطي الفرصة لكل من حوله ان ينعتونه بالفشل بعد خمس وظائف لم يستقر فيها ,بالاضافة لكونه عربيا , ولا يحب ابدا ان ينهزم وظيفيا امام غير العرب , وخاصة انهم احقر من ذلك .. وتحدى كل الاتجاهات الموجودة داخله ليترك الشركة ويعمل فى مكان اخر .. لأنه يشعر بأنه امام امتحان قاس يواجهه لأول مرة فى حياته الا وهو المسئولية , انه الان مسؤل عن حياته , والحياة عند أي مسئول فى أي مكان ليست سهلة الهضم , ولا بد ان يواجه عسر الهضم فى بداية الطريق حتى يشعر بلذة الطعام بعد رحلة كفاح فى الحياة لا بد له ان يعيشها فالمثالية والخيال قد تكون مجدية ايام الدراسة , ولكننا يجب ان نكون واقعيين مع انفسنا وغيرنا ونحن نمسك بزمام المسئولية
      ومضى عليه عام, وهو يعيش الواقعية فى حياته العملية , ويحاول ان يكون اكثر دبلوماسية مع الاخرين , بل اعتقد بينه وبين نفسه ان المشكلة كلها فى شهادته الجامعية , فلينس شهادته قليلا ولم يكن صعبا عليه وكل من يعمل معه لا يحمل شهادته الجامعية , وخاصة العرب منهم لأن الجنسيات الاخرى من الوظفين لديهم شهادات يمكن ان تزن اطنانا فى قيمتها , وكأنهم يحصلون على تلك الشهادات فى بلادهم بدون رقيب او حسيب .. المهم ان هذه البلاد ليست بلادهم .
      ولم يستيقظ من إغفاءته الطويلة تلك , الا عندما شعر بأنه يجب ان يكون مسؤولا ايضا عن حماية الشهادة التى يحملها , الشهادة التى قضى اربع سنوات من حياته فى الدراسة لكى يحصل عليها , وهو كفء ان يحمي هذه الشهادة , لولا مثاليته التى تجعله ينظر الى كل الناس على انهم إما منافقون وإما انتهازيون وإما أرزقيون .. وهو اين مكانه من هؤلاء.. لا يجد لنفسه مكانا .. قد يكون مكانه بين الارزقيين , وإلا لماذا يقبل على نفسه العمل بمستوى اقل من مستوى شهادته .. المشكلة ليست فى شهادته .. المشكلة فى ان كل العاملين فى نفس دائرته من ذوى المؤهلات العليا والخبرات الكبرى , ولو اتيح له العمل فى دائرة أخرى أو مكان اخر سيجد نفسه فى المكان المناسب بالطبع .. ولكن كيف يكون ذلك .. الوظائف كلها فى البلد ذات اتجاهين , أما وظائف جيده وتلك تحتاج الى واسطه , والواسطة مشكلة .. الطريق اليها هو المشكلة .. ايجادها والسعي اليها ليس من شيمته رغم حاجته اليها .. يقولون ان الحاجة ام الاختراع .. فهل يمكن ان يخترع واسطة فليذهب الجميع الى الجحيم لماذا لا يكون قانعا , وسوف يحصل على فرصته يوما من الايام .. ولكن من ينتظر .. {سلافه} تسأله دائما عن راتبه .. سلافه هذه فتاة احبها قبل ان يعمل فى الشركة , منذ ان ولد وهو يحبها , فيها ايضا كل معاني الحياة .. المسؤولية والبيت والزوجة والسيارة . وكل هذه الحاجيات تحتاج الوظيفة الجيدة والممتازة , التى تعطي راتبا جيدا , ولو اقتنعت بوظيفته , وان هذا هو نصيبه , فكيف يقنعها بشهادته الجامعية .. أليست للشهادة معنى .. وهذا المعنى , ألا يجب احترامه .. انها تعرف اشخاصا يعملون بأقل من شهادته فى وظائف افضل ولم تسأل نفسها كيف حصلوا على تلك الوظائف , لقد قال لها : انه لا يملك الواسطه التى يملكونها ولكنه كاذب , لقد ترك اربع او خمس وظائف فى ثمانية شهور , لو استمر فى احداها لكان له شأن اخر الان .. ماذا يقول لها , وجدها فرصة ليعبر لها عن اعجابه بها , وحبه لها قال لها : اتعرفين انى احب هذه الوظيفة , لأننى تعلمت منها كيف احبك بإصرار وعناد , وتحدي .. لقد تعلمت فى هذه الشركة كيف اكون عنيدا ومحافظا على الشىء الذي املكه , ولو كان هذا الشىء فيه عذابي .. ضحكت لفترة , ولكنها استدركت قائلة : لكنك لو كنت فى وظيفة أفضل لكنا الان فى بيت واحد .. وأجابها بذكاء المحب : لكنك لن تشعري بعظمة حبي اليك , فحلاوة الحب فى عذابه .. تعذبينني , وأنا تحلو لى الاشياءدائما عندما يعذبني الطريق اليها .. العذاب خارج البيت أفضل من العذاب داخله .. ولم تقتنع , وهو أيضا لم يكن مقتنعا , ولكي يكون مقنعا ومقتنعا اهتدى اخيرا الى جواب على سؤالها فى عدم حصوله على الوظيفة المناسبة , وقال لها :
      اتعرفين ان المشكلة فى عدم ايجادي للوظيفة المناسبة .. المشكلة فى اسمي .. ولم تفهم .. فردد عليها اسمه المشكلة فى هذا العصر : نعم اسمي .. مثالي .. مثالي هو مشكلتي .


      لا تلمني لو صار جسدي فاكهة للفصول

      تعليق

      • محمد برجيس
        كاتب ساخر
        • 13-03-2009
        • 4813

        #4
        لكم تألمت و حزنت لهذا الخبر المؤلم
        أسأل الله أن يتغمده برحمته و ان يتجاوز عن سيئاته

        و نسأل الله لأهله الصبر السلوان ..

        شكرا لك شاعرتنا الرقيقة سليمى ؟
        القربُ من ذاتِ الجمالِ حياتي
        بالعقل لا بالعين ذًقْ كلماتـي

        تعليق

        • م. زياد صيدم
          كاتب وقاص
          • 16-05-2007
          • 3505

          #5
          تعزية حارة.. لذويه واهله واسرته واصدقائه بفقداننا اديب ومؤرخ قدير وكبير ابن قطاع غزة المرحوم باذن الله يسرى راغب شراب..كان صديقا خفيف الروح دمث الخلق ..مثقف كبير وكاتب وروائى رائع..كان صديقا وزميلا فى صالون القلم الفلسطينى ..التقيته كثيرا وفى بيته بخان يونس وتشرفنا به فى بيتى هنا ..لاحول ولا قوة الا بالله .. رحمك الله ابا الرغب واسكنك فسيح جنانك ..
          التعديل الأخير تم بواسطة م. زياد صيدم; الساعة 20-01-2013, 21:30.
          أقدارنا لنا مكتوبة ! ومنها ما نصنعه بأيدينا ؟
          http://zsaidam.maktoobblog.com

          تعليق

          • بسباس عبدالرزاق
            أديب وكاتب
            • 01-09-2012
            • 2008

            #6
            علمت بالخبر من خلال الغرفة الصوتية

            رحمه الله و تقبله الله بين الشهداء و الصديقين

            إنا لله و إنا إليه راجعون
            السؤال مصباح عنيد
            لذلك أقرأ ليلا .. حتى أرى الأزقة بكلابها وقمامتها

            تعليق

            • مصطفى بونيف
              قلم رصاص
              • 27-11-2007
              • 3982

              #7
              كم بكيت ..كان صديقا جميلا، وطالما شجعني على الكتابة....وكان يحادثني على الفيسبوك بكل ود ...
              اشعر بأنني فقدت فردا من أفراد العائلة...
              تعلمنا منه الوطنية

              رحمه الله وأسكنه فسيح جناته وغفر الله له....وألهمنا وألهم ذويه ومحبيه الصبر والسلوان
              [

              للتواصل :
              [BIMG]http://sphotos.ak.fbcdn.net/hphotos-ak-snc3/hs414.snc3/24982_1401303029217_1131556617_1186241_1175408_n.j pg[/BIMG]
              أكتب للذين سوف يولدون

              تعليق

              • سليمى السرايري
                مدير عام/رئيس ق.أدب وفنون
                • 08-01-2010
                • 13572

                #8
                بقيّة المجموعة القصصيّة للأستاذ الراحل يسري راغب


                ابنة القضيه
                ----------
                لم أشعر فى يوم من الايام اننى احببت فتاة مثل ما احببت سلافة , عيناها الخضراوان تذكراني بالبساتين الخضراء بلد الميلاد والطفولة , وبشرتها البرتقالية تشدني الى بيارات البرتقال فى فلسطين , وعندما كنت اتحدث اليها اشعر اننى امام جزء من حقيقتي الضائعة التى ابحث عنها 000 بل عندما استمع اليها وهى تنطق كلماتها بالصراحة والعفوية المميزة , اعيش حقيقتى كاملة 000 فى عينيها احاديث عن الالم الفلسطيني 00 وفى رأسها خواطر عن الأمل الفلسطيني 000 وفى صراحتها وعفويتها اجد العمق الفلسطينى 000 ولم يكن غريبا ان تكون هى الحقيقة فى حياتى لذلك احببتها كما لم احب فى حياتي , واكتشفت اننى فى كل علاقاتى السابقة كنت اعيش الوهم بعينه 00
                لن تصدقوني وانا احكي قصتى معها ولكنها الحقيقة عندما يكون الانسان والقضية شيئا واحدا000 ولا تستغربوا ذلك فى حديثي عن سلافة , وهى ابنة القضية , فقد قابلتها لاول مرة وهى تعيش حالة من حالات القنوط والالم , تفكر كثيرا وتتكلم قليلا 000 وعندما تتكلم تخرج كلماتها قوية ونبراتها متعالية عظيمة 000 الثقه بالنفس تميزها , لا تعير اهتمامها لامر من الامور الا اذا شعرت ان الامر ينقص من قدرها ويهز كبريائها 000
                رغم الالم الذي تعيشه , لم تكن تسمح لنفسها بأن تتنازل بوصة واحدة عن كبريائها وعزة نفسها .. ومع انها لم تكن قد تجاوزت التاسعة عشرة من عمرها , لم اكن اشعر يوما من الايام اننى امام فتاة مراهقة , فى هذا السن التى تنشغل خلالها فتيات العصر بزينتهن , كانت هى تهتم بعملها ولم تعر اهتمامها لشكلها 000 ربما يعود ذلك لثقتها بجمالها , وربما يعود الى احساس اخر قد يكون مرده الى انها تريد ان تكون شيئا ذا قيمه وذا فعالية بين اهلها وبين ذويها .. فأكثر ما كنت المسه فيها تلك الايام هو محاولتها الدائبة لكسب احترام الجميع وثقتهم بها 000 كنت اذهب اليها كثيرا احادثها والاطفها كنت احترم رغبتها واقدسها , وفى نفس الوقت لا اطيق ان ابتعد عنها , بى رغبة داخلية فى ان الازمها , وأخاف ان اصرح لها بما يكنه لها قلبي , خوفا على نفسي من حساسيتها , فأنا احبها ذلك الحب الذي يقدس فيه الانسان الاشياء قد يكون حبا اقرب الى حب الوطن منه الى الحب العاطفي 000 ولذلك كان فيه نوع من الحماية فرضتها بنفسي على سلافة , لم تطلب منى ان احميها الا مرة واحدة قالت لي فيها ان احدهم اوقف سيارته لها ليوصلها ولم اجد فى الامر أى عيب كما كنت اعتقد , لأننى كنت اثق فيها ولكننى عندما وجدت ان هذا الامر تكرر , طالبتها بصد ذلك الشاب صاحب السيارة 000 فأطاعتني ولم تعد تسمح له بإيصالها .
                ومضى عام كامل على هذه العلاقة بينى وبينها , افرض نوعا من الحماية واحتفظ بالحب فى قلبي 000 ولم تعد تحتمل مني هذه المماطلة , انها تريد منى حماية مشروعة , وحبا علنيا .. وهذا يعنى اشياء كثيرة .. فالحماية المشروعة تعنى بالنسبة لى بيتا لا مثيل له , وعرسا عظيما يتحدث عنه العاالم ولم اكن اتصور ان حبى الكبير لسلافة سينتهي الامر به الى مسكن بسيط .. كنت احتقر نفسي وانا افكر بأن مصير علاقتى بسلافة ستكون فى مسكن بسيط , بل اكثر من ذلك هو احساسي نفسه تجاه سلافة , هل يليق بجمال مثل جمالها , العيون الخضراء والبشرة البرتقالية والقد المياس , هل يليق ان ينتهي الامر بها فى حياة بسيطة اعيش فيها معها ! اذا هذا هو عطائي , ولم اكن مستعدا ان اقبل على نفسي بأن يكون عطائي بهذا الحجم , لهذا الحب , وحاولت ان اتفاهم معها على ان تصبر وتنتظر , وأنه سيأتى يوم استطيع فيه ان احقق لها الحياة التى تريدها , او التى اريدها لها .. اما الحب فأعلنته , اعلنته امام الجميع , وأرضيت غرورها , وكنت اقبل لنفسي أي موقف صعب وغير صعب لكي اعلن عن هذا الحب , وأعجبتها فى البداية جرأتي وطريقتي فى الاعلان عن حبي لها .. ولكنها تساءلت : الى متى ؟ والى اين ..؟ لقد فاجأتنى بهذين السؤالين ولم ادر بماذا اجيبها هل أقول لها اننى اعيش ايامي لحبها , وأننى خائف على هذا الحب فقد اصبحت تهتم باناقتها وزينتها , ازداد وزنها قليلا , فازدادت حلاوة على حلاوتها , واخبرتني ان الكثيرين يطلبون ودها , ولكن ماذا أفعل ..؟ لا يمكن ان ارضى لها بالحياة البسيطة .. لماذا لا تنتظرين ؟.. لماذا لا تصبرين ..؟ لماذا تتركينى اقرر امراً لا أريده لك ؟
                خاطبتها بهذا المعنى , ولكنها عادت الى حزنها اعتقدت اننى اهملتها بأننى اتلاعب فى حبى لها , عيونها بدأت تعود للذبول .. لم اكن احتمل ان ارى عيونها الذابلة .. لم اكن اطيق ان يحكم علينا الزمن بهذا الحكم الجائر .. ولكن ماذا نفعل ونحن والزمن نتصارع ؟ وأصبحت امام امرين , اما ان اتركها لغيري من الذين يلاحقونها أو أسعى لكي أحقق لها أفضل عرس وأفضل حياة ..
                وكنت مندفعا ولكني بالفعل كنت على حق , توجهت إلى مدير الشركة التي أعمل بها أصرخ في وجهه أن يتذكرني وقد نسيني أكثر من عامين دون ترقية ودون أي زيادة ولم أكن أعلم أنني أصارع وقبضتي لا تضرب إلا في الهواء وبينما أرفع قبضتي أضرب الهواء , كان المدير يضرب بكاتا يديه على مكتبه ليقرر فصلي من العمل . ما هذا الزمن القاسي إنه يريد أن يحكم علي بأن أبتعد بعيدا عن سلافه إن فصلي من العمل لم يكن يشغل بالي إلا كونه سيجعلني أعيش بعيدا عن سلافة أن أعيش بعيدا عن سلافة معناه أن أفقد الحقيقة في حياتي الحقيقية التي بحثت عنها في كل العيون ولم أجدها إلا في عيونها الخضر التي تحدثني دائما عن بساتين البرتقال في وطني .. لقد تحملت مرة أن أعيش نصف حياة بعيدا عن بساتين البرتقال في موطني . ولكنني لن أتحمل أن أعيش بعيدا عن تلك العيون الخضر التي نقلت لي بساتين الوطن في الغربة .
                اضطررت للتراجع عن موقفي واعتذرت للمدير فقد كنت مخطئا ولكني كنت على حق قد أكون عجزت عن إيجاد الوسيلة المثلى للمطالبة بحقي ولذلك وجدت نفسي أقبل أن أتراجع في موقفي وأعتذر للمدير , على أن يقرر فصلي عن العمل إبعادا آخر عن وطن العيون الخضر وحقيقة احتقرت نفسي ووصلت إلى حالة يأس شديد , ولكني بالأمل وحده حاولت أن أجعل من هذا الموقف دفعة جديدة لي في حياتي , وقد تساعدني هذه الدفعة في إصلاح كل ما كسر مني , على الأقل فإن هذا التراجع سيضمن لي أن أكون قريبا من سلافة , وأن أكون بجوارها إذا احتاجت لي , ولكنها بكبريائها لم تتعود أن تقبل إنسانا ضعيفا , ورفضتني , حاولت أن أفهمها الموقف والظروف ولكنها لم تفهم , او لم تحاول ان تفهم , حاولت ان افهمها اننى املك بيارة فى الوطن فردت على قائلة : اريدك انت لا اريد البيارة .. وفهمت ماذا تقصد .. البيارة فى الوطن ,وانا بعيد عن الوطن .. وعرفت ان الحديث عن الوطن بعيدا عن الوطن نقطة ضعف اخرى 000
                انها تعيش نفس المشكلة , وتعيش نفس القضية , ولذلك فإنها تختارني قبل أن تختار البيارة .. فما هى اهمية البيارة , اذا كنت شخصيا غير قادر على إعادة البيارة .
                هروب اخر000 الهروب مشكلة نعيشها 000ونحن معشر الشباب , ولكن ماذا نملك غير الهروب من الام الحياة ! وجدت نفسي اقول لها : لقد تغيرت سأحاول ان أصحح كل مواقفي , سأسعى لأكون الافضل دائما من أجلك .. وردت على : يجب أن تسعى لتكون الافضل دائما , بدون ان يكون هناك دافع معين حتى لو كنت انا .. واجبتها : ولكنك القضية .. انت الحياة .. سيكون لك فضل كبير فى التغيير الذي أعيشه ..
                وسافرت , سافرت بعيدا , بعد ان اخبرتني انها ستنتظرني لأحقق الأمل , وانا لا ازال احاول .





                صوره طبق الاصل
                --------------
                هبطت الطائرة على أرض المطار , وتتابع ركابها فى النزول , واحدا تلو الآخر , الكل يحاول أن يكون الاول فى الوصول متلهفا للقاء احبائه واقربائه .. وكان سامر بينهم اكثر لهفة وشوقا للوصول , فمنذ اربعة اعوام مضت لم يلتق بأمه وأبيه , مفضلا ان يقضي اجازته فى الراحة والاستجمام بعيدا عن مشاكل اسرية حكمت بوجودها , العادات والتقاليد الاسرية فى كل بيت عربي .. الا انه فى هذا العام قرر ان يستجيب لنداء الحنين فى قلبه , ويتوجه بكل اشواق السنين الاربع السابقة الى امه وابيه ويدفىء قلبه بجرعات الحنان التى ازدادت حاجته لها فى سنوات الغربة الطويلة , ولذا لم يكن غريبا ان يكون هو الاكثر لهفة من سواه فى الوصول , ولو أدى ذلك الى عبارات استهجان واستنكار يسمعها على السنةالركاب الذين يزاحمهم ليشق طريقه نحو ارض المطار , يبحث بين وجوه المستقبلين عن وجه امه وابيه , ويتخيلهما وعيونهما قد اغرورقت بالدموع ويتخيل نفسه انه سيقف خاشعا لترحابهما تقديسا لعلاقته بهما .. انه يقدس الله , والله خالق الجميع , وهو يقدس والديه وهما قد انجباه ..
                قبل ان يصل اتصل بهما تليفونيا , واخبرهما عن موعد وصوله , واخبراه انهما ينتظرانه , انهما يعدان الدقائق والساعات لموعد وصوله , وقد قررا له الزواج بواحدة من قريبات امه , كما يريد , لقد اراد صورة طبق الاصل عن أمه , بعينيها الخضراوين , بكبريائها المحدود بالثقة والاعتداد بدون عجرفة او خيلاء وبطيبتها المتناهية الى ابعد حدود الطيبة والصفاء , ذلك هو ما اراده ان تكون عروسه صورة طبق الاصل عن امه لتنتقل اليه نفس المشاعر التى يشعر بها تجاه أمه ..
                كل هذه المعاني مرت على ذهنه كلمح البصر وهو يفتح حقيبته امام موظفي المطار للتفتيش دون انتباه ودون تركيز , وعيناه تبحثان عن وجه امه او عن وجه ابيه .. فهما لن يتأخرا عن الحضور مهما كانت الموانع او الاسباب .. الا فى حالة واحدة .. لا يمكن ان تكون .. وكيف تكون .. وبدأت الأفكار الخبيثة تغزو عقله بإصرار غير محدود , وبدأ يشعر ان الارض التى يقف عليها رغم انه ولد فيها , ورغم ان امه وابيه يعيشان فيها لا وجود لها تحت قدميه .. وما هى الا دقائق وهو ضائع بين الرجاء والامل سمع صوتا يناديه عرف صوت أخيه { غزال } فأسرع نحوه بكل أشواقه وحنينه وضمه الى صدره وهو يسأله : اين امى ..اين ابي.. لماذا لم يحضرا ..
                كان أخاه من ابيه , وكان منظره يوحي بأن شيئا خطيرا قد حدث ..
                فصرخ فى وجهه بدون وعي : ماذا حدث ..اخبرني..ماذا حدث بالله عليك ..خبرني .. وتهدج صوت اخيه الذي يكبره بعشرة اعوام وهو يقول له بحنان بالغ , ماذا تعنى .. لم يحدث شيئا يا أخي ثم أشاح غزال بوجهه وكأنه يبحث عن سيارة توصلهما الى البيت الذي يبعد عن المطار اكثر من ساعة .
                ونظر سامر ناحية أخيه غزال , واستغرب للآمر كثيرا وهو يرى سيارة يقودها ابن عمه تنتظرهما عن قرب وقد توجه اخوه غزال ناحية السيارة , بعد ان هبط منهاابن عمهما مقتربا ناحية سامر يصافحه مهنئا اياه بسلامة الوصول , بينما كانت حقيبته قد وضعت فى السيارة , وركب الثلاثة متوجهين الى بلدتهم , حيث امه وابيه , هناك بالانتظار ولكنه لم يستطع صبرا فسأل أخاه مرة اخرى : اين امي واين ابي .. فأجابه ابن عمه بهدوء : ان امك مريضة قليلا , والعم مرض لمرضها , فلا بأس عليك يا سامر , تجلد بالصبر .
                واغرورقت عينا سامر بالدموع , فقد كان ذلك اخر ما يتوقعه .. وبدأ عقله الباطن يفكر فيما حدث ..
                ولم يشعر بنفسه وبدأ يجهش بالبكاء , ولقد تخيل اسوأ العواقب وكل مظاهر الامور تدفعه نحو حقيقة واحدة , لا يوجد غيرها مهما حاول ان يفعل .. وتلك الحقيقة هى انه فقد شيئا غاليا وعزيزا , وانه لا حول له ولا قوة فى هذا الأمر ..
                ولكنه مجرد شك لم يصل الى حد اليقين , وهذا ما يخاف الوصول اليه بعد حين .. واقترب اخوه ناحيتة محتضنا اياه قائلا : ما هذا الذي تفعله يا سامر .. كن رجلا , وازداد نحيب سامر , واخوه ينهره بحنان : لا تكن طفلا يا سامر.. وجمع قواه وهو يسأل اخاه بألم : هل تريدنى رجلا فى مواجهة ارادة اقوى واعظم .. اتركنى اعيش طفولتى , فالاطفال احباب الله .. ان كل شىء فيك يطالبني بأن احزن , وهذا ما استطيعه وأكثر مما استطيعه , فالرجولة لا تعني شيئا الان .. وحاول اخوه ان يهون عليه الامر قائلا : ان الوالد ينتظر بفارغ الصبر وصولك , فإذاوصلت اليه بهذه الحالة فلا داعي لأن تذهب اليه , فما رأيك ..
                ونظر سامر بعينين فارغتين من كل معنى سوى الحزن الدفين وسأل سؤالا تائها وعويصا : الن تكون امى فى انتظاري ايضا .. لماذا ابي فقط سينتظرني .. ورد عليه {غزال} : ان الحاجة امك فى المستشفى , وبعد ان نستريح قليلا سنذهب لزيارتها جميعا , وستكون فى اشد حالات الفرح وهي متلهفة لأن تراك بأسرع ما يمكن , والا فلا داعي لهذه العجلة .. فلا تكن طفلا وحكم عقلك , وكن رجلا امام الناس وابيك حتى ترفع قدر والدتك بك , ولا تفكر بشىء الأن .. وقال سامر وكأنه يبحث نفسه : أخي كل ما أخشاه أن أزور أمي فى مكان اخر غير المستشفى , اللهم ارحم وأغفر الذنوب.
                وطأطأ رأسه يقلب الامر ذات اليمين وذات الشمال , ولا يجد سوى شبح الموت 000 وأغرق نفسه فى فلسفة الموت والحياة طوال الطريق وهو يجمع شتات افكاره ليكون رجلا فى موقف لا تحتمل الرجولة فيه ..
                وما ان وصلت السيارة الى البلدة كان قد وصل به الحال الى درجة من الغثيان ولم يشعر بالفرحة التى كان يشعر بها عندما يعود الى بلدته .. فكل ما فى البلدة كئيب وحزين , ولم تكن مصادفة ان يخلو الشارع الذي تقيم فيه اسرته من النساء , كل الشارع رجال , وكأن الشارع قد خلي من النساء وكأن أهله ارادو له أن يرى الرجال فقط دون النساء..
                وأمام المجلس الكبير لاهل الشارع وقفت السيارة وقد اصطف عشرات الرجال من اقاربه حول السيارة , وهبط من السيارة وبيده حقيبة صغيرة وضع بها مجوهرات لوالدته وللعروسة , فتناولها منه اخيه غزال وهو يقول , سأحفظها لك الأن ..
                وكان يمنى نفسه بأن تستقبله امه فيفتح حقيبته ويضع على جيدها الدافىء عقدا من حبات العنب الاصفر اللذيذ .. ثم يسلمها باقي الحقيبة هدية اختيارها له العروسة التى يريدها صورة منها ..
                وكل هذا لم يتحقق , لأن ارادة الله اقوى من كل ارادة وابقى من كل الاحياء .. ولم ير احدا من الرجال لقد بحث بينهم عمن يريده فلم يجده , واخترق الطريق بينهم غائبا عن الوعي الى الداخل حتى يرى اباه وكان ابوه واقفا فى منتصف المجلس ومن حوله بعض الرجال , وقد وضع نظارة سوداء على عينيه ..
                وتجمدت قدماه على الارض , وحاول سامر ان يتمالك نفسه فلم يستطع وقد انحنى على والده يقبله وهو يجهش بالبكاء , ولم يستطع المقاومة وحاول ان يقفز هنا وهناك , فأمسك به جمع من الرجال وسقط من بين ايديهم مغشيا عليه ..وإستيقظ وقد التف حوله اخوانه وابناء عمومته يلفونه بجرعات الحنان .
                بعد ساعات من الصمت الحزين , اقترب منه أخوه غزال وطلب منه ان يذهب لرؤية خالته .. لا بأس فهى صورة طبق الاصل ..
                وبدأت مأساته عندما شعر بالغربة وهو يدخل بيته .. واصطفت النساء بثيابهن السوداء , لن تكون امه بينهن, فمال على اخيه وسأله : هل يجب ان اصافح كل هؤلاء .. فلم يرد عليه اخوه , وما ان وضع يده ليصافح اولاهن حتى اسودت الدنيا فى عينيه , وأشاح بوجهه ودخل الى احدى الغرف فى المنزل يبحث عن الاصل فيها فلم يجد شيئا مما يبحث عنه , اخذ يلف مسرعا عدة لفات وسقط مغشيا عليه مرة اخرى ..
                استيقظ بعد لحظات فوجد امام عينيه خالته , فلم يستطع النظر اليها واغمض عينيه وفتح عينيه مرة اخرى , وخالته تقول له : انا امك ..انا امك .. حملق فيها بعينيه وكأنه يتأكد مما تقول , فلم يجد الدفء الذي يشعر به كلما كان ينظر الى وجه أمه .. فإمتلأت عيناه بالدموع فعادت خالته تقول اليه : انا امك وانا خالتك وابنائي اربعة وانت خامسهم ..
                لم يتحمل كل هذه الترهات التى يسمعها ..لن يكون هناك بديل طبق الاصل فصرخ بأعلى صوته: اين امي .. اين امي .. وصمت مغمض العينين وقد اعياه التفكير وهو يسأل نفسه اين مكان الصورة من الاصل .. وفتح عينيه وقال : كانت هناك صورة لأمي اريدها.. اريدكم ان تصنعوا منها تكبيرا لها سأضعها على الباب الخارجي , فهى صورة حقيقية لامي .. ارجوكم اريد هذه فقط وخرج من البيت كما دخل اليه ..
                انه يشعر بالغربة فى بلده , وخالته ليست امه .. وكل الاشياء من حوله اصبحت مجرد صور ربما تكون صورة مطابقة للاصل ولكنها لن تكون اصلا ابدا..
                فى اليوم التالى لوصوله التف حوله ابوه واخوانه , واختاروا له احدى الصور ليعيش معها .. رفض الصورة , لا شبه بينها وبين الاصل , فكيف يستطيع العيش معها, لم يفهموه ولم يحاولوا ان يفهموه .. وكان كل تفكيرهم ان يعالجوا الامر بأسرع ما يمكن حتى لا يصاب بصدمة تذهب بعقله , ولكنه حاول ان يفهمهم انه قادر على الحصول على صورة طبق الاصل , وأشار الى احدى الصور المطابقة للاصل.. وبعد ان يئس منهم ترك كل شىء وسافر .. تألم ابوه وهو يعرف ذلك ولكنه لم يكن قادرا ان يتحمل ما حوله , كل ما حوله اصبح صورا ومن المفجع ان يعيش جو الاصل فلا يجد سوى الصورة..
                لقد كان اهون عليه ان يعود مرة اخرى الى البلد البعيد لعله ينسى الاصل فيعيش حياته للصور .. والخيال .. لقد اعتاد ان يعيش غريبا منذ سنين طويلة , ولو انه كان يمني نفسه بأن يعود ليعيش مستقرا فى بلده امنا مطمئنا ولكنه عندما عاد الى بلده ووجد صورة مطابقة للاصل, صدمته العودة فلم يحتمل البقاء ورحل بأسرع ما يمكنه , لأنه وجد ان شعور الغربة اهون عليه من شعور الوحدة انه فى غربته سيحلم بالاصول كما اعتاد فى السنين القليلة الماضية ,وسيعود ليمنى نفسه بحياة اصيلة فى يوم من الايام .. وبعد ايام من وصوله وبينما يتوافد عليه عند شقيقه المعزون فى البلد البعيد , رأها وهتف لأخته : وجدتها .. انها افضل واقرب ما تكون الى نفسي ’ الا يمكن ان نتقدم اليها . فهى صورة طبق الاصل من امي وصدمته شقيقته حينما قالت له : انها مخطوبة , ولن نستطيع التقدم لها ..حتى الصور المطابقة للأصل بدأت تختفي انها مأساة ..لقد وجد نفسه يفقد كل الاشياء .. ولكنه سيظل يجاهد حتى يجد صورة مطابقة للاصل ولن يعيش بأقل من هذا البديل .. لا أقل من صورة مطابقة للأصل ..




