ترجمان الأوجاع... نقد الترجمة/ حسام الدين مصطفى

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • حسام الدين مصطفى
    رئيس الجمعية المصرية للترجمة
    • 04-07-2007
    • 408

    ترجمان الأوجاع... نقد الترجمة/ حسام الدين مصطفى

    كنت قد وضعت مقالة عن " نقد الترجمة" وثم نشرتها لاحقا على صفحات هذا الملتقى الكريم.. سعيت أن أؤصل فيها لمفهوم "النقد" عندما يتعلق الأمر بتقييم " العمل المترجم"، وتزامن ذلك مع توجيه دعوة لي لحضور حلقة نقاشية بالمجلس الأعلى للثقافة بمصر بحضور نخبة من أساتذة الترجمة والأدب وضمت لجنة النقاش أستاذاي الأستاذة الدكتورة آمال مظهر أستاذة الأدب الإنجليزي بجامعة القاهرة ، والأستاذ الدكتور أحمد عتمان أستاذ الأدب اليوناني ورئيس الجمعية المصرية للأدب المقارن، وكذا الدكتورة عبير عبد الحافظ أستاذة الأدب الإسباني بجامعة القاهرة، والدكتورة فاطمة خليل أستاذة الأدب الفرنسي بجامعة حلوان. وكان موضوع الحلقة هو استعراض عمل مترجم، ومناقشة مترجمته فيما قدمته... ولأنني مغرق بالبحث في ما يتعلق بنشاط الترجمة وصناعتها عامة وبنقد الترجمة وتقييمها وما يرتبط بذلك من أطر نظرية وممارسات عملية تطبيقية على وجه الخصوص. لذا فقد حرصت على حضور هذه الحلقة والاطلاع على النصين الأجنبي الأصلي والعربي المترجم، والحق أني رغم قصر المدة بين استلامي للدعوة وموعد الحدث إلا أنني استطعت أن أقرأ النص الأصلي والنص المترجم، ووجدت الكثير من النقاط التي استوقفتني ولو أنه كان لي فسحة من الوقت لاتخذت هذا النموذج القيم موضوعا لدراسة متسفيضة... لكن لأن ما لا يدرك كله لا يترك كله، ركزت في ترجمة العناوين فقط داخل هذا العمل.
    المؤلفة... المترجمة:
    النص الأصلي هو مجموعة قصصية تحمل عنوان "Interpreter of Maladies" "ترجمان الأوجاع" وتضم تسع قصص قصيرة كتبت باللغة الإنجليزية كتبتها أديبة أمريكية الجنسية هندية الجذور هي "جومبا لاهيري" لتعرض حياة مجموعة من الهنود المغتربين في الولايات المتحدة الأمريكية وبعضاً من ملامح الحياة في الهند، لتعكس عمق اختلافات الثقافات ومفاهيم الاغتراب والبحث عن الهوية، وصدرت طبعتها الأولى عام 1999، ونالت المؤلفة عنها العديد من الجوائز أهمها جائزة "بن/هيمنجوي" في العام 1999، وجائزة بوليتزر للأدب في العام 2000، واختيرت كأفضل عمل أدبي للعام لمجلة "نيويوركر" الأمريكية في العام 2000، وكانت سببا في إدراج اسم "لاهيري" ضمن قائمة مجلة "نيويوركر" لأفضل عشرين مؤلف خلال القرن الحادي والعشرين.