                عالم ابو نواس
                -----------
                كعادته دائما جلس " أبو نواس " يكتب احدى قصصه أثناء أوقات العمل الرسمي , عندما فاجأه المدير بالدخول عليه فى مكتبه بشكل مستنفر وغاضب ,.. فارتبك " أبو نواس " واحمرت وجنتاه وارتجفت اصابع يداه وعينا المدير تتطاير كالشرر على الاوراق المتناثرة فوق مكتب " ابو نواس " وما هى الا لحظات حتى سأله المدير :
                -
                ماذا تفعل يا أبو نواس بهذه الاوراق المتناثرة على مكتبك ..هه … هل هى قصة أخرى ..؟؟ بالطبع انت لا تجيد شيئا غير كتابة القصص وملء الصحف والمجلات بأقذر الكلمات ..!! غضب ابو نواس على هذه الاهانة المقصودة والمتعمدة ورفع حاجبيه الى أعلى وهم بالحديث والدفاع عن نفسه وعن كرامته الشخصية ..ولم يمنحه مديره فر ررصة للكلام ومد يده ليتناول الاوراق التى يكتب عليها .. وقبل ان تصل يد المدير الى أوراق القصة التى يكتبها .
                قطع ابو نواس الطريق على يد المدير ومنعه من الوصول الى اوراقه الغالية على قلبه … فثار المدير ونظر الى ابو نواس نظرة غاصبه وقال :
                -
                هكذا اذن يا ابو نواس ..!! اعطني هذه الاوراق 000
                -
                ابعد يديك عن الاوراق .. لا شأن لك بها ..
                -
                سوف ترى كيف أعلمك أدب المعاملة مع رؤسائك ..
                -
                اننى مؤدب واستطيع تخريج مدرسة كاملة من المؤدبين .
                -
                ووقح أيضا .. لا تجيد سوى صناعة الكلام والقذف بها ..
                -
                ارجوك 000 احفظ مركزك ولا تندفع وراء أهوائك .
                -
                مادمت وقحا الى هذا الحد فلن اتهاون معك , وسوف يكون اليوم آخر
                ايامك فى العمل معي ..!!
                وكان ذلك اليوم يوم أخير فى عمل ابو نواس الاداري ..
                ***
                لم يحزن ابو نواس كثيرا فقد كان العمل الاداري يثقل كاهله ولم يكن يحبه او يعشقه فحمل متاعه واوراقه وذهب متقدما للعمل فى احدى الصحف التى يكتب لها بين الحين والاخر , فاستقبله رئيس التحرير ببشاشة وود واعدا اياه بكل خير وكان ذلك فى وظيفة تحت الاختبار كمساعد محرر فى الصحيفة حيث يثبت جدارته وكفائته وينتقل الى درجة محرر ثم محرر اول ثم رئيس احد الاقسام التحريرية حتى يصل الى ادارة التحرير , عملية طويله وليست قصيرة وصعبة وليست بالسهلة فى عالم مبدع وحقيقي , وهو ما يبحث عنه ابو نواس ولا يريد سواه رغم ان هناك صحفا تجعل من الشيال فى بعض الاحيان رئيسا لقسم الاخبار وتعطى الجاهل صفحة القراءة , وتقدم للأمي صفحة الثقافة والفن ..!! لكن ليس هذا مناه او مراده , فهو يعلم قدراته ولا يريد ان يقفز عليها خوفا على نفسه وعلى الناس , والقفز هواية يفضلها غيره , لكنه لا يحبذها ولا يريدها لأن نظرته الى المستقبل هى التى تحكم موقف الحاضر عنده , وتؤطره فى الاحتكاك بالمبدعين الحقيقيين لكي يصل الى الابداع الحقيقي .. وبدأ عمله مع الصحيفة بحماس وشغف وقويت العلاقة بينه وبين المحررين من زملائه السابقين له لما لمسوه فيه من حب للعمل يغرقه فى التحقيقات والمتابعات والملاحقات لا يكترث بما حوله وبمن حوله ولا يهتم بأحد حتى اختلف يوما مع المحرر المسئول عن الصفحة التى يساعد فى تحريرها على موقف أدبي له من قضية سياسة واحتد بينهما الحوار والنقاش رافضا ابو نواس : ما السبب ..؟؟
                -
                انه يوحي بتأييد طرف على آخر 000!!
                -
                وماذا فى هذا 000؟؟
                -
                الطرف الذي تهاجمه يؤمن لنا اجازاتنا ..
                -
                تبا لاجازاتكم عندما تطالبني بتحييد الكلمة الحرة الصادقة .
                -
                تبا لك ان انحيازك لطرف يثيرني ولن اسمح به 000
                -
                وهل انحيازي على خطأ ام على صواب .. هل يستند للباطل ام يستند للحق بالدلائل والقرائن 000!!
                -
                حتى لو كان يمثل الحق ذاته فلن تنشره الا على جثتي .
                -
                ما دام الامر كذلك فليكن رئيس التحرير حكما بيننا 000
                وقبل ان يدخل ابو نواس على رئيس التحرير كانت السكرتيرة الحسناء جدا والفاتنة جدا تخرج من مكتب رئيس التحرير وهى تبتسم , وما ان التقت عينيها بوجه ابو نواس حتى قلبت الابتسامة الى تكشيرة مخيفة ورهيبة .. وسألته عما يريده بلهجتها الناعمة المميزة , فتذكر ابو نواس ان اسمها جوزيفين وتدين بالولاء للطرف الذي يهاجمه فى الساحة السياسة فلم ينطق بحرف وأمسك ورقة وقلم كتب بها استقالته من العمل الصحفي .
                ***
                وحمل متاعه واوراقه ليبحث لنفسه عن عمل جديد ولم يجد امامه سوى وزارة التربية والتعليم ليعمل بها مدرسا خاصة وانه يحمل شهادة فى الادب العربي وحددوا له موعد المقابلة فاستعد لها ذهنيا ونسى ان يصلح من شأنه الشخصي ومظهره الخارجي فدخل على اللجنة بهندام غير مرتب وبذقن نبت فيها الشعر , فلاحظ امتعاض الممتحنين لهيئته فحاول ان يرتب نفسه ما امكنه فى تلك الثواني القليلة لكنهم بدأوا استجوابه بجفاء شديد وهو يرد عليهم بقوة وثقة لا حدود لها جعلتهم منبهرين للتناقض بين جوهره ومظهره فسألوا : ما دمت على هذا الاجتهاد فلم يبدوا عليك الاهمال ..؟؟
                فرد عليهم : تقصدون هندامي وذقني انها امور لا تمثل قيمة معنوية وضرورية عندي ما دام الاجتهاد الادبي والتربوي سبيلي ومنيتي وغايتي ..!!
                فقالوا : لكن المظهر أمر تربوي ضروري وهام وسوف نضع هذه الملحوظة عليك رغم قبولنا اياك فى العمل وحياهم ثم خرج من عندهم وهو لا يعلم ان تلك الملحوظة التى لم يكترث لها ستكون حجر عثرة بينه وبين ادارة المدرسة التى عمل بها فمهما اعتنى بنفسه وبمظهره , فقد كان المدير يقول له بين الحين والاخر :
                ان لون البنطلون غامق يفضل ان تأتي بلون فاتح 000
                أو يقول له : لا تضع القميص تحت البنطلون بل ارفعه فوق البنطلون 000
                وفى مرة ثالثة 000 لماذا تقيد نفسك بالبدلة لا داعي لها فى العمل المدرسي00
                ومرة رابعة يقول : لماذا لا تتزوج فتهتم بك زوجتك وبملابسك 00
                وبعد تكرار تلك الملاجظات الجوفاء المقرفة انفجر ابو نواس فى وجه مدير المدرسة قائلا : لعنة الله عليك وعلى من عينك 000!!
                ولم ينتظر اكثر من اربعة وعشرين ساعة حتى وصله قرار الفصل من عمله دون تأخير 000
                ***
                ماذا يفعل الآن 000؟؟ لقد مل هذا العالم وبعد تفكير طويل اتجه إلى إحدى شركات الطيران وقطع لنفسه تذكرة سافر بها إلى حيث يجد لنفسه متنفسا أوسع وأفضل عند أحد السياسيين الذي تتفق آراؤه مع آراء أبو نواس الأدبية واشتكى له العالم المزيف والمنافق والانتهازي فقال له السياسي :-
                -
                لا تهتم يا بني وسوف نجد لك عندنا ما يعوضك عن النفاق 000
                -
                بارك الله فيك 000 وكأنه نطق بشيء غير عادي حيث نظر إليه السياسي نظرة طويلة بعينين متحجرتين وسأله مستنكرا :- ماذا قلت يا أبو نواس 000؟ فارتبك المسكين وقال : لا 000 لم أقل شيئا 000 ولم يعلق السياسي ولكن تقاطيع وجهه لم تكن تبشر بخير في أي مستقبل سياسي لأبي نواس مع هذا السياسي حيث أنهى المقابلة قائلا : تستطيع أن تذهب الآن …!! فسأله أبو نواس باهتمام : إلى أين...!!
                ونظر إليه السياسي مليا ثم قال له : إلى حيث تريد 000!! فاستنكر أبو نواس متسائلا : وهل أعود إليك 000 ؟؟ فقال له السياسي : ارجع إلى بعد أسبوع 000 ورغم مظهر السياسي المحبط لأي أمل فقد عاد إليه أبو نواس بعد أسبوع فاستقبله مدير مكتبه قائلا له : لقد ترك لك الباشا هذه التوصية 000 فصدقت ظنون أبو نواس وزادت خيبة أمله وهو يقرأ التوصية الموجهة لصاحب مكتبة اسمه – الشيخ عبد الكريم – الذي ما كاد ينتهي من قراءة التوصية الموجهة إليه لإيجاد عمل في مكتبته لأبي نواس موقعة باسم ذلك السياسي حتى مزق الورقة ورمى بها في وجه أبو نواس قائلا :-
                هذا الفاسق ماذا يريد 000 ؟؟
                -
                فدهش أبو نواس من هذه المقابلة وسأله بغضب : ما هذا يا سيدنا 000؟؟ إنك تصلي وتعرف الله 000!!
                -
                فصرخ الشيخ في وجه أبو نواس قائلا : لأني أصلي وأعرف الله أقول هذا الكلام وإن لم تبتعد عني فسوف تعرف أن الله حق أيها الملحد 000 ‍‍‍!!‍
                -
                واستغرب أبو نواس قائلا ... ملحد 000 انتظر يا مولانا 000 ‍‍!! إنني رجل مسلم مثلك أصلي وأصوم وأبحث عن عمل أستطيع أن أؤدي به فريضة الزكاة والحج إن شاء الله 000!!
                -
                فكشر الشيخ عن أنيابه : إنني أعرفه ,, هكذا هو دائما يرسل إلينا بعض من أمثالك لكي ينقلوا إليه أخبار جماعتنا الإسلامية وزفر أبو نواس زفرة حادة وهو يقول : سامحك الله يا مولانا سامحك الله والسلام عليكم وبدا على الشيخ الصدق والتأثر فنادى أبو نواس الذي رفض الاستجابة لندائه ومضى في طريقه لاعنا الدكاكين السياسية التي انتشرت كالنار في الحطب مبتعدا عنها إلى أحقر غرفة في أحقر فنادق تلك المدينة ..!! عازلا نفسه عن باعة السياسة المتجولين داخلها
                ‍‌‍‍‍ ‍‍‍‍‍‍ ‍‍‍‍ ***
                ومضى عليه شهران والنقود التي جلبها معه تتناقص ولم يجد عملا يكفيه مؤونة الحاجة والعوز حتى هداه صاحب الفندق الذي يقيم فيه إلى العمل سائقا في قصر أحد الأثرياء الوافدين على المدينة للمتعة والبذخ ورغم أن مهنة السائق لا تتفق واتجاهاته الأدبية فقد قبل بها خاصة وأن راتبها مجزيا وكبيرا بخلاف العالم الجديد الذي سيعيشه ويراه عن كثب ذلك العالم الذي يسمع عنه ويقرأ أخباره في المجلات والصحف وهي فرصة يستفيد منها في كتابة الحكايات والقصص الغريبة والعجيبة لتلك المجموعة من الناس حيث لا يخلو القصر يوما من الضيوف أو الزوار أصحاب المصالح والمنتفعين والسماسرة والممثلات من نجوم السينما والتلفزيون في حفلات صاخبة لا تنتهي , وشاء الحظ السعيد لأبي نواس أن يكتشف الثري عنده موهبة الكتابة وقد وقعت يد الثري على مخطوطة كتبها أبو نواس داخل السيارة وضعها في المقعد الخلفي حين فاجأه الثري مع صديقته الفاتنة – داني – فتاة المجتمع المخملي والأرستقراطية التى تنشر صورها فى صفحات المجتمع المخملي للمجلات الفنية , وبدأ الثري يقلب صفحات المخطوطة التى كتبها ابو نواس فقال له :
                -
                هل تكتب يا أبو نواس ..؟؟
                -
                نعم يا سيدي ..
                -
                ان اسلوبك مشوق ورائع , فلماذا لا تطبع ما تكتبه ..؟؟
                -
                كيف ..؟؟
                -
                سأحدث صديقا لي يملك دارا للنشر..؟؟
                -
                شكرا جزيلا ..!!
                وتذكر ابو نواس وعد السياسي له فلم يهتم كثيرا بوعد الثري , فلا فرق بين السياسي وبين الثري , كلاهما يتمتع بشقاء الاخرين , ولكل منهما اسلوبه وطريقته التى تختلف عن الاخر .
                -
                فحيث أراد السياسي ان يرمي به فى لعبة سياسة يسفح دمه فيها , فإن الثري كانت له ارادة أخرى أراد بها أن يسفح أدب { ابو نواس } حين دعاه داخل القصر , وقال له :
                -
                اريد منك ان تصف لي جسد { داني } ونغمات صوتها , فى كل الاحوال , واذا حققت لي هذا الطلب , فسوف اتكفل بطبع كل ما تكتبه وتوزيعه ونشره ..!!
                واستهجن ابو نواس الفكرة ورفضها رفضا قاطعا قائلا للثري :
                لا استطيع يا سيدي , إن الكتابة أنا , وأنا الكتابة , واذا سقطت الكتابة , سقطت انا , فلا فرق بيني وبينهما , هاك مفاتيح السيارة , وأعتبرني مستقيلا ..!! فلم يهتم الثري , بل قال بتأفف : الى الجحيم ..!! وخرج أبو نواس تاركا الثري مع معشوقته فى قصره .
                وعاد الى أيام الصعلكة , وقضاء سهراته بجانب صاحب الفندق الذي أثنى على موقف { ابو نواس } وعرض عليه العمل معه فى فندقه مقابل مصاريفنومه وطعامه , ولم يكن الفندق يحتمل ذلك الكرم
                .
                فرفض ابو نواس الا انه وافق تحت الحاح صاحب الفندق واصراره ..!!
                -
                ولـم يمضي ايام على عمله الجديد في ذلك الفندق المتواضع حتى التقى { بعليا } ابنة صاحب الفندق . جميلة ورقيقة وجذابة ولبقة من ذلك الطراز الذي يخترق العقل والقلب فى آن واحد ..!! وكان من الصعب عليه ان يقاوم حبه لها , فقد ملكت عليه كل حواسه وشجعته هي بدورها على الاستمرار في حبه لها.
                -
                لكن السؤال : ماذا بعد الحب ..؟؟ هو الذي أقض مضجعه لأنه بوضعه الحالي لا يلبي اقل القليل من طلباتها كفتاة عصرية ..!! قالت له ذلك بصراحة ووضوح , ولم تخدعه حين اعترفت له بأنها تبادله مشاعره , لكنها لا تستطيع أن تكذب على نفسها , فهى تعودت على حياة متواضعة لكنها مرفهة , فكل ما يكسبه والدها لها .. تملك السيارة وتدرس فى الجامعة , وتشتري ما بناسبها من الثياب , تسهر فى عطلة الاسبوع .. تشارك فى كل نشاط جامعي .. وتذهب كل الرحلات مع اصدقائها وصديقاتها , هذه المظاهر لا يمكنها الاستغناء عنها ..!! وهو يعيش فى اعماقها , هو البيئة التي رباها والدها منذ ان كانت طفلة عليها وهى تحب والدها لكنها تحب نفسها اكثر من أى شىء آخر!! وهى اذا كانت تحبه الا ان حبها لنفسها سيمنع هذا الحب , وبكل بساطة اخبرته بأن أحدهم تقدم لها طالبا الزواج منها لن ترفضه , لأنه ثري.. وصاحب نادي ليلي .. سهرت فيه مرة مع اصدقائها والتقته هناك فأعجبته , وطلب ان يراقصها, فوافقت , وبدأ يتصل بها كل يوم بالتليفون … وكانت ترفض ان تلتقي به حتى تقتنع تماما بأنه الرجل الذي يناسبها زوجا.. اما الحب فهى مسألة بسيطة على حسناء رشيقة وذكية مثلها.. وكان عند ابو نواس من الشاعرية ما يكفي عشرة نساء ظامئات للحب الحقيقي, ولكن الانسان لا يعيش بالحب وحده ابدا .
                -
                حاول ابو نواس معها مرة واثنين وثلاث ..!1 لكنها صدته بحنان ورفق وقالت له :
                لا اريد أن افقدك كصديق , أو حبيب , ولكن الزواج امره مختلف .. وبعد شهور قليلة تزوجت من ذلك القواد صاحب النادي الليلي .. فضاع ابو نواس فى اوراقه يكتب لواعج فؤاده وحرمانه من حبيبته المثلى , وتاه فى شوارع تلك المدينة الصاخبة ماذا يفعل , وكل شىء أمامه ينهار ويتهدم ..؟؟ الحصار عليه من كل اتجاه ..!!
                كلهم يريدون له ان ينتهي كانسان ذو مبدأ وصاحب موقف !! هل هى النهاية..؟؟
                لا..لا يمكن ان تكون النهاية .. هل هى البداية ..؟؟
                لكن كيف تكون البداية ..؟؟
                -
                انها فى قصر ذلك الثري العاشق..!!
                -
                ذهب الى القصر , وسأل عن الثري .. فلم يجده ..!! لكن وجد عشيقته {داني} مستلقية بجوار حمام السباحة واحدهم يدلك لها مفاتنها , فجلس بالقرب منها , وأمسك قلمه وبدأ يكتب عن تلك الغانية الارستقراطية ..!! ووصفها بكل دقة , وبكل انفعال , وبكل مرارة , وبكل ألم .
                -
                وقرأت ما كتبه عنها كلمة كلمه وحرفا بعد حرف ..!! وكافأته على هذاالوصف الثري.





                محمود داخل الدائره
                --------------
                فى اليوم الذي لا يكتب خلاله قصيده ملتهبة , يعيش ساعاته تائها زائغ البصر , مرتبكا قلقا , ومرتجفا , يدير المذياع من جهة الى اخرى لعله يقترب من أمل يراوده بمحاكاة انسان عربي فى أحلامه الواسعة اتساع الوطن العربى كله
                هذا هو "محمود" النحيل الجسم , الضيق الصدر والعينين , الذي يحترق مع الكلمة وبالكلمة , فيعشقها وتعشقه , ويحولها الى حبيبه تقطع وتوصل او يسافر اليها ومعها فى وطن غير مسموح التحرك داخله الا بالدبابة او الهوية او الاعتقال بسبب الدفاع عن القضية من خلال قصيدة شعرية
                وذات يوم من أيام "محمود" الشعرية وقف يتأمل ديوانه الشعري بعد ان انتهت طباعته , يقلب صفحاته ويستعيد كل كلمه من كلماته , باحثا داخل ذاته الوطنية , عن أمل ينير الطريق من خلال قصائده الشعرية , أو إضاءة تعكس الحقيقة فتوقظ النيام فى الذات القومية داخل الدائرة العربية ..
                -
                كان عاشقا بمعنى الكلمة , يعشق الوطن فى عيون فلسطينية , حسناء تداعب حلمه الشاعري من خلال تركيبة متينة تجعل المرأة فى ظله الغنى وطنا , وتجعل من الوطن إمرأة هى فى حقيقتها خريطة جغرافية تحتوي على كل المدن والقرى , بكل العادات والقيم , وبما تحتويه من ملابسات تفصيليه
                -
                رومانسي هو , حاد , وعصبي , ومتقزز من كل شىء حوله … حلمه الاكبر خارج حدود الوطن المحتل مرتين : مرة فى النكبة واخرى مع النكسة.
                -
                ومع انه لا يمارس سوى الحب والعشق بالكلمة احيانا وبالمرأة احيانا اخرى , شعروا بخطورته , فأمسكوا به وصادروا جسده , ووضعوه داخل زنزانة محكمة الاقفال , متهم بحب الوطن القضية , وحبه للمرأة الوطن .. وصادروا معه كل قصائده الشعرية , وكل حب يملأ قلبه ..
                -
                وكان الرحيل الاول من وطنه الاصلي الذي لم يهاجر منه الا اليه ..
                -
                وأصبح محمود داخل الدائرة العربية الحلم بالنسبة الى فلسطيني مثله فتح عينيه على الدنيا فلم يجد أمامه سوى بعض العصابات الصهيونية المرتزقة المسلحة تحتل مدينته وتحكم عليه بممارسة الاحلام دون التفاعل معها او السفر بها خارج ذاته وحدوده .
                ـ وحمل "محمود" كل هذه الهموم الى الدائرة العربية يخبرهم انه وأخوانه فى الوطن المحتل يأملون فى الوحدة العربية أن تعيد لهم كرامتهم وحريتهم التى أهدرت ووجد فى استقبال ابناء وطنه وأمته بعض العزاء , لكن هذا وذاك لم يصل الى درجة الحلم الذي كان يتوقع رؤيته فى الدائرة العربية الواسعة ..
                -
                وأصيب "محمود" بالاحباط وخيبة الامل , وخفت حدة العشق المتحفز للثأر من مغتصبيه داخله فى ابتعاده عن الوطن المغتصب , وهفت نفسه ترجو حبا فى داخل نفسه الحزينة المتأجة بنار الوجد والشوق والصدق لكنه لم يجد .
                -
                وأصبح الدخول فى الدائرة التى عاش طوال حياته يحلم بها أمرا احباطيا بالنسبة الى عقله وقلبه وكيانه الوطني والقومي كله , لان الواقع الذي اصطدم به لم يصل الى مستوى الحلم الذي عايشه عن الدائرة وبعيدا عنها , كما انه لم يكن فى مستوى عزيمته للدرجة التى تشعره بالتعويض الانساني عن البعد الوطنى …!
                -
                الى متى …؟ ؟ والى أين ..؟؟كان السؤال يتكرر كل يوم فى عقله الباطن , ولم يجد له اجابة شافية , فكل الاشياء حوله تتراجع وتنهزم ولا يكاد يجد التفسير الصحي المناسب لهذا كله لان المقومات الانسانية والمادية داخل الدائرة تشير ولا تزال الى امكانية التقدم لا التراجع المفجع الحزين ..
                -
                انه الوحيد بين اقرانه من الشعراء والادباء الذي عاش التجربة الانسانية داخل الدائرة وبعيدا عنها , وكان المؤلم بالنسبة اليه ان البعد عن الدائرة مثل الوجود بداخلها لا فرق , سوى العذاب الداخلي الذي يقهر الابداع ويقوقعه لان العذاب بعيدا عن الدائرة سببه واضح وجلي ومعروف تخلفه ظروف الصدام مع العدو مباشرة أما العذاب داخل الدائرة فهو مر كالعلقم , بل أشد وأقسى لان سببه غير واضح
                -
                وأصبح "محمود" داخل الدائرة يمارس التكيف مع واقعها بعد أن شعر بعدم قدرته على تغيير هذا الواقع او تطويره ضمن لعبة الشك واليقين التى تحاصر "محمود" العاشق بكل قسوة قهرية لفنان شاعر يملك حساسية مرهفة وهى الان مأساته .
                ــــــــــــــــــــــــــــ
                *
                نشرت فى صحافة الامارات عام 1983