    أما المترجمة فهي المصرية "مروة هاشم"، وهي دارسة للأدب الانجليزي، وعملت بالصحافة من خلال ممارستها للترجمة وصدر لها ترجمات عدة منها: "فن الحياة"، "تقنيات الأداء المسرحي..بناء الشخصية"، و"عبودية الكراكيب" و"كيف تصبح ممثلاً موهوباً .. حول أسلوب فن التمثيل"، "الحلقة المفقودة"، "ظلال الاستهلاك"، "التطريز في الهند وباكستان" ولها تعاون نشط مع المركز القومي بمصر ومشروع كلمة للترجمة بالامارات، وهو جهة اصدار ترجمة هذه المجموعة القصصية
    وقبل أن أنتقل إلى تناول النماذج التي عرضت لتحليلها ونقدها كأمثلة تطبيقية، لابد وأن أشير إلى نقاط هامة، لعل أولها هو " الدائرة النسوية" التي أحاطت بهذا العمل، فمالمؤلفة والمترجمة امرأتين، وهذه أحدى النقاط التي لا يمكن تجاهلها في خضم ما يمكن أن يقال حول هذا العمل، فقد تبدى التقارب الوجداني واضحا بين المترجمة والمؤلفة، ليس على مستوى الإعجاب أو الرفض، بل على مستوى الصوت النسوي الذي ظاهره الكلمة وصداه الشعور، فأن يترجم المرء عملا هو أمر لا يقتصر على استبدال الكلمات بمكافئاتها بل يذهب إلى تقمص حالة المؤلف أثناء وضعه لمؤلفه، واستحضاره لكل المؤثرات المحيطة بالنص ومؤلفه وقت صياغته، وهذا يؤكد على ضرورة اتساع آفاق الإدراك والشعور عند المترجم خاصة مع المترجم الذي يتعامل مع نصوص أدبية مفعمة بأحاسيس ومشاعر مصوغة بألفاظ وتراكيب مزدانة بصور تعبيرية وجمالية، وتصطبغ بصبغة ثقافية. ليس معنى هذا أن "النوع" عامل مؤثر في العلاقة بين المؤلف والمترجم، وإنما قدرة المترجم على استيعاب السمات الفكرية والوجدانية للمؤلف أو المؤلفة هي المعيار.
    كذا فمن بين النقاط التي تستوجب الملاحظة والتقييم ما يتعلق بمؤلفة النص وتكوينها الثقافي، فنحن لسنا أمام نص يعبر عن ثقافة "أحادية"، بل إننا أمام نص تمتزج فيه ثلاث ثقافات هي الهندية والإنجليزية والأمريكية، وهذا الثالوث الثقافي له من الخصوصية ما يمثل تحديا أمام المترجم، ومن خلال قدرته على الحفاظ على نسب هذه الصبغات الثقافية يمكننا أن نقيم جودة ترجمته، ويمكن الذهاب إلى أعمق من هذا المستوى، فنتعمق في قياس مدى تفادي المترجم لسلطة اللغة المنقول إليها ( وفي حالتنا هذه فإن العربية هي اللغة الهدف المنقول إليها)، وذلك من خلال طرح سؤال بسيط يمكن صياغته في القول: هل ترجم المترجم النص الأصلي ترجمة، أم قام بتعريبه تعريبا؟ وفي الإجابة عن هذا السؤال يكمن تقييم حفاظ المترجم على نكهة ومذاق العمل الأصلي، فالنقل إلى لغة ما يأخذ مستويين: أولهما الترجمة وفيه يلتزم المترجم بالمحتوى الفكري والثقافي والوجداني للنص الأصلي، وثانيهما التوطين أي صياغة المحتوى الفكري والثقافي والوجداني وفق قواعد وثقافة اللغة المنقول إليها، فيستشعر المتلقي وكأنه أمام تأليف باللغة المنقول إليها، وهذه قضية قد يتسع المجال لطرح أبعادها في غير هذا الموضع.
    كذا فبالنظر إلى النتاج الترجمي الذي قدمته المترجمة، فسنجد أننا أمام تنوع على مستوى العموم والتخصص، وكذا على مستوى المجالات، فهي ما بين علمية وأدبية وعلمية متأدبة، وعامة وتخصصية، ولكن ترجمة هذه المجموعة القصصية تتفرد بأنها ترجمة لعمل أدبي واضح المعالم وفق معايير التصنيف، فهي بذلك ترجمة تخصصية أدبية، وهي الترجمة الوحيدة التي تعاملت مع عمل أدبي بصورة مباشرة، وهذا يأخذنا إلى قياس مدى معرفة المترجم بالآداب وأصولها ومحدداتها، فالقول بأن قدرات المترجم واحدة عند تعامله مع كل أنواع النصوص هو ضرب من سوء الفهم لجوهر عملية الترجمة، ودور المترجم فيها، ويحضرني هنا الإشارة إلى التفاوت والتخصص بين النصوص، وما يتعلق بالمترجم "الكشكول" الذي يمكنه أن يترجم كل أنواع النصوص بذات الدقة والمستوى؟! ولكننا هنا أمام حالة - المترجمة- تستوجب أن نقيم مستوى كفاءة ترجماتها في المجالات المختلفة... وللأسف لم يتح لي الاطلاع على باقي الترجمات، فقصرت بحثي على التعامل مع ترجمتها الأدبية.
    الأفكار الرئيسية في العمل:
    حينما ننظر إلى الموضوعات الرئيسية التي تناولتها المجموعة القصصية جملة نجدها تبدأ وتنتهي عند موضوعات ثلاثة هي:
    (1) الهجرة والاندماج والثقافة: يبرز هذا من خلال عرض تجارب شخصيات المجموعة وردود أفعالهم تجاه مجتمع مختلف وثقافة جديدة، وما يتعلق بهذا الانتقال من السعي للانصهار ضمن مجتمع جديد، وارتباط هذا بالفرص المتوقعة، والثمن الذي يدفعه المهاجر، وقدرته على النجاح في التعايش في أرض جديدة وعلاقة هذا بقضية الهوية والثقافة. إضافة إلى قضية التمسك بالتقاليد أو نبذها.
    (2) الحب والزواج: تمزج المؤلفة علاقة معقدة تربط بين الحب والزواج، فهي تجعل من الزواج سببا للسعادة وتقاسم الأسرار إلا أن شخصياتها تعيش بعيدة عن تحقيق هذا السبب بل نرى مساحات واسعة تفصل طرفي العلاقة، فهناك حد مميز لكل طرف مهما تبدت عليهما مظاهر الزواج التقليدية أو ظهرت بعض الخلجات الوجدانية لدى الشخصية، وفي بعض الأحيان قد تنتهي حالة التوازي بين الطرفين إلى حالة التقاء يجمع الشتيتين عند التجارب المفجعة كموت الابن مثلا.
    (3) التواصل: حيث تعبر المؤلفة من خلال السياقات والشخصيات عن التواصل الإنساني، وتركز على مدى أهمية تواجده بين المنخرطين في العلاقات، ومغبة غياب هذا التواصل وخطر سوء الفهم، ونجدها تترك مساحات للشخصيات لتفصح عن مكنوناتها وأسرارها وتتخلص من حالة الغموض وخداع الذات.
    التعديل الأخير تم بواسطة حسام الدين مصطفى; الساعة 08-03-2013, 11:40.
    حسام الدين مصطفى
    مترجم - باحث- كاتب
    رئيس جمعية المترجمين واللغويين المصريين
    رئيس المجلس التأسيسي للرابطة المصرية للمترجمين- المركز القومي للترجمة
    أمين عام المجلس التأسيسي لنقابة المترجمين المصريين
    www.hosameldin.org
    www.egytrans.org