                ابنة العشيره
                -----------
                بينما كان رجال العشيرة محتمعين كعادتهم كل ليلة في مجلس شيخ العشيرة , يتسامرون ويتحادثون , اقتحم احد شبان العشيرة المجلس عليهم يصرخ قائلا : ابن الشيخ ضرب ابن التاجر سكينا 000 وتحجرت الكلمات على افواه الرجال وهم ينظرون ناحية شيخهم مرة وناحية ابن عمه التاجر مرة اخرى .. وقبل ان ينطق احدهم بكلمة او تعليق على ما حدث, سمعوا صرخات متتالية لأمرأة عرفوا انها صرخات زوجة الشيخ التى تندب وتبكي صارخة : طعنوك ياولدي . اين الرجال.. ولدي يحتاج دما .. وهب الجميع وقد ايقنوا ان الامر حقيقة , وما سمعوه على لسان الشاب رغم انه يخالف ما يسمعونه من صرخات زوجة الشيخ , الا انه يؤيد الرواية فى حدوث المشاجرة الدامية بين ابن الشيخ وابن عمه فى تلك اللحظة لم يكن لدى الجميع قدرة على الحديث , او النقاش وهم لا يعرفون الحقيقة , وما يشغل ذهنهم سؤال واحد وهو : من الذي ضرب الاخر … ابن الشيخ , او ابن التاجر..اما لماذا يتقاتلون , فهذا معروف لديهم جميعا , فإبن الشيخ وابن التاجر وقعا في حب < غادة > ابنة العشيرة ذات الستة عشر عاما , وكل منهما اراد ان تكون زوجة له , وكل منهما يسعى حثيثا لتحقبق غايته بالزواج من ابنة العشيرة , ويحاولان كل على حدة الحصول على موافقة والدها لصالحه.. ابن التاجر يتباهى بثروة ابيه وغناه وتجارته , وابن الشيخ يتباهى بحسبه ونسبه وفضله 000 وبالرغم ان والداهما لم يفهما ما يحدث من مهاترات بين ولديهما الا انهما كانا يتدخلان فى الامر من حيث لا يعلمان وكل منهما يسعى لإرضاء ولده وفلذة كبده .. فقد تصادف ان ابن الشيخ كان قد ارسل الى والده رسالة يطلب منه فيها ان يخطب له { غاده } ابنة العشيرة , وكان التاجر يعد نفسه لتزويج ابنه الذي تخرج من الجامعة, ووقع اختياره على غادة ايضا وكان اختياره لغادة حبا في تحديه للشيخ , بعد ان سمع ان ابن الشيخ يرغب فى الزواج من غاده وقد اظهر نيته تلك عندما اخبر والد غاده حيث قال: اذا كان هناك من يريدها لإبنه بألف فإن مهرها عندي بعشرة الاف000 وقد فهم والد غادة الحرب الخفية بين التاجر و الشيخ , , ولقد كان حكيما حينما اخبر الشيخ , بأن ابن عمه التاجر قد طلبها لابنه هو الآخر , وابلغه بأن ابنته لا تزال صغيرة على الزواج وانه لن يزوجها الان , لأي من ابن الشيخ او ابن التاجر حرصا منه على وحدة العشيرة000 وقد تقبل منه الشيخ هذه الحجة ووجدها مقنعة تماما لأنه الاكثر حرصا من أى شخص اخر فى العشيرة على ترابطها وتعاضدها, وسكت على هذا الامر بل زاد عليه انه اخذ يقنع ابنه بالزواج من غيره … وانتهى الأمر حينذاك على هذا الحد ,الى ان عاد العريسان الى البلدة بعد نجاحهما فى الجامعة .. وبدأ كل منهما يجمع حوله الاخوة والاصدقاء ويتحدث فى مجالسه عن قوته وجبروته , مستهزئا كل منهما بقدرات الأخر , الأمر الذي جعلهما يتشاحنان اكثر من مرة ويقذف كل منهما الاخر بأبخس الكلمات وهكذا تحول الصراع الخفي الى صراع معلن يكاد يقسم العشيرة قسمين متنافرين يحاول كل قسم منهما ان يفتك بالاخر , الا ان الاباء كانوا يمنعون ذلك الامر ان يحدث بحكمتهم فى معالجة المشاجرات التى كانت تحدث بين الابناء علنا بين الحين والاخر على غير علمهم او بعلمهم .. كان ابن الشيخ يأتي لوالده قائلا: انهم يستفزوننا ويتعمدون ذلك محاولة منهم التقليل من شأننا وكان ابن التاجر يأتي لوالده قائلا : لماذا تطالبنا ان نسكت ونحن الاكثر مالا والاكثرعددا .. ويسمع الشيخ كلام ابنه ولا يرد عليه ويقول له بحكمته : هل تريدمنى ان اهدم ما بنيته فى عشرات السنين .. تصور نفسك يا ولدي تبنى عمارة تكلفك الكثير هل تستطيع ان تهدمها لاعوجاج بسيط فيها.. وكان التاجر يقول لابنه : كيف تتحدث عن الكثرة والغنى , تقارع فيها شيخ العشيرة ابن عمنا اننى لا انسى فضله علينا جميعا ونحن فى مستهل حياتنا وبينما كنت اسعى للتجارة والمال , كان هو يسعى لرفعة شأننا ,يا ويلتى وأنت تطلب مني ان أفصل دمي عن دم منى .. تصور نفسك ياولدي وأنا أقول لك افصل نفسك عن أخيك , أو عن أمك وأبيك هل تقبل ذلك على نفسك .لكن حكمة الاباء لم تكن تجدي نفعا أمام حماسة وانفعال الشباب , فقد كان ابن الشيخ يردد قائلا : ان العمارةالتى كلفتني كثيرا , لو تركتها بإعوجاجها البسيط سأعيش فيها , وأنا أخاف يوما من الايام ان تقع على رأسي وتبطحنى , واذا دعوت أحداً ان يعيش فيها وعرف عيبها فلن يقبل ان يسكن معي فيها … وهكذا اما ان اتركها فارغة يسكنها طيور الليل أو ان اعيش فيها وحيداً ما دمت لم أصلح اعوجاجها , وقد يأتى علىٌ يوما ان تتحطم ضلوعي داخلها دون ان اجد من يساعدني وانا وحدي فيها … وعندما يسمع ابن التاجر هذا الحديث على لسان ابن الشيخ ويفهم معناه يرفع صوته لأبيه ويقول : لن أقبل يوما من اخي ابن امي وابي ان يرفع على عصاه ليسفك دمي , وانا انظر اليه كالحمل , رغم قدرتى على رد الصاع صاعين له , فإذا كان ابن الشيخ يهدد ويتوعد فأنا له ما دام يرى ذلك000 ولم يكن الشيخ ولا التاجر يردان على ولديهما , وهما يتحدثان بمنطق مقنع وجديد على نظام العشيرة , الا انهما كانا يتحسران ويضربان كفا على كف وقد وصلت حال العشيرة بأبنائها المتعلمين الى هذا الحال لكنهما لم يفكرا يوما بأن ما يحدث بين الابناء سيصل الى هذا الحد الدموي العنيف , الذي لا يتورع فيه الواحد منهما على قتل ابن عمه بخنجر حاد ومسموم كما حدث فى تلك الليلة , التى تقاتل فيها شباب العشيرة مستخدمين العصى والهراوات , وعلى حين فجأة يستخدم ابن التاجر خنجره ضاربا ابن الشيخ طعنات متتالية على رأسه وكتفه ويضربه به ضربات متتالية تكاد تكون القاتلة .. بل كان منظر زوجة الشيخ وهى تصرخ وتولول حزنا على ما اصاب ولدها يجعل الجميع يعتقــدون بأنها ضــربات تكــاد تكـون نافــذة وخاصـة ان جمعــا من ابنــاء واحفاد الشيخ قدموا رافعين عصيهم متوعدين مهددين بالانتقام,وما ان رأوا التاجر واقفا بين الرجال هموا عليه ليقتلوه كما قتل شقيقهم .. ولكنها لحظة لم يكن بإستطاعة هؤلاء الشباب ان يفهموا سـر ما حـدث فـيها حينما وقف ابـاهم الشيخ يحمي ابن عمه التاجر ,فوقفت عصيهـم وهـراواتهم جـامدة على ايديهـم بينما لم يكن فى قدرة الشيخ ان ينطق بحرف واحد وقد اغرورقت عيناه بالدموع , ومن خلفه ابن عمه التاجر يجهش بالبكاء والنحيب ولم تساعده قدماه على الوقوف ووقع باكيا على الارض بينما كان رجـال العشيرة يطوقون ابنـاء واحفـاد الشيخ حتى سـمـع الجميـع زوجــة الشيــخ وهـى تصرخ فيهم جميعا قائلة : ما بالكم تقفون هكذا دون حراك وأخيـكم بين الحيـاة والـموت فى حاجة الى جرعة دم تشفيه , لماذا حضرتم الى هنــا بعصيكم والمطلوب منكم ان تفدوا أخوكم بدمائكم هنـاك فى المستشفى ..هيا اسرعوا وماهى الا دقائق قليلة حتى كانت المستشـفى تغص بمئــات الرجـال من ابناء العشيرة لتتبرع بالدم الذي سينقذ حياة ابن الشيخ , وينقذ العشيرة من خطر المذابح والانقسام .. فقد كان شرط شيخ العشيرة للمصالحة مـــع ابن عمه التاجر هـو ان يشفى ابنه ويخرج سليما مما أصابه والى ان يشفى ابنه يحرم على ابن التاجر الظهور فى أحياء العشيرة , أما التاجر نفسه فقد أعطى من دمه زجاجتين لابن الشيخ مما أقعده مريضا فى منزله , وكان ابن عمه شيخ العشيرة يعوده ويزوره بين الحين والاخر , ليطمئنه على ســلامة ابنه , الــذي أخــذ يتماثل للشفاء يوما بعد يوم حتى استرد عافيته وصحته وعاد الى منزله وسط حشود من رجال العشيرة المهنئين بسلامته , ووسط هذا الجو المفعـم بالسرور والامل , دخل التاجر يسحب ابنه وراءه وهو يلبس ثيابا بيضاء ويحمــل على يده ملـحفة بيضاء متقدمين نحو سرير ابن الشيخ وقبل ان يصل التاجر وابنه الى سرير ابن الشيخ صــرخ الشيخ فى التاجر : لا تفعلها ..وانت ابن العم ونظر الشيخ ناحية ابنه , ودعاه لينهض رغــم الامه ليتصافح مع ابن عمه وكان شيئا لم يكن .. وانطلقت الزغاريد… وتحاضن الرجال وهللو … وأطلقوا عيارات بنادقهم فى الهواء فرحين وسهروا تلك الليلة كما لم يسهروا فى حياتهم وهم يتداعون لنسيان ما حدث000 اتفق التاجر والشيخ بالحاح من التاجر على ان يذهبا فى اليوم التالي ليخطبوا { غاده } ابنة العشيرة من والدها لابن الشيخ .وهكذا تجمع عشرين رجلا يمثلون العشيرة كلها , ليذهبوا لخطبة < غادة > ابنة العشيرة لابن شيخ العشيرة وكم كانت دهشتهم وتعجبهم حينما استقبلهم والد غادة بالتحية والترحاب , وعندما حدثوه بشأن الخطوبة , تجمدت العروق فى وجهه , وتحجرت الكلمات فى شفتيه وقال لهم بجفاف : عجبا لكم ايها الاخوان 000 لقد قررتم ان تختلفوا من أجل غادة وكان هذا بإختياركم , رغم انى حاولت ان أن امنع الاختلاف , حينما ابلغتكم ان ابنتي ليست فى سن الزواج الان 000 وليس ذنب ابنتي انها جميله 000 وجعلتم من جمالها ذنبا عليها … لقد جائنى يوما كدت أن أقتل فيه ابنتى البريئة الصغيرة 000 ولكنى وجدتها لا تستحق عقابا كهذا وهى لم تخطىء فى حق احد , وحتى لم تخطىء فى حق نفسها 000 حقها الذي اهدرتموه على السنتكم وجعلتم منها محور خلاف , وكان يجب ان تكون محور اتفاق 000 ما كان احلى لو جئتم منذ البداية متفقين على الأمر … وقتها لن يكون بإستطاعتي أن ارد لكم اتفاقكم 000 ولكن ان تختلفوا وتتناحروا وتضيعون حقى وحق ابنتي 000 وقد جعلتم من انفسكم أوصياء علينا 000 فيحن لكم أن تختلفوا علينا لاغراض فى انفسكم , ثم تتفقوا لاغراض فى انفسكم , فهذا يلغينى , ويلغى ابنتى ويجعلنا وكأننا عبيد اتفاقكم واختلافكم 000 انا لا أقول هذا الكلام تجريحا لكم أو لأي منكم , إنما أقوله لأنه من حقى أن أقوله000وقد سمعت رأيي فى مسألة تزويج ابنتى , وإذا كنتم تعتقدون ان اختلافكم هو الذي حكم على ذلك الرأي فإننى مصر على التمسك بنفس الرأي وأنتم قادمون الى متفقين 000 فإبنتي لا تزال صغيرة على الزواج 000 ولملم الجمع ثيابهم وهم يسمعون حديث الرجل , وبالرغم ما فيه من حكمة ومنطق , الا انهم لم يتقبلوه , واعتبروا ذلك تحديا لما اتفقت عليه العشيرة , رغم اعترافهم بأنه حق للرجل وابنته, وحاول شيخ العشيرة أن يعيد اللعبة مجددا بقوله : هل يعنى ذلك انك ترفض مصاهرة ابنى .. فرد الرجل بصدق : حاشا لله , ان ارفض مصاهرتك ومصاهرة ابنك وانت شيخ العشيرة 000 ولكنى كما قلت فى البداية ارفض ان ازوج ابنتي وهى صغيرة لم تع معنى الزواج .. اننى اريد حكمتكم 000 وصمت الشيخ ثم قال : ولكننا ما اختلفنا وما اتفقنا عليه هو لآن إبنتك هى ابنة العشيرة 000 ورد الرجل : ولكن هذا لا يعنى اننى محروم من حقى فى ابوتها وتأمين الحياة المثلى لها 000 ماذا لو قبلت منذ البداية بتزويجها لواحد من الاثنين , الم اكن اقرر فى ذلك مستقبل ابنتى وربما مستقبل كل العشيرة , لاننى كنت سأحكم بإنقسام العشيرة على بعضها , ولكنى احترمت العشيرة وأجلت زواج ابنتي .. والان اريد منكم ان تفهموني .. لقد أتيتم جميعكم متفقين بعد اختلاف شديد .. ولا امن ان يكون هذا الاتفاق مجرد ردة فعل للاختلاف الشديد 000 ولذلك ارجوكم أن تعطو ابنتى الفرصة لكي تقرر امر مستقبلها بنفسها .. وربما يكون ذلك ايضا فرصة لنا جميعا لنسترد فيه انفاسنا بعد الخلاف الشديد .. ربما يكون ما حدث درس لنا جميعا حتى لا نختلف على امر من الامور قبل ان نتفق عليه 000 وأننى أسأل الله أن يأتى اليوم على عشيرتنا يكون الاتفاق مبنيا على اساس الاتفاق ولا يكون الاتفاق هو ان لا نتفق , وخرج رجال العشيرة وهم بين مقتنع ورافض لهذا المنطق , وفى الطريق الى بيوتهم انقسموا على انفسهم بين الاقتناع واللااقتناع بحديث ابو غاده 000 بينما كانت غاده فى غرفتها جالسة تحدث نفسها وتسألها : هل قرروا أمري هذه الليلة , وسمعت من امها انهم لم يتفقوا الا على شيء واحد انها ابنة العشيرة .






                ابنة العشيره
                -----------
                بينما كان رجال العشيرة محتمعين كعادتهم كل ليلة في مجلس شيخ العشيرة , يتسامرون ويتحادثون , اقتحم احد شبان العشيرة المجلس عليهم يصرخ قائلا : ابن الشيخ ضرب ابن التاجر سكينا 000 وتحجرت الكلمات على افواه الرجال وهم ينظرون ناحية شيخهم مرة وناحية ابن عمه التاجر مرة اخرى .. وقبل ان ينطق احدهم بكلمة او تعليق على ما حدث, سمعوا صرخات متتالية لأمرأة عرفوا انها صرخات زوجة الشيخ التى تندب وتبكي صارخة : طعنوك ياولدي . اين الرجال.. ولدي يحتاج دما .. وهب الجميع وقد ايقنوا ان الامر حقيقة , وما سمعوه على لسان الشاب رغم انه يخالف ما يسمعونه من صرخات زوجة الشيخ , الا انه يؤيد الرواية فى حدوث المشاجرة الدامية بين ابن الشيخ وابن عمه فى تلك اللحظة لم يكن لدى الجميع قدرة على الحديث , او النقاش وهم لا يعرفون الحقيقة , وما يشغل ذهنهم سؤال واحد وهو : من الذي ضرب الاخر … ابن الشيخ , او ابن التاجر..اما لماذا يتقاتلون , فهذا معروف لديهم جميعا , فإبن الشيخ وابن التاجر وقعا في حب < غادة > ابنة العشيرة ذات الستة عشر عاما , وكل منهما اراد ان تكون زوجة له , وكل منهما يسعى حثيثا لتحقبق غايته بالزواج من ابنة العشيرة , ويحاولان كل على حدة الحصول على موافقة والدها لصالحه.. ابن التاجر يتباهى بثروة ابيه وغناه وتجارته , وابن الشيخ يتباهى بحسبه ونسبه وفضله 000 وبالرغم ان والداهما لم يفهما ما يحدث من مهاترات بين ولديهما الا انهما كانا يتدخلان فى الامر من حيث لا يعلمان وكل منهما يسعى لإرضاء ولده وفلذة كبده .. فقد تصادف ان ابن الشيخ كان قد ارسل الى والده رسالة يطلب منه فيها ان يخطب له { غاده } ابنة العشيرة , وكان التاجر يعد نفسه لتزويج ابنه الذي تخرج من الجامعة, ووقع اختياره على غادة ايضا وكان اختياره لغادة حبا في تحديه للشيخ , بعد ان سمع ان ابن الشيخ يرغب فى الزواج من غاده وقد اظهر نيته تلك عندما اخبر والد غاده حيث قال: اذا كان هناك من يريدها لإبنه بألف فإن مهرها عندي بعشرة الاف000 وقد فهم والد غادة الحرب الخفية بين التاجر و الشيخ , , ولقد كان حكيما حينما اخبر الشيخ , بأن ابن عمه التاجر قد طلبها لابنه هو الآخر , وابلغه بأن ابنته لا تزال صغيرة على الزواج وانه لن يزوجها الان , لأي من ابن الشيخ او ابن التاجر حرصا منه على وحدة العشيرة000 وقد تقبل منه الشيخ هذه الحجة ووجدها مقنعة تماما لأنه الاكثر حرصا من أى شخص اخر فى العشيرة على ترابطها وتعاضدها, وسكت على هذا الامر بل زاد عليه انه اخذ يقنع ابنه بالزواج من غيره … وانتهى الأمر حينذاك على هذا الحد ,الى ان عاد العريسان الى البلدة بعد نجاحهما فى الجامعة .. وبدأ كل منهما يجمع حوله الاخوة والاصدقاء ويتحدث فى مجالسه عن قوته وجبروته , مستهزئا كل منهما بقدرات الأخر , الأمر الذي جعلهما يتشاحنان اكثر من مرة ويقذف كل منهما الاخر بأبخس الكلمات وهكذا تحول الصراع الخفي الى صراع معلن يكاد يقسم العشيرة قسمين متنافرين يحاول كل قسم منهما ان يفتك بالاخر , الا ان الاباء كانوا يمنعون ذلك الامر ان يحدث بحكمتهم فى معالجة المشاجرات التى كانت تحدث بين الابناء علنا بين الحين والاخر على غير علمهم او بعلمهم .. كان ابن الشيخ يأتي لوالده قائلا: انهم يستفزوننا ويتعمدون ذلك محاولة منهم التقليل من شأننا وكان ابن التاجر يأتي لوالده قائلا : لماذا تطالبنا ان نسكت ونحن الاكثر مالا والاكثرعددا .. ويسمع الشيخ كلام ابنه ولا يرد عليه ويقول له بحكمته : هل تريدمنى ان اهدم ما بنيته فى عشرات السنين .. تصور نفسك يا ولدي تبنى عمارة تكلفك الكثير هل تستطيع ان تهدمها لاعوجاج بسيط فيها.. وكان التاجر يقول لابنه : كيف تتحدث عن الكثرة والغنى , تقارع فيها شيخ العشيرة ابن عمنا اننى لا انسى فضله علينا جميعا ونحن فى مستهل حياتنا وبينما كنت اسعى للتجارة والمال , كان هو يسعى لرفعة شأننا ,يا ويلتى وأنت تطلب مني ان أفصل دمي عن دم منى .. تصور نفسك ياولدي وأنا أقول لك افصل نفسك عن أخيك , أو عن أمك وأبيك هل تقبل ذلك على نفسك .لكن حكمة الاباء لم تكن تجدي نفعا أمام حماسة وانفعال الشباب , فقد كان ابن الشيخ يردد قائلا : ان العمارةالتى كلفتني كثيرا , لو تركتها بإعوجاجها البسيط سأعيش فيها , وأنا أخاف يوما من الايام ان تقع على رأسي وتبطحنى , واذا دعوت أحداً ان يعيش فيها وعرف عيبها فلن يقبل ان يسكن معي فيها … وهكذا اما ان اتركها فارغة يسكنها طيور الليل أو ان اعيش فيها وحيداً ما دمت لم أصلح اعوجاجها , وقد يأتى علىٌ يوما ان تتحطم ضلوعي داخلها دون ان اجد من يساعدني وانا وحدي فيها … وعندما يسمع ابن التاجر هذا الحديث على لسان ابن الشيخ ويفهم معناه يرفع صوته لأبيه ويقول : لن أقبل يوما من اخي ابن امي وابي ان يرفع على عصاه ليسفك دمي , وانا انظر اليه كالحمل , رغم قدرتى على رد الصاع صاعين له , فإذا كان ابن الشيخ يهدد ويتوعد فأنا له ما دام يرى ذلك000 ولم يكن الشيخ ولا التاجر يردان على ولديهما , وهما يتحدثان بمنطق مقنع وجديد على نظام العشيرة , الا انهما كانا يتحسران ويضربان كفا على كف وقد وصلت حال العشيرة بأبنائها المتعلمين الى هذا الحال لكنهما لم يفكرا يوما بأن ما يحدث بين الابناء سيصل الى هذا الحد الدموي العنيف , الذي لا يتورع فيه الواحد منهما على قتل ابن عمه بخنجر حاد ومسموم كما حدث فى تلك الليلة , التى تقاتل فيها شباب العشيرة مستخدمين العصى والهراوات , وعلى حين فجأة يستخدم ابن التاجر خنجره ضاربا ابن الشيخ طعنات متتالية على رأسه وكتفه ويضربه به ضربات متتالية تكاد تكون القاتلة .. بل كان منظر زوجة الشيخ وهى تصرخ وتولول حزنا على ما اصاب ولدها يجعل الجميع يعتقــدون بأنها ضــربات تكــاد تكـون نافــذة وخاصـة ان جمعــا من ابنــاء واحفاد الشيخ قدموا رافعين عصيهم متوعدين مهددين بالانتقام,وما ان رأوا التاجر واقفا بين الرجال هموا عليه ليقتلوه كما قتل شقيقهم .. ولكنها لحظة لم يكن بإستطاعة هؤلاء الشباب ان يفهموا سـر ما حـدث فـيها حينما وقف ابـاهم الشيخ يحمي ابن عمه التاجر ,فوقفت عصيهـم وهـراواتهم جـامدة على ايديهـم بينما لم يكن فى قدرة الشيخ ان ينطق بحرف واحد وقد اغرورقت عيناه بالدموع , ومن خلفه ابن عمه التاجر يجهش بالبكاء والنحيب ولم تساعده قدماه على الوقوف ووقع باكيا على الارض بينما كان رجـال العشيرة يطوقون ابنـاء واحفـاد الشيخ حتى سـمـع الجميـع زوجــة الشيــخ وهـى تصرخ فيهم جميعا قائلة : ما بالكم تقفون هكذا دون حراك وأخيـكم بين الحيـاة والـموت فى حاجة الى جرعة دم تشفيه , لماذا حضرتم الى هنــا بعصيكم والمطلوب منكم ان تفدوا أخوكم بدمائكم هنـاك فى المستشفى ..هيا اسرعوا وماهى الا دقائق قليلة حتى كانت المستشـفى تغص بمئــات الرجـال من ابناء العشيرة لتتبرع بالدم الذي سينقذ حياة ابن الشيخ , وينقذ العشيرة من خطر المذابح والانقسام .. فقد كان شرط شيخ العشيرة للمصالحة مـــع ابن عمه التاجر هـو ان يشفى ابنه ويخرج سليما مما أصابه والى ان يشفى ابنه يحرم على ابن التاجر الظهور فى أحياء العشيرة , أما التاجر نفسه فقد أعطى من دمه زجاجتين لابن الشيخ مما أقعده مريضا فى منزله , وكان ابن عمه شيخ العشيرة يعوده ويزوره بين الحين والاخر , ليطمئنه على ســلامة ابنه , الــذي أخــذ يتماثل للشفاء يوما بعد يوم حتى استرد عافيته وصحته وعاد الى منزله وسط حشود من رجال العشيرة المهنئين بسلامته , ووسط هذا الجو المفعـم بالسرور والامل , دخل التاجر يسحب ابنه وراءه وهو يلبس ثيابا بيضاء ويحمــل على يده ملـحفة بيضاء متقدمين نحو سرير ابن الشيخ وقبل ان يصل التاجر وابنه الى سرير ابن الشيخ صــرخ الشيخ فى التاجر : لا تفعلها ..وانت ابن العم ونظر الشيخ ناحية ابنه , ودعاه لينهض رغــم الامه ليتصافح مع ابن عمه وكان شيئا لم يكن .. وانطلقت الزغاريد… وتحاضن الرجال وهللو … وأطلقوا عيارات بنادقهم فى الهواء فرحين وسهروا تلك الليلة كما لم يسهروا فى حياتهم وهم يتداعون لنسيان ما حدث000 اتفق التاجر والشيخ بالحاح من التاجر على ان يذهبا فى اليوم التالي ليخطبوا { غاده } ابنة العشيرة من والدها لابن الشيخ .وهكذا تجمع عشرين رجلا يمثلون العشيرة كلها , ليذهبوا لخطبة < غادة > ابنة العشيرة لابن شيخ العشيرة وكم كانت دهشتهم وتعجبهم حينما استقبلهم والد غادة بالتحية والترحاب , وعندما حدثوه بشأن الخطوبة , تجمدت العروق فى وجهه , وتحجرت الكلمات فى شفتيه وقال لهم بجفاف : عجبا لكم ايها الاخوان 000 لقد قررتم ان تختلفوا من أجل غادة وكان هذا بإختياركم , رغم انى حاولت ان أن امنع الاختلاف , حينما ابلغتكم ان ابنتي ليست فى سن الزواج الان 000 وليس ذنب ابنتي انها جميله 000 وجعلتم من جمالها ذنبا عليها … لقد جائنى يوما كدت أن أقتل فيه ابنتى البريئة الصغيرة 000 ولكنى وجدتها لا تستحق عقابا كهذا وهى لم تخطىء فى حق احد , وحتى لم تخطىء فى حق نفسها 000 حقها الذي اهدرتموه على السنتكم وجعلتم منها محور خلاف , وكان يجب ان تكون محور اتفاق 000 ما كان احلى لو جئتم منذ البداية متفقين على الأمر … وقتها لن يكون بإستطاعتي أن ارد لكم اتفاقكم 000 ولكن ان تختلفوا وتتناحروا وتضيعون حقى وحق ابنتي 000 وقد جعلتم من انفسكم أوصياء علينا 000 فيحن لكم أن تختلفوا علينا لاغراض فى انفسكم , ثم تتفقوا لاغراض فى انفسكم , فهذا يلغينى , ويلغى ابنتى ويجعلنا وكأننا عبيد اتفاقكم واختلافكم 000 انا لا أقول هذا الكلام تجريحا لكم أو لأي منكم , إنما أقوله لأنه من حقى أن أقوله000وقد سمعت رأيي فى مسألة تزويج ابنتى , وإذا كنتم تعتقدون ان اختلافكم هو الذي حكم على ذلك الرأي فإننى مصر على التمسك بنفس الرأي وأنتم قادمون الى متفقين 000 فإبنتي لا تزال صغيرة على الزواج 000 ولملم الجمع ثيابهم وهم يسمعون حديث الرجل , وبالرغم ما فيه من حكمة ومنطق , الا انهم لم يتقبلوه , واعتبروا ذلك تحديا لما اتفقت عليه العشيرة , رغم اعترافهم بأنه حق للرجل وابنته, وحاول شيخ العشيرة أن يعيد اللعبة مجددا بقوله : هل يعنى ذلك انك ترفض مصاهرة ابنى .. فرد الرجل بصدق : حاشا لله , ان ارفض مصاهرتك ومصاهرة ابنك وانت شيخ العشيرة 000 ولكنى كما قلت فى البداية ارفض ان ازوج ابنتي وهى صغيرة لم تع معنى الزواج .. اننى اريد حكمتكم 000 وصمت الشيخ ثم قال : ولكننا ما اختلفنا وما اتفقنا عليه هو لآن إبنتك هى ابنة العشيرة 000 ورد الرجل : ولكن هذا لا يعنى اننى محروم من حقى فى ابوتها وتأمين الحياة المثلى لها 000 ماذا لو قبلت منذ البداية بتزويجها لواحد من الاثنين , الم اكن اقرر فى ذلك مستقبل ابنتى وربما مستقبل كل العشيرة , لاننى كنت سأحكم بإنقسام العشيرة على بعضها , ولكنى احترمت العشيرة وأجلت زواج ابنتي .. والان اريد منكم ان تفهموني .. لقد أتيتم جميعكم متفقين بعد اختلاف شديد .. ولا امن ان يكون هذا الاتفاق مجرد ردة فعل للاختلاف الشديد 000 ولذلك ارجوكم أن تعطو ابنتى الفرصة لكي تقرر امر مستقبلها بنفسها .. وربما يكون ذلك ايضا فرصة لنا جميعا لنسترد فيه انفاسنا بعد الخلاف الشديد .. ربما يكون ما حدث درس لنا جميعا حتى لا نختلف على امر من الامور قبل ان نتفق عليه 000 وأننى أسأل الله أن يأتى اليوم على عشيرتنا يكون الاتفاق مبنيا على اساس الاتفاق ولا يكون الاتفاق هو ان لا نتفق , وخرج رجال العشيرة وهم بين مقتنع ورافض لهذا المنطق , وفى الطريق الى بيوتهم انقسموا على انفسهم بين الاقتناع واللااقتناع بحديث ابو غاده 000 بينما كانت غاده فى غرفتها جالسة تحدث نفسها وتسألها : هل قرروا أمري هذه الليلة , وسمعت من امها انهم لم يتفقوا الا على شيء واحد انها ابنة العشيرة .




                مع فانوس رمضان

                1
                رمضان 1383ه .. جاوزت الساعة الواحدة صباحا ونحن ننتظر المذيع فى الاذاعة ليعلن علينا حلول شهر رمضان الكريم .. فقد تعودنا ان نجتمع أهل الحي فى الليلة الاولى من رمضان , أي فى يوم { الفجعة } ونتبادل الاحاديث والذكريات , ونصفي الاحقاد , وننهى الخصومات , لنستقبل الشهر الفضيل ببشاشة وسرور , وعادة ما يحدث هذا اللقاء فى بيتنا لأهل الحي جميعهم ,ولا نفترق الا بعد ان يعلن المذيع عن حلول الشهر الفضيل , وفى تلك السنة تجاوزت الساعة الواحدة صباحا ولم يعلن المذيع شيئا عن حلول رمضان , وفى الساعة الواحدة والنصف صباحا اعلن المذيع أن رؤية الهلال لم تثبت فى تلك الليلة , وعلى ذلك يكون اليوم التالي هو اليوم الثلاثون من شعبان 000 وكم كانت خيبة أملنا كبيرة , وقد أعددنا أنفسنا لاستقبال شهر رمضان شهر المحبة والسرور والخير , وأخذ الجميع من الساهرين فى بيتنا ينسحبون واحدا تلو الاخر الى بيوتهم وكل منهم قد وضع فى اعتباره أن غدا ليس اليوم الاول من رمضان 000 وما ان خرج آخر واحد فيهم حتى كنا قد تسللنا نحن ايضا الى فراشنا لننام , على هذا الاساس ولن نستيقظ بعد ذلك للسحور بالطبع 000
                وما كدنا نستغرق فى النوم حتى سمعنا خبطا شديدا على الباب الخارجى فهبت أمي تفتح الباب , وكان على الباب عمى الذي جاء يوقظنا لنتناول السحور قبل ان يؤذن الفجر , فقد ثبت رؤية الهلال فى السعودية , واتفقت كل الدول العربية على ان تصوم على رؤية الهلال فى السعودية ,وهى موطن الرسول وقمنا على عجل لنلحق انفسنا بكوب ماء وفنجان شاي قبل ان يؤذن الفجر , ونحن نشكر الله على الاتفاق الذي تم بين المسلمين فى توحيد يوم الصبام , وندعو الله ان يجعله دائما علينا كل الاعوام 000 ثم طلب منا والدي ان نذهب لجميع أهل الحي لنطمئن على استعدادهم لرمضان , وبالطبع لم نذهب قبل ان نشرب فنجان الشاي , ولم يكن الوقت ليسعفنا , الا اننا قمنا بجولة على اغلب بيوت أهل الحي وهم بين النائمين والمستيقظين , ولكنا اعلمناهم فى وقت لن يستطيعوا فيه السحور حيث كنا متوجهين للمسجد لصلاة الفجر حسب ما تعودنا عليه فى كل رمضان من كل عام , وكان منظر المسجد جميلا وهو غاص بجميع الناس , شيوخ ورجال ونساء وشباب وأطفال , الكل يذهب للصلاة جماعة فى المسجد 000 والكل يدعو الله والكل مستبشر الوجه , فهذا الشهر له قيمته وله مغزاه عندنا دائما .