  • حسام الدين مصطفى
    رئيس الجمعية المصرية للترجمة
    • 04-07-2007
    • 408

    #2
    نقد ترجمة العناوين
    _149994_mrwaLL.jpg
    درج البعض على اعتبار عنوان النص قضية هامشية لا يجب الوقوف عندها عندما يتعلق الأمر بنقد النص نقدا أدبيا، لكن عند إخضاع النص المترجم للنقد فإن قضية ترجمة العنوان أو العناوين تحتل مكانة هامة خاصة وأن هناك بعض العناوين ذات الشحنات الثقافية المكثفة التي يغمض على المتلقي فهما، بل وربما إذا نقلت بمعناها الحرفي لأفقدت النص أهم خصائصه، وفي بعض الحالات قد نجد المترجم يدرج الترجمة الأصلية للعنوان دون تصرف منه ثم يعمد إلى شرح معنى العنوان في حواشي الترجمة .
    إن العنوان - عنوان النص- هو " ثريا النص" ، وهو مكون أساسي لا يمكن التغاضي عنه لما له من قيمة دلالية فهو أول ما تصافحه عين المتلقي، بل وبات وضع العناوين علما مستقلا هو علم العنونة - غير علم الفهرسة- ، وفي نقد الترجمة ينظر إلى ترجمة العنوان كتجسيد كلي لمهارات وقدرات المترجم، ويلخص لنا مدى استيعابه للمضمون الكلي والمعاني الضمنية التي حواها النص، والتي على أساسها يقرر الاحتفاظ بالعنوان الأصلي أو التصرف فيه، والترجمة الصحيحة للعنوان لا تأتي من خلال العنوان الذي وضعه المؤلف وحده بل تتحقق من إلمام المترجم بكافة مضامين النص، وهذا ما يمكنه من انتخاب اللفظ المعبر المفعم بدلالات النص.
    العنوان الرئيسي: (ترجمان الأوجاع- Interpreter of Maladies)
    الكلمة الأولى (Interpreter) وهي تعني: مترجم، ومترجم فوري، ومتأول ، ومفتي، ومفسر، ولسان حال، وترجمان .... وإذا فاضلنا بين هذه الألفاظ وبعضها، لخلصنا إلى أن لفظي مترجم وترجمان هما الأقرب للدقة، فعند التناول المعجمي للمصدر " ترجمة" نجد أنها تقوم على الفعل ترجم - تَرْجَمَ: (فعل: رباعي لازم متعد بحرف). تَرْجَمْتُ، أُتَرْجِمُ، تَرْجِمْ، مصدر تَرْجَمَةٌ.، "تَرْجَمَ كِتَاباً": نَقَلَهُ مِنْ لُغَةٍ إِلَى أُخْرَى. "، ترجم : يقال: قد تَرْجَمَ كلامه، إذا فسَّره بلسان آخر، ومنه التَرجَمان، والجمع التراجم، ويقال تَرجُمانٌ ولك أن تضم التاء لضمَّة الجيم فتقول تُرْجُمانٌ
    لكن ما يسترعي انتباهنا هو اختيار المترجمة للفظ " ترجمان" بدلا من " مترجم" ، ورغم التطابق الظاهري بين اللفظين إلا أن هناك ثمة فوارق دلالية هامة يتجسد فيها الفارق بين المترجم والترجمان، فقد فرقت صنعة الترجمة بين المترجم والترجمان، وكان للعرب الريادة في ذلك فنرى حنين بن إسحاق و الجوهري و غيرهما قد ميزوا بين الترجمة التحريرية والشفوية ونجد هذا واضحاً في استخدامهما للفظي (مترجم) و (ترجمان)، على أساس أن اللفظ الأول يشير إلى الناقل كتابة، و يجمع على ( مترجمون). في حين يقصد باللفظ الثاني الناقل شفاهة و يجمع على (تراجمة)،
    إن جوهر عمل الترجمان يقوم على التواصل المباشر الحي المعبر عن كل التفاصيل، ورسالته التواصلية تتحقق من خلال أدوات تعبيرية متعددة. أما المترجم التحريري فعلاقاته بالنص علاقة جامدة يكتنف معظم أرجائها الغموض خاصة فيما يتعلق بالإحاطة بالملابسات والدلالات الضمنية مما يصعب مهمته ويفقدها حياة اللحظة التي يحظى بها الترجمان فهو يعيش الحدث ويستطيع التعبير عنه لأنه يعاصره، بخلاف المترجم التحريري.
    ووفقا لمحتوى المجموعة فإن المؤلفة قد سعت أن تجعل من نفسها ترجمانا ينقل للمتلقين رسالات شخصياتها بصورة نابضة، وسعت أيضاً أن تكسب عملية النقل الثقافي والشعوري لعملها كله بأنها عملية ترجمة حية لنماذج واقعية.، وهذا ما يجعلنا نقر بحسن انتخاب المترجمة للفظ المعبر بدقة عن ما قصدته المؤلفة، ومن جماليات اختيار لفظ " ترجمان" ما يتعلق بالأثر الصوتي للكلمة، فوزن الكلمة ونهايتها حمل إيحاءات تأخذنا نحو مشاعر الشجن والحزن وهذا يتفق في جملته مع المسارات الوجدانية التي حفلت بها المجموعة القصصية، وهذا ما يفتقره لفظ " مترجم".