                ***

                رغم أنى بلغت من العمر ثلاثة عشر عاما الا اننى كنت مولعا بالفوانيس , فوانيس رمضان , وقد كان جميلا من خالتى انها أحضرت لى فانوسا كبيرا وجميلا معها بعد عودتها من امتحانات الجامعة فى مصر ف العام الماضي , كان عندي فانوس صغير , لم أكن أحمله فى الشارع لأن هناك من يحمل فوانيس أفضل واجمل , ولكنى فى هذا العام سأحمل الفانوس وأقود جميع صبيان الحي وخاصة بعد السحور , عندما نذهب للمسجد , والانوار مطفأة فى الطريق اليه 000 كنت فى العام الماضي لا ارغب فى الذهاب مع اصحابى بعد السحور لأننى لم اكن املك فانوسا جيدا , ولكنى فى هذا العام سأكون أول من يوقظ الجميع لنذهب الى المسجد , ولقد صح ما توقعته فالجميع أطرى على هذا الفانوس الجميل , ولكنى لم أحافظ عليه , فبعد عودتنا من المسجد تعودنا ان نلعب الكرة فى الحي ووضعت الفانوس على حائط صغير بجواري وأنا العب , وبدون قصد ضرب أحد زملائي الكرة فأوقعت الفانوس وكسرته , وشعرت وكأن قدمي او يدى هى التى كسرت, وغضبت غضبا شديدا , وتشاحنت مع زميلي الذي القى الكرة ناحية الفانوس والتف حولي باقي الزملاء والاصدقاء وكأنهم قد اتفقوا على كلمة واحدة , المسامح كريم , وهزتنى كلمتهم من الداخل , ولم أشعر بنفسي الا وأنا أتوجه الى زميلي طالبا منه ان يسامحنى على غضبي فنحن فى شهر رمضان , شهر التسامح , ولو أخطأ أحدنا فى حق الاخر , يجب ان يرد عليه بكلمتين فقط 000 سامحك الله 000 هكذا تعلمنا فى المدرسة , وفى الحي الذي نعيشه .. وان نتسامح فى هذا الشهر 000 الفضيل






                أخي الأصغر

                تعود بي الذاكرة الى اليومين الاوليين من هذا الشهر الفضيل , حيث كانت الاسرة كلها سعيدة بالاخ الاصغر الذي إستطاع للمرة الاولى ان يصوم يومين متتاليين .
                فى العام الماضي صام اول يوم من رمضان , وكافأته الأسرة بمزيد من قطع اللحم والحلوى , فلم يكن عمره يزيد على التاسعة , وهو آخر العنقود , والمدلل عند الوالدة , التى كانت ترفض له الصيام قبل ذلك العام لأنه كما تقول اصغر من ان يتعود على الصيام , وقد شجعته على ان يفطر اكثر من خمسة وعشرين يوما فى السنة الماضية , كلما عاد من المدرسة ورأت فى وجهه صفرة , أو رأته تعبا من الصيام .
                وكنا نحتج عليها جميعا ولكنها كانت ترد علينا : يكفى فى هذا العام منه ان يصوم حتى الظهر حين عودته من المدرسة ثم يصوم فى الاعوام التالية اليوم كله .. وقد كتمت مشاعرها هذا العام واخذت تشجعه على الصيام وقد بلغ العاشرة من عمره ولكنها منعتنا ان ندعوه للقيام بأي مجهود , بل انها كانت تأخذه من يده بعد حضوره من المدرسة الى سريره لينام ولا تجعل احيوقظه قبل ان يؤذن المغرب , وكان تفسيرها لذلك انها تريده ان يصوم لأنه اذا شعر بالتعب , أو لم تنم عيناه فقد يغافلنا ويفطر , ولكنه إذا نام وصام سيجعله ذلك أكثر قدرة على الصيام طوال الأعوام التالية وقد كانت على حق لأنه كاد أن يفطر هذا اليوم لمجرد أن الوالد أرسله إلى السوق وعاد متعبا , ودخل إلى المطبخ متسللا فتبعته لألحقه قبل أن يفعلها ويشرب كوبا من الماء ولقد خجل من نفسه خجلا شديدا فحضرت إليه الوالدة وجعلته يغسل وجهه .
                ***
                ولكن كانت لنا مع شقيقي الأكبر مشكلة فهو يرفض أن يترك زوجته تصوم لأنها حامل في شهرها الأخير أو قبل الأخير بحجة أن ذلك سيجهدها ويجهد الجنين في بطنها وقد اختلفنا في هذا الأمر وانقسمنا إلى فريقين000 والدتي كانت مع الدعوة لصيامها وهي تقول في ذلك :- ها هو أخوكم الصغير يصوم ولا يتعب000 أما والدي فكان يظل صامتا إزاء هذا الخلاف ولكنه عندما يجد أمي قد احتدت ويجد زوجة أخي محرجة من حدة أمي ونحن معها 000يقف بجانب أخي الأكبر ويقول :- إذا كانت تشعر بتعب فلماذا تصوم 000ولكي يحسم الموضوع أمام والدتي وأمامنا أحضر معه إمام المسجد لنسأله في هذا الموضوع وأعتقد أن والدي اتفق معه على الإجابة التي سيقولها فهو رجل مسكين000 فقد قال :- إذا كانت تشعر بالتعب إلى حد أنها ستمرض لو لم تتناول شيئا في جوفها قد يكون حكمها في حكم المريض ولكن إذا كان التعب لا يولد مرضا فعليها بالتحمل والصيام .. وفي الحالتين فإن الأيام التي ستفطرها واجبة القضاء .. وقد اقتنعت الوالدة واقتنعنا جميعا بما يقوله الشيخ ولكن حدث ان والدتي قالت : أنها ما دامت ستفطر فعليها أن تقوم بواجبات البيت وخاصة الطبيخ لأنها يمكنها أن تتذوقه وهذا ما لا تستطيعه هي لأنها صائمة . ولكن بحمد الله لم يسبب ذلك أي خلاف وكان رأيي أنه لا يجب التساهل في أمور مثل الصيام وهو أحد أعمدة الإسلام وقال لي الشيخ إن الدين يسر لا عسر فيه فما دام الصيام يسبب لها إلا ما تخشاه على سلامة الجنين فلا مانع من الإفطار على شرط القضاء بعد الولادة .. وهززت رأسي وأنا أعلم أن الكثيرات من المسلمات يكون عليهن حق القضاء لإفطارهن أياما عديدة في شهر رمضان ولا يفعلن ذلك ..





                زواج حرب


                كانت " حنين " تستعد لأول مرة سنة 1956, ليوم زفافها بابن عمها " صبري " قبل بدء المعارك بأيام قليلة , عندما أعلنت التعبئة العامة لمواجهة الأعداء , فاضطر صبري إلى تأجيل زفافه بابنة عمه إلى ما بعد أن تنتهي القوات العربية من تلقين العدو درسا لن ينساه هو ومن يسانده … وطفرت الدموع من عيني " حنين " لقد كانت سعيدة وهى تعد فساتين الزفاف , البذلة البيضاء والبذلة الزرقاء , والبذلة الحمراء والخضراء , لقد قال لها صبري إنها ليست بحاجة لفستان بلون اخضر فروحها الحلوة توحي بالخضرة , وعيناها تطغى بخضرتها على البساتين الخضراء , ولن يجد الفستان ذو اللون الأخضر مكانا بين كل هذا الجمال الأخضر .
                كانت سعيدة بصبري , الدكتور الأول في البلدة , معجبة بقوته وشخصيته الناضجة فوق عمره , ببشرته السمراء وشعره الكثيف , وقامته الطويلة وبنيته العريضة , وكل ما فيه يدعو إلى الحياة والإشراق والأمل .
                الحياة مع الدكتور صبري فخرا وعزا, والأمل معه في مستقبل سعيد هكذا المرأة طوال حياتها تبحث عن الحياة المشرقة , والمستقبل السعيد من خلال الرجل .. والرجل يفكر في المرأة التي تجعله قادرا على صنع المستقبل الذي يريده لنفسه ولها بحرية وشموخ وكرامة … وكان صبري ذو كبرياء وشموخ وصلابة منذ حداثته , أحب "حنين" لتفوقها وذكائها وجمالها , وعندما التحق بكلية الطب كانت في السابعة عشر من عمرها أو أقل قليلا ستنهي دراستها الثانوية لتعمل في سلك التدريس بانتظار أن ينتهي صبري من دراسته ويصبح دكتورا عظيما ليتزوجها … وعاشت أربع سنين مخطوبة له ومخطوب لها , وعندما تخرج من الكلية وأصبح الدكتور المنتظر , واقترب مع كل ذلك يوم زفافهما ..
                لم يبق سوى أسبوع واحد وتنتهي قصة الحب التي جمعت بين الدكتور "صبري" وابنة عمه مدرسة الانجليزي.
                أسبوع واحد وتصبح "حنين" فى بيت واحد مع "صبري"..أحلام وأحلام جميله . وانقضى الأسبوع … ولم تتزوج حنين من صبري .. لان أعداء الحياة أعلنوا الحرب على الحياة … وكان الزواج الذي تم في ذلك الوقت هو الزواج بين الدكتور "صبري" وثرى الأرض … لقد وقف في مستوصف البلدة يداوي الجرحى ويسعف المصابين , يوم ويومين وثلاثة أيام .. والمقاومة مستمرة وعنيفة في البلدة , وكان كل شيء من حوله يدعو لحمل السلاح وقتل القتلة … إنهم يخربون كل شيء ... المباني , المدارس , المستشفيات … قتلوا الأطفال والنساء والشيوخ والرجال ..الأدوية لم تعد كافية 000 ولم يعد قادرا وحده بمساعدة ممرض واحد على استقبال كل هذا العدد من الجرحى 000 ولم يكن أمامه إلا أن يمسك ببندقيته ويقتل القتلة , وخرج من المستوصف تاركا الممرض وحده مع الجرحى للتخفيف عنهم , وكان على بعد مائة متر فقط حينما رأى احدي المدرعات توجه قذائفها نحو المستوصف فتحوله إلى طوب متراكم على بعضه البعض وأشلاء الجثث تتأرجح في الهواء , ولم يتمالك صبري نفسه أمام هذا المنظر فلف نفسه بديناميت ناسف وانطلق صوب المدرعة ببندقيته يطلق رصاصها , فأصابوه بإحدى قذائفهم , وسقط شهيدا يقبل الأرض التي ولد فيها , فكان الزواج الذي يريده بما فيه من شموخ وكبرياء ومرت المدرعة الغاشمة على جسده معتقدة أن هذا الجسد لا يتحرك , فكانت في لحظات تتطاير متفجرة بكل الصلابة والقوة التي تجمعت في روح الدكتور صبري وجسده المشحون بديناميت انفجر ليعلن الموت على أعداء الحياة … وأعلنت "حنين" الحداد على الحياة وكل من يعيش فيها … لقد كانت تستعد بفرحة كبيرة لفرح كبير مع صبري 000 فلم يتم لها ما أرادت وسبقتها الأرض في الزواج بصبري 000 لا تخالط أحدا ولا تتحدث مع احد ,وقررت أن ترى في الرجال وحشا مخيفا تريد نسيانه وترفضه … إذا رأت رجلا ستتذكر صبري , وكلما تذكرت صبري تأتي إليها نوبة عصبية فتحطم كل شيء أمامها … ويبتعد عنها الجميع يتركونها حتى تهدأ وتنام … وتذهب إلى عملها في المدرسة وملابسها سوداء وتضع منديلا أسودا على وجهها , عام كامل , كانت في حالة غيبوبة كاملة , تمر عليها النوبة العصبية كلما رأت رجلا أمامها … وخفت حدة النوبات العصبية بعد أن سافرت في رحلة قصيرة خارج البلدة قضت خلالها ثلاثة أشهر طوال الصيف عند أسرة صديقة لأسرة والدها , وهناك التقت بشوقي … طويل وأشقر وعيناه زرقاء وحديثه مهذب , وثقافته عميقة بصفته حقوقيا … فلم يكن في شوقي شيئا يجعلها تتذكر صبري الأسمر الطويل العريض القوي النبرات الكثيف الشعر … ولم تكن تشعر مع شوقي بأي تشابه لصبري … وقد عودتها حياتها مع شوقي أن تهدأ نفسيتها قليلاً , وأصبح بالإمكان أن تكون طبيعية مع أي رجل وخفت حدة العصبية التي انتابتها منذ فقدت عريسها في الحرب … ورغم جمالها وغناها ومكانتها فإن أي من رجال البلدة كان يرفض الزواج منها خوفا من استهتارها به , وخوفا من عودة النوبة العصبية إليها … ولم يكن أحدا من أهلها ليجرؤ على الحديث معها بشأن زواجها … وقد وضعوا كل أملهم في شوقي لينقذها من حالتها لأنه الرجل الوحيد الذي تقبل الحديث معه والجلوس إليه.
                أما شوقي فقد كان حبها يملك عقله وقلبه وحنين تقترب منه لان فيه ما سوف ينسيها ابن عمها صبري المستشهد في الحرب .
                ومضى على وفاة صبري أكثر من خمسة أعوام قبل أن تتعود على حياتها بدونه , ولكنها لم تكن لتنسى يوما في مخيلتها شخصيته القوية واستشهاده في مواجهة العدو , وعندما شعر شوقي بتحسن حالتها النفسية , تقدم إلى والدها لخطبتها لنفسه , وعندما فاتحها والدها في موضوع الزواج من شوقي احتدت واستنكرت أن يطلبها شوقي عن طريق والدها فلماذا لم يخبرها برغبته في الزواج منها قبل أن يذهب لوالدها , إنها معجبة به من جميع النواحي , لكن تكتمه الشديد في حبه لها يجعلها تحكم عليه بضعف شخصيته , وهذا ما لا تريده في زوجها , إنها تريده قوي الشخصية , لديه إرادة قوية وصلبة تعبر كل المستحيل , فهو اقرب الناس إلى عقلها , لقد عبرت صدمتها من خلاله انه رجل مثقف , وشخصيته لها احترامها في كل المنطقة منذ أن حصل على شهادة الحقوق قبل ثلاثة أعوام , وأصبح من أقدر المحامين في المنطقة , كما انه شجعها على أن تكمل دراستها الجامعية بكلية الحقوق , ومهد لها السبيل إلى دراسة الحقوق عندما كان يهديها كتب القانون التي تملأ مكتبة بيته , وعندما كان يدعوها لحضور مرافعاته في القضايا الكبيرة بالمحكمة , وقد أعجبت بطلاقة لسانه , ونجاحه في كل القضايا التي يترافع فيها , وهو يخطبها من أبيها رغم الصداقة التي تربط بينها وبينه , ولقد صارحته بذلك عند أول مرة التقت به بعد خطوبته لها فقال لها : لقد أحببت أن أخطبك من والدك , احتراما للعلاقة التي تربطني بالأسرة أولا, وثانيا فلأنني أردت أن يمهد والدك لموضوع زواجي منك قبل أن أفاتحك فيه خوفا عليك من ذكرى خطوبتك الأولى , وثالثا فأنا احبك ولا أريد أن اسمع منك ما يسيء لحبي إليك , فما رأيك , وبعد تفكير قصير أجابت بهدوء : أنت تعرف كم أقدرك يا شوقي , وكم تعجبني طلاقة لسانك , ونجاحك في عملك , ولكن ينقصك شيئا واحداً كنت أتمنى أن أراك تخوضه , وهو العمل من أجل الوطن ومحاربة الأعداء فسألها : وهل تكون خدمة الوطن والعمل من أجله كما العمل في قضايا الناس بالمرافعات الجنائية والعادية , اننى لا أرى في المرافعات الوطنية والخطب الحماسية , أي شىء يفيد القضية ويعمل على التحرير , انه يحتاج للسرية والعمل الدؤوب بصمت وصبر حتى تحين الفرصة لكي ننقض على العدو ونحن مستعدين له أتم الاستعداد , إن العمل الوطني ليست مرافعة أو خطبة حماسية نقولها , إن العمل الوطني كفاح يحتاج لإعداد وتعبئة وتنظيم وتسليح , وهذا كله يجب أن يتم بصبر وصمت , لقد أحببتك أنا الآخر من خلال الوطن , أحببت فيك إصرارك على الانتقام لشهيد الوطن , بل لكل شهداء الوطن , وسوف ننتقم بإذن الله وفتحت عينيها الخضراوتين باتساعهما ونظرت إليه معجبة به , وخيالها شارد إلى بعيد , وتذكرت صبري وهو يضع نفسه بالديناميت تحت المدرعة ليفجرها ويفجر نفسه معها , ودمعت عيناها , فاقترب منها شوقي يقدم لها منديله لتمسح دموعها ويقول لها بحنان : لا تذكري الماضي , واذكري المستقبل … وأجهشت بالبكاء فوضع يده على رأسها يخفف عنها قليلاً يسألها : لماذا تبكي الآن ... ؟ إذا كنت لا تريدين الزواج منى إلا بعد التحرير فسوف انتظرك إلى آخر العمر , ومسحت دموعها التي أنهت بها الأم السنين الخمسة الماضية وقالت لشوقي : ابكي من الفرحة بك .. وهنا تهلل وجهه من الفرح وهتف قائلا : إذا فأنت توافقين على الزواج منى … وهزت رأسها بالإيجاب ووقف على قدميه ينادي على والدها ووالدتها اللذان كانا يقفان خلف الباب يسمعان كل شىء وهما مسروران وقد أطلقت أمها زغرودة رنانة .. بينما والدها يحتضن شوقي والدموع تترقرق من عينيه قائلا له : مبروك , ثم يجلس بجوار ابنته على الأرض يبارك لها ويقبلها على جبينها , والكل سعيد سعادة كبرى لا توصف , حتى وقفت حنين على قدميها وجلست على مقعد بجواره لتقول : لكن هناك شرط واحد ارجوا أن يوافق عليه شوقي وهو أن يتم الزواج بعد أن أكمل تعليمي في الجامعة وخصوصا إن شوقي هو الذي شجعني على ذلك .. وساد الصمت والوجوم شوقي ووالدها ووالدتها , إلا إن شوقي مبتسما قال : فليكن لك ما تريدين ….
                وهكذا تجاوزت حنين آلامها مع شوقي , الذي بدأ يمارس حقوقه معها كحبيب وخطيب لها , وفى نفس الوقت يتقدم في حياته العملية من نجاح إلى نجاح , وهي تنجح في دراستها الجامعية , حتى أصبح شوقي قاضيا كبيرا في كل المنطقة , وعضوا في المجلس الوطني الذي يضم كل أبناء الوطن في نفس الوقت الذي كان يمارس فيه أعمالا وطنية أخرى لم يعرفها احد عنه إلا حنين التي كانت تشعر بها وهو يأتي إليها مستبشرا مع كل خبر عن الفدائيين الذين يقومون بما يشفي الغليل , وكان قد مضى أكثر من عشرة أعوام على استشهاد صبري سنة 1956 حينما كانت حنين تستعد بشوبها الأبيض لليلة الزفاف بشوقي وقد بلغت الثلاثين من عمرها
                وكان كل شيء يوحي باقتراب المعركة الفاصلة مع الأعداء وكم كانت حنين تحب أن تقضي شهر العسل مع شوقي كما وعدها وقد تحرر الوطن مدينة مدينة وقرية قرية ولم يكن شوقي مخطئا أبدا , ولم يكن متقاعسا أو متكاسلا أو متراجعا في وعده أبدا , فرغم كل شيء كان هو ينتصر في داخل الوطن , وكان يقضي شهر العسل مع زوجته حنين بشكل آخر يقضونه في ترتيب البيت , واستمر كذلك حتى استشهد , واستلمت هي الراية لتستمر المعركة .



                فلسطينيه كانت ولم تزل
                ------------------
                1
                الحب تلك الكلمة التى تحوي فى معناها عظمة الانسان وقدرته على أن يكون إنسانا , لغة لا يستطيع أن يفهمها إلا من عاش حياته بالحب محبا ومحبوبا والحياة هي ارض وناس , هي عقيدة تحكم التصرفات فلسفة بسيطة وسهلة , ولن تصعب إلا على الجاحدين للحياة نفسها وياسر شاب تعلم الحب منذ نعومة أظفاره , وكان محبوبا منذ طفولته والحب عنده متكامل المعاني والمثل , والحب معه لا يكون مجردا , من الحياة , والحب والحياة متلازمان لا ينفصلان أبدا في وطنه وبين أهله فى الوطن تعلم الحب , لم يعرف الحرمان أبدا , ولم يعرف الشقاء يوما , فأحب كل الناس وأحبه الناس أيضا فكانت طفولته وصباه ملأى بالشفافية المفرطة فى المثل العليا .
                عندما أحب لأول مرة , كانت رندا أمامه الطفلة التي ترعرع معها سنة بعد سنة , الشقية الفاتنة منذ طفولتها , فغير شعرها الناعم الطويل , وجسمها الملفوف بتناسق أخاذ , وعينيها العسيليتين وبشرتها البرونزية , كان فيها شقاوة الطفولة وأيامها العذبة البريئة , لقد أحب فيها طفولته البريئة قبل أي شيء أخر فالطفولة هي الميلاد هي الذكريات هي الأصل بين والأهل وفى الوطن , والأطفال هم أحباب الله وكثيرا ما كان يسمع والدية يقولان أن الأطفال حينما ينتقلون إلى العالم الأخر يكون الله قد اصطفاهم ليكونوا عصافير الجنة , ورندة بالنسبة أليه عصفورة من عصافير الجنة , عرفها طفلة , وتعلق بها صبية , فأحبها فتية ناضجة الأنوثة ولم يضع في اعتباره يوما من الأيام فراقه عنها أو فراقها عنه , أن فراقها إلغاء لطفولته إلا انه كان يضع في اعتباره انه أحبها لأنها ابنة بلده , أحبها لأنها فلسطينية قبل أي شيء أخر فهو فلسطيني وطفولته فلسطينية , وأسرته فلسطينية , ورندة من عائلته التي ينتمي لها , ومن فلسطين التي عاشت طفولتها معه وحبه لرندة تكريما لحبه الوطني , وتأكيدا لطفولته الاجتماعية ولم يكن يجد إلا التلازم بين حبه لفلسطين وحبه لرندة وجاءت عليه أيام كان حبه لفلسطين أقوى وأكبر , وتذمرت رندة واحتجت عليه بأنه لا يهتم بها , ولا يسأل عنها , فإذا جلس معها حدثها عن الثورة والثوار بدلا من الحديث عن أمانيه وأماله معها وابتعدت عنه لأنه نسيها تماما وأصبح مشغولا بالخطب الحماسية والكتابات الوطنية بدلا من أن يكتب عن جمالها وعنفوان شبابها ولم تفهم انه إذ يفكر في فلسطين فلأنه يفكر في مستقبله معها فما هو المستقبل بدون وطن نملكه وكيف يكون هذا المستقبل بغير الوطن انه مستقبل باهت لن يعطي سوى وظيفة مهما كانت ستسميه أجيرا , بينما المستقبل في الوطن ستجعله مالكا أو شخصا مرموقا وهذا هو المستقبل الذي يخططه لها مستقبل فلسطيني عظيم , ولم تفهم ذلك لآن خطابها كثيرون ومزعجون لأنهم جاهزون وهكذا كان الآمر هو اختار أن يكون مستقبله فلسطينيا مع " رندة " أما المجتمع وتقاليده فأختار لها مستقبلا آخر انه لم يخطئ فى حساباته أبدا فحبه لرندة نابع من حبه لفلسطين وحبها له أيضا كان فى فلسطين , فهما مولودان فلسطينيان وإذا تم زواجهما فهو زواج فلسطيني فأين الخطأ الذي حدث , وقد تزوجت رندة من غيره , هل الخطأ عنده هو لم يخطئ وتقديراته سليمة تماما , إنما هي التي أخطأت لأنها لم تصبر وتنتظر الزواج الفلسطيني , لأن أهلها أقنعوها ومعهم ياسر بأن الزواج الذي يخطـط له ياسر يحتاج صبر سنين طويلة في الكفاح ولم يكن الآمـر سهـلا على ياسـر لينسى{ رندة } بسهولة وبسرعة , فإن نسيانها يحتاج منه إلى درجة كبيرة من التحمل لأنه سينسى كل ذكريات الطفولة الجميلة التي كانت تشاركه رندة حلاوتها وكان حبه لفلسطين في ذلك الوقت يملأ عليه كل وقته كلما شارك في مظاهرة تمنى لو أن رندة تشاركه المظاهرة وإنها كل أعماله في سبيل الوطن كم هو جميل الفناء من اجل الحب كقضية وطنية , انه أسمى من كل ألوان الحب , وتتابعت الأيام والأسابيع والشهور على ياسر وهو يعيش الحب الفلسطيني كأعظم ما يكون الحب , حتى جاء الوقت الذي التحق به فى كلية الاقتصاد والعلوم السياسة وكانت رندة فى وداعه تقول له : لا بد انك ستنسى بنات الوطن ,


                2

                وأنت تعيش وسط بنات الجامعة الجميلات ونظر إليها طويلا , لقد كانت متغيرة , لم تعد تلك الطفلة التي أحبها لسنوات طويلة , وشعر بارتياح بالغ وهو يرى أنها لم تعد تملك ذات التأثير القوي على عواطفه , إلا أن عبارتها كانت مؤثرة على تفكيره فرد عليها مصرا : لا يمكن أن أنسى بنات الوطن , مهما كان الجمال صارخا بين بنات الجامعة فسأبحث فيه عن الجمال الفلسطيني وسأعيش مع بنات الوطن فى الجامعة أيضا ولم يكن يلقي كلماته تلك بدون إحساس , بل كانت كلماته هي في عمق ايماناته وقناعاته الحياتية فلم يكن طالبا جامعيا فقط , بل كان طالبا فلسطينيا مميزا , حياته وتصرفاته فلسطينيـة , حين التـقى بزميـلته { فاديه } عيناها زرقاوان كالبحر في عنفه وجبروته , وأنفها الطويل يشير إلى نزعة الصلابة والكبرياء , وملابسها ذات السمة الواحدة تشير إلى فاعليتها وديناميكيتها العملية , أما حديثها فينساب انسيابا من شفتيها وكأنها موسوعة ثقافية متنقلة , كل هذا شده إليها بعنف وقوة , وجذبه نحوها بحصار من الحب الفلسطيني أنها نصفه الآخر فلسطينيا , فحياتها وتصرفاتها كما حياته وتصرفاته , كلها فلسطينية فكان الحب بينهما طبيعيا زميلان في كلية واحدة , أفكارهما متماثلة وعاداتهما متقاربة وذلك ما كان يبحث عنه دائما في فتاة أحلامه أن تكون فلسطينية المنهج وفاديه هي الفتاة المثالية كما اختارها كل الفلسطينيات في الجامعة من بينهن الزمالة بينهما في العام الأول تطورت إلى صداقة في العام الثاني , وفى العام الثالث أصبحت الصداقة معايشة , والمعايشة حباَ في المحاضرات متجاورين وبين المحاضرات معا جالسين وأغلب الأيام يتناولون الطعام سويا , وفى المساء يتناقشان كل الأيام والنقاش اغلبه حول فلسطين وعن فلسطين آمالهما وآلامهما واحدة وطريقهما واحدة ولا بد أن ترفرف السعادة بأجنحتها عليهما , لا بد أن حياة الجامعة مع ابنة الوطن كانت من اسعد سنوات الحياة عند ياسر كانت فلسطين معهما فى كل وقت وفى كل مكان وسعادتهما الكبرى حينما يرفعان اسم فلسطين عاليا داخل الجامعة وخارج الجامعة , فى كل وقت وفى كل مكان وكان نصيبهما في السفر إلى مهرجان الشباب العالمي من بين سبعين شابا فلسطينيا اختيروا ليمثلوا الشباب الفلسطيني فى المهرجان فرصة لهما ليعززا حبهما ذو الوجه والعقل والقلب الفلسطيني , سيقضيان عشرين يوما أو اقل قليلا بين شباب العالم من كل مكان يظللهما حبهما في كل خطوة يخطونها هناك , مثل ما كانت خطواتهما تسير بنجاح فلسطيني في الجامعة إلا أن هذا المهرجان شهد بينهما خلافا نشأ عن طبيعة النشاط الذي يقوم به كل منهما على حدة فقد حددت نشاطات ياسر في العلاقات الداخلية للشباب الفلسطيني المشارك في المهرجان بينما كانت فاديه تقوم بنشاطها مع ممثلي الشباب العالمي ويجب أن تركز اهتماماتها بلقاءات مستمرة مع شبان الدول الأخرى .
                رأى ياسر أن فاديه تتعدى فى علاقاتها الخارجية حدود الأعلام بالقضية وتتصرف بدون تحفظ , متجاهلة أنها مسلمة عربية فلسطينية , وهذا يعنى عادات وتقاليد عربية يجب مراعاتها وطنيا وقيما ومثل عليا إسلامية يجب المحافظة عليها دينيا , فهو مؤمن تماما بأن الظهر الفلسطيني هو في العمق العربي الإسلامي , أما ما عدا ذلك فانه يتم في إطار الصداقة والمصالح المتبادلة فقط .
                ونعتته فاديه بالرجعية والتخلف وانه يدعي العصرية , والثورية بينما هو في الحقيقة يضع القيود عليها ويحصر الوطنية الفلسطينية في حدود الأمة العربية والإسلامية فقط , بينما أصدقاء في العالم لفلسطين أكثر تجاوبا وتفاعلا مع القضية وقد تطور الخلاف بينهما , فياسر مصمم على أن تكون تصرفاتنا ومنطلقاتنا فلسطينية بعمق عربي و إسلامي , وفاديه مصممه على أن هذا فيه تخلف ورجعية ولم تكتف بذلك بل أنها أخذت تتندر عليه بعد عودتهما من المهرجان بين أصدقائهما , لأنه حصر كل اهتماماته الأساسية بين الشباب الفلسطينيين والعرب ولم يحاول التعرف على شباب العالم التقدمي , ولم يحاول ياسر الرد


                3

                عليها , واكتفى بأنه كان يشعر بسعادة كاملة وهو يرافق مجموعات من الشباب خرجوا إلى العالم الخارجي , يحملون مشاعل القضية , فكان وجوده بينهم يساعدهم ليظهروا بأعظم مظهر ليكونوا النور الحقيقي أمام شباب العالم الذي يريد التعرف على الوجه الحقيقي للإنسان الفلسطيني ولم يطاوعه حبه الفلسطيني لفادية أن يتابع معها التهجم عليه , بل كان يقف أمام كل من يحاول تعميق سوء الفهم بينه وبين فاديه ولم يسمح حتى لفادية أن تزيد من حدة الخلاف بينهما , وطلب منها المحافظة على روح الصداقة والزمالة والإخوة بينهما , إذا كان الحب قد انتهى عندها له ولم يشعر ياسر بكثير من المعاناة لفراقه فاديه ولم يفكر في الأسباب التي أدت إلى نهاية حبه لها وفكر كثيرا , لماذا لا يصيبه الأرق والقلق والسهر في حبه لفادية, مثل ما كانت حالته مع { رندا } ولم يكن بحاجة ليعرف , لقد أحبها وطنيا , أحب فيها فلسطين وهذا الحب سيظل حيا وهي مخلصة وفية في حبها الفلسطيني , وهو ما زال في طريقه يعيش حبه الكبير أما رندا فقد كان فراقه لها بحكم العادات والتقاليد التي زوجتها من إنسان غيره , فقد كانت العلاقة بينهما شخصية , والحب الذي ربط قلبيهما إنسانيا ولد في الوطن ميلاده كان وطنيا لذلك كان تأثير حب رندا عليه إنسانيا وعاطفيا , فقدانه لرندة كحبيبة , جعله يشعر بأنه أصغر من الحب شعر بالهزيمة وهو يجد نفسه غير قادر على أن يحافظ على حبها له ليقترن بها في زواج فلسطيني كان يتمناه , أما فاديه فالحب بينهما كان حبا وطنيا قبل أن يكون حبا إنسانيا , والحب الوطني مستمر والخلاف بينهما حدث في الطريقة التي أحب كل منهما فيها فلسطين ولم يكن هناك خطأ عند رندة أو عند فاديه , إنما الخطأ هو أنه يريد في حبيبته الكمال يريد فيها الإنسانة المحبوبة ويريد منها حكاية الوطن بكل معانيها وفشله مع رندة يعود إلى انه لم يكن قادرا على نشر حكاية الوطن بين ثناياها وفشله مع فاديه انه لم يجد معها ذلك الدفء الإنساني الذي يشد الحبيب لحبيبه وفتاة أحلامه يجب أن تعطيه الدفء الإنساني الذي يحمي عواطفه باستمرار , بجانب الحس الوطني الذي يعطيه أحاسيس العظمة والفخر والكبرياء في كل مكان فأين يجد تلك الفتاة هل يمكن أن تكون الفتاة التي يبحث عنها هي { سلافه } التي كانت فاديه تعيره باهتمامه الشديد بها أثناء مهرجان الشباب سلافه , الفتاة ذات الخمسة عشر ربيعا والتي شاركت مع عشرة آخرين من مؤسسة صامد في المهرجان , أنها لم تحرك مشاعره , واهتمامه بها كان لسبب !؟
                لماذا كان اهتمامه بسلافه الفتاة الصغيرة ؟ هل لأنها تمثل مؤسسة صامد , بما تعنيه هذه المؤسسة من معاني الكفاح والمعاناة الفلسطينية ؟ هل لأنها صغيرة السن بريئة الوجه نحيفة الجسم ؟ هل لأنه شعر بها وحيدة منطوية على نفسها , تفكر وتفكر وعندما يحين دورها تقوم به على خير وجه هل لكونها ذات جمال طفولي كله عظمة وكبرياء ؟ عيناها الخضراواتان اللتان يشع منهما ذكاء وقاد وحركة يديها القويتين تنم عن قوة جبارة صامته , وحديثها المعبر القوي الذي يشد كل من يستمع إليه , حينما يستمع إليها ينسى كل الأشياء , ويتذكر الوطن في حديثها تعبيرات بنت الشارع الفلسطيني , وفيه ثقافة الإنسان الفلسطيني التي اكتسبها بالممارسة النضالية اليومية واقعية وعملية , وقنوعة ومقنعة , وطموحه خيالية , ومثالية صغيرة السن تلك { سلافه } الوجه الفلسطيني المعبر بكل ثناياه عن قضية الإنسان الفلسطيني فلماذا لا تأخذ منه كل اهتمامه ؟ أنها تستحق كل الاهتمام أحيانا يكون الاهتمام دليلا على الحب , انه بالفعل يحبها يحبها لأن فيها ما يجعله يعيش طفولته ببر ائتها انه يذكر يوم جاءته مرتبكة في إحدى حفلات السمر الليلية , تقول بأن شابا لا تعرفه طلب منها أن تعلمه رقصة الدبكة الفلسطينية , ولكنها رفضت , ولو كانت تجيد الدبكة الفلسطينية فإنها تبدع فيها مع شاب فلسطيني فقد كان الشاب من ألمانيا انه لا ينسى تلك الليلة عندما قال لها : إذا طلب منا العالم أن يتعلم فنوننا معجبا بنا فلا عيب ألبته في أن نعلمه إياها , وهذا هو دورنا في هذا