    الكلمة الثانية في العنوان الأصلي هي " Maladies " وهي جمع للكلمة الانجليزية "’Malady" وهذه الكلمة من الكلمات المميزة في اللغة الانجليزية وتضرب بجذورها في المحتوى الفصيح القديم للغة الانجليزية، فأصلها يرجع للاتينية القديمة في التعبير " male habitus" بمعنى في حالة يرثى لها، وانتقل للفرنسية القديمة بذات المعنى ولكن الفرنسية اكتفت باستخدام اللفظة المنفردة " malade" لتستقيها انجليزية القرون الوسطى وتحولها إلى "malady"، وعند البحث في معناها العربي نجد أن القواميس والمعاجم الثنائية أوردت الألفاظ التالية كمعان للفظة الانجليزية: مرض, علة، داء، سقم، محنة، مصيبة، توعك، سوء، واعتلال.
    نلحظ أنه ليس من بينها ما يشير صراحة إلى " الوجع" ... وهذا يأخذنا لمعاجم العربية لنرى معنى كلمة وجع التي استقت منها المترجمة اللفظة الثانية في عنوان ترجمتها، فيذكر (لسان العرب): الوَجَع: اسم جامِعٌ لكل مَرَضٍ مُؤْلِمٍ، والجمع أَوْجاعٌ، وتَوَجَّعَ تَشَكَّى الوجَعَ. أما القاموس المحيط فيوضح أن الوَجَعُ: الوَجَعُ، محرَّكةً: المَرَضُ،ج: (أوجاعٌ ووِجاعٌ)، كجِبالٍ وأجْبالٍ، وضَرْبٌ وجيعٌ: مُوجِعٌ، وجاء في (الصّحّاح في اللغة) أن الوَجَعُ: المرضُ، والجمع أوْجاعٌ ووِجاعٌ. والإيجاعُ: الإيلامُ.
    هنا نجد أن المترجمة آثرت استخدام لفظ الأوجاع بدلا من الأسقام أو المحن أو المصائب وغيرها، فجاء اختيارها موفقا من الناحية اللغوية والدلالية ويعكس أيضا قراءتها المتعمقة لنصوص القصص، والتي من خلالها تبينت أن علة الشخصيات ليست أسقاما وأمراضا جسدية أو مادية بل هي خلاصات آلام يغلب عليها الجانب المعنوي، وأن هذه " الأوجاع" هي زبدة ما مرت به الشخصيات من تراكمات وجدانية وتجارب موجعة. أما من الناحية الدلالية نجد أن الوجع يمس مستويات أعمـق من تلك التي يصلها الألم، والألم ينتج عن مؤثر خارجي أو نتيجة لفعل الآخر، أما الوجع فيعبر عن ما يلحق بالمرء من قبل نفسه أو غيره، كذا فإن هناك مراعاة لأصالة الكلمة في لغتها الانجليزية الأصلية وقلة استخدامها فجاءت المترجمة بلفظ يكافئها رصانة ودلالة تاريخية..
    إن انتخاب جزء من العمل وتقديمه على غيره من الأجزاء حتى نصل به إلى موقع صدارة العنوان أمر معتاد في الأعمال الأدبية التي تضم نصوصا منفصلة، وقد اختارت المؤلفة إحدى عناوين قصصها التسع لتجعلها عنوانا للمجموعة كلها، لكن ما يميز هذا الاختيار ليس تميز القصة المختارة، وإنما جاء ليعبر عن مضمون مشترك تقاسمته كل القصص، وسعت كل الشخصيات من خلال الأحداث المختلفة للتعبير عنه، وهو الشعور بالوجع، سواء الوجع الداخلي الوجداني الذاتي أو الوجع الذي تفرضه الظروف المحيطة بالشخصية، فمن الشخصيات ما يعاني في علاقته بشريك حياته، ومنها ما يكابد المشكلات التي يفرضها عليه مجتمعة ويأمل في أن تتغير، ومنها ما يسعى جاهدا كي يجد لنفسه مكانا في هذا العالم، وجميعهم يتشاركون ألم البحث عن الهوية.
    إذا فاختيار العنوان جاء معبرا عن محتوى المجموعة كلها ويصلح أن يكون عنوانا داخليا لكل واحدة فيها، كما أن هذه العنوان يشير إلى الدور الذي اختارته المؤلفة لنفسها وهو أن تكون هي الترجمان المفسر والمعبر والناقل لأوجاع وآلام ومكابدة الشخصيات التي ذكرتها.
    التعديل الأخير تم بواسطة حسام الدين مصطفى; الساعة 08-03-2013, 11:49.
    حسام الدين مصطفى
    مترجم - باحث- كاتب
    رئيس جمعية المترجمين واللغويين المصريين
    رئيس المجلس التأسيسي للرابطة المصرية للمترجمين- المركز القومي للترجمة
    أمين عام المجلس التأسيسي لنقابة المترجمين المصريين
    www.hosameldin.org
    www.egytrans.org

    تعليق

    • حسام الدين مصطفى
      رئيس الجمعية المصرية للترجمة
      • 04-07-2007
      • 408

      #3
      1. A Temporary Matter شأن مؤقت
      تتخذ المؤلفة في هذه القصة موقع السارد لتحكي لنا عن العلاقة بين زوجين تجمدت علاقتهما وباتت تتآكل رويدا رويدا فصارت نهايات الأشياء أمرا معتادا حتى فيما يتعلق بظروف معيشتهما، حتى يصلهما اشعار أنه ولفترة مؤقتة محددة سيضطران للتواجد سويا في الظلام جراء انقطاع التيار الكهربي. هنا اختارت المؤلفة عنوانا معبرا عن مرحلة الصدق في حياة الزوجين وأنه لابد وأن يكون هناك جزء مفقود في مكونات التواصل بينهما، فالحقيقة بينهما لا تظهر إلا في ظلام ولن تستمر سوى أيام، وقد استطاعت المترجمة من خلال اختيارها لترجمة هذا العنوان أن تعكس ما عنته المؤلفة صاحبة النص الأصلي فيما يتعلق بتنكير الحدث والإيحاء بأنه أمر عارض مؤقت معتاد لا يرقى إلى درجة الحادثة ذات الوقع.

      2. When Mr. Pirzada Came to Dine عندما أتى السيد " برزادة" لتناول الطعام

      اختارت المترجمة إستراتيجية الاستبدال اللفظي المباشر في ترجمة هذا العنوان دون تصرف، والتزمت حد هذا الاستبدال، فألفاظ العنوان واضحة ومعبرة بصورة مباشرة عن قصد المؤلفة وغايتها، فتحكي لنا المؤلفة على لسان الصغيرة " ليلى"، عن زيارات السيد " بريزادة" المتكررة لمنزل الصغيرة، فهو يزور والديها كل ليلة طوال فصل الخريف ليأكل ويتابع أخبار الخرب الهندية الباكستانية ويجتر ذكرياته عن أسرته وبناته وانقطاع تواصله معهم، ومن خلال السرد تتضح لنا المعاناة المعقدة الناجمة عن الأوضاع السياسية، وقد ركزت المؤلفة على أن موعد زيارة السيد " بريزادة" كان بمثابة موعد انطلاق الضوء التنويري في عقل الصغيرة من خلال مقارنة عقلية وجدانية بين وضعها ووضع بنات السيد " بريزاد"، فلحظة الزيارة مهمة، والزائر مهم، وسبب الزيارة في رمزيته مهم، لذا كان من الصواب أن تأتي ترجمة هذا العنوان وفق ما أوردته المترجمة.