                4

                المهرجان , أن يعرف الآخرون كم نحن شعب متحضر ومثقف و قوي وبكل طفولة وبراءة عادت إلى الشاب وبكل قوة سحبته من يده وبكل شجاعة وقفت تعلمه الدبكة الفلسطينية , وسط إعجاب وتصفيق الحاضرين , وحين انتهت التف الجميع حولها يعربون لها عن احترامهم وتقديرهم لها وهي صامتة بينهم تبتسم للجميع ولم تقو على ضبط عواطفها فانهمرت الدموع من عينيها , وأسرع ياسر ينتشلها من بين المعجبين وهو يكتشف أصالة العواطف فيها من خلال دموعها , فقد نجحت في شد انتباه كل الحاضرين للفن الشعبي الفلسطيني , وهذا النجاح هو سر بكائها وكانت فاديه تقف على بعد خطوات تنظر إلى ياسر وهو يمسح دموع " سلافه " بحب وحنان الأمر الذي جعلها تعاتبه على أنه نسي حبه لها من أجل الفتاة الصغيرة " سلافه " حينما كان هو لا يعرف حقيقة مشاعره نحو " سلافه " فوجد في قول " فاديه " حجة تحاول من خلالها أن تبرر تصرفاتها وإهمالها له خلال المهرجان , ولكنه عندما عاد من المهرجان كان يفكر في سلافه بقوة وإلحاح لقد شعر أنه يحبها بالفعل ولقد قرر الذهاب إليها والسؤال عنها في مؤسسة" صامد" إنها حبه الذي يبحث عنه فهو يحبها وقد جمعت في شخصيتها الجمال الفلسطيني والعقل الفلسطيني والكبرياء الفلسطيني .بجانب طفولتها التي توحي بالصدق والفاعلية والعفوية المحببة لديه ومضت عليه شهور وهو يفكر في السفر إليها والعيش معها في تلك الشهور كانت لبنان تحترق وفي أول طائرة تحمل أفواج المتطوعين إلى لبنان بعد انتهاء امتحاناته توجه إليها إلى ميدان المعركة في لبنان وكان كل شئ هناك يمثل الصمود الفلسطيني ورغم كل القوى المضادة فالموقف على ما يرام وذهب بعد وصوله بأيام يسأل عن "سلافه " في مؤسسة صامد حتى عرف من بعض العاملات أنها تركت لبنان مع أسرتها وسافرت إلى القاهرة وأين يجدها في القاهرة ؟ لا بد أن يسأل عنها عند جيرانها وفهم أنها وأسرتها ذهبوا إلى القاهرة , ولن يمكثوا فيها فهم ذاهبون لابنهم في أبو ظبي وقرر أن يذهب إليها في القاهرة قبل أن تتوجه إلى الخليج مع أسرتها فجهز حقيبته متوجها إلى القاهرة وبالرغم من نصائح أصدقائه له بأنهم لن يسمحوا له بدخول المطار بدون تأشيرة فإنه لم يستمع إلى نصائحهم فهو متعود على ذلك فتأشيرة دخول المطارات دائما هي هويته الفلسطينية وفوجئ في مطار القاهرة بأنهم يمنعونه من الدخول بدون تأشيرة , فصرخ وصرخ فوضعوه في غرفة الحجز بانتظار الطائرة العائدة إلى بيروت وركبها وهو يصرخ عائدا إلى لبنان وبرج المراقبة في مطار بيروت غير مستعد لاستقبال الطائرات والمطار مغلق فاضطرت الطائرة إلى تغيير وجهتها نحو مطار آخر ولم يتمكن ياسر من البقاء في المطار أكثر من أربع وعشرين ساعة , حملته طائرة أخرى إلى مطار آخر وهكذا حتى تعب من الطيران وتعبت منه الطائرات , ولم يكن أمامه سوى الذهاب إلى الخليج , وله من الأقارب والأصدقاء والزملاء مئات من العاملين والموظفين منذ سنوات وسنوات هناك لعله يجد الراحة بينهم ويعود بعدها إلى ميدانه الفلسطيني الذي لا يشعر بالحياة بعيدا عنه , وفي مطار أبو ظبي كان الاستقبال دافئا وأصيلا وأحس براحة نفسية فقد وجد أخيرا ذاكرة عربية تحتفظ في عقلها بالتاريخ , وفي صدرها مكان رحب ومتسع في مثل سعة الدين ويسره… لم يكن يعرف أحدا في المطار فانتظر ساعات طويلة حتى تمكن من الوصول إلى دليل تلفون ساعده على معرفة رقم أحد أقاربه العاملين في أبو ظبي واتصل به مستنجدا ولم تمض نصف الساعة حتى كان قريبه أمامه في المطار في نفس اللحظة التي كانت طائرة أخرى تصل أبو ظبي من القاهرة , فطلب من قريبه الانتظار لعله يتعرف على أحد القادمين في الطائرة , وكانت المفاجأة السعيدة له عندما رأى سلافه بين القادمين على الطائرة ووقف مشدوها , فهو يبحث عنها والصدفة وحدها تجمعه بها فى مطار لم يكن يقصده كانت شاحبة الوجه, هزيلة القوام , واللمعان الذي كان يكسو عينيها غطاه ذبول خريفي , وعلامات الإرهاق والإجهاد بادية عليها ,وحالتها لا تسر أبدا , ولم يجد ما يقوله لها في تلك اللحظات , وهي بين أمها وأبيها وإخوتها , ولكنه تعمد أنيقترب منها وأن يصدم بها فلم تنظر إليه , وكأنها جماد لا يتحرك , ولا يؤثر به شيئاً إنها على حق في عدم الاهتمام الذي تبديه للأمور , فالملاعين في هذه الدنيا يفرضون عليها وعلى أسرتها نزوحا أخر لا يريدونه ولكنه لن يتخلى عنها , فهو يحتاج إليها , أنها بجواره تحقق له شخصية ذاتية ووطنية في آن واحد مهما كان الحال بها , ولكنه في أبو ظبي لا بد له من عمل حتى يبقى بجوارها , أنها قضية حياة جديدة , وتباحث مع قريبه في قضية العمل , ولكنه لم يجد ما يناسبه وانتظر شهرا , يبحث عن عمل وعن سلافه , وأصبح العمل بالنسبة إليه طريقا نحو سلافه , صاحبة الوجه الفلسطيني الذي أحبه في مهرجان .. وأضطر أن يعمل في شركة خاصة , ولكنه لم يحتمل جو العمل بما فيه من طغيان المادة على كل القيم ,فترك الشركة , وعمل في أحد البنوك , والمصيبة أن مدير ذلك البنك يكره كل ما هو فلسطيني , فكره العمل في البنك , وتركه بعد أن أعطى لمديره درساً عن الفلسطيني الذي يموت ولا يركع ومرت الشهور وكانت عصيبة , ولكنه عاشها بقلب وعقل فلسطيني كما يجب أن تكون الحياة في ميادين النضال السياسة , لم ينس يوما بأن وجوده في الخليج كان سببه مطارات لم تستقبله , لم يكن حباً في الوظيفة أو راتبها , وفى نفس الوقت لم ينس بأن قصة المطارات بدأت مع بحثه عن < سلافه > وهو لم يجد سلافه حتى الآن رغم انه يعرف بأنها في أبو ظبي فلو وجد سلافه سيشعر بأهمية كل الأشياء التي يهتم بها غيره في الخليج , وبعد شهور عديدة تنقل فيها بين وظائف مختلفة , قبل وظيفة أقل بكثير من الوظائف التي تركها وكان السبب الوحيد الذي دفعه لقبول تلك الوظيفة الصغيرة , أنها ستجعله قريبا جدا من سلافهً, ويعرض عليها الزواج , حيث يعودان إلى سوريا إلى مؤسسة { صامد } تعمل في الشئون الإدارية هناك , وهو يعمل في المجالات الثقافية , سيكون كل منهما قد حقق ذاته بالزواج , وهو سنة الحياة , ونصف الدين , بالإضافة إلى أن زواجهما سيكفل لهما التكامل هي بمنطقها العملي , وهو بفكره وخياله السياسي , الذي يحقق فيه شخصيته الوطنية الأصيلة 0 ولم يعجبها هذا الحل أيضا لأنه يدلل على نزعة الهروب لدى { ياسر } .

                وهى تريد من زوج المستقبل الإيمان بقدراته وإمكانياته , وتحقيق ذاته في أي مكان وفى كل مكان وجد فيه إنها على وهو يزداد إعجابا بها يوما بعد يوم , ومن حقها أن تؤمن حياتها معه على أساس ثابت وراسخ , لا تهزه الأعاصير أو الرياح وهى كثيرة على أمثالهم الغرباء عن أوطانهم وهو يزداد إعجابا بها يوما بعد يوم , وشهرا بعد شهر , وهى تقفز متفوقة على غيرها لتصل إلى مكان مستقر في وظيفتها خلال فترة وجيزة , أما هو فإنه خلال هذه الفترة حاول تكييف نفسه على أجواء العمل وسط متاهات الرواتب والترقيات والعلاوات والخلافات والمشاحنات الوظيفية , التي كرهها ويكرهها ولم يتصور نفسه في يوم من الأيام موظفا تهمه كل هذه التفا هات , لقد كان يتصور نفسه دائما إما محاضر أو صحفي أو كاتب أو إذاعي أو باحث أو سياسي , لم يكن يفكر بالوظيفة إلا من خلال ذلك الإطار وها هو حبه المثالي مع { سلافه } يجبره على أن يمتهن الوظيفة ليثبت لها عمق حبه وحقيقته , وقد كلفه إثبات هذا الحب لها , عامين آخرين من حياته , عاد إليها بعدهما, ففوجئ بها بعد تفكير طويل تقول له : أريدك أفضل من ذلك , أعظم مما أنت فيه , وغضب غضبا شديداً لقد أصبح لعبة في يدها أنها تحاوره وتداوره كالكرة في أقدام لاعب ماذا تريد منه أن يكون ؟ ماذا يفعل لكي يرضيها ؟ ما هذا الحال المقلوب , لقد كانت في يوم من الأيام فتاة صغيرة أقصى أحلامها أن يرافقها أثناء مهرجان الشباب , وها هي الآن ترفضه زوجا لها . فلماذا وماذا حدث له ؟ أخذ يقلب الأمور متعجبا ومندهشاً ..لقد أضاع رندة , لأنها فتاة حكمها المجتمع بتقاليده , وكان يريد منها أن يحكمها الوطن بصلابته .. ثم أضاع فاديه لأنها أرادت أن تغير في تقاليد المجتمع , وكان يريد منها أن تغير الآخرين لصالح الوطن , ووجد سلافه مترددة في أن تعلم الآخرين عادات الوطن وفنونه , لأنها رسالة كفاح ونضال فدائي


                6

                فأحبها لأنها حافظت على تقاليد مجتمعها , وهى تعيش أحاسيسها الوطنية من الرأس إلى القدم
                وسعى إليها , وأعتقد مكابرا أنها ستقبل به على أي حال , ولم يعلم أنها أحبته , فلسطينيا مغواراً أما الآن فإنه موظف عادي مثل غيره ممن يطلبونها لا يهمها كيف يكون مادياً , ولكن يهمها كيف يكون فلسطينيا , إنها تمثله في داخلها , إنها الفتاة التي يريد ويتمنى , إنها مثله تماما تبحث عن الوجه الفلسطيني , المعبر بكل تفاصيله عن الوطن وتأكد من حقيقة مشاعرها تلك في يوم من أيام السبعينات , عندما وقف خطيباً مناضلاً ضد الانهزامية والاستسلام في مؤتمر فلسطيني عام , لقد كان يصرخ ويصرخ , فالتاريخ يحاول أن يعيد نفسه في ذلك اليوم لإعطاء وعد جديد لليهود بالحياة والبقاء في فلسطين ,وهذا الوعد الجديد هدفه تمزيق الوطن وتشتيت الفلسطينيين , وتنويعهم وهذا ضد الحياة ولن يكون هذا أبدا وكيف يكون , إلا على جثة كل من يعيش على هذه الأرض يحمل الوجه والعقل والقلب الفلسطيني وكانت وراءه بل أمامه أحيانا هتافاته نفسها , وتنطلق من حنجرتها الصغيرة صرخاته ذاتها , والتقى بها بعد المهرجان وصافحته بقوة وحرارة أمام إخوتها وأهلها , فصافحهم جميعا فهو ليس بغريب عنهم , إنهم فلسطينيون مثله , وهو مثلهم فلسطيني , والأسماء لا تهم بعد ذلك سألته سلافه : وما العمل يا ياسر بعد الآن ونظر إليها وفى عينيه إصرار وتصميم , وصوته الحي القوي يخرج هادئ النبرات واثق العبارات قائلا : الست موجودة , الست على العهد وفية , الست فلسطينية , وأنا الست موجوداً وما زلت على العهد وفياً لفلسطيننا , إذا فلا محال أبدا , وسننتصر سأضع يدي على يديك , وستضمين صوتك إلى صوتي , وسيجمع قلبي وقلبك , سيجمع حبنا اهلى وأهلك , ونكون جميعا صفا واحداً على طريق واحد , هدفه واحد هو فلسطين , كل فلسطين , وسنبقى لفلسطين كما كنا , وهزت رأسها موافقة على كل كلمة فقد كان أول لقاء في مهرجان لفلسطين , فلسطين جمعت بينهما , وستظل فلسطين على الدوام ظلهما في الحل والترحال انه المنطق الوحيد الذي يجمعهما , فمنطق الوظيفة وراتبها لم يكن ليجمعهما أبدا ووضع خاتما في أصبعها , وهو يسمعها تقول : سأحبك وتحبني , وسيظل حبنا كما ولد فلسطينياً وعاش فلسطينياً , انه أملي وشرطي الوحيد فحققه لي . ورد عليها ياسر وقد قويت نفسه , وتجمعت في قلبه كل أفراح الدنيا وقال لها فلسطينية كانت ... ولم تزل وستبقى فلسطينية إلى الأزل




                ساعات في الوقت الضائع
                ---------------------
                فى الساعة التاسعة صباحا استيقظ وحيد من غفوته القصيرة ونظر الى ساعته , وضرب بيده على جبهته , عندما تذكر موعده الصباحي مع رفيقة وحدته {منى} التى كان يجب عليه أن يلقاها فى السادسة والنصف , فإضطرب قليلاً.. ثم أشعل سيجارته وفتح نافذته ونظر الى الشمس الساطعة فى كبد السماء… وكانت فتاة على النافذة المجاورة لنافذة {منى} تنتظره وتبسمت له وأشار اليها بتحية الصباح , وردت عليه التحية ثم طلب منها أن تنزل لمقابلته , وهزت له رأسها موافقة 000 ترك النافذة مفتوحه , وأغلقت هى نافذتها , وأسرع الى الحمام يباشر عمله اليومي المعتاد داخله , وفى عجلة لم ينتبه الى قدمه وهى تمزق بيجامته اثناء تغيير ملابسه , فلم يهتم , واسرع فى ارتداء ملابسه استعدادا للقاء فتاته الحسناء ..
                وذهب الى المرآة ليتأكد من وسامته واناقته , فوجد أن شعره يحتاج الى تصفيفه اخرى , وانتبه الى انه لم يحلق ذقنه .. وأخذ يلعن الذقن والرأس … وأمسك بالموسى وهو يلعنه فيجرح نفسه ولم يسعفها , فأهمل شعره وبحث عن قطنة يغمسها بقطرات من ماء الكولونيا ليوقف دمه الذي ينزف على وجهه 000
                كانت الساعة قد بلغت التاسعة والنصف عندما هبط سلم العمارة التى يسكنها ثلاثا ثلاث لكي يصل بسرعة الى محطة المترو حيث توقع أن تكون فتاته هناك تنتظره … لكنه لم يجدها , فإعتقد انها تركته بعد أن طال انتظارها له , فصعد أول مترو قادم وحشر نفسه بداخله . بدأ يبحث لنفسه عن زاوية يرتاح اليها , فلم يجد سوى حسناء قمحية البشرة , واسعة العينين , دقيقة الأنف والشفتين , شعرها يتماوج على كتفها بإثارة وفتنة , فبدأ يتلصص بين الواقفين حتى وصل اليها واستند بصدره عليها … وما أجمل رائحة العطر الذي يملأ عنقها000وما أعظم سائق المترو عندما لا يجيد الوقوف والتحرك فيهتز المترو بركابه000فيزداد وحيد التصاقا بالحسناء التى ترسل تنهداتها الدافئة الى وجهه فيضطر ان يهمس اليها بكلمة تعود عليها : أسف ومحطة تلو الأخرى تسحبه عنها الحسناء الى اخر محطة فيستيقظ على نفسه والحسناء تستأذنه النزول من المترو فيوسع لها الطريق ثم يتبعها , وما هى الا لحظات يراها تصافح شابا غيره وتبتسم له00 وقبل أن تبدأ فى الحديث مع صديقها , يبتعد عن طريقها ويلجأ الى المترو مرة أخرى ويجلس على أحد مقاعده خوفا من تهمة تفاجئه فى آخر محطة 00
                بلغت الساعة العاشرة والنصف صباحا حينما تقدمت نحو مقعده فى المترو امرأة تحمل طفلا بين يديها , وفكر مرة تلو الاخرى , ماذا يفعل لهذه المرأة ونظر حوله فلم يجد أحد تحرك لمساعدتها , فلماذا لا يهملها مثل الاخرين ويتركها , ولم تطاوعه نفسه , فطلب منها أن تضع طفلها على ركبتيه , لكنها اعتذرت لأن الطفل لا يسكت إلا بين ذراعيها … فماذا تقصد تلك الأم البلهاء ..؟؟ هل تريد منه ان ينهض من مقعده ويجلسها , لا لن يحدث هذا ابدا000لقد دفع ثمن التذكرة ذهابا وايابا دون ان يستفيد شيئا سوى الارهاق والتعب , ولن يسمح لأحد بالجلوس على مقعده مهما كان هذا الأمر يريح ضميره المثقل بهموم الانسانية … ومضى المترو فى طريقه محطة ثانية ثم ثالثة , وفى الرابعة لم تطاوعه نفسه أن يترك المرأة تتململ بجواره مرهقة على ما يبدو , فأسرع بالوقوف متعمدا أن يحتك بها طوال الطريق ما بين المحطة التى سمح لها بالجلوس فى مقعده وحتى المحطة التى صرخت فى وجهه بهدوء يشوبه الغضب قائلة : اتفضل اقعد مكانك … فنظر اليها وحيد مرتبكا ثم قال لها : خلاص … انا نازل المحطة الجاية 000
                وفى الساعة الحادية عشرة صباحا وجد {وحيد} نفسه فى السوق بجوار ميدان الاوبرا , وحاول ان يتأكد للمرة العاشرة من منظر التمثال الذي يتوسط الميدان هل الحصان فيه يرفع الساق اليمنى او لا يرفعها , وبعد ان تأكد توجه الى مبنى السينما التى تتوسط الميدان فوجدها تعرض فيلما هنديا , فقادته قدماه الى المقهى المجاور لكازينو صفية حلمى وجلس يشرب كوبا من عصير الفاكهة الذي يفضله , وانتبه الى أمرأة فى الثلاثين تجلس على طاولة أمامه وتنظر اليه مبتسمة فوجه بصره عليها , ثم ابتسم لها وأشار اليها أن تحضر عنده وتجلس معه ففعلت دون تردد , فإرتبك بعض الوقت , وشجعته على ان يتحدث اليها ويطلب منها ان ترافقه الى شقته , فوافقت على الفور , فدفع حساب الكازينو ووضع يده فى يدها وخرجا الى الشارع ليوقفا سيارة تاكسي … وفى منتصف الطريق بينما كان يضع يده بين ساقيها الممتلئتين وهى تحاول ان تمنعه دون ان تحدث ضجة توقف سائق التاكسي وطلب منهما النزول فورا .. وحاول وحيد معه ولم ينجح فى اقناعه ابدا لدرجة ان السائق اراد ان يترك حقه دون ان يأخذه , فلم يجد سوى البحث عن تاكسي أجرة يوصلهما الى شقته , وطال انتظارهما فى زحمة المواصلات حينما مرت مظاهرة كبيرة يشترك فيها الاف الطلبة , فإعتذر وحيد للمرأة وتركها لينضم الى المتظاهرين من زملائه الطلبة 000
                كانت الساعة الثانية عشرة والنصف عندما وصلت قوات الأمن لتحاصر المتظاهرين من الطلبة , ولتبدأ فى عملية القمع التى تعودت عليها 000وارتفعت هتافات وحيد مع الطلبة ضد القمع … وما هى الا دقائق حتى وجد نفسه محمولا بعد ضربه تلقاها على رأسه , وفى لحظات كانت شاحنة بشرية تنقله الى مكان لا يعرفه ولم يتحقق منه الا بعد لقائه الحميم برجل اخبره بأنه سيقضي بقية عمره فى ذلك القبر الذي يسمونه زنزانة أو يركب اول طائرة مرحلاً خارج الدولة.