      4. A Real Durwan حارسة الحي
      تدور هذه القصة حول " بوري ما" المرأة المسنة يسمح لها سكان البناية بالبقاء فوق سطحها لقاء قيامها بكنس الدرج وتنظيف البناية، وتأخذنا لحياتها السابقة من خلال حكاياتها التي تقصها وهي تكنس درجات السلم، وتستمر حكاياتها المحفوفة بالتناقضات التي يتجاهلها السكان نظرا لما تحمله هذه الحكايات من تشويق ومتعة، وعلى جانب آخر هناك السيد " دلال" الذي يعمل على تحسين أوضاع بيته والبناية ايضا وبعده ينتهج باقي السكان نفس النهج، وفجأة تتحول " بوري ما" إلى متهمة بإهمال عملها والتواطؤ مع لصوص ويثر السكان على اتهامها رغم اعتراضاتها ونفيها متعللين بقصصها التي كانت ترويها، لينتهي بها الحالة مطرودة تلملم أسمالها التي ألقاها السكان في تعبير منهم عن عدم جدواها لهم وتجسيد لعدم اعترافهم بتقصيرهم وهروبهم من واقعهم ، وتعليق فشلهم على أنهم لم يوظفوا حارسا حقيقيا.
      إن كلمة " durwan " ليست كلمة انجليزية خالصة بل أصلها يرجع إلى اللغة الأوردية من كلمة " darvān " ومثيلتها الكلمة الهندية " darvān " وفيها تحوير صوتي لكلمة "door" الإنجليزية ومعنى هذه الكلمة في لغاتها الأصلية ( الحارس المقيم) أو ( من يتولى حراسة بناية ويقيم فيها ليل نهار). هنا لم تكن المترجمة في حاجة إلى استخدام كلمة " الحي" عند ترجمة العنوان، بل كان من الأوفق أن تأتي ترجمتها معبرة عن معنى الحراسة ومقرونة بما يوحي أن " " بوري ما" لم تكن في الأصل مستخدمة لدى السكان كحارسة لعقارهم، بل كان بينهم اتفاق ضمني يقوم على تبادل نفعي، تبذل فيه هي جهد العناية والتنظيف - لا الحراسة والحماية- لقاء سماحهم لها بالسكن فوق سطح البناية. لذا فإن الترجمة الصائبة الدقيقة هي " حارسة حقيقية"، فهي ترجمة موجزة معبرة تأخذ المتلقي إلى حيث أرادت المؤلفة، وتضعه أمام إشكالية خداع الذات وصدمة اكتشاف الحقيقة وثمنها.

      5. Sexy امرأة مثيرة
      استخدمت المؤلفة كلمة "Sexy" عنوانا لقصتها، ساعية للإشارة إلى دلالات مختلفة عند أشخاص مختلفة، فهذه الكلمة تخضع في دلالتها للتقييم الذاتي للمتحدث والمتلقي، وتمضي بنا المؤلفة مع الشخصية الرئيسية في القصة حتى تصل بنا إلى خاتمة تشعر فيها البطلة بالذنب وتقرر وضع حد لعلاقتها الآثمة...
      وكلمة " sexy" تشير دلالتها في لغتها الأصلية إلى الإثارة والرغبة والعلاقة الحميمية والمعاشرة والفتنة والشهوة..لكن اختيار المترجمة أن تترجم العنوان بجملة " امرأة مثيرة" يدفعنا للتساؤل حول أمرين:
      الأول: هل تحتاج اللغة العربية أن نستخدم كلمة " امرأة"؟ أم أنه كان يمكن الاكتفاء بكلمة "مثيرة" ففيها الإشارة الواضحة للأنثى وتغنينا عن استخدام كلمة امرأة.
      الثاني: إذا ما كانت المترجمة قد قررت التصرف في العنوان كي يتماشى مع مضمون القصة، فهل انصبت محاور القصة وأفكارها حول فتنة وإثارة البطلة؟ ألم يكن من الأوفق الانتباه إلى خاتمة القصة والتي نلحظ فيها شعور البطلة بالذنب؟.
      ربما كان من الأصوب أن تلزم المترجمة استخدام اللفظ الواحد فتترجمها إلى " المثيرة" أو ربما " الغانية" ولعل لفظ الغانية أوقع دلالة وأقرب إلى الصورة التي قصدتها المؤلفة، ويأخذنا إلى مساحات أوسع من التصورات التي تتخطي الصور الحسية التي يشكلها عنوان " امرأة مثيرة"... لعل ما دفع لغة المترجمة إلى السير بحذر في خضم ألفاظ هذه القصة تحديدا هو حياؤها اللغوي وحرصها على أن لا تضع بين يدي المتلقي ما قد يصدمه من تعبيرات فجة لا تخجل اللغة الانجليزية من استخدامها، ويمكن لقول أن المترجمة اضطرت للخروج من حدود الترجمة إلى ساحة التعريب.