                *
                نشرت فى صحافة الامارات عام1983




                مهر الفتاة المسلمه
                -------------
                فى مجتمعنا يعاني الشباب وذويهم من غلاء المهور … وللبعض وجهة نظر تستحق الاعجاب والتقدير فى أن المهور ضرورية لحفظ كرامة الزوجة أو الفتاة بشكل عام . ومن ناحية ثانية فانها تحفظ الرجال من طيش تعدد الزوجات .. وقد فكر الشيخ { سليم } بهذه المشكلة من كافة جوانبها , وهو يسمع ويرى بعينيه وأذنيه كل يوم عن المشاكل الناجمة عن غلاء المهور , والتى دفعها الزوج للزوجة , ويحاول بما أوتى من علم فى الدين وخبرة فى الحياة , ان يقوم بحل تلك الاشكالات بين المتخاصمين من الازواج , ولا يراعى فى ما يقدمه من حلول ارضاء طرف على حساب طرف أخر , انما يراعي ربه وتعاليم القرأن الكريم
                وهو لا يخشى فى ذلك احد مهما كان جاهه او سلطانه او جبروته .. انما يخشى الله الواحد الاحد… وهكذا الشيخ سليم طوال حياته فى منبر الوعظ والاشاد الديني التى نشأ عليها منذ شبابه الاول .. لقد كان فى طليعة زملائه دائما , وفاز بدراسة مجانية حتى حصل على أعلى منصب فى هذا العالم , وأصبح استاذا قديرا فى احدى الجامعات الاسلامية .. وهل هناك أرقى واعظم من وظيفة الاستاذ الجامعي ؟ وبالرغم من ذلك لم يكن جاه الوظيفة او سلطانها ليجعل منه رجلا دنيويا.. أبدا .. لقد حافظ على نفس اسلوبه فى الحياة .. وظل يواجه أمور الحياة الدنيا بتعاليم الدين الحنيف .. وتلك المثالية الدينية جعلت من زملائه والرؤساء ينظرون اليه نظرة معقدة , وجعلتهم يصفونه بصفات يكرهها .. فكان يواجههم بما فيهم .. وكان نصيبه من هذه المواجهة الطرد من وظيفته الكبيرة , التى وجد نفسه من خلالها مثال الواعظ والمرشد للشباب الصاعد فى الجامعة .. ورغم كل هذا وذاك , فلم يهتم ولم يكترث , ولم يتهاون او يتخاذل عن حق ديني براه .
                وقد كان للشيخ {سليم} ابنه بلغت الثامنة عشر من عمرها .. جميله ورشيقة ورزينة اسمها {سالمه} .. لها ابن عم فى الخامسة والعشرين من عمره يريدها زوجة له , يملك مطعما يدر عليه رزقا وفيرا , بعد ان توقف عن دراسته فى المدرسة بسبب رسوبه المتكرر فى الثانوية العامة ... وكان الوحيد الذي تراه سالمه وتجلس اليه وتحادثه لانهما يعيشان فى منزلين متلاصقين وكأنهما بيت واحد , فضلا على انه دائم السؤال عنها والتودد اليها والى امها , وكثيرا ما كانت ام سالمه تعده بأن يكون زوجا لأبنتها .. وقد اطمأن لهذا الوعد , فهو لم يتوقع ان يكون عمه الرافض لزواجه من سالمه , وعندما رفض عمه طلبه بالزواج من سالمه انتفض فى وجه عمه حينئذ صارخا
                ماذا تريد مني .. ولماذا ترفض طلبى بالزواج من سالمه , انها ابنة عمي وانا احق بها من غيري .. ولقد جمعت لها مهرا كبيرا وعظيما .. فصغرت عينا الشيخ سليم ونظر الى ابن اخيه {سليمان} نظرة كلها استصغار وقال : لا تقل انك احق بأبنتى .. فهناك من هو أحق منك .. ولكنك اذا اردت ان تكون الاحق بها فعليك ان تكون انسانا مسلما تقيم حد الله فى كل شىء .. وانا لا اريد منك ولا من غيرك مهرا لابنتى ... اريد لها فقط زوجا صالحا ومتدينا .. فهل أنت الزوج الصالح لأبنتي .. وهل تقيم حد الله فى حياتك الدنيوية … اذا كنت كذلك , وانا ما عهدتك كذلك , فأنت الأحق بأبنتي .. اما وانت لست بالشاب المتدين الصالح فلا تستحق ابنتى ,, ولا يشفع لك انك ابن عمها أي حق بالزواج منها … فالأمر الوحيد الذي يشفع لك فى الزواج من ابنتي هو ان ترعى الله فى معاملاتك مع الناس وان تؤدي واجباتك الدينية كاملة دون نقصان .. وتدخل والد سليمان فى النقاش محتدا على شقيقه الشيخ سليم قائلا بعصبية : وهل تقصد يا شيخ سليم بأن سليمان فاجر وفاسق حتى ترفضه زوجا لسالمه , ام انك تطمع فى تزويجها من ابن الحاج { رغدان } لتكون ذو حسب ونسب بمصاهرته , قلها ولا تخجل .. الا بئسا لك من شقيق , وغضب الشيخ سليم غضبا شديدا لسماعه هذا الحديث من شقيقه وقال له : انك مجنون , وتهذي بكلمات لا تعرف معناها , وتعرف اننى رفضت ابن الحاج رغدان زوجا لأبنتي , ولذا فأنت كاذب ومدعي , وانى لاطلب من الله ان يغفر لك هذه المعصية , واشتد اللغط بين الشقيقين , وحتى يطمئن والد سليمان بأن الشيخ سليم لن يزوج ابنته الا من رجل صالح ومتدين ولو كان ابن الحاج رغدان فلن يتزوجها حتى ولو دفع لها مهرا يزنها ذهبا … ونفس الأمر بالنسبة لسليمان .. و كان كل هذا اللغط يدور على مرأى ومسمع من اهل البيتين .. وكانت سالمه تسمع كل ما يدور حولها من حديث ..
                ولآول مرة تعرف ان هناك شخصا اخر غير سليمان يريدها لنفسه , وانه افضل من سليمان لانه يملك الجاه والثراء , حسب ما سمعته على لسان عمها والد سليمان .. وهى التى لم تر أى عيب فى ابن عمها سليمان , وكانت تجالسه وتتحدث اليه على انه الزوج المرتقب لها بعد ان تبلغ الثامنة عشر من عمرها , وها هى قد بلغت الثامنة عشر ولكن ابيها يرفض تزويجها من ابن عمها , لأنه يريدمنه ان يكون صالحا ومتدينا يقيم حد الله فى كل معاملاته .. وهى لا تعرف اذا كان سليمان صالحا ومتدينا ام انه غير متدين , لأنها لا تراه الا فى أوقات قليله من النهار , وهو يقضي كل وقته فى عمله بالمطعم الذي يملكه , اما ابن الحاج رغدان الذي سمعت به لأول مرة فلا تعرفه ولو انها سمعت باسم والده كثيرا على لسان ابيها وعمها .. وكل ما يعنيها فى الامر ان تعرف ماذا يريد والدها من سليمان او غيره حتى يمكنه ان يتزوج بها ..
                فاستعانت بأمها الغاضبة والثائرة على زوجها الذي يريد ان يقف عقبه فى وجه زواج ابنته من ابن عمها .. ويريد تزوجها بدون أى مهر يذكر , ماذا سيفعل ايضا فى مستقبل ابنته , بعقليته المتحجرة والصلبة العنيدة .. لقد فرط بالوظيفة بسبب عقليته المتحجرة مع رؤسائه
                فهل تتركه يفرط فى مستقبل ابنته هكذا بسهولة , وعندما تحدثت مع زوجها الشيخ فى الموضوع اجابها غاضبا :-
                ماذا تريدين منى يا إمرأة .. هل تريدين أن ازوج ابنتى لرجل لا يعرف من الاسلام الا ما ورثه عن والديه بأنه مسلم فى شهادة ميلاده ..؟؟ , أنا الذي لم أكترث لوظيفه ولم أحفل بسلطان , ولم اهتم بأي كان من البشر .. افرط فى امر مهم من امور الدين .. افرط فى اصلاح زوج ابنتي .. ان ابنتي ستتزوج وسيعطيها الله الزوج الصالح الذي يسعدها فى حياتها … ولكي يكون زوجا صالحا يجب ان يقيم الصلاة ويؤتى الزكاة , ويصوم رمضان وغير رمضان ما دام قادرا على الصيام , وأن يتلو القرأن ويحفظه .. انى اريد من عريس ابنتى على الاقل ان يكون حافظا على الاقل لجزء عم من القرأن .. فإذا أراد سليمان ابن اخي او اراد ابن الحاج رغدان الزواج من ابنتي , فسوف يقع عليه هذا الاختبار الديني .. فهذا هو مهر ابنتي وكل أب حر فى تحديد المهر الذي يريده من عريس ابنته .. وأنا حددت مهر ابنتي فى ان يكون العريس مصليا , مزكيا , صائما , قارئا للقرآن , يحفظ جزء عم فيه على الاقل .. فهل كنت متجنيا على احد فى طلباتي هذه .. وهل اقف حجر عثرة فى طريق ابنتي وزواجها اذا كنت اريد لها مهرا اسلاميا من رجال مسلمين يتقدمون للزواج منها .. استيقظي يا ام سالمه وانتبهى الى ما تقولين , حتى لا تقعي فى المعصية .. فأنا أول من ينادي بعدم الوقوف فى وجه ما يستر البنات بالزواج , ولكنى أطلب مهرا اسلاميا لأبنتى , فيه اصلاح لزوجها , ولمستقبلها معه … لا أريد منه أن يدفع لى مهرا بالالاف يعير ابنتنا به فى مستقبل حياتها معه .. لقد طلبت مهرا اريد فيه من عريس ابنتنا ان يشكر الله على زواجه من سالمه فيجعلها سعيدة فى حياتها وبيتها الى الابد .
                وصمتت ام سالمه وهى تسمع تلك الكلمات الحكيمة القوية , ولم تعرف بماذا ترد على زوجها
                وفى ذلك الوقت كان والد سليمان قد ذهب الى الحاج رغدان .. ودار بينهما نقاش طويل حول زواج سالمه من سليمان او من ابن الحاج رغدان حتى ثار الحاج رغدان فى وجه والد سليمان وقال له بغضب :
                اسمع يا أبو سليمان , أخوك الشيخ سليم عندك , فاذهب اليه واطلب منه ان يزوج ابنك لأبنته , انا لا احكم فى هذا الامر او اقرر واذا كنت تريد ان تزوجها لابنك بقوة الذراع فأنت حر مع شقيقك ولكنى احذرك , بأن سالمه لن تكون ابنه اخيك او ان يكون لك أى حق فيها اذا ما تم الاتفاق مع الشيخ سليم على زواجها من ولدي .. فارتبك ابو سليمان واهتزت عضلات وجهه وارتعشت اطرافه , ولملم ثيابه وخرج من مجلس الحاج رغدان مهرولا الى شقيقه الشيخ سليم يهدده ويوعده بالويل والثبور وعظائم الأمور .. ولم يكن من الشيخ سليم الا ان انتصب واقفا فى وجه اخيه قائلا بكل ثقة :-
                اسمع يا أبو سليمان انت أخي وابن امى وأبي وسليمان فى مكانة ابنى ولن اقبل لأبني أن يكون مسلما بشهادة ميلاده فقط , وسأقبل حكمك لو كانت سالمه ابنتك , فهل ستزوجها لشخص لا يعرف من أمور دينه الا أقل القليل .. اننى لم أطلب الدنانير .. ولكن اطلب من سليمان ان يحفظ القرآن ويصلي ويعطي الزكاة .. هذا كل ما اريده .
                وبدأ ابو سليمان يهدأ قليلا , وأخذ يمسح بيديه على ذقنه البيضاء ويفكر فيما يقوله شقيقه , ووجاهة رأيه فى ذلك .. الامر الذي جعله يسأله بإتزان :
                والان ما الذي تريده بالضبط .. هل ستزوج ابن الحاج رغدان .. فرد الشيخ سليم بهدوؤ وهو يردد حديثه قائلا :
                لقد قلت للحاج رغدان وأقول لك أنت ايضا , بأننى اعطى ولده , كما اعطى سليمان مهلة اربعين يوما , لكي يثبت فيها بأنه الأحق بالزواج من سالمه .. وبعد الاربعين يوما سأختبر كل منهما فى قراءة القرآن .. بعد ان اكون قد لمست عند كل منهما احترامه لواجباته الاسلامية .. وبعد فترة صمت قصيرة … واصل الشيخ سليم حديثه قائلا : لقد وافق الحاج رغدان على هذا الشرط .. وأنت ماذا ترى فى الأمر .. ونهض { ابو سليمان } معتدلا وهو ينظر ناحية الباب الخارجي ويقول : لقد سمعت منك الكثير .. ولقد سبب لى ابنى الكثير .. ومنذ اليوم سأرفع يدي عن الموضوع وانت وسليمان احرار فى هذا الموضوع ..
                وبينما كان الحاج رغدان يملي على ولده الشروط التى يجب ان يتحلى بها لكي يفوز بزوجة صالحة ومتدينة تحافظ على بيته وتصونه وترفع رأسه بين الاهالي , فقد كان سليمان يفكر بغيظ وحنق فى كيفية الفوز بسالمه .. فهو يعرف نفسه لا يجيد القراءة والكتابة , فكيف سيحفظ القرآن ويجيد تلاوته .. كما انه لم يتعود العطاء , فكيف سيقدم الزكاة من ماله .. وهو لا يصبر على أمر فكيف يتحمل النظام والصلاة فى مواعيدها حتى يراه عمه الشيخ سليم فى المسجد .. وهو بصعوبة يصوم فى رمضان فكيف يصوم فى غير رمضان .. لقد ذهب الى سالمه وأمها , وحاول اقناعهما بأن يتزوج سالمه رغما عن انف عمه , فنفرت سالمه منه , وكرهته أمها , التى اعجبت بابن الحاج رغدان المطيع لوالده , والمواظب على الصلاة والزكاة والصيام , كما أبلغها بذلك زوجها الشيخ سليم .. كما أنه أتم حفظ جزء عم كاملا قبل نهاية الاربعين يوما … ووالده الحاج رغدان سعيد جدا بولده , وسعيد جدا بالشيخ سليم وشروطه الاسلامية فى تزويج ابنته .. فولده اصبح اكثر اتزانا ووقارا , واكثر ايمانا … وكل هذا جعله اكثر قوة مما سبق .. واثقا من نفسه , واذا جلس الى مجلس يناقش فيه ويعطي الرأي السديد من خلال ثقافته الاسلامية .. وزاد اعجاب الشيخ سليم بالحاج رغدان وولده , وأصبح لا يفارق مجلسه ابدا .. وقبل انتهاء مهلة الاربعين يوما بيوم واحد, وبينما الشيخ سليم فى مجلس الحاج رغدان سمع صراخا وعويلا وقف عليه عرف فيه صوت زوجته وابنته سالمه , وتأكد من ذلك حينما حضر بعض الصبيان ليخبروه بأن سليمان قد اعتدى على بيته ويضرب فيه بالفأس.. ولم يرد بكلمة واحدة وعاد الى جلسته صامتا .. ونظر الى الحاج رغدان وقال له :لقد زوجت سالمه لابنك يا حاج رغدان .. فلنقرأ الفاتحة .. ووضع الحاج رغدان يده فى يد الشيخ سليم وقرأ الفاتحة وسط الدهشة والاستغراب من ثبات الشيخ سليم وعدم اكتراثه بما يحدث فى بيته ..وبعد أن انتهيا من قراءة الفاتحة صلى الشيخ سليم على النبي محمد ( صلعم ) وقال : لقد كنت قلقا وأفكر كثير قبل أن أعطي الكلمة للحاج رغدان بالرغم أن ولده قد أوفى ما طلبته من مهر اسلامي لابنتي .. فقد كنت أحب أن تكون ابنتي من نصيب سليمان ابن أخي ولكني إذا قبلت منه أن لا يؤدي المهر لابنتي .. فإنني لن أقبل أن يكون معتديا على حرمتي .. ومستعجلا على أمر من الأمور .. فما فعله اليوم دليل على عدم اتزانه فضلا عن عدم قدرته على دفع المهر الذي طلبته لابنتي .. وواصل حديثه لكل من في المجلس قائلا : لم تكن الأربعين يوما التي طلبتها مهلة لأقرر من يتزوج سالمة إلا اختبارا لإرادة سليمان ابن أخي وأخلاقه .. وهو اليوم يثبت أن إرادته ضعيفة كما أثبت في الأيام السابقة ضعف أخلاقه بينما أثبت ابن الحاج رغدان ووالده أنهما نعم الحسب والنسب لم يأخذهما الأمر ولم يكابرا بالجاه والثراء أمام ما اشترطه عليهما ووافقا عليه ونفذاه قبل المهلة المحددة .. لقد اشترى الحاج رغدان وولده ابنتي لفضيلتها ودينها وأنا اشتريتهما لنفس الأمر أيضا ولن يكون لي أو لأخي أو لابنه سليمان أي حق في سالمة بعد اليوم فهي زوجة لمن دفع مهرها وقد دفع الحاج رغدان بواسطة ابنه مهر ابنتي .. ومنذ هذا اليوم سأرسلها إلى بيت الحاج رغدان لتكون زوجة لابنه دون أية مراسيم أو حفلات أشترطها فهم أحرار فيما يفعلونه فسالمة ابنتهم .. لأنهم دفعوا مهرها ..
                وصمت قليلا ثم طلب من عريس ابنته أن يتلوا بعض الآيات القرآنية من جزء عم التي حفظها وبدأ ابن الحاج رغدان يتلو الآيات القرآنية التي وردت في سورة الناس بصوت قوي وجهوري قائلا : بسم الله الرحمن الرحيم " قل أعوذ برب الناس . ملك الناس . إله الناس . من شر الوسواس الخناس . الذي يوسوس في صدور الناس . من الجنة والناس . " صدق الله العظيم .
                وفي المساء كانت سالمة في بيت زوجها ابن الحاج رغدان وهو يرتل سورة الفلق كما أوصاه الشيخ سليم بصوت هادئ النبرات قائلا بعد بسم الله :-
                "
                قل أعوذ برب الفلق . من شر ما خلق . ومن شر غاسق إذا وقب . ومن شر النفاثات في العقد . ومن شر حاسد إذا حسد." صدق الله العظيم .
                ابنة الأحلام
                اعتراها الحزن الشديد , وغاصت في الآلام بعد التشريد فبحثت عن المأوي الذي يوفر لها الحد الأدنى من الأمان , وحلمت في عقلها الصغير ذكريات مريرة عن طفولة لم تعش فيها سوي الخيال في وحدة وانطواء ..!
                ولم يكن هناك أمامها شئ سوي الانتظار الثقيل , في أيام وأسابيع وشهور تمر عليها عادية لا تغيير فيها ولا جديد , وتقوقعت علي نفسها وخواطرها وهي ترمق قريناتها من الحي المجاور يمرحن بحرية وانطلاق .
                وكان السؤال الملح دائما علي أفكارها إلي أين سيأخذني التيار ؟؟ وإلي متى يسيرني التيار علي هواه ..؟ وهل أنا مخيرة أم مسيرة في هذه الحياة ..؟ ويجتاحها شعور بالسجن الثقيل الذي يحيطها ولا تجد في حياتها غير زنزانة كبيرة ستحولها الأيام إلي زنزانة صغيرة بعد الزواج .
                فمتى تلوح فرصة الثورة والتمرد علي القوالب الساكنة عند فتاة تشعر بأنها إنسانة من الدرجة الثانية منذ الميلاد وغيرها ممن هن أقل منها جمالا وذكاء , يعشن الحياة بكل سلبياتها وإيجابياتها يعشنها بحرية كاملة ويكفي أنهن عشن أعمارهن بلا أي تعقيدات فالطفولة هي البراءة عندهن , والحرمان عندها والصبا هو المرح والفرح عندهن , والكبت والانطواء عندها .. أما المراهقة والشباب فهو الحب والجمال عندهن , والتقوقع والانغلاق علي الذات عندها .. تبآ لها من الحياة ..
                وقبل أن يدب اليأس في أوصالها , وقد تأخر وصول الزوج القادر علي نقلها إلي حياة أخري تفجر فيها بعض كبتها العاطفي , وجدت نفسها بين الرجال , فخرجت إلي الميادين العامة , وتنقلت بين المعسكرات في ثورة شعبية عارمة , جعلتها تشعر بأن لها دورا مهما في الحياة , ولو أنه دور عادي شاركتها إياه المئات من الفتيات وهي في أحلامها تعيش القدرات غير العادية في التوجهات , لكن الدور محطة في طريقها نحو تحقيق الذات باجتهاد , حتى حل موعد الهجمة الشرسة والحصار على المخيمات طوال ستة وخمسين يوما بلا طعام أو شراب تحت وابل من القذائف والقنابل والرصاص التي هدمت البيت وقتلت الكثير من الجيران ة الأقارب والأحباب , فكانت اللوعة والآلام والأحزان بداية الطريق نحو هجرة ثانية إلي الشرق البعيد عن مكان الميلاد وشما على القلب ونقشا في العقل رغم آمال النعمة والثراء .
                وهي منذ الطفولة تحلم بالنعمة والثراء وعندما تأتي إليها تكون هي بعيدة عن مكان الطفولة والميلاد فماذا لو أتى نصيبها مع النعمة والثراء في وطنها لكي تعوض سنوات الشقاء والحرمان في طفولتها المعذبة بين الصديقات الأصدقاء .
                وظلت حريصة علي أن لا تبدد النعمة التي حلت عليها حتى يأتي اليوم الذي تعود فيه إلي محل ميلادها بثروة تحسدها عليها قرينات الأمس المتعجرفات المغرورات ..!
                وطال انتظارها لهذا اليوم الموعود , فأصبح حلما بالنسبة إليها فنبذته وكرهته , لأن الأحلام منذ الطفولة مصدر لعذابها , ودلالة علي تقوقعها وانكفائها فإلى متى تستمر الأحلام تطاردها بلا رحمة أو شفقة .
                فزاحمت الناس , لتتخلص من الأحلام واجتهدت ليكون لها مكان تحت الشمس , واهتمت بالفعل بالتألق بالبهجة وبالإشراق .
                وطمع فيها الرجال .. وجدوها جذابة وذكية وجميلة ولا حقوها بما لا تقبله على نفسها أو ترضاه لحياتها .. كلهم يريدها لنفسه جارية أو تابعة لماذا ؟؟ النعمة والثراء بين يديها فلماذا تستعبد نفسها للرجال ولماذا يتحكم في مصيرها وحياتها أي رجل مهما كان شأنه وعلت مكانته ..! ولماذا لا تتحكم هي في مصير الرجال وحياتهم ؟؟ يكفي ما مر عليها من سنوات التحكم التي عاشتها ..؟؟ وليكن ما تبقي لها من العمر أمرآ في يدها , لها الحل والربط .
                ولها القرارات .. ونجحت في أن تغوص بحرية مع هذه الخواطر الجزئية والقوية على مجتمع لا يؤمن بدور مثالي لفتاة مهما كانت درجات تفوقها الإنساني ... فكيف إذا كانت هذه الفتاة هي ابنة الأحزان , ابنة الطفولة المحرومة والشباب المقيد , والمواطنة التابعة لأوطان أخرى لا تعترف لها بحقها في استخدام مواهبها باقتدار .
                فعادوتها الأحزان ورأت الحياة سوداء وكل القيم فيها بالية مكسورة الأساس , لم يكن أمامها سوى حل واحد للقضاء على هذا الاستهتار بها وقدراتها وهو صعب المنال حقيقة .. لكنه مع ذلك يستحق المثابرة والاجتهاد رغم كل الأشياء لأنه يمثل نهاية الأحزان بوجود وطن لها يحميها من لقب التابعة أو الجارية ويؤمن لها قدرا كبيرا من حرية التنقل وحرية العمل وحرية الارتقاء , فيا وطنا حققته قبل الميلاد , انتظرك بصبر وشغف منذ الميلاد , روحي معلقة في هواك , وسافرت إليك في الأحلام , فليكن جسدي فداك , وغايتي أن أعانق ثراك .... وكانت علي موعد مع الوطن تتجرد من كل الأحزان.
                المهموم

                تابعته الهموم وأقلقته الأفكار، وعاش القلق ، واستسلم لأخطاء الزمان ، تاركا الخطأ يعشش في وجدانه الداخلي ، وينقله مرة بعد المرة إلى أخطاء أخرى تبعده عن الكبرياء ، والتحدي ، والصمود والتصدي ، وتجعله يبدو انهزامي مفرط في ضعفه ، وكأنه ذلك المناضل الوطني ، الذي صنع من الأخطاء والتكتيكات ، إستراتيجية ثابتة ، قلب بها موازين الصحة والاعتدال في الفعل ورد الفعل ، والفرق بين الاثنين كبير!؟! المواطن المهموم كانت أخطاءه ، على مستواه الشخصي ، وحده فقط !! أما الزعيم السياسي فأخطاءه ، تشمل الوطن والشعب والقضية كلها !!! ازدواجية الأفكار هنا ، تأتي بنتائج متماثلة !!
                في تلك الليلة لم ينم المهموم لحظة واحده ، ولم يغمض له جفن ، مفكرا في أخطائه ، يبحث عن حلول للحياة السطحية التي يعيشها !!!
                كيف يعلن العناد والتحدي والمقاومة ؟ وحوله السلبيات تحاصره ؟؟
                دار دورة كاملة في منزله ، اتجه إلى الصالون ، كل شي فيه منظم كما رتبه : صورة والده : الأصالة والتاريخ ، وصورة الزعيم الوطني الشهيد وإطار كبير لآية الكرسي من القران الكريم ، مزركشة بخطوط ذهبية على أرضية خضراء ، وتذكره بقدرة العلي القدير ، في الحياة والممات ، أطر ثلاث تكون شخصيته ، كل ما فيها متفاعل معه ، ومؤمن به ، لم يتغير منذ زمان ، ولم يغير في مبادئه ، يحاول أن يجمع بين المعاني ، والأفكار ، دون أن ينحرف بين هذا وذاك ، فالدين أساس ، والوطن أيضا والعائلة : القيم في الدين ، والعادات من العائلة ، والحياة في الوطن !!! أين كان الخطأ ؟ لقد كان مميزا متفوقا وهو يجمع الأركان الثلاثة معا في سيمفونية واحده ، متناغمة ، فما الذي حدث ، ليبدأ الانهيار معه ؟؟ ؟
                هل كان الخطأ عند الزعيم ،أم العائلة ، ؟ ولا يمكن أن يكون في الدين !! ربما يكون خطئه في انضباطه ، وتأييده للزعيم ، الذي يعيش بأخطاء التكتيك في الممارسة ، رغم الطواحين التي تدور حوله ، وهو يعاند أمام قوى أكبر بكثير من حجمه السياسي والعسكري فضلا عن الاقتصادي والجغرافي ، وهو يصر على القرار الوطني المستقل ، فينتج عن الإصرار ضعفا ، رغم أنه الحق نفسه ، ولكنه حق لا تسنده قوة ، خاصة إذا كان العدو له يملك القوة ، وهذا يحتاج حسم وحزم ، في القرار ، أيا كان ابيضا ، أم غامق السواد : لا تناور ، وواجه بحسم ، عدوك الشاطر وهنا درس على المستوى الشخصي للمهموم فيه فائدة ، في أن لا يناور ، إن لم يكن قادر ، وعليه أن يحدد مواقفه ، ولا ينافق ، يبتعد عن ضعفه ولا يكون جبانا ، عندما يحتاج الأمر إلى الحسم والحزم !!!
                التحدي يصنع هيبة الإنسان والقائد ، ومناصرة الضعيف قوة للمبادئ !!
                وهكذا لن يكون الخطأ إنسانيا ، إذا كان مع الحق وطنيا يتبع الوالي !!! ولا يمكن أن يكون في العائلة لأنها جزء من تكوينه الذاتي والإنساني !!!
                أتعبه التفكير ، وأرهقه السهر ، وهزه الأرق ، نام متعبا ، واستيقظ بعد غفوة قصيرة ، وكان آذان الفجر قد حان ، والتكبير باسم الله يجلجل مناديا : الله أكبر .. ألله أكبر .. !هل ينام ؟ هل يلبي النداء ؟ حاول أن يقاوم إغراء النوم ، ولم يستطع ، كان ضعيفا أمام سلطان الرقاد ، ذليلا مستسلما ، قرر النوم ، وأغمض عيناه ، ونسي الله ، سامحه الله !!!
                وفي الضحى استيقظ ، ينظر إلى ساعته ، مرتبكا ، مرتجف ، محطما ، وقد تجاوزت الساعة وقت العمل ، ماذا سيفعل ؟ ماذا سيقول للمدير ؟؟ نهض من سريره ، كمن لدغته عقربا سامة ضارية ، وأسرع في ارتداء ثيابه ، وخرج متسرعا إلى سيارته ، فاكتشف نسيانه مفتاحها ، فعاد إلى البيت لاعنا السهو والنسيان ، وفتحت زوجته الباب ، فصب جام غضبه عليها ، وتشاجر معها ، فتركت له البيت غاضبه ، وخرج مهموما إلى مكتبه ، قابل المدير الذي عنفه وأنذره ، وزادت همومه هما ثالثا ، ولم يحتمل دعابات زملائه ، وكان عصبيا متوترا ، فخاصموه وقاطعوه !!!
                وجلس مهموم مهموما يسأل نفسه : ما الذي حدث لي ؟
                وأجاب على نفسه في الحال : انه نسي الله ، فنسيه الله ، ترك الصلاة ونام غافلا ، لم يذكر الله عند استيقاظه وتذكر ساعة الدوام ، خاف المدير ، ولم يخش الله ، والعياذ بالله !!
                هي تلك مشكلته إذن ، الذل للعبد والحياة الفانية
                كان دائما في سنوات تفوقه مع الله الواحد القهار ، والآن عن الله يبتعد ، اكتشف الخطأ !!!
                فماذا يفعل لإصلاحه في هذا الزمن العفن ؟؟
                إنهم يعتقلون كل مؤمن ، مسلم ، ويبارك المسلمون قتل المسلمين !!!
                والحصار يشتد على الإسلام والمسلمين في العراق وفلسطين وأفغانستان أين الصواب ، وأين الخطأ ؟؟ أين الحق ، وأين الحقيقة ؟
                مهموم في الدنيا ، فلماذا يكون مهموما بالآخرة ؟؟
                ليس هناك أمامه ، وكل المهمومين أمثاله ، سوى التشبث بالعقيدة ، بالمزيد من الإيمان ، والثبات، الثبات في زمان اقترب منه المسيح الدجال
                الاحتلال والقنبلة ..!!
                الذكريات المريرة عام 1956 لا تزال عالقة في الأذهان الدماء , وتدمير المنازل وإحراق العمارات زال مرتسما في العقول . والمحتلون قادمون . وزادت القلوب في سرعتها .. والدة سامر تصرخ في وجهه مطالبة إياه بإحراق كل ما في مكتبته الصغيرة من صور ودفاتر لها صلة بالقومية العربية , حتى لا يهجم اليهود علي المنزل فيجدون تلك الأشياء ويعتدون عليه بسببها .. وسامر يجمع الصور ويحاول تخبئتها تخت فراشه , فتراه والدته فتصرخ بصوت عال . حرق كل هذا يا إبن ..
                فيرد عليها : لا لن أحرقها .. لقد تعبت في تجميعها عامين متتالين والآن تريدين مني إحراقها في ثانية .. لا لن أحرقها ..!! فتتوسل إلية والدته .. أحرقها.. أحرقها .. سوف يأتي اليهود , وإذا وجدوها لن يرحموك أبدآ .. وقال لوالدته .. ما رأيك لو وضعتها في كيس من النايلون تحت الأرض ولن يحفروا في الأرض فهزت رأسها وهي تقول :
                بسرعة لندفنها مع بندقية والدك .. أسرع قبل أن يدفن والدك البندقية .. ووسط الظلام كان شقيقه الأكبر يقوم بدفن البندقية في الجدار فصرخ فيه إياك أن أراك ثانية .. وهرول سامر إلي الداخل كسير القلب .. ولم يستفق إلا في الصباح ووالدته تهزه برفق لتوقظه من نومه فسألها : ماذا حدث .. نحن في إجازة بسبب الحرب .. هل انتصرنا .. هل سيعيدون لجنة الامتحانات .. لم كل هذه العجلة ..!! وردت أمه بأسى:
                لا ولكن اليهود في الشوارع بمدرعتهم .. ويطالبون بالاستسلام .. وعيون الأهالي من وراء النوافذ تراقب مشيتهم تراقب تحركهم ..
                وفجأة تسمع طلقات نارية سريعة .
                لم تمر دقيقة علي الطلقات حتي ارتفع صراخ النسوة .
                إنه صوت أم ثائر .. جدة " سامر " .
                ماذا حدث ...؟ صرخت أم سامر ..
                يا خراب ديارنا .. أمي بتصرخ .. وصرخت : أبويا .. أخويا..
                وتبع الصرخة صوت قنبلة , ثم صوت طلقات نارية لم تنقطع والكل يسأل ماذا حدث .. حتى زادت حدة الاشتباكات ..
                ولم يصبر سامر وصعد إلي سطح المنزل , وأخذ يحفر في جدار المنزل الخارجي ليسحب البندقية التي رأي والده يخفيها ليلة أمس ..
                فانطلقت عدة رصاصات في اتجاهه , وسقط إلي أسفل , وقبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة فتح عينه وهو فوق السطح ورأي خاله " ثائر " صارخا وفي يده قنبلة خرج بها إلي الشارع وقذفها وهو يقول أيها المحتلون .. أيها السفاحون .. اخرجوا من أرضنا .. ورمى القنبلة ..!!



                أجندة

                نوفمبر 1977 : كان اللقاء في محطة الغربة .. بعيدا عن نسمات البحر الأبيض .. ضمن الرحيل المادي من نقطة إلى أخرى فى الوطن الكبير الممتد من المحيط إلى الخليج .. وخيوط الحزن مرسومة على الوجه , وانكسار الزمن في زوايا حادة تصنع الوهم في لقاء عبر نفسه بالحاجة إلى شاطئ ترسو عليه دفة الحنان والمودة ..
                أكتوبر 1978 : ظلت العيون الذابلة تتحاور في لقاء يومي .. تستمد من بعضها مرافئ الأمان والمحبة برومانسية وشفافية وألفة .. لا تحمل في طياتها أكثر من معاني الأخوة .

                بمرور الزمن ولدوا في أماكن مختلفة , ونشأوا في بيوت ليس لها عنوان موحد , لأن أكثر من أم واحدة , هي التي خرجت بهم إلى هذه الدنيا , فكانت الأخوة كلمة .. وليس دما .
                سبتمبر 1979: كان الاعتراف بأن اللقاء على الأخوة لا يكفي .. وليس مطلبا للأحبة , ولا بد من ممارسات تحول الكلمة إلى فعل يعلن عن نفسه بتحرير العواطف الإنسانية , وتفجيرها إلى قصة تعيش في الذاكرة دوما .. كما عاشت قصص قيس وليلى .. وعنترة بن شداد , مع ابنة عمه عبلة .
                أغسطس 1980 : لم يكن سهلا على العينين الملونتين الذابلتين التحول بسرعة من أحاسيس الأخوة إلى مشاعر عاطفية مختلفة تضرب عرض الحائط بقيم أفلاطونية .
                يوليو 1981 : كان من الصعب على العينين السمراويتين القلقتين التفكير في مستقبل يحرم فيه من الجنة الخضراء , التي عاش معها حلمه الطبيعي في حياة آمنة مستقرة , ترفرف عليها الملائكة بأجنحة السعادة والمحبة .
                يونيه 1982 : تقدمت العيون السمراء بكل ما تملكه من إمكانيات دنيوية إلى الجنة الخضراء تطلب الحياة فيها .
                مايو 1983 : قالت الجنة الخضراء : أنا الجنة الخضراء .. فمن أنت ؟ فرد عليها بلهجة الراهب المتصرف :
                سعيت إليك .. أطرق كل أبوابك : حرمت نفسي من كل المتع سواك , وعشت طوال عامين سابقين ناسكا متعبدا لحماك .. لا أريد شيئا غير رضاك , ولا أمني نفسي بغير هواك .
                فقال الجنة الخضراء بذكاء وثقة .
                ولكنني الجنة التي يتمناها ألف شخص وشخص سواك , وكل منهم كان ناسكا متعبدا على طريقته .. وعلى هواه .. فماذا فعلت لتكون الأمثل فيهم والأفضل بينهم لامتلاكي ؟
                فنظر إليها باستعطاف وقال : أنا الذي أسألك أين مكاني في جنتك الخضراء ؟
                فقالت بحزم وقوة : أنت الأقرب .. بوفائك .. بحبك وإخلاصك .. بتصوفك .. بحنانك لكنك الأضعف , وأنا لا يسكنني الضعفاء .. أميل إلى الأقوياء دوما .. وتلك هي مشكلتك .. تريد مني استقرارا .. وأنا أريد منك أمنا واطمئنانا , وكل ما فعلته من أجلي يسه\عدني ويشقيني في آن واحد , فإذا كانت سعادتي في أمانتك لا حد لها .. فإن شقائي في ضعفك لا حد له .. وأنت تعلم بإيمانك أن الجنة ومفاتيحها للقوي الآمين , أم نسيت هذا ؟
                إبريل 1984 : كان الهروب ملجأه وملاذه الأخير , وهو يفشل في أن يكون القوي الأمين الذي يستحق الجنة الخضراء عن غيره . وأعتقد أن قربه من الجنة سيزيده ضعفا على ضعفه , لو وضع في اعتباره أن يحارب من أجل الحياة فيها .. ولم يعرف إلا متأخرا أن الهروب دائما لعبة الجبناء الضعفاء .. وإن القوة في مواجهة الحياة بإرادة حية تعيش مع المؤمن الحقيقي حتى يتحقق له هدفه مهما كان صعبا .. بعيد المنال .
                مارس 1985 : كان الكل من حوله يسعي إلى الجنة الخضراء .. هو يراقب ويتابع ولا يريد أن ينافس أحدا على الاقتراب منها .. وعاش لضعفه وهو يكتم في قلبه إيمانا عميقا بالجنة الخضراء .. إيمانا لم يتزعزع رغم هروبه وابتعاده .. واكتفى بلوم نفسه التي خلقت في زمان التنافس المادي الذي لا يفهم في قواميسه .. وكأنه بضعفه يريد أن يحمل الخالق السر في خلقه .. والعياذ بالله من هذا , فاحكم الخالق قبضته على هذا الضعيف , وجعله يشعر بأن الهروب إلى الجنة الخضراء هو الضعف ذاته , فجلس يناجي ربه طالبا الرحمة .. وهو لا يعلم أن الله منحة فرصة الحياة في جنة خضراء على الأرض وهو الذي كفر بالجنة وابتعد عنها .. فما الذي يريده في الدار الآخرة ؟
                أليست جنة خضراء أيضا ؟ وهل هو قادر على شروط الحياة فيها ؟
                يجب أن يراجع نفسه ويعيد حساباته وينتصر على شياطين ضعفه بإيمان قوي وليس بالإيمان الجيد فقط .
                فبراير 1986 : اختط لنفسه طريقا يجيد فيه استعمال مواهبه , وبقوة إيمانه حقق سبقا على غيره في زمن قياسي , فداخله الغرور والكبرياء .. والمؤمن لا يكون متكبرا متعجرفا , فسقط مرة أخرى في امتحان الإيمان , وتهاوى ضعيفا أمام صدمة قابلته في الحياة , ونسي قوة الإيمان وهو يقول للعلي القدير مناجيا :
                هذا زمان الذئاب .. ولا أستطيع أن أكون ذئبا , وأنا الحمل الوديع , خانتني الأقدار .. وغدرت بي الدنيا قبل أصل إلى مرافئ النجاح فأصبحت يتيما .. تزوجت عاقرا . واغتال جنتي الخضراء ألف من الذئاب في مرحلة البعاد .
                يناير 1987 : كفر بالأشياء , حطم المبادئ والمثل , عاقر الشيطان , هرب إلى الملذات واعتقد أنه بالكفر أصبح من الأقوياء .. وهزأ بالجنة الخضراء .
                ديسمبر 1987 : بكل حزن وأسى التقته الجنة الخضراء قائلة له : للمرة الثانية تلجأ إلى عادة الهروب , وتكون ضعيفا .
                فقال لها : أريد أن أثبت لك قوتي .
                فقالت له بوداعة : لكنني الجنة الخضراء .
                فقال بأسى: لا يدخل الجنة الخضراء العصاة ..
                فقالت : أنت الذي سمحت للعصاة بالتعدي على جنتك .. رأيتهم يهجمون عليها ولم تدافع عنها تدافع كما يجب .
                نوفمبر 1988 : سأبحث عن مؤمن غيرك .. قالته الجنة الخضراء .
                فقال بثقة : إذا كنت الجنة الخضراء حقيقة , فسوف تهتدي إلى المؤمن الذي يستحق جمالك أكثر مني .
                فقالت الجنة الخضراء : وهل تظن أنه لا يوجد مؤمن سواك ؟
                فقال باستعطاف : ساعديني لأغير معك قوة الإيمان .
                فقالت الجنة الخضراء : أنت تعرف طريقك , فأعيره ولا تلجا لي بضعفه .
                فقال بانكسار : أخاف على نفسي من العصيان في هذا الزمان .
                فقالت الجنة الخضراء : المؤمن يعرف طريق الخطأ ويعرف طريق الصواب وينتصر على نفسه دائما .. إذا ما انتصر على الذئاب بقوة الإيمان .
                يناير 1989 : عاد إلى الجنة الخضراء بالعصيان , فثارت في وجهه وقلبت الدنيا على رأسه وقالت له : أين إيمانك ؟
                فقال لها : القوة في العصيان .. جربت أن أكون قويا فخانتني صراحتي .. ووقف في وجهي الطغاة .. وهزمتني أساليبهم .. وهم يتلونون في الحياة كما تتلون الحرباء .. ويتلوون كما تتلوى الأفعى ذات الأنياب .
                فقالت الجنة الخضراء : أثبت على موقفك .. كن قويا بالإيمان , وحارب العصاة بأسلوبهم .. اقض عليهم بإيمانك .. والله سيحفظك من شرورهم وينصرك عليهم!!
                ابنة الجامعة
                أكثر ما يميز الحياة الجامعية عن حياة الدراسة الأولي هو تعدد مجالات النشاط الثقافي والاجتماعي وفي إحدى كليات التجارة كانت تتنافس على قمة هذا النشاط في الجامعة مجموعتان هما أسرة النصر , وأسرة السلام .. وبين هاتين الأسرتين تتنازع والرغبات وكثيرا ما تكون الغلبة في كل المنافسات الرياضية والثقافية والاجتماعية لأسرة النصر وهذا يعود إلي ثلاثة من المشرفين علي نشاطات الأسرة .
                ياسر الشاب الذي يدير النشاط الثقافي للأسرة بذكاء ويكسبه طعما مميزا , بما ينبغي عليه من تطوير دائم دون ارتباط بأي قيود .
                والمشرف علي الأسرة أستاذ التاريخ الاقتصادي بالكلية , الذي يشيع جوا من العظمة علي جميع نشاطات الأسرة ويسعي لانتشارها حتى خارج أسوار الجامعة بما يملكه من علاقات قوية ممتازة ... أما الثالثة فهي " ميسرة " التي فازت بكرسي الفتاة المثالية للجامعة وحصلت علي لقب " ابنة الجامعة " بما تتميز به من روح اجتماعية مرحة , وخفة دم شرقية بالإضافة إلي أنها لا تنقطع عن المشاركة في أي من النشاطات الجامعية , وهي سباقة في الميدان الرياضي والثقافي والاجتماعي .. وجمالها من النوع المريح , والبسيط .. القريب إلي القلب ..
                وقد كان ياسر يخبيء لها في قلبه ما هو أكثر من التقدير والإعجاب .. وأما هي تحدد حقيقة مشاعرها نحوه ‘لا أنه تشعر به كشاب لم تعهد مثله من قبل .. تميل إليه لذكائه وهي التي ملت حديث وتفا هات الأغبياء .. وتعجبها رجولته , وهي كأي امرأة تبحث عن الأمان , ولن تجده إلا عند الرجل الجسور الجرئ ويثيرها , بنشاطه وحركته الدائبة والتي تجعلها بعيدة عن الكسالى المجهولين .. إنه يشاركها في كل نجاح وليس بالمستغرب أن يطلق عليهما الزملاء " الثنائي المنتصر " .
                وهذا الربط بينهما محدودا بالنسبة لها ولكنه غير محدود بالنسبة لياسر تكشفه فيه كل تصرفاته معها .. تقول لها أخبار حبه وهي تشعر بالسعادة طالما هو قريب منها .. قد يكون طريقها إلي الحب .. والحب الحقيقي , علاقة ليست وهمية .. الحب الحقيقي علاقة لا بد لها من رتوش .. مجرد رتوش لا أكثر وإلا فإن الحب يضيع .
                وقد بدأت الرتوش عندما تعمد المشرف علي أسرة السلام ودكتور " مبادئ الاقتصاد " في الكلية أن يحرمها من النجاح في مادته طوال ثلاثة أعوام متتالية , حتى أصبح تخرجها من الكلية رهن إشارته وإشارته تلك معروفة جميع طلبة الكلية , وهي أن تقبل دعوته لتشرب فنجان قهوة في شقته وأصبحت ميسرة في حيرة من أمرها .. وأما أن تحرم من شهادة التخرج في الكلية .. وأما أن تشرب فنجان القهوة مع المشرف علي أسرة السلام .. إن مسألة تخرجها مرهونة بفنجان القهوة فلماذا لا تشربه وتجرب !! فقد تتخرج بعد أن تشربه ..!! وقررت أن تشرب فنجان القهوة .. ولم يساعده ذكاؤها في هذه المرة .. فلم يكن فنجان القهوة سوي حفلة صاخبة من الحفلات التي تعود عليها المشرف علي أسرة السلام .. وأصبح فنجان القهوة , موقفا يعرف به الجميع ممن شاركوا في حفلة لقائها بالمشرف علي أسرة السلام .
                فانقطعت عن الذهاب إلي الجامعة وأوقفت كل علاقاتها القديمة .. بعد أن عرف الجميع حكاية فنجان القهوة وجعلتها وحدتها تفكر بطريقة خاطئة ..
                فاعتقدت أن مصلحتها في ترك أسرة النصر وانضمامها لأسرة السلام .. وأقنعت نفسها بأنها قادرة علي الحصول علي التقدير الرفيع في مادة التاريخ الاقتصادي بدون مساعدة , لأنه مجرد تاريخ فقط , أما مبادئ الاقتصاد , فهي مادة صعبة الفهم حتى لو درستها فأنها لن تستطيع النجاح فيها , فكيف ترفض النجاح في هذه المادة الصعبة , وهي لن تخسر شيئا سوى أن تترك أسرة النصر , وتنضم لأسرة السلام وبدأت تبتعد شيئا فشيئا عن حياتها السابقة البسيطة مع زملاء يؤاخونها في أسرة النصر ..
                أما ياسر الذي قضي أجمل أيام حياته مع ميسرة . وكانت آماله كبيرة في مستقبل باسم لهما فقد اكتشف إن ذلك كله وهم كبير , وليس أملا .. لقد كان يرى في الجامعة حرما مقدسا .. وميسرة التي كانت حبا لا ينتهي , أصبحت حبا انتهي .. وها هو يستعد ليقف في مواجهة مع أعز الناس إلي قلبه .. لقد كان النجاح حلوا مع ميسرة , ولكن حلاوته مرة الآن ضد ميسرة , إلا لعنه علي الحب وسحقا للقلب الذي ينبض بحكاياته .. إنه مشلول الحركة منذ أن تركت ميسرة أسرة النصر وهذا أعطي الفرصة لأسرة السلام أن تقيم نشاطات عديدة تكسب فيها العديد من الأنصار والمؤيدين . إن أسرة السلام تحول الجامعة إلي ميدان للنشاطات الترفيهية والحفلات الراقصة , ومسابقات الجمال المبتذلة .
                وأسرة النصر أمام ذلك النشاط تتراجع وتتجمد , للمفاجأة التي أصابت جميع أفرادها بتحول ميسرة ابنة الجامعة عن الأسرة إلي أسرة السلام وأصبحت تشكل خطرا علي مثاليات وقيم أسرة النصر ولم يستمر هذا الجمود كثيرا !! حيث استدعي المشرف علي أسرة النصر " ياسر " وزملاءه في الأسرة , وطالبهم بإقامة أسبوع تنشيط للأسرة في الجامعة .. ولبى الجميع نداء أستاذهم وعلي رأسهم ياسر وفي خلال أيام عديدة كانت جدران الجامعة تمتلئ بالملصقات وصحف الحائط , والمعلقات الخاصة بالقيم التي يؤمن بها أعضاء أسرة النصر , بجانب ذلك أقامت الأسرة عدة لقاءات ثقافية وسياسية مع أكبر الشخصيات الأدبية , وكانت نهاية الأسبوع معسكر عمل دائم في نادي الجامعة , نصبوا فيه الخيام وكانوا يسهرون حتى الصباح مع الأناشيد والأهازيج المعبرة ، وجذبوا إلى هذا النشاط الكثيرين من طلاب الجامعة وأخذوا يستعيدون مكانتهم مما زاد من حدة التوتر بين أعضاء الأسرتين معارك بالأيدي أكثر من مرة .. حتى وصل الأمر إلى حد جعل مجلس الجامعة يتدخل , ويأمر بإيقاف جميع النشاطات للأسرتين في الجامعة ثم أصدر المجلس قرارا بحرمان ياسر من دخول الامتحانات لذلك العام , بإيعاز من أستاذ مبادئ الاقتصاد والمشرف على أسرة السلام .. وأصبح الموقف في ذروته بعد هذه الإجراءات من مجلس الجامعة والتي لم تتصف حق الطالب ياسر كأي طالب أخر في الجامعة واحتجت أسرة النصر في شخص أستاذ التاريخ الاقتصادي المشرف عليها , ولكن مجلس الجامعة رفض الاحتجاج الذي قدمه الأستاذ وصمم على حرمان "ياسر" من دخول امتحانات ذلك العام فأعلنت أسرة النصر الإضراب أمام الجامعة , الأمر الذي كاد أن يحول الجامعة من ميدان علم إلى ميدان سياسة فقر مجلس الجامعة إعادة النظر في قراره , وأمر بتشكيل لجنة تحقيق لتدرس الموضوع من مختلف جوانبه , حتى تحدد هذه اللجنة المسئول الأول عن المشاحنات التي حدثت داخل الحرم الجامعي , وموقف ياسر من هذه المشاحنات ودرجة مسئوليته في حدوثها .
                ووقف أستاذ التاريخ الاقتصادي يدافع أمام لجنة التحقيق عن موقف أسرة النصر قائلا : إننا ملتزمون في الجامعة بتنوير عقول الشباب ودفعهم نحو المزيد من التوجه إلى العلم والمعرفة بهدف بناء مجتمع صالح قوي البنيان , قائم على أسس عملية سليمة .. ولذا ونحن نرقص تحويل فئات من شبابنا المتعلم إلى مجموعة من اللعب المتحركة .. لا يعون ما يحيط بهم من مسئوليات مستقبلية جسمية وخطيرة من أجل الحرية والتقدم , صممنا على أن تكون الحياة الجامعية للطالب محركة الأول الذي يعرفه بكل القضايا الملحة والخطيرة في بلده وفي أمته العربية جمعاء .. وقد أطلقنا على الأسرة اسم النصر لتوحي للجميع بأنها مجموعة تعد نفسها لأن تنتصر في الحاضر والمستقبل ..
                وتلاه أستاذ مبادئ الاقتصاد ليدفع عن موقف أسرة السلام قائلا :
                إن الجامعة وهى مشحونة بجو المحاضرات الممل السقيم , لابد أن يكون فيها جوا من المرح الذي يعطي شباب الجامعة ما يحتاجونه من الإقبال على التحصيل , بمتعة أكبر , حتى يكون جو الحياة الجامعية مختلفة عن أجواء الحياة الدراسية الأولى للطالب وهو في سن المراهقة وأسرة السلام وهي تتيح الانفتاح على الحياة لكل مباهجها للطلاب ترفض أن تكون محل انتقاد أحد من داخل الحرم الجامعي وخاصة أولئك المعتقدين أمثال الطالب " ياسر" ولذلك فإننا في أسرة السلام نلح على مجلس الجامعة أن يرفض على هذا الطالب وأمثاله أشد العقوبات الرادعة لأنهم سيكونون سببا في ابتعاد الروح الحلوة عن شباب الجامعة , وأن أسرتنا تنادى بالمحبة والإخاء بين الجميع , وما قامت إلا لتشيع هذا الجو في الجامعة .
                وبعد أن استمع مجلس الجامعة إلى دفاع الأستاذين المشرفين على أسرتي النصر والسلام .. طلب أستاذ التاريخ الاقتصاد من مجلس الجامعة أن يستمع إلى دفاع ياسر عن موقفه ممثلا عن أسرة طلاب أسرة النصر.. وأن يطالب المجلس دفاع "ميسرة" عن موقفها خاصة أنها تركت أسرة النصر وتحولت منها إلى أسرة السلام , وهي لب القضية كلها .. وبدأت المسألة تدخل في تفاصيل لا يحب أستاذ الاقتصاد الخوض فيها أمام مجلس الجامعة , وخاصة أن " ياسر " سوف يثير قضايا عديدة أمام مجلس الجامعة عن الاستهتار والحفلات الماجنة التي تقام في شقة المشرف على أسرة السلام , وليس ببعيد أن يقدم مستندات تؤيد كلامه أمام المجلس , وتبقى ميسرة فإذا تخلت عنه هي الأخرى فسوف يكون موقفه ضعيفا جدا .. خاصة أنها طيبة لا تستطيع أن تنكر أي واقعة حدثت معها فيما يتعلق بمسألة تركها لأسرة النصر وانضمامها لأسرة السلام .
                وفي ساعات قليلة اتخذ أستاذ مبادئ الاقتصاد قرارا فآجابه جميع أفراد الأسرة الجامعية .. عندما أعلن في بطاقات دعوة موجهة إلى أعضاء مجلس الجامعة عن حفلة زفافه على ميسرة خلال أسبوع وسفره معها لقضاء شهر العسل في أوروبا , بعد أن اتفق مع ميسرة على ذلك الأمر ..وأي دفاع سيقوم به ياسر بعد ذلك سيكون دفاعا ضعيفا بدون أن يكون مدعما بمستندات صحيحة , والمستندات التي يملكها كلها تخص الفترة التي تلت خروج ميسرة من أسرة النصر وهي الفترة التي سيدعي فيها المشرف على أسرة السلام بأنها كانت فترة خطوبته على ميسرة والتي ستؤيده في كل ما يقوله وقد أصبح العريس المنتظر لها , كما أن مسألة خطوبتها كافية لتكون سببا مقنعا لخروجها من أسرة النصر إلى أسرة السلام .فكم سيكون موقفه ضعيفا أمام مجلس الجامعة , خاصة أن أغلب أعضاء المجلس سيحكمهم فلا القرار أمران زمالتهم لأستاذ مبادئ الاقتصاد , وفرحتهم بقرب بقرب زواجه وهو العازب الوحيد بينهم في الجامعة . وأمام المجلس وقف ياسر عاريا وحده ليدافع عن نفسه قائلا :
                موقفي لم يكن فرديا ونشاطي لم يكن من فراغ !! موقف الأسرة التي أنتمي إليها في الجامعة , ونشاطي كان جزءا من نشاطها , وكان هذا كافيا ليخفف على ياسر القرار , لان أسرة النصر موجودة قبل دخوله الجامعة فاكتف المجلس بتحويله من طالب منتظم إلى منتسب يحرم من المشاركة في النشاطات الجامعية .. أما ميسرة فقد وقفت أمام مجلس الجامعة وهي واثقة من نفسها ومعها عريسها والمشرف على أسرة السلام وقد تأبطت ذراعه وخرجت متجاهلة .. ياسر الذي تأثر كثيرا بزواجها وعاش كسير الفؤاد بابتعادها ..فهي " ابنة الجامعة " كما كان يحلو له وزملائها أن يسمونها , ولكنها في الحقيقة .. هي الجامعة , لكل الأشياء الجميلة في حياته ..!! بل هي حياته كلها !
                الشهرة والموهبة
                تعرف علي نجمة التلفزيون المشهورة قبل عدة سنوات في مدينة ساحلية وجره الحديث معها إلي مشاكل التلفزيون وهمومه , فأعجبت بأفكاره وسألته :هل لديك أفكار تصلح للإعداد التلفزيوني ؟
                -
                فأجاب بثقة وطمأنينة قائلا : لدي الكثير من الأفكار .
                -
                فقالت له بهدوء وبرود : هل لي أن اطلع عليها ؟
                -
                فقال لها : بكل سرور , وليتك تنفذينها أيضا .
                -
                فردت قائلة : أعطني إياها لا قرأها ثم نرى ما يمكن عمله .
                وقدم إليها جمله أفكاره عن برامج تليفزيونية في اليوم التالي مباشرة .
                فكرة برنامج غنائي .. فكرة برنامج عن السينما وفكرة ثالثة عن النقد الذاتي .
                ونسي الموضوع تماما وقد انقضي شهر بأكمله علي ذلك اللقاء , حتى اتصلت به في مكان عمله لتقول له ببراءة :
                -
                إن هذه مجرد أفكار , وهي أفكار جيدة لكنني بحاجة إلي خطة عمل لدورة برنامجية كاملة .
                -
                فسألها بسذاجة : وأي من الأفكار نالت إعجابك ؟
                -
                فقالت مؤكدة : كلها أفكار جيدة ومقبولة ولكني أفضل فكرة النقد الذاتي دون سواها وأري أنك متمكن فيها أكثر من غيرها , فما رأيك لو أعدت تصورا كاملا لبرنامج في دورة كاملة ؟
                -
                فقال بسذاجة : أنا علي استعداد كامل , ولكن هل تقدمينها باسمي أم باسمك ؟
                -
                فقالت بلهجة يشوبها الحرص :
                إنهم لا يعرفونك , وسيرفضون الفكرة إذا ما قدمتها لهم باسمك , ولكنني سأقدمك لهم بطريقة ذكية تفتح للبرنامج دون أية موانع .
                -
                فأجاب قائلا :
                ما رأيك لو نقدم البرنامج على أنه إعداد مشترك بيني وبينك , وأنا علي استعداد لكتابته بأكمله ؟
                -
                فقالت بصوت خافت : سنبحث هذا الموضوع بعد أن تقدم خطة العمل .
                -
                فقال بنفس الطيبة والسذاجة إياها : ستكون خطة العمل بين يديك غدا إن شاء الله .
                -
                ونفذ وعده لها في اليوم التالي .
                -
                وبعد أيام انشغل فيها ببعض الأعمال , كلمته بلهجة فرحه فيها نشوة وظفر وقالت له : لقد أعجبتهم خطة العمل ووافقوا عليها , فلنبدأ في كتابة الحلقات قبل بدء الدورة ... فارتبك قليلا وسألها :
                أنا .. ما هو دوري في هذا كله ؟
                فقالت له : لقد قلت لك .. لماذا لا تصدقني ؟ سأقدم الحلقة الأولي باسمي ثم أقدمك علي أنك مشارك في الإعداد معي .. ولن يقولوا شيئا المهم الآن أن تعد لنا ثلاث أو أربع حلقات كاملة أقدمها دفعة واحدة , ونبدأ بعدها العمل , وإذا نجحنا سنفرض شروطنا .
                لم يصدق وعودها تلك , خاصة وأنها تتحدث عن العمل بأساليب وطرق ملتوية , لكنه أحب أن يستمر في العملية ليرى ما يمكن أن يحدث في عالم الأضواء والشهرة من سلوكيات وأخلاقيات تعوزه معرفتها , ولو كتجربة أولى للتعامل مع هذه الفئة , كما أنه بسذاجته المفرطة لم يشأ إحراجها وهي تضع أمام رؤسائها خطة عمل لبرنامج ثقافي منوع .. فلم لا يصدقها ؟ ولم لا يثق بها ؟ قد يكون في هذا العالم أناس يمكن تصديقهم والثقة بما يقولونه ويعدون به .
                سهر أسبوعا كاملا يعد في أربع حلقات عن النقد الذاتي ليقدمها إليها محملة بالورود والرياحين مشفوعة بالأمل في النجاح والتوفيق . وذهب في موعده ليقدمها لها . وأخذت تتصفحها ورقة تلو الأخرى ولا تنقطع عن التعبير له بإعجابها الشديد قائلة :
                حقا .. أنت كاتب ماهر وأسلوبك ذكي .. خسارة أن تبقي في الظل هكذا . ولكن لا تهتم سوف تكون لم الانطلاقة التي تستحقها .. وسأبدأ بتقديمك في فقرة مستقلة من كل حلقة وبعد أن يتعرف الناس عليك سيكون سهلا أن يتقبلوا ظهورك , وهكذا أفضل بكثير من ظهورك كمعد دفعة واحدة .. إننا بهذا نحكم علي البرنامج بالفشل قطعا والنقاد لن يرحمونا .. وسيقف الكل ضد البرنامج , لكن الوضع يختلف معي .. وأنت ذكي وتعرف هذا كله .. فهز رأسه باستياء ظاهرة ولكنه فكر في كلامها وبحث جوانبه ووافق عليه , عليه فهناك من المنافقين علي الأرض أضعاف أضعاف المثاليين فوقها .. سوف يقتلون البرنامج ويحرقون الفكرة لمجرد أن يحرقوا اسمه الجديد عليهم , هكذا الدنيا في عالم متخلف لا يعترف إلا بالأسماء البراقة اللامعة .. وكما قالت له النجمة : لن يفهموا .. في الصحافة بالذات سيقولون : " من هو هذا المعد الجديد ؟ " وأنت تعرف أهل الصحافة .. وقال لنفسه في خاطر لماح وسريع .. لماذا لا تكون هذه اللعبة تقييما فعليا من جانبي لبعض النقاد والكتاب في الصحافة الفنية الثقافية ؟ وهم يشيعونني وغيري من الدماء الجديدة بالنقد اللاذع الذي لا يعتمد عل أساس من الحق والمنطق في أغلبه .
                وهكذا بدأت العملية بالنسبة له . معركة مع هؤلاء .
                وقال لنفسه : هذا تقييم للذات بالذات .
                واستهوته اللعبة , بل شعر بالظفر والفرح لأنه سيمارسها بكل بنودها , ووجد أنه سيكسب معنويا بينه وبين نفسه علي الأقل .. فلو كتب اسمه معدا للبرنامج ستكون الفرصة مفتوحة أمام أولئك لممارسة هواياتهم في الهدم من خلال نوافذهم الصحفية التي يحتكرونها في الصحف اليومية .. لذا , فإنه رفض كتابة اسمه علي البرنامج عندما عرضت النجمة الموضوع عليه بعد أن اعتمدت الإدارة البرنامج بترحاب شديد , وفضل أن يكون له فقرة يرتبط اسمه من خلالها بالبرنامج , على أن يكون كله باسمه .
                وتحقق ظنه , وشعر بالانتصار وأحدهم يستهزئ من ظهوره في البرنامج مميزا ليس في هذا المكان , بل في كل مكان نطق بالعربية في برامجه الترفيهية – الثقافية .
                وهنا بدأ يشعر بضرورة أن يكتب اسمه معدا للبرنامج واحتجت النجمة على طلبه فقال لها :
                لا تظني بأنني أعطيتك عصارة فكري ضعفا مني , ولكنني استخدمتك في لعبة أنا الذي خططت لها حتى أعرف قيمة ما اكتبه باسمك اكتشف أن الدنيا بالمقلوب في عالم يسعى وراء المظهر وينسى الجوهر وتشده الأسماء .. وليس الأفكار ..
                الدنيا بالمقلوب فعلا .. ومرة أخري .. جملة قالها لنفسه وهو يقلب صفحات مجلة أسبوعية المفروض أنها ثقافية جادة ومتخصصة كا تدعي لنفسها , فوجئ بموضوع رئيسيي لها عن حسناء تعمل في ملهى ليلي .. الأسئلة والأجوبة فيه حول مصير المرأة على المستوى الدولي والعربي .. عجبي .
                وفي الصفحات التالية صورة لحسناء طغت بحسنها على ديوان شعر أصدرته في طبعة فاخرة .
                وفي آخر صفحة وضمن بريد القراء , رأي أسمه منزويا تحت مقالة طلبها منه رئيس التحرير , فخسفها وخسفه معها .. فضحك من نفسه وعلى نفسه قائلا : بين الشهرة .. والموهبة . " حقا .. الدنيا بالمقلوب " ..
                ودارت الأيام
                لم يكن أحد سعيدا بقدر سعادة " عبد الجبار بك " فقد انتصر علي خصومه في البلدة مرة أخري , الذين كانوا يعيرونه دائما بقلة الذكور عنده , وهو في عرف البلدة عيبا كبيرا , فكيف إذا كان الحال يخص زعيم البلدة الذي لم ينجب من الذكور طفلا إلا ومات في المهد طفلا , وكان ذلك يؤرقه ويؤلمه.
                فلم يبق لديه سوي ثلاث من الإناث بعد زواج مر عليه أكثر من خمس وعشرين عاما تزوجت الأولي منهم ابن عمها فكسبت له ابنآ من العائلة يعتمد عليه ويفتخر برجولته .. وكانت الثانية " خلود" يطلب ودها الكثيرون , ويتقرب إليها جميع شباب العائلة وغيرهم لنيل رضاها والزواج منها , وهي ترفضهم الواحد تلو الآخر , بالرغم من رضاها والدها علي جميع من تقدموا لها وعندما كان يسألها عن السبب في هذا الرفض , كانت تقول له : أريد أن أكون بجوارك كأي رجل ولا أريدك أن تشعر بالعيب لأنك لم تنجب ذكورآ , فسوف أثبت للجميع بأن بناتك رجالا , بل وأعظم , ومنذ طفولتها , وهي تقوم بعمل الرجال تذهب مع والدها إلي السوق وتحاسب وتراقب , وتجمع وتطرح , وتصرخ , وتأمر , والكل يستمع إليها معجبا بها , وبرجاحة عقلها .. وفي أيام المنافسة تذهب متلصصة لتعرف ما يحيكه المنافسين لوالدها من مؤامرات انتخابية وصراعات عشائرية .
                وفي تعليمها لم تكتف بالمراحل الأولي من تعليمها بل أصرت أن تكمل الطريق وتحقق حلم والدها في أن يكون له ابنا متعلما تعليما عاليا , يفجر به بين زعماء المدن الأخرى الذين يصادقهم . ولم يمانع رغم العادات والتقاليد في البلدة , وكل أهل البلدة كانوا واثقين من رجولتها , وهي الأنثى , وكان ما يغيظهم أن تفعل ما لم يفعله أبناؤهم الذكور , إلا وهو النجاح والحصول علي شهادة ألمترك العليا الفلسطينية وهي تساوي علميا الدرجات الجامعية بمستواها المتردي الحالي .. أما قبل ستين عاما فهي تتساوي بالثانوية العامة بمستواها التعليمي المرتفع , وقد كانت أول من يحصل علي هذه الشهادة في البلدة كلها من ذكور وإناث , ولذا كان حصولها علي تلك الشهادة انتصارا لوالدها علي منافسيه في البلدة , والذين كانوا يعيرونه بقله الذكور من أولاده , فقد عوضته " خلود " عن البنين , وأصبحت عنه مصدر فخر واعتزاز , بل أصبحت مصدر دخل كبير بعد أن أصبحت مدرسة للبنات في البلدة .
                ولم تكتف بما فعلته لوالدها لتنسيه حظه العاثر في إنجاب الذكور , بل إنها حرمت علي نفسها زواجا لا يحقق لها أو لوالدها فخرا وكبرياء , وكان هذا هو السر في رفضها من شبان البلدة , وبالذات ابن عمها الذي يعمل كاتبا ذكيا ونشيطا عند والدها , فلم تكن مقتنعة به ولم يكن شبابه أوقربته يثيرون لديها أي اعتبارا أو تفضيل , فهو في نظرها مجرد " مرمطون " مستخدم عند والدها وزواجها به لا يضيف إليها شيئا البتة .
                سوى أنه سيكون مجرد زواج بين اثنين .. فهي تريد زواجا تقوى به , ويرفع قدرها هي نفسها , ويكون محل فخر والدها معه أيضا , فكان أفضل رجل تقدم إليها هو"رغدان" فهو في نظرها الأفضل من جميع رجال البلدة .
                وبالرغم أنه متزوج وعنده من الأبناء والبنات العديد وبالرغم أن عمره يزيد عن عمرها أكثر من عشرين عاما إلا أنه يتمتع بثراء فاحش , وجاه واسع وعشيرة كبيرة يقف علي صدارتها وأناقته العربية بالبالطو والقنباز تشدها لأصالتها , وخاصة العقال المقصب بخيوط الفضة الخالصة .. إنه الابن الأكبر والمدلل عند والديه طوال حياته , لقد أعطاه والده كل أملاكه يتصرف فيها بحرية مع إخوانه وأعطاه الزعامة في حياته حرصا عليه , وحبا فيه . وكان في نشأنه يختلف اختلافا كليا عنها .. وفي طباعه ما ليس في طباعها فهو عاش حياته نائما أو جالسا أو راكبا , وحوله من يخدمه ويلبي له طلباته , لا يسأل عن شئ إلا ويجده أمامه أما هي فقد كافحت واجتهدت في حياتها وسعت ليكون لها مكانها رغم سعه العيش عند والدها لم تسأل أحد أن يقوم عنها بأعمالها , وكانت تفضل أن تؤدي للغير خدماتها , فكان لها الفضل علي الجميع بما فيهم والدها الزعيم .. ولذا فأنها وجدت في " رغدان " ما حرمت نفسها منه وبالأحرى وجدت فيه صورة مكررة من والدها , أو حياتها عند والدها .. وكان كل ما يعذبها هو إصرار " رغدان " علي تركها لوظيفتها , والاكتفاء كربة بيت تربي الأولاد وترعي الزوج , ولكنها أمام شعورها بأفضليته في البلدة , وافقت علي رغبته تلك ونفذتها , ففي زواجها منه انتصارا لذاتيتها القوية , وانتصارا لوالدها علي خصومة , وليكن زواجها أيضا ما يجعل والدها يشعر بأفضلية أمها عليه ببناتها الإناث , فقد حافظت لوالدها بهذا الزواج علي قوته أمام اشتداد المنافسة العشائرية في البلدة ضده ,
                وكان الزواج بين رغدان وخلود زواج العلم والكبرياء وزواج الحيوية بالخبرة زواجا يكمل بعضه الآخر فكان ثمرة هذا الزواج خليط ما بين الاثنين , فأنجبا ذكرا أسمياه " ياسر" جمع بين مواصفات والده ووالدته , فخرج محبا للعلم مثقفا وعاش كوالده محبا للكبرياء والتفاخر .. فمثل والده أخذ الكبرياء وراثة , ومثل أمه أراد العلم ذاتيا باجتهاده وبهذا الجمع فاز بحب الجميع , أقارب والدته أحبوه لعلمه وثقافته وأقارب والده أحبوه للشبه الكبير بينه وبين والده , لكنه عندما يدخل ميادين الثقافة والعلم يبحث فيها مفتخرا بما عند والدته , فأحبته أمه لأنها وجدته محبا للعلم مثلها , فلم يكن " عبد الجبار بك " لينسي في يوم من الأيام أن ابنته " خلود " وقفت بجواره وقفة رجال وهي الأنثى , ولكنه علي ما يبدو ظل يعاملها ومعاملته للرجال حتى بعد زواجها , فلم يعطها من ماله قدر ما أعطاه لشقيقتها الكبرى المتزوجة من نفس عشيرته , ولم يعطها دلالا مثل ما أعطي شقيقتها الصغرى " ختام " جميلة بل باهرة الجمال شقراء وعيناها خضراء , وشعرها أصفر ذهبي وناعم طويل , وكل ما فيها يلفت النظر , فوقع في حبها العديد من الرجال والشبان وكانت هي الأخرى مثل شقيقتها " خلود" ترفضهم لأنها لم تجد فيهم ما يقنعها بأفضليتهم .. حتى وقع اختيارها علي ضابط من الضباط بينهم بطل وفدائي وتزوجته رغم كل الأخطار .. فكلما اختارت " خلود " زعيم عشيرة في البلدة مفضلا بين أهله وأهل البلدة , فقد اختارت هي بطلا فدائيا وضابطا مغوارا مفضلا بين أقرانه وعلي مستوي الوطن كله .
                وكسيت هي الأخرى لوالدها بعد ثالثا بعدا ثالثا في شخصية زوجها الوطنية والبطولية , فكان انتصارا له من خلال بناته علب قلة إنجابه الذكور .. لو أنجب ذكورا كان من المستحيل أن يفوز بتلك الأبعاد التي فاز بها من خلال الإناث , أنها قرة الله العظيم , عندما يأخذ أو يحرم , فإنه لا ينسي عباده , فيعوضهم بميزات أخرى أكثر عطاء مما حرمهم منه .. وكان حرمان عبد الجبار من البنين حكمة للرب العظيم تجلت في عطائه الواسع لأولئك البنات الثلاثة .. فحلمت البنات الثلاثة معاني العلم والجاه , أما الثالثة فحملت الوطنية والفداء ولم تلتق الأولي مع شقيقتيها فيما أنجبته من ذرية تالية إلا أن الثانية التي أنجبت " ياسر " التقت مع شقيقتها الثالثة التي أنجبت " فايزة " فالتقي العلم والجاه بالوطنية والفداء .
                والأيام في دورتها تأخذ وتعطي وكما أعطت خلود ابنها " ياسر " وأعطت " ختام " ابنتها أخذت منهما والدهما " عبد الجبار بك " وقبل أن تأخذ والدهما كانت قد سحبت من " ختام " زوجها الضابط المغوار شهيدا في إحدى معارك البطولة والفداء , وتركتها وحيدة مع ابنتها تربيها ولم يكن من يحبها ويرعاها إلا مثلها الأعلى ومعلمتها في الحياة أختها " خلود " .
                وهكذا الأيام تجعل من خلود رجلا علي الدوام أو في مكان الرجال حتى بعد وفاة والدها , ترعي شقيقتها الأرملة وابنتها " فايزة " ابنة الضابط الشهيد .. فجمعت هذه الرعاية بين " ياسر " وابنة خالته " فايزة " في كل الأوقات .. وكان ياسر يكبرها بخمسة أعوام , لكنه يجلس إليها يحفظ لها دروسها ويعلمها ولو أنها لم تكن في حاجة لذلك فقد ولدت ذكية متفوقة , وكان أشد ما يغيظها هو ياسر عندما يحاول أن يضحك عليها وينعتها أنها أصغر منه في السن , وأقل منه في العلم , فكانت تبحث عن كتبه وتقرأ ما فيها وتحفظها لتجادله فيها وتحرجه , فلا يشعر بحرج وهي أمامه طفلة تصغره بخمسة أعوام إلا أنه فاته أمرا لم يكن في فكره وهو أن فايزة عاشت معه ينعتها بالطفولة , دون أن يعلم أن بداخلها دافعا قويا يحفزها لتكون كبيرة , فلقد حرمت من والدها في المهد صغيرة وشعرت مع مرور السنين بوالدتها محرومة من رجل يحميها فاحتمت بخالتها " خلود " الأمر الذي جعلها تعجب بخالتها " خلود " وتعمل علي تقليدها وتتبع خطواتها في الحياة , فكانت تري في ياسر صورة مكررة عن والده " رغدان " الذي فضلته خالتها خلود عن غيره من الرجال واختارته زوجا لها , ولذلك فقد كانت معجبة بياسر وتريد أن تثبت له أفضليتها رغم صغر سنها عن سنه , أفضليتها في الحياة وفي الدراسة .
                ودارت الأيام دورتها مرة أخري .
                فايزة في العشرين من عمرها وياسر في الخامسة والعشرين .. خمسة أعوام بينهما قطعتهم فايزة بذكاء فألغت فارق السن بينها وبين " ياسر " فقبل عامين انتهي من دراسته الجامعية وعمل بوظيفة محاسبية في إحدى المؤسسات .. أما هي فقبل عامين أنهت الثانوية , والتحقت بمعهد اللغات فأصبح فارق العمر بينهما عامين لا خمسة أعوام , وهي تريد بعزم واجتهاد أن تلغي هذا الفارق فسعت عن والدتها لتعمل في الصباح وتواظب علي دراستها في المساء , فتحقق لها ما تريد وبذلت جهودها لكي تعمل " فايزة " مع ابن خالتها في نفس المؤسسة التي يعمل بها , وكانت وظيفتها في البداية صغيرة , موظفة بالأرشيف تحفظ الملفات , وتراقب الوارد والصادر من المعاملات .. فلا زال هناك فارقا بينها وبين " ياسر " ولو أنه فارقا ضئيلا وضعيفا مصممة علي أن تجتازه سريعا , وبكل الإمكانيات , وياسر يشعر بالغيرة منها , فتلك الطفلة كما كان يصفها دائما تلاحقه , وتهز كيانه من الداخل أنها تستفزه بإرادة صلبة لا تلين .. لماذا تحاول أن تسرق منه الأضواء ؟ لماذا تزحف علي راحته بنشاطها ..؟ لماذا تقلقه باجتهادها وكفاءتها ..؟
                إنها تحرمه من محبة الجميع وتعاطفهم والكل يحبها هي , فهو كسول ومتقاعس , وهي المجتهدة , والدته تقول له دائما : انظر إلي فايزة , كيف تجتهد في حياتها , وأنت لم تفز سوي بالوظيفة .. فماذا تريد منه أمه أن يكون ..؟ لقد حقق ما أرادوه منه وكان ينجح في دراسته بالمدرسة والكلية .. بين زملائه مميزا بنشاطه الثقافي .. ولكن النتيجة لا أكثر من موظف . هكذا العصر .. ندرس ونتعلم ونتثقف لنصبح وراء المكاتب موظفين ولا نستطيع أكثر من ذلك .
                الشعور بخيبة الأكل يسيطر عليه , يقف كالستار الحديدي بينه وبين تفاعله مع الآخرين .. أين أصبح وأين كان ..؟ سؤال يمزقه ليل ونهار .. وهل حكمت عليه الأيام بتلك التعاسة مع ذاته ..؟
                أقسى ما يمر علي الإنسان من أيام تلك التي يفقد الإنسان فيها الثقة بنفسه وقدراته .. وأنها حقيقة واقعة , وقد كسرت فايزة الزمن بينها وبينه , وأصبحت بنفس درجته الوظيفية خلال شهور ثلاثة من استلامها العمل وهو القابع علي نفس الدرجة منذ عامين .. لقد أفادتها دراستها في معهد اللغات وتم ترقيتها للعمل في سكرتارية الإدارة العامة .. لقد كبرت ونضجت , وأصبحت شابة فتية تضج بالأنوثة , أنها تستعمل الماكياج وترتدي أفضل الأزياء , امن هذا كله ..؟
                يا لها من شقية , وهي تعلن التمرد عليه , فهي اذ تتمرد علي طفولتها فإنها تتمرد عليه .. وهل يعقل ذلك .. أن تلغي ذكرياتها وذكرياته في ساعة تمرد ولم تكن تحمل نفس تفكيره , فقد عاشت من عمرها عشرين عاما تتصرف بقوة وصلابة وعند , كما كان والدها الشهيد الذي لم تعرفه أو تراه , ولكنها تعش ذكراه , حتى غدت في نظر الجميع فتاة مسترجلة , وأشد ما يغيظها أن " ياسر " نفسه ينظر إليها كذلك , ولو أن نظرته مختلفة بعض الشئ لكونه يرى فيها طفولة فقط , والاختلاف بسيط , بين الآخرين الذين ينظرون إليها كفتاة مسترجلة , وبين نظرة ياسر الطفولية لها , فكلا النظرتين يحرمانها من أنوثتها .. وهكذا شئ ليس فيها بتاتا , فقد ورثت عن أمها جمالا ساحرا وأخاذا , وأنوثة تفيض نضجا , ولا بد أن تثبت للجميع سحر أنوثتها , وخاصة ذلك المراهق الكبير " ياسر " الذي ينسي نفسه معها وكأنها لا تزال طفلة , رغم أنه الطفل الذي بلغ من العمر خمسة وعشرين ولا يزال يتأمل مصدوما من الحياة لا ينتصر عليها .
                كثيرا ما سألت نفسها وسألت خالتها سؤالا حولا ياسر : لماذا لم ترفعه رجلا عظيما كما رفعت غيره من الرجال ..؟ لماذا لم تعمله كيف يكون قويا وصلبا وذكيا ليصبح عظيما ..؟ وأجابتها خالتها علي ما تذكر : بأن ياسر لم يخذلها أبدا , بل إنه كان علي الدوام عند حسن ظنها , متفوقا في دراسته , محبوبا بين أهله ومدرسيه وزملائه , وفي الكلية نشيط واجتماعي إلا أنه منذ أن حصل علي الوظيفة بدأ التقاعس والكسل يعششان عليه , ولم يتفوق أبدآ , ربما لأنه كان يحلم بأكثر من الوظيفة , فكانت الوظيفة خيبة أمل له , ولأحلامه وطموحاته .
                وهكذا بدأت الحياة تأخذ شكلا آخرا وجديدا , وتتلاحق الأحداث بسرعة عجيبة .. ياسر مجمد في مكانه وفايزة مستمرة في تفوقها وتقدمها حتى طرق غريب علي بابها .. يطلبها للزواج .
                لم يكن غريبا بالنسبة لفايزة لأنه من أقاربها لأبيها , ومهندس متفوق في عمله , ولكنه يعتبر غريب بالنسبة لياسر , ويعتبر نفسه أحق من هذا المهندس بها . وافقت أمها علي المهندس , ووافق أعمامها , وعلم ياسر بأمر , فذهب إليها مغتاظا مستنفرا , وعرض عليها الزواج .. لأول مرة تدب فيه الحياة منذ أن أصبح موظفا , وبدأت تزن الأمور بين ياسر وبين ابن عمها المهندس ..! ياسر هو طفولتها .. وهو خالتها التي أحبتها وهو أبوه بجاهه وهو الثقافة التي اكتسبتها لقد كان الدافع والمحرك لها , فهل تفقد هذا كله .. هل تخسره .. مقابل حياة ساكنة رتيبة وربما مملة !!
                لم تعرف أبيها .. وبها رغبة شديدة أن تتعرف عليه من خلال ضابط مثله .. وهي مثل أمها في جملها .. الجمال الذي يبحث عن الحنان مثل حنان ياسر .. أن المهندس يخسر أمام ياسر , لأنه لا يحمل عطاء جديدا أنه لا يحمل لها الحنان الذي تريده , ولكنه يحمل الأمان بدون حنان , وهي بحاجة إلي الحنان الذي حرمت منه في طفولتها باستشهاد والدها , ولكن الحنان لا يكفي وحده , لأنها أنثي بحاجة إلي رجل قوي, أنها جميلة بحاجة إلي من يحافظ علي جمالها وبقدرة .. ولا يزال ياسر أضعف من أن يحقق لها كل هذه الأشياء , رغم أنها واثقة من حنانه , لكن الحنان يحتاج لقوة رجل يملك قلب عسكري مغوار , مثل والدها الضابط الشهيد .. ليت ياسر كان ضابطا لاكتملت لديها الحياة معه , ولكنه خرج موظفا مثلها مثله ..
                وعلي هذا فإنه يخسر هو الآخر أيضا , الاثنان خاسران وهي لن تتزوج وستكمل دراستها وبعد ذلك يكون الزواج أمر محتوم لا بد منه , فهو ضروري لكل كضرورة الليل والنهار في الحياة ذاتها .
                ودارت الأيام ملفوفة بالوحدة والاكتئاب هذه المرة .
                ياسر حزين ومهموم لرفض " فايزة " له وهي الطفلة عنده ويملأ وقته بالقراءة والكتابة يفرغ فيها ما في نفسه من أحزان وينفث فيها من جوفه صرخات غضب علي ذلك العمل الذي حرمه حياة يريدها مع فايزة الحبيبة ... نعم فقد أصبحت الطفلة فايزة هي فايزة الحبيبة ..
                أما فايزة فقد بدأ قلبها يتحرك وبدأت العجلة تدور معها نحو ضابط شاب , تعرفت عليه عند زميلة لها في حفلة عرس بسيطة , وكان الضابط موجودا في الحفلة يلبس بدلته العسكرية وقدمته إليها زميلتها علي أنه شقيقها ومعجب بها وبجمالها .. وكانت " فايزة " معجبة به هي الأخرى ففيه الضابط الذي فقدته في والدها وكان الإعجاب بداية لعلاقة حب بينهما وبين ذلك الضابط , نسيت خلالها حنان وحب ياسر لها , فقد ابتعد عنها وابتعدت عنه ولم يكن بينهما سوي الذكريات , وخيطين رفيعين إحساسه بأنها ابنة خالته والأحق بها عن غيره , وإحساسها بأنه ابن خالتها .. وقرب الأيام ولم يكن الضابط يحمل في هيئته سوي بذلته العسكرية , أما منطقه وأسلوب حياته فهو أخرق وأجوف , ومستحيل أن تكون والدها ضابطا في مثل تلك الصفات .. وهو الذي استشهد علي أرض معركة .
                لقد اكتشفت أن حبها للضابط إنما كان حبا لمظهره ,أو بالمعنى الصحيح حبا في بذلته العسكرية فقط ليس إلا .. إنه يتصرف أو يحاول أن يتصرف كأي سوقي من الشارع , وهذا قلة احترام لشرفه العسكري بل إنه يعني بأنه لا يمت للعسكرية بصلة في يوم من الأيام .
                وبدأت تفقد ثقتها بالبداية المظهر , وتتراجع عن حبها الوهمي مع الضابط .. لقد وجدت البذلة واكتفت أن ما بداخلها غرور وادعاء , ولذا رفضت البذلة بعد أن صدمت بصاحبها وبحثت عن " ياسر " لأنه بالرغم من عدم امتلاكه للبذلة إلا أنه يملك معناها وحقيقتها .
                ولم يكن " ياسر" بعيدا عنها أبدا حتى تبتعد عن ذلك الوهم الذي تعيشه قبل أن تخسر كل الأشياء , ولن يتدخل إلا إذا أرادت منه ذلك , وسوف يعود إليها بحبه وحنانه وذكريات طفولته لو أرادت , بشرط أن تلغي تفكيرها بالبذلة المظهر وتفكر بمعني البذلة وحقيقتها .. وهو يعيش بقلبه وعقله معها .. حلم حياته الآن أن يكون قلبها وعقلها معه وهي نصفه الآخر لكل الأشياء وبنفس الأحاسيس التي تعيشها كتب موضوع عن أبيها الشهيد , وكان هذا الموضوع قصتها وهي تبحث عن أبيها الشهيد وقد وصفه وصفا أديبا بليغا , جعل فايزة تعيش صورة والدها الشهيد من خلال القصة التي كتبها " ياسر " فعادت إليه تشيد بكتاباته وأفكاره وزاد إعجابها به حينما اعترف لها بان حبه لها هو الذي أنزل عليه وحي الكتابة , وعن ذكرى وفاة والدها منذ أكثر من عشرين عاما هي التي جعلته يكتب قصة " ابنة الشهيد " التي جعلتها تعود إليه , لأنه أثبت لها بأنه يملك لها بأنه يملك الحقيقة عن والدها الشهيد , وأنه القادر علي إحياء هذه الحقيقة عندها وقررت أن تقطع علاقتها ببذلة الضابط لأنها وجدت ما تريده من حياة بجوار " ياسر " الكاتب
                لحظة صدق