      6. Mrs. Sen's منزل السيدة "سين"
      إن اختيار المترجمة أن تترجم العنوان بهذه الجملة هو اختيار موفق يكاد يقترب من توفيقها في ترجمة عنوان المجموعة، فرغم الصيغ المختصرة التي حواها العنوان الأصلي إلا أن المترجمة عمدت إلى الترجمة المباشرة، وبالنظر إلى محتوى القصة ذاتها نجد أن المؤلفة تأخذنا إلى حياة السيدة " سين" من خلال حكايات ترويها لطفل وتضعنا أمام صور للحياة التقليدية الهندية خاصة فيما يتعلق بتبعية المرأة لزوجها، وعاقبة الخروج عن دائرة الطاعة تلك. إننا هنا أمام شخصية أساسية كان لابد من اظهار اسمها في العنوان، وأمام مكون اجتماعي يتجسد في منزل الزوجية. لذا جاءت هذه الترجمة موفقة لا يشوبها خطأ الاستدلال أو غموض قراءة الأفكار الضمنية التي أوردتها المؤلفة في نصها الأصلي.

      7. This Blessed House ذلك المنزل المبارك
      تطرح المؤلفة مرة أخرى فكرتي الزواج والتواصل بين الزوجين في قصتها هذه، فمن خلال سردها لمواقف تتم بين زوجين اقترنا حديثا، موضحة تقاليد الزفاف واستمرار التأثر بالعادات القديمة، وتظهر لنا مغبة عدم التشارك بين الزوجين وفشلهما في أن يفهم كل منهما الآخر، وموضحة أن ما حفظ هذا الزواج في بدايته هو الالتزام بالتقاليد والقيم الدينية والأخلاقية الهندية، وقد ترجمت المترجمة هذا العنوان إلى (ذلك المنزل المبارك) وهي ترجمة جيدة ذات صيغة شاعرية، ربما لا يضاهيها جودة سوى أن تترجم إلى (المنزل المبارك) من باب أن اللغة العربية لغة إيجاز معبر تفتقده اللغة الانجليزية التي تحتاج إلى لفظ "This" لكي تحقق الإشارة والتخصيص، بينما يغني التعريف في اللغة العربية عن ذلك.

      وفيما يتعلق بقدرة المترجمة على نقل هذه الأفكار الأساسية ضمن صيغ وتراكيب عربية، فقد نجحت إلى بعيد أن ترسم صورا ذهنية مماثلة لما سعت المؤلفة لتكوينه في عقل المتلقي، وما نلمسه أنه وبرغم " الحياء اللغوي" الذي أشرنا إليه والذي غل يد المترجمة أن تستخدم تعبيرات فجة، إلا أنها استطاعت من خلال إيجاد مكافئات دلالية أن تعبر عن أحرج المواقف الوجدانية بصورة لم شبها أي غموض أو تشويه.
      حسام الدين مصطفى
      مترجم - باحث- كاتب
      رئيس جمعية المترجمين واللغويين المصريين
      رئيس المجلس التأسيسي للرابطة المصرية للمترجمين- المركز القومي للترجمة
      أمين عام المجلس التأسيسي لنقابة المترجمين المصريين
      www.hosameldin.org
      www.egytrans.org

      تعليق

      • منيره الفهري
        مدير عام. رئيس ملتقى الترجمة
        • 21-12-2010
        • 9870

        #4
        الدكتور حسام الدين مصطفى
        قرأت ما نشرتم هنا بتمعن كبير و بقيت أتأمل كل لفظ جاء هنا بالساعات تقريبا
        و كم تعلمت و كم استفدت من النقد و الموضوع المطروح
        و أنا أقرأ أيقنتُ كم هو عظيم أن يكون بيننا قامة كبيرة في الترجمة مثل حضرتك
        و كم هو دقيق علم الترجمة فيكفي أن نختار كلمة في غير موضعها ليضيع العمل و لا يؤدي المعنى
        مازلت أتفحص هذه المقالات القيمة و مازلت أتعلم
        شكرااا لحضوركم المثري دكتور
        بارك الله بكم و فيكم
        و جزاكم الله عنا كل الخير


        تعليق

        • منيره الفهري
          مدير عام. رئيس ملتقى الترجمة
          • 21-12-2010
          • 9870

          #5
          السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

          إخوتي الأعزاء ،


          سيكون لنا لقاء بعد الشهر الفضيل باذن الله.
          أتمنى لكم رمضانا مباركا سعيدا و صحة موفورة و سعادة و هناء.
          أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.
          أحبكم في للله

          تعليق

          يعمل...
          X