                العلم الفلسطيني على سلك كهربائي

                -
                أن يرتفع العلم على السارية أمر هين بالحبال المتنافرة المتقابلة , وأصابع اليد العشرة المحركة ..!!
                -
                أن تضع العلم على سور أو جدار , أو سطح بيت تلك قضية بديهية مسلم بها في كل الأزمنة ..!!
                -
                أن تسير وسط مظاهرة حاشدة يرفعك الأخوة والأحبة على الأكتاف وفوق السقوف , علم يرفرف , تلك فهمناها , ورأيناها بالعين المجردة , أمام رصاص قد يخر القلب ويمزقه ويفتته , لان العلم مرفوعا وعاليا ..!!
                -
                أمور عاديه , تكررت , وكل يوم يعيشها , أهل الانتفاضة الفلسطينية الدائمة من غزة إلى الخليل إلى نابلس وحتى الناصرة
                -
                لكن الابتكار , هو الحقيقة في ذلك الشعب الذي لا يهدا ولا ينام إلا على ثورة مجلجلة , تهدم شعارات الموت الزائفة , ونفاق العملاء وأشكالهم في البقاع المقاتلة المنتصرة بالتفاف الناس , كل الناس حول الرموز الفلسطينية الرائدة والقائدة , هذا الالتفاف الذي لم يكتف بنشر علمه فوق مخيم اليرموك , أو البداوي , أو داخل جديتا الصامدة نفسها , بل تعداه في اتجاه الأرض المحتلة , بابتكارات غير عادية ومتتالية ..!!
                -
                وضعت هذا الشعب اللغز , بجانب اللغز العلم , كمسالة هندسية من الصعب فك فروضها وحلها إلا لشباب العشرين عاما والتاسعة عشر من أعمارهم داخل المدن المحتلة المحررة ....!!
                سؤال تخبط المحتلين بعد لغز الشعب ذاته , كيف وصل العلم شامخا عاليا مرفوعا على أسلاك الكهرباء المتجمعة بهذا الثبات وهذا العناد الذي يتحدى كل المدافع المصوبة ..؟؟
                رغم أن تلك الأسلاك على ضغط كهربائي عال الاقتراب منه يعني المذبحة المفحمة ..!!
                -
                شاب صغير في العشرين حل تلك , ورمى حبل على الأسلاك وجندل وراءه العلم , فوقف ثابتا دون أن يقترب الشاب من الكهرباء بمائة متر من المسافات والأبعاد المرصود لتلك المبادرة ذلك هو ابتكار الممارسة الفلسطينية ...
                علم فلسطيني على ضغط عالي من الكهرباء ...


                لا تلمني لو صار جسدي فاكهة للفصول

                تعليق

                • سليمى السرايري
                  مدير عام/رئيس ق.أدب وفنون
                  • 08-01-2010
                  • 13572

                  #9



                  المهموم

                  تابعته الهموم وأقلقته الأفكار، وعاش القلق ، واستسلم لأخطاء الزمان ، تاركا الخطأ يعشش في وجدانه الداخلي ، وينقله مرة بعد المرة إلى أخطاء أخرى تبعده عن الكبرياء ، والتحدي ، والصمود والتصدي ، وتجعله يبدو انهزامي مفرط في ضعفه ، وكأنه ذلك المناضل الوطني ، الذي صنع من الأخطاء والتكتيكات ، إستراتيجية ثابتة ، قلب بها موازين الصحة والاعتدال في الفعل ورد الفعل ، والفرق بين الاثنين كبير!؟! المواطن المهموم كانت أخطاءه ، على مستواه الشخصي ، وحده فقط !! أما الزعيم السياسي فأخطاءه ، تشمل الوطن والشعب والقضية كلها !!! ازدواجية الأفكار هنا ، تأتي بنتائج متماثلة !!
                  في تلك الليلة لم ينم المهموم لحظة واحده ، ولم يغمض له جفن ، مفكرا في أخطائه ، يبحث عن حلول للحياة السطحية التي يعيشها !!!
                  كيف يعلن العناد والتحدي والمقاومة ؟ وحوله السلبيات تحاصره ؟؟
                  دار دورة كاملة في منزله ، اتجه إلى الصالون ، كل شي فيه منظم كما رتبه : صورة والده : الأصالة والتاريخ ، وصورة الزعيم الوطني الشهيد وإطار كبير لآية الكرسي من القران الكريم ، مزركشة بخطوط ذهبية على أرضية خضراء ، وتذكره بقدرة العلي القدير ، في الحياة والممات ، أطر ثلاث تكون شخصيته ، كل ما فيها متفاعل معه ، ومؤمن به ، لم يتغير منذ زمان ، ولم يغير في مبادئه ، يحاول أن يجمع بين المعاني ، والأفكار ، دون أن ينحرف بين هذا وذاك ، فالدين أساس ، والوطن أيضا والعائلة : القيم في الدين ، والعادات من العائلة ، والحياة في الوطن !!! أين كان الخطأ ؟ لقد كان مميزا متفوقا وهو يجمع الأركان الثلاثة معا في سيمفونية واحده ، متناغمة ، فما الذي حدث ، ليبدأ الانهيار معه ؟؟ ؟
                  هل كان الخطأ عند الزعيم ،أم العائلة ، ؟ ولا يمكن أن يكون في الدين !! ربما يكون خطئه في انضباطه ، وتأييده للزعيم ، الذي يعيش بأخطاء التكتيك في الممارسة ، رغم الطواحين التي تدور حوله ، وهو يعاند أمام قوى أكبر بكثير من حجمه السياسي والعسكري فضلا عن الاقتصادي والجغرافي ، وهو يصر على القرار الوطني المستقل ، فينتج عن الإصرار ضعفا ، رغم أنه الحق نفسه ، ولكنه حق لا تسنده قوة ، خاصة إذا كان العدو له يملك القوة ، وهذا يحتاج حسم وحزم ، في القرار ، أيا كان ابيضا ، أم غامق السواد : لا تناور ، وواجه بحسم ، عدوك الشاطر وهنا درس على المستوى الشخصي للمهموم فيه فائدة ، في أن لا يناور ، إن لم يكن قادر ، وعليه أن يحدد مواقفه ، ولا ينافق ، يبتعد عن ضعفه ولا يكون جبانا ، عندما يحتاج الأمر إلى الحسم والحزم !!!
                  التحدي يصنع هيبة الإنسان والقائد ، ومناصرة الضعيف قوة للمبادئ !!
                  وهكذا لن يكون الخطأ إنسانيا ، إذا كان مع الحق وطنيا يتبع الوالي !!! ولا يمكن أن يكون في العائلة لأنها جزء من تكوينه الذاتي والإنساني !!!
                  أتعبه التفكير ، وأرهقه السهر ، وهزه الأرق ، نام متعبا ، واستيقظ بعد غفوة قصيرة ، وكان آذان الفجر قد حان ، والتكبير باسم الله يجلجل مناديا : الله أكبر .. ألله أكبر .. !هل ينام ؟ هل يلبي النداء ؟ حاول أن يقاوم إغراء النوم ، ولم يستطع ، كان ضعيفا أمام سلطان الرقاد ، ذليلا مستسلما ، قرر النوم ، وأغمض عيناه ، ونسي الله ، سامحه الله !!!
                  وفي الضحى استيقظ ، ينظر إلى ساعته ، مرتبكا ، مرتجف ، محطما ، وقد تجاوزت الساعة وقت العمل ، ماذا سيفعل ؟ ماذا سيقول للمدير ؟؟ نهض من سريره ، كمن لدغته عقربا سامة ضارية ، وأسرع في ارتداء ثيابه ، وخرج متسرعا إلى سيارته ، فاكتشف نسيانه مفتاحها ، فعاد إلى البيت لاعنا السهو والنسيان ، وفتحت زوجته الباب ، فصب جام غضبه عليها ، وتشاجر معها ، فتركت له البيت غاضبه ، وخرج مهموما إلى مكتبه ، قابل المدير الذي عنفه وأنذره ، وزادت همومه هما ثالثا ، ولم يحتمل دعابات زملائه ، وكان عصبيا متوترا ، فخاصموه وقاطعوه !!!
                  وجلس مهموم مهموما يسأل نفسه : ما الذي حدث لي ؟
                  وأجاب على نفسه في الحال : انه نسي الله ، فنسيه الله ، ترك الصلاة ونام غافلا ، لم يذكر الله عند استيقاظه وتذكر ساعة الدوام ، خاف المدير ، ولم يخش الله ، والعياذ بالله !!
                  هي تلك مشكلته إذن ، الذل للعبد والحياة الفانية
                  كان دائما في سنوات تفوقه مع الله الواحد القهار ، والآن عن الله يبتعد ، اكتشف الخطأ !!!
                  فماذا يفعل لإصلاحه في هذا الزمن العفن ؟؟
                  إنهم يعتقلون كل مؤمن ، مسلم ، ويبارك المسلمون قتل المسلمين !!!
                  والحصار يشتد على الإسلام والمسلمين في العراق وفلسطين وأفغانستان أين الصواب ، وأين الخطأ ؟؟ أين الحق ، وأين الحقيقة ؟
                  مهموم في الدنيا ، فلماذا يكون مهموما بالآخرة ؟؟
                  ليس هناك أمامه ، وكل المهمومين أمثاله ، سوى التشبث بالعقيدة ، بالمزيد من الإيمان ، والثبات، الثبات في زمان اقترب منه المسيح الدجال

                  لا تلمني لو صار جسدي فاكهة للفصول

                  تعليق

                  • منيره الفهري
                    مدير عام. رئيس ملتقى الترجمة
                    • 21-12-2010
                    • 9870

                    #10
                    شكراااا سليمى لهذا الوفاء
                    فالراحل العزيز يستحق منا هذا و أكثر
                    رحمك الله أخي الغالي يسري راغب شراب

                    و رزق أهلك و ذويك الصبر و السلوان
                    إن رحلت من الدنيا فأنت في قلوبنا لن ترحل


                    و إنا لله و إنا إليه راجعون


                    تعليق

                    • منتظر السوادي
                      تلميذ
                      • 23-12-2010
                      • 732

                      #11
                      إنا لله وإنا إليه راجعون
                      نسأل الله أن يرحمه برحمتته الواسعة
                      الدمع أصدق أنباء من الضحك

                      تعليق

                      • حسين ليشوري
                        طويلب علم، مستشار أدبي.
                        • 06-12-2008
                        • 8016

                        #12
                        {كل نفس ذائقة الموت و إنما توفون أجوركم يوم القيامة}
                        رحم الله أخانا الأديب يسري و غفر له و عفا عنه
                        و أسكنه فسيح جنانه و ألهم أهله و ذويه جميل الصبر و السلوان.
                        خبر محزن حقيقة.
                        إنا لله و إنا إليه راجعون و أصدق التعازي إلى أخينا بهائي راغب شراب.

                        sigpic
                        (رسم نور الدين محساس)
                        (رسّام بجريدة المساء الجزائرية 1988)

                        "القلم المعاند"
                        (قلمي هذا أم هو ألمي ؟)
                        "رجوت قلمي أن يكتب فأبى، مُصِرًّا، إلاَّ عِنادا
                        و بالرَّفض قابل رجائي و في الصَّمت تمــادى"

                        تعليق

                        • محمد فهمي يوسف
                          مستشار أدبي
                          • 27-08-2008
                          • 8100

                          #13
                          شكرا لك أستاذة سليمى السرايري
                          وفاء نادر ما قمت به
                          من طرح بعض أعمال الأديب المفكر الراحل
                          المرحوم يسري راغب شراب
                          لعل كل من يتصفحها أو يقرأ شيئا منها
                          أن يترحم عليه ويدعو له بالمغفرة وسكنى الجنة
                          إنا لله وإنا إليه راجعون

                          تعليق

                          • صادق حمزة منذر
                            الأخطل الأخير
                            مدير لجنة التنظيم والإدارة
                            • 12-11-2009
                            • 2944

                            #14
                            يسري راغب شراب
                            المفكر والأديب والمحلل السياسي والقاموس العربي الجامع لتاريخ
                            العرب القديم والمعاصر .. كان عروبيا فذا وأصيلا
                            كان لامعا ومتألقا في أحاديثه وفي حواراته وكان ذو أخلاق عالية

                            يتقن آداب ومبادئ النقاش والحوار ويدرك معنى " الاختلاف بالرأي
                            لا يفسد للود قضية " .. ولهذا كان واحدا من الذين يسعون لرأب
                            الصدع بين الأخوة وكان قريبا من الجميع ..

                            وتحية لك سليمى العزيزة على هذا المجهود الكبير وهذه اللفتة الأخوية
                            السامية بجمع بعض أعمال الراحل يسري في هذا المتصفح الذي تحول
                            إلى رواق ثقافي وتأبيني للمرحوم بوركتِ وعشت ودمتِ سالمة


                            رحمة الله عليك يا أخي يسري




                            تعليق

                            • منار يوسف
                              مستشار الساخر
                              همس الأمواج
                              • 03-12-2010
                              • 4240

                              #15
                              رحم الله الأديب الكبير
                              يسري راغب
                              و أسكنه فسيح جناته

                              http://www.youtube.com/watch?v=J0ga8wR6zFw

                              تعليق

                              يعمل...
                              